البناء الإشكالي للموضوع بين التأسيس النظري والعمل الإجرائي
دليلك المنهجي لضبط الفروق الدقيقة بين النص والقولة والسؤال في الكتابة الفلسفية

- المستوى النظري: ما هو البناء الإشكالي في الكتابة الفلسفية؟ إن مطلب الفهم [الطرح الإشكالي للموضوع] في الكتابة الإنشائية هو لحظة ننطلق فيها لبناء الموضوع من حيث تشخيص المشكلة. لذلك فإن التأطير الإشكالي يجب أن يكون دقيقا وموجها، وإلا سيتحول التحليل والمناقشة إلى مجرد استظهار ومراكمة بلا معنى للمواقف/الأطاريح الفلسفية. من هنا تتجلى قيمة البناء الإشكالي في كونه ينقل المتعلم من حالة البداهة واليقين السطحي إلى حالة أخرى هي الشك وإعادة بناء ما يبدو يقينا وواضحا. ومعنى ذلك أن الإشكال هو الذي يعطي للمفاهيم معناها، وللحجج وظيفتها الدفاعية، ومن ثم للمواقف قدرتها على المحاججة والمحاكمة. فما هي المرجعيات الديداكتيكية المؤطرة للبناء الإشكالي؟ وكيف يمكننا الاستفادة منها وتدريب المتعلم على تشييد عقلية منهجية وفلسفية؟
لقد كان للتأطير الإشكالي حظه عند الديداكتيكيين والباحثين في تدريس الفلسفة، ويمكن توظيف تصوراتهم لترسيخ هذا الفعل داخل الفصل. ومن هؤلاء نجد ميشيل طوزي: يعتبر أن التفلسف يقوم على ثلاثية أساسية: الأشكلة/المفهمة/الحجاج. وتعد «الأشكلة» القاطرة الأساسية؛ لأن المتعلم لا يستطيع أن يفهم المفاهيم أو يزن الحجج ما لم يدرك أولا الإشكال/المشكلة التي جاءت هذه المفاهيم والحجج لحلها. ثانيا فرانس رولان التي تؤكد أن النص الفلسفي ليس مجرد تجميع لكلمات، بل هو«بنية حجاجية موجهة ضد خصم مضمر أو صريح. لذا فالبناء الإشكالي يقتضي استخراج هذه «المعركة الفكرية». وثالثهم هنري رويز الذي يذهب إلى أن القولة موقف مكثف، وبالتالي فإن أشكلتها تقتضي كشف ما تصرح به وما تحجبه أو تستبعده. وأخيرا جاك روشون الذي يشدد على أن السؤال الفلسفي الذي يضع المتعلم أمام مواجهة مباشرة مع المفارقة دون التستر وراء أطروحة جاهزة.
البناء المفهومي إذن لحظة مهمة وضرورية للتفلسف، إذ من خلالها نقارب الموضوع منهجيا، ونحلله ونناقشه بشكل منطقي، من حيث التماسك بين اللحظات الأربع في الكتابة (الفهم – التحليل – المناقشة – التركيب). ويكون المنتوج بالتالي متماسكا وثريا إذا كان المنطلق دقيقا وواضحا. والآن، كيف يمكن أن نكتب البناء الإشكالي لموضوع معين؟ وهل تسري على النص والقولة والسؤال نفس الطريقة في البناء الإشكالي، أم أن هناك اختلافات بينهم؟
الواقع أن هناك خلط كبير في البناء الإشكالي بين صيغة النص والقولة والسؤال، فثمة فروقا دقيقة سنوضحها أسفله. وهذا يعني أن جعل ذلك الثالوث (نص/قولة/سؤال) كشيء واحد لحظة التأطير الإشكالي، هو خطأ منهجي يجب تصحيحه. أجل، فرغم أن التقويم يطالب بالخطوات التمهيدية نفسها (تحديد الموضوع، صياغة المفارقة/تقابل/إحراج، وطرح الأسئلة)، إلا أن طبيعة المادة المكتوبة تفرض هندسة إشكالية مختلفة كليا لكل صيغة. إذن فما هو التمايز الديداكتيكي بين هذه الصيغ الثلاث؟
١-) البناء الإشكالي لصيغة النص الفلسفي: إن النص مادة غنية ومكتملة تتضمن أطروحة، ومفاهيم وبنية حجاجية. ويطرح النص «مشكلة جزئية دقيقة» (بؤرة متبلورة) تقطن داخل المحور العام (الذي يمثل القضية الكبرى، مثل قولنا محور المجتمع والواجب/قيمة الشخص…). ويمكن التعبير عن معادلة الإشكال بما يلي: أطروحة صاحب النص + موقف الخصم الضمني أو الصريح = الإشكال. أما طبيعة الأسئلة فهي: صياغة أسئلة تتبع الخيط الحجاجي والمفهومي الداخلي للنص، ثم فتح أفق الحدود والنقد. فكيف نعلم التلميذ(ة) بناء إشكال النص؟ نعتمد مع التلميذ تقنية التكبير وشبكة الأسئلة الثلاثية. كيف؟
- الخطوة [1] (الدوائر المتداخلة): نوضح له أن المجزوءة مثلا هي القارة، والمفهوم هو المدينة، والمحور هو الحي، أما «النص» فهو «البيت المفتوح» ذو العنوان المحدد. والخطأ الذي يقع فيه المدرس والمتعلم هو الزعم أن النص يجيب عن المحور، في حين أنه يجيب عن جزئية داخل المحور، وإلا لكان أي تقديم إشكالي يمكن أن يطبق على أي نص له علاقة بالمحور. والخطوة [2] هي (الأسئلة الثلاثة في المسودة): – ماذا يريد الكاتب أن يثبت؟ (الأطروحة) – من هو الخصم الذي يهاجمه الكاتب؟ (الرأي/الطرح المخالف) – ما هي الأزمة لو أخذنا برأي الخصم؟ (المفارقة).
٢-) البناء الإشكالي لصيغة القولة الفلسفية: القولة موقف مكثف ومباشر. تصرح بجانب واحد من الحقيقة وتلغي الأطراف الأخرى. القولة لا تتضمن حجاجا مفصلا، بل تشير إلى رأي «قطعي» (بؤرة مكثفة). ومعادلة الإشكال هنا هي: المنطوق الصريح المصرح به + المسكوت عنه والحدود المغفلة = الإشكال. أما طبيعة الأسئلة فهي: أسئلة تشرح الأطروحة المصرح بها، ثم تسائل المسكوت عنه وتكشف حدود الاختزال الوارد في القولة. فكيف نعلم التلميذ بناء إشكال القولة؟
نعلم التلميذ تقنية «المصرح به ضد المسكوت عنه»: من خلال هذه الأسئلة: ماذا تقول القولة بصريح العبارة؟ ثم نسأله السؤال الحاسم، ما الذي سكتت عنه القولة أو استبعدته؟ ثالثا، المفارقة تنشأ فورا من التوتر بين قوة الموقف المصرح به، والمخاطرة الجسيمة تكون بإهمال الجانب المسكوت عنه.
٣-) البناء الإشكالي لصيغة السؤال المفتوح: السؤال مادة مفتوحة لا تبدأ بأطروحة جاهزة، بل بـ علامة استفهام تضع الفكر أمام احتمالات متعددة (بؤرة معلقة ومفتوحة). وجدير بالإشارة أن أدوات الاستفهام الفلسفية متنوعة (هل، ما/ماذا، كيف، لماذا، بأي معنى، إلى أي حد…)، ولكل أداة وظيفة إبستمولوجية تفرض شكلا خاصا من المفارقة. مثلا:
× هل…؟ تفيد التخيير والتقابل المباشر. وتصاغ كما يلي: مفارقة بين إمكانين متقابلين يقعان على نفس الدرجة من القوة (نعم / لا).
× ما…؟ / ما الذي…؟ تفيد التحديد المفهومي الماهوي والتأسيسي. وتتمثل كيفية الصياغة في: مفارقة بين تعريف/معيار محدد وظاهر للمفهوم وبين معايير/أبعاد إشكالية أخرى تعارضه أو تستكمل نماءه.
× إلى أي حد…؟ تفيد النسبية والمشروطية. والصياغة تكون من خلال: مفارقة بين مجال صحة الطرح والنقطة التي يتوقف عندها هذا الطرح.
× بأي معنى…؟ تفيد التفاهم والمفهمة والتأويل. يتعلق الأمر هنا بمفارقة بين معنى سطحي شائع ومعنى فلسفي عميق ومأزوم.
× كيف…؟ تفيد الآلية والبناء والميكانيزم. يرتبط الأمر بمفارقة بين صعوبة/استحالة تحقق الشيء وآلية تجليه وإمكانيته.
× لماذا / لم…؟ تفيد التأسيس والعلل والغايات. وصياغة المفارقة هنا بين الأسباب النفعية السطحية والعلل الأخلاقية/الإبستمولوجية العميقة. فكيف نعلم التلميذ بناء إشكال السؤال؟
١- نعلمه ألا يقفز مباشرة لإعطاء الجواب؛
٢- تدريبه على تفكيك أداة الاستفهام نفسها والوقوف عند التقابل الذي تتيحه الأداة (سواء كان تقابل خيارات مع «هل»، أو تقابل ماهيات مع «ما»، أو تقابل حدود مع «إلى أي حد»).
٣- التنبيه إلى أن السؤال المفتوح يقتضي صياغة أسئلة متوازنة لا ترجح كفة موقف على آخر قبل التحليل.
- المستوى التطبيقي: نماذج من محور معايير علمية النظريات العلمية: وبعد هذا التنظير، يمكن أن نجسد ما سبق من خلال محور «معايير علمية النظريات العلمية»، المندرج ضمن مفهوم النظرية والتجربة، ضمن مجزوءة المعرفة/السنة الثانية بكالوريا. سنطبق الصيغ الثلاث على هذا المحور تحديدا، لإبراز كيفية صياغة التأطير الإشكالي وطرح الأسئلة بدقة وإجرائية غير نمطية:
١) نموذج النص الفلسفي: أشكلة نص كارل بوبر
مضمون النص: نص يهاجم العقلانية التقليدية والتجريبية الساذجة التي تعتمد على التأكيد الإيجابي والتراكم التجريبي، ويؤكد أن النظرية تكون علمية عندما تكون قابلة للتفنيد والتكذيب.
[التراكم التجريبي والإثبات {التحقق التجريبي}] – (المعركة النظرية) – [القابلية للتفنيد والتكذيب {أطروحة النص}]
للاستئناس، وتبسيطا، يمكن أن يكتب المتعلم(ة) مطلب الفهم/البناء الإشكالي قائلا: يتعلق النص قيد التحليل والمناقشة ضمن المجال الإشكالي لمجال المعرفة، وتحديدا بمفهوم النظرية والتجربة، متناولا القضية الإبستمولوجية المرتبطة بـ معايير علمية النظريات العلمية. وتتحدد المشكلة الخاصة بالنص في خوض الكاتب معركة إبستمولوجية ضد التصور التجريبي التراكمي الذي يربط صلاحية النظرية بكثرة الأمثلة المؤيدة والتحقق الإيجابي. وتتجلى المفارقة التي يثيرها النص في التوتر بين معيار الإثبات والتأكيد الساكن الموروث، ومعيار القابلية للتكذيب والتفنيد الذي يمثل قوة العلم وحركيته؛ ففي حين يسعى العلم التقليدي لتقوية وصيانة نظرياته عبر جمع المؤيدات الواقعية، يرى صاحب النص أن النظرية لا تكتسب علميتها إلا بقدرتها على وضع نفسها محط اختبار قد يثبت بطلانها. وتأسيسا على هذه المشكلة النظرية، يمكن صياغة الإشكال عبر الأسئلة التالية: ما المفاهيم الموجهة لبنية النص (النظرية، التحقق، التفنيد)؟ وكيف يدافع صاحب النص عن معيار القابلية للتكذيب في مواجهة النزعة التجريبية التراكمية؟ وإلى أي حد يمكن اعتبار معيار التفنيد البوبري كافيا لحسم علمية النظريات وتفسير تطور العلم؟ (لاحظ أن الأسئلة جاءت هكذا – ماذا يريد الكاتب أن يثبت؟ (الأطروحة). – من هو الخصم الذي يهاجمه الكاتب؟ (الرأي/الطرح المخالف). – ما هي الأزمة لو أخذنا برأي الخصم؟ (الحدود/المفارقة).
٢) نموذج القولة الفلسفية: «التجربة هي المعيار الوحيد الحاسم»
مضمون القولة: «إن التجربة هي المعيار الوحيد الحاسم الذي يقرر صدق نظرية علمية أو بطلانها».
[التجربة هي المعيار الوحيد الحاسم {المنطوق الصريح الحاد}] – (التوتر) – [المسكوت عنه: البناء العقلاني والرياضي {حدود القولة المغفلة}]
يمكن أن يكتب المتعلم(ة): تدفعنا القولة أعلاه لتحليل ومناقشة مجال معرفي، وتناول إشكال ابستمولوجي متعلق بـ معايير علمية النظريات العلمية. وتتميز القولة بـ أطروحة اختزالية حادة هي أن معيار علمية النظرية لا يكون كذلك إلا إذا تأسس على التجريبية الحسية وحدها، حاصرة الحسم في الاختبار الواقعي. وتكمن المفارقة الخاصة بالقولة في المواجهة بين منطوقها الصريح الذي يمنح الواقع التجريبي سلطة مطلقة ومطلقة الصلاحية، وبين المسكوت عنه المتمثل في الدور الفعال للبناء الرياضي والتماسك المنطقي الداخلي للنظرية؛ فإذا كانت التجربة هي المعيار «الوحيد»، كيف يمكن تفسير علمية نظريات الفيزياء المعاصرة التي تبنى في أروقة العقل والترييض التجريبي قبل أن تطأها أقدام التجربة الواقعية؟ بناء على هذا التوتر بين الصريح والمسكوت عنه، يطرح الإشكال التالي: ما معنى اعتبار التجربة المعيار الوحيد لعلمية النظريات؟ وكيف نتبين أبعاد الموقف التجريبي الحاد هذا؟ وهل يكفي الاحتكام للواقع الفعلي لحسم صدق النظرية، أم أن للتماسك المنطقي والبناء العقلاني الرياضي دورا لا يقل حسمية في منح النظرية صفتها العلمية؟ (لاحظ أنها أسئلة تشرح الأطروحة المصرح بها، ثم تسائل المسكوت عنه وتكشف حدود الاختزال الوارد في القولة).
٣) نموذج السؤال المفتوح: صيغتا «إلى أي حد» و«ما»: لإظهار ثراء صياغات الأسئلة المفتوحة، نستحضر نموذجين ينفذان لجوهر القضية: النموذج الأول بصيغة «إلى أي حد…؟»، والثاني بصيغة: «ما…؟»
النموذج الأول: «إلى أي حد يكفي التماسك المنطقي وحده لجعل النظرية علمية؟»
يمكن للمتعلم أن يكتب: يطرح السؤال المفتوح قيد التحليل والمناقشة قضية إبستمولوجية تنتمي لمجال المعرفة، خاصة مفهوم النظرية والتجربة، حيث تتقصى شروط ومعايير علمية النظريات العلمية. ويكشف الاستفهام بصيغة (إلى أي حد) عن مجال تحليل يرفض الوثوقية والإطلاق، ليتأسس على مفارقة المدى والحدود؛ فهو يستضمر من جهة أولى مجال صحة الطرح، حيث يعتبر التماسك المنطقي والبناء العقلاني الشارح شرطا أساسيا لبناء النظرية وعلميتها. لكن السؤال يضعنا من جهة ثانية أمام النقطة التي يتوقف عندها هذا المعيار؛ إذ إن الاقتصار على التماسك المنطقي قد يوقع النظرية في الصورية المفرطة التي تفصلها عن الواقع التطبيقي وعن معايير التجريب والتفنيد. وتأسيسا على هذا التنازع بين المدى والحدود، يمكن صياغة الإشكال عبر الأسئلة التالية: ما المقصود بالتماسك المنطقي وبكيفية بناء النظرية العلمية وفق هذا النسق العقلاني؟ وفي أي مدى يكون التماسك المنطقي معيارا صامدا ومقبولا لإثبات علمية النظريات؟ وعند أية نقطة تتهاوى كفاية المنطق وحده، لتظهر الحاجة إلى معايير أخرى كالتجريب الواقعي أو القابلية للتفنيد؟ (لاحظ أن السؤال المفتوح يقتضي صياغة أسئلة متوازنة لا ترجح كفة موقف على آخر قبل التحليل).
النموذج الثاني: «ما المعيار الحقيقي لبناء علمية النظرية العلمية؟»
يمكن أن يكتب المتعلم: يبدو أن السؤال يدور عامة حول المجال المعرفي الابستمولوجي ، وينفتح على مفهوم النظرية والتجربة للبحث في تحديد معيار علمية النظريات الفلسفية والعلمية. وتتولى أداة الاستفهام (ما) في هذا السياق مهمة التنقيب عن الماهية والتأسيس الجوهري، حيث تصدمنا بـ مفارقة التعدد والمعايير المتقاطعة. فالمعنى الشائع يميل إلى حصر «المعيار الحقيقي» في معيار أحادي حاسم (كالواقع التجريبي الحسي). بينما يكشف التفكيك الفلسفي أن معيار العلمية ليس مفهوما بسيطا ناجزا وجاهزا، بل يتوزع بين أطروحات تعطي الأولوية للتماسك العقلي الرياضي، وأخرى تشترط القابلية للتفنيد والتكذيب. بناء على هذه المفارقة، يمكن بلورة الإشكال في الأسئلة التالية: ما الذي يقصد بـ النظرية العلمية والمعيار؟ وهل يتأسس المعيار الحقيقي للعلمية على الحسم التجريبي الواقعي، أم على الاتساق العقلاني المنطقي، أم أن العلم المعاصر يفرض معيارا حركيا يتجلى في القابلية للتفنيد والتكذيب؟ (لاحظ أن السؤال المفتوح يقتضي صياغة أسئلة متوازنة لا ترجح كفة موقف على آخر قبل التحليل).
خلاصة: الفروق الجوهرية بين النص والقولة والسؤال في البناء الإشكالي
صفوة القول وتلخيصا للفروق الدقيقة بين الصيغ الثلاث، نقول: في النص الفلسفي إننا أمام بناء مكتمل الأركان ومجهز بأدواته الحجاجية والمفهومية؛ فالنص لا يطلب منك أن تخترع إشكاله من العدم، بل يطلب منك أن تنزل بمنظار المكبر على بؤرته الدقيقة لتستخرج منه المعركة النظرية التي خاضها صاحب النص ضد خصمه. المفارقة هنا هي مفارقة معركة فكرية واقعة بالفعل بين موقف مفصل صريح وموقف مخالف يهاجمه الكاتب أو يلمح إليه. وبالتالي تكون أسئلتك الموجهة للتحليل بمثابة خريطة تفكيكية تتبع خطوات النص خطوة بخطوة قبل أن تفتح باب النقد. أما في القولة الفلسفية، فالوضع يختلف تماما، فالقولة ليست نصا قصيرا كما يعتقد البعض، بل هي عبارة عن موقف حاد ومكثف يقف على قدم واحدة، يعلن حقيقة جازمة ويغلق الباب أمام بقية الاحتمالات. والبناء الإشكالي في القولة لا يستخرج معركة ممتدة وإنما يصنع توترا بين ما صرحت به القولة بصوت عال وما سكتت عنه وخشيته أو أهملته. المفارقة هنا هي الشعلة التي تتولد عندما نضع منطوق القولة أمام الجانب المخفي والمستبعد، وتأتي الأسئلة الشارحة لتفكك أولا هذا الموقف المصرح به ثم تساءل ذلك الجانب المسكوت عنه وكشف حدوده. وفي السؤال المفتوح، نجد أنفسنا أمام وضعية مختلفة كليا عن السابقتين؛ فالسؤال لا يمتلك أطروحة سابقة ولا يتستر خلف موقف جاهز، بل يلقي بنا مباشرة في مفترق طرق. البناء الإشكالي للسؤال يتحدد وينشأ من الوظيفة الإبستمولوجية لأداة الاستفهام ذاتها. فإذا كان السؤال يبتدئ بأداة تخيير، فإن المفارقة تنشأ من الاصطدام المتوازي بين احتمالين متساويين في القوة. وإذا كان يبتدئ بأداة تقيس المدى، فإن المفارقة تتجلى في المنطقة الفاصلة بين النقطة التي يصح فيها الطرح والنقطة التي يتوقف عندها ويرتطم بحدوده. وإذا يبتدئ بأداة تنقب عن الماهية، فإن المفارقة تتشكل من التوتر بين المعنى السطحي الشائع والمعنى الفلسفي المأزوم. ولذلك فإن الأسئلة التي نطرحها في السؤال المفتوح يجب أن تكون أسئلة متوازنة ومحايدة، تزن أطراف الإشكال دون أن ترجح كفة موقف على آخر قبل بدء التحليل والمناقشة.
وبعبارات مكثفة: إن النص يعطيك معركته جاهزة في أطروحه وحجاجه، والقولة تعطيك خيطا واحدا وعليك استدعاء الخيط الضائع، أما السؤال فيضعك أمام المفترق لتشيد الخريطة بنفسك من الصفر. فما قيمة وحدود هذه المساهمة؟
رحو اليوسفي
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




