التنويريفكر وفلسفة

البناء الحجاجي في الدرس الفلسفي

استراتيجيات ديداكتيكية لتطوير البناء الحجاجي في الدرس الفلسفي

معلوم ومكتوب عن مشكلة الحجاج في الدرس الفلسفي المدرسي. ففضلا عن النقطة الضعيفة الممنوحة للحجاج، في سلم التنقيط، ثمة اختزال للحجاج وكأنه ليس إلا روابط لغوية، بل كاد أن يصبح المتعلم(ة) مجرد محصي لغوي، لا يعرف في الحجج إلا التأكيد والنفي… أو إن اجتهد بلغ وصف بعض الحجج (ميتا-حجاج) دون الدخول إلى جوهرها من حيث التأسيس والبناء والنقد… ولا يُلام المتعلم وحده، بل حتى بعض المدرسين؛ من جهة ضعف التكوين وقلة الندوات الجادة… لهذا سنحاول أن نلقي بعض الضوء على كيف يجب أن يحضر الحجاج في درسنا الفلسفي، منطلقين من بعض أعلامه ووصولا إلى تطبيقات من شأنها أن تعين المدرس(ة) والمتعلم(ة) على تحليل النصوص وبناء الحجاج ونقدها وبيان مغالطاتها ومن ثم تشييد الموقف الشخصي المبني.

1. المستوى النظري:

من أعلام الحجاج المعاصرون وإسهاماتهم الديداكتيكية، نجد: ١- شاييم بيرلمان الذي ميّز بيرلمان بين البرهنة المنطقية الصورية التي تبحث عن الصدق المطلق وتخاطب العقل التجريبي، وبين الحجاج الفلسفي الذي يسعى لإقناع جمهور كوني بما هو معقول. الحجاج، ديداكتيكيا، إذن ليس حسابا رياضيا حاسما، بل هو مرافعة عقلانية يستحضر فيها المتعلم اعتراضات الخصوم المفترضين ليكسب تأييد العقول المنصفة. ثم ٢- ستيفن تولمين (Stephen Toulmin) الذي فكك الحجة الفلسفية إلى خطاطة عملية تتجاوز القياس الأرسطي الجاف، وتتأسس على ثلاثة عناصر جوهرية، وهي: الدعوى/الأطروحة المراد إثباتها، والمعطيات/الواقعة المستند إليها، والضمانة المفهومية/الجسر التي تربط المعطى بالدعوى وتمنح الحجة مشروعيتها. يمنح هذا النموذج، ديداكتيكيا، التلميذ هيكلا واضحا يمنعه من تقديم أمثلة معزولة أو ادعاءات بلا تعليل مفاهيمي. أما ٣- جيلبير ديسليرس (Gilbert Dispaux) فقد ركز على أن التفلسف ليس مجرد بناء وإثبات، بل هو كشف القفزات المنطقية والمغالطات المضمرة في طروحات الخصوم.

يمكن توظيف ذلك ديداكتيكيا من خلال تدريب المتعلم في لحظة المناقشة والنقد على رصد الثغرات المنطقية لدى الفلاسفة أو الطروحات السائدة، بدلا من مكتفيات الرفض الانطباعي. بخصوص ٤- كريستيان بلانتان (Christian Plantin) فيرى بأن الحجة لا تظهر في الفراغ، بل تتشكل حركيتها داخل سؤال حجاجي متوتر يفرز موقفا وموقفا مضادا. من الناحية الديداكتيكية يمكن ربط الحجاج باللحظة الإشكالية الأولى؛ فالحجة هي وليدة معركة فكرية وسجال بين خيارات متناقضة. 

يعتبر ٥- ميشيل طوزي (Michel Tozzi) الحجاج أحد الأركان الثلاثة للتفلسف (الأشكلة، المفهمة، الحجاج)، وأكد أن الحجاج الفلسفي يمتاز بكونه حجاجا يمارس النقد والشك على ذاته. يمكن توظيف ذلك ديداكتيكيا من خلال بيان أن الحجاج ليس دغمائية دفاعية متعصبة، بل هو قدرة المتعلم على كشف حدود حجاجه واستحضار الاستثناءات والنتائج الصعبة المترتبة على موقفه. أما٦- جان برنار بيرنييه (Jean-Bernard Bernier) فقد أكد على أن الحجة الفلسفية هي بالأساس حجة مفهومية؛ إذ إن طريقة تعريف المفهوم وتحديد خصائصه هي الحجة الحاسمة التي تحول الرأي العامي إلى موقف فلسفي مؤسس. ديداكتيكيا يمكن الربط الجوهري بين القدرات الثلاث؛ فالمفهمة هي العصب الحيوي للحجاج، وضبط حدود المفهوم يشتغل كضمانة برهانية قاطعة.

2. المستوى التطبيقي:

لتجسيد هذه المرجعية النظرية داخل الفصل، يمكن أن نطبقها على نص إيمانويل كانط الشهير من كتاب «تأسيس متافيزيقا الأخلاق» حول كون الواجب الأخلاقي أمرا مطلقا صادرا عن العقل العملي الحاسم، ويرفض إرجاعه إلى المنفعة أو الشرط الاجتماعي أو السلطة الخارجية…

لنعتبر أن النص يقول: إن الواجب هو ضرورة إنجاز فعل احتراما للقانون الأخلاقي… والأمر الأخلاقي المطلق هو الذي يمثل الفعل بوصفه ضروريا في ذاته، ودون أي ربط بغاية أخرى أو منفعة مشروطة. إن الواجب لا يستمد قيمته الأخلاقية من القصد الذي يرمي إلى تحقيقه، ولا من السلطة التي تفرضه من الخارج كالمجتمع، بل من القاعدة التي يتقرر بموجبها. فالواجب أسمى من أن يكون مجرد امتثال لإكراهات المجتمع أو وسيلة لتحقيق السعادة الفردية.

التطبيق الإجرائي للأعلام الستة في تحليل النص الكانطي: 

١- البناء المفهومي والمواجهة الإشكالية [بيرنييه، بلانتان، وبيرلمان]: يبدأ التلميذ تحليله برصد الحركة الحجاجية عند كانط بوصفها نشاطا يتوجه به إلى جمهور كوني بتعبير بيرلمان؛ فكانط لا يخاطب مجتمعا بعينه ولا يستند إلى سلطة إكراه قانونية أو دينية، وإنما يراهن على أن أي ذهن منصف سيكتشف لمعقولية الموقف الأخلاقي أن الواجب المشروط بالمنفعة يفرغ الأخلاق من قيمتها النبيلة. ويتشكل هذا الخطاب داخل سؤال حجاجي متوتر بتعبير بلانتان يضع النص في قلب سجال غني، يمكن التعبير عنه بالسؤال التالي: هل الواجب الأخلاقي إكراه خارجي يفرضه المجتمع، أم التزام ذاتي ينبع من العقل العملي؟ ومن خلال هذا التقابل، يمارس كانط حجاجا مفهوميا بتعبير بيرنييه يجعل فيه من المفهمة حجة قاطعة؛ فهو لا يدافع عن موقفه بأساليب لغوية زينية، بل عبر إعادة بناء مفهوم الواجب وتخليصه من معنى الإكراه والتكليف الاجتماعي ليرفعه إلى مستوى الالتزام العقلاني الحر، فيكون التعريف ذاته هو الحجة المؤسسة للأطروحة.

٢- البنية الاستدلالية والدحض والتفكيك [تولمين، ديسليرس، وطوزي]: على مستوى البُنيان البرهاني، يُفصح النص عن بنية حجاجية ثلاثية متماسكة وفق نموذج تولمين: يستند كانط إلى معطى مشهود يكمن في نسبية المصالح وتغير إكراهات المجتمع، ليخلص إلى دعواه الصريحة بضرورة إطلاقية الواجب، مرتكزا على ضمانته المفهومية الحاسمة القائلة إن الإرادة العاقلة هي مصدر التشريع الذاتي. وبهذا المعمار البرهاني، يمارس كانط حجاجا تفكيكيا يُسقط به مغالطة الخصوم النفعيين والاجتماعيين كـ «دوركهايم» أو «هوبس» وفق منظور ديسليرس؛ إذ يكشف أن تأسيس الواجب على سلطة المجتمع يجعل الأخلاق نسبية ومتغيرة بتغير القوانين، وهو تناقض منطقي يفرغ مفهوم الواجب من دلالته الماهوية. وفي اللحظة ذاتها التي يؤسس فيها كانط أطروحته تتجلى فلسفية حجاجه في فحص حدود موقفه عبر ممارسة ذاتية النقد بتعبير طوزي؛ إذ يعترف ضمنيا بأن امتثال الإنسان الكامل للواجب المطلق دون شائبة من مصلحة خفية هو أمر شديد الصعوبة وعسير الإثبات الميداني، لكنه يصر عليه بوصفه أفقا عقليا ساميا يمنح الفعل الإنساني كرامته.

ولو شئنا كتابة فقرة جامعة، وعلى نحو يجمع مساهمات هؤلاء الأعلام، لقلنا: للدفاع عن أطروحته القائلة بأن الواجب التزام عقلي مطلق وليس إكراها مجتمعيا، يبني الكاتب (كانط) حجاجه وفق بناء استدلالي مترابط ومتماسك. فهو ينطلق من معطى واقعي يكمن في نسبية المصالح وتغير القوانين الاجتماعية، ليخلص إلى دعواه القاضية بإطلاقية الواجب الأخلاقي وحياديته عن المنفعة. وتتحدد القوة البرهانية للموقف في ضمانته المفهومية التي تُعيد بناء مفهوم الواجب؛ حيث يبرهن الكاتب أن الواجب الحقيقي هو الذي يمتثل فيه الفرد للقانون الأخلاقي الذي شرعه عقله بنفسه، لا ذلك الذي يُفرض عليه من سلطة المجتمع الخارجية.

ولم يتوقف البناء الحجاجي عند التأسيس، بل امتد إلى تفكيك مغالطة الطروحات النفعية والاجتماعية التي تخلط بين السلوك النافع والسلوك الأخلاقي، مبنيا أن ربط الواجب بالمجتمع يجعله عرضة للتغير والزوال. هكذا ينكشف الحجاج في النص كمعركة فكرية لإقناع العقل الكوني بمعقولية الحرية الأخلاقية، بعيدا عن مجرد استخدام التوكيدات اللفظية.

إن تدريب المتعلمين والمتعلمات على البناء و التحليل الحجاجيين ليس سهلا، نظرا لأن هناك إكراهات كثيرة لا ننكر ثقلها وصعوباتها، ولكن باستطاعتنا أن نحاول وبالتدريج وليس دفعة واحدة. ولا نقصد أعلاه أنه على المتعلم أن يحلل كل نص وفقا للأعلام السابقين جميعا، وإنما قصدنا أن نبين تنوع التحليل الحجاجي، وإمكان توظيف بعضهم لعلنا ننتقل من الإشارة من فوق إلى الحجاج (الميتا-حجاج) إلى تحليل الحجاج ذاته، ومحاولة بنائه وتأسيسه ونقده وكشف ثغراته وقفزاته

رحو اليوسفي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رحو اليوسفي

باحث مغربي وأستاذ للفلسفة بسلك التعـليم الثانوي التأهيلي.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى