أهمية المفهوم في العلوم الاسلامية
المنهج والمصطلح: دور المفاهيم في تأسيس المعرفة وضبط المنهج في التراث العربي الإسلامي

تقديم
ظل البحث في المفهوم من القضايا المركبة ومن المسائل المؤسسة للمسألة المنهجية في التراث العربي الإسلامي، فكان الضبط للمنهج والتحكم في عناصره والمعرفة بالمراحل التي قطعها هو المفتاح والسبيل في التحكم في المعرفة والتحقق من مقدماتها و مداخلها الأساسية ،ومن مكوناتها وفروعها الخادمة لها، لأن هذه المعرفة بالمفهوم تداولا واستعمالا ،ظلت من أبرز الأنساق المساهمة والفاعلة في تطور العلوم.
علما أن المسار التاريخي للعلوم عرف عدة محطات ومر بعدة تطورات ،مست جهة الموضوع والمنهج والمفاهيم والمصطلحات .
والمفهوم هو الأداة ،و السبيل الى الولوج الى الحقائق المشكلة للعلوم والمعارف ، وهو وسيلة لبلوغ الهدف، وتمثل القصد من القضايا المعرفية والعلمية.
أهمية المفهوم
بخصوص أهمية المفهوم فهو يجد اعتباره ،ويأخذ سنده في كونه أداة في تحقيق التواصل العلمي ،والوصول الى الفهم المشترك والجامع بين المتدخلين والمشتغلين والمهتمين بالحقول العلمية والمعرفية بمختلف أصنافها وشعبها .
في هذا السياق المتعلق بإشكالية المفهوم في العلوم ، نصرح بأنه لا تستقيم العلوم في موضوعها ،ولا تنضبط مصطلحاتها،ولا تغدو معارفها واضحة وجلية لمتلقيها والمشتغلين بها ،بدون وضوح وبيان لمصلحاتها ومفاهيمها المتداولة فيها.
وما نستند اليه في هذا الاختيار، هو أن لكل صناعة أو علم مصطلحاته ومفاهيمه ومعاجمه الخاصة به وقديما قال الجاحظ لكل علم كلماته.
وما يؤكد هذا ما قاله صاحب كتاب” كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم” الإمام التهانوي عندما صرح أن” لكل علم اصطلاحاته الخاصة به.
تحديد المفاهيم والمصطلحات
إن تحديد المفاهيم والمصطلحات التي تنتمي الى العلوم ،وما يتصل بها من علاقات وترابطات من حيث الموضوع والمنهج والمرجع ،يعد مطلبا علميا ،واختيارا منهجيا ،وعملا لازما وأحيانا لزما للباحث والمشتغل على القضايا والاشكاليات الحاضرة في العلوم الاسلامية عامة .
وهذا التحديد للمفاهيم والمصطلحات المتداولة في البحوث الأكاديمية يعد من ضمن المداخل الأولية ،ومن المقدمات الأساسية في البحث العلمي،بل هو المفتاح والسبيل في النجاح لكل بحث أو دراسة نظرية او ميدانية .
فمن المداخل الأولية في تأسيس العلوم ،و في اكتساب المعرفة وتحصيلها من مصادرها، هو ضرورة أن يتمكن الباحث والدراس من مصطلحات العلوم والتحقق من مفاهيمها ،والمعرفة بمعاجمها المودعة فيها والحاملة لها ، بحيث لكل علم مصطلحاته الخاصة به ،ولا علم بدون ضبط المصطلح .
على هذا الاعتبار كان لكل علم معاجمه المصطلحية الخاصة به ،”لأن المصطلح هو الأرضية الأساسية للاشتغال لكل باحث فلا يمكن فهم أي علم أو تفسير مقدماته ونتائجه ومداخله ،الا إذا عرفت مصطلحاته،وفي غياب هذه المعرفة ،يظل إدراك نسق العلو م والمعرفة بمرجعاتها ،يشكل عائقا معرفيا للباحث و المشتغل على مفاهيم العلوم في تطورها وامتدادها” .
ولأمر الصعب على العلم كما قال ابن حزم في مقدمة كتابه الاحكام في اصول الأحكام هو ايقاع الاسماء والمفاهيم على عير أسمائها .
المفاهيم في العلوم الاسلامية
كان تحديد وبيان المفاهيم المتداولة في العلوم الاسلامية والمستخدمة في نظمها المختلفة ،من التقاليد الراسخة، و من الأعمال الرائدة و الجهود المحمودة بين علماء الاسلام،لأن تحديد المفاهيم هو في الأصل تحديد للأرضية العلمية المشتركة والجامعة بين الباحثين والمشتغلين بقضايا العلوم الاسلامية.
ولقد أدركت العلوم الاسلامية بتعدد أنواعها واختلاف أنساقها أن المسألة المصطلحية والمفهومية ،إشكال عميق ومسألة دقيقة وأحيانا قضية مركبة ،تتشكل من عدة مستويات وتتفرع الى عدة عناصر ، وهي عادة ما تدرج ضمن الحرص السليم في اختيار المنهج السديد الموصل الى المعرفة الصحيحة ” لأن المصطلح يتعلق ” ماضيا بفهم الذات، وحاضرا بخطاب الذات ومستقبلا ببناء الذات “.
والاعتبار في هذا الاختيار أن السلامة في اختيار المنهج من شأنه أن يفضي الى السداد في ادراك النتائج والوصول
ولقد كانت مشكلة المنهج هي المشكل الاولى في العلوم التراثية ،ولا تستقيم هذه العلوم الا باستقامة المنهج “وبمقدار التفقه في المنهج ، والرشد في اختياره وطابه يكون النجاح والتوفيق في طلب العلوم.
وقد عبر القدماء أن الضرر الذي قد يلحق العلوم بصفة عامة ،إنما مرده الى عدم التحقق من المفهوم المتداول والمستعمل في ذلك العلم ، وهو المعنى الذي صرح به ابن حزم في أكثر من مناسبة بقوله : “فلا شيء أعون وأضر على ذلك .من تخليط الأسماء الواقعة على المعاني…”..
وقال في نفس المعنى “والاصل في كل بلاء وعماء وتخليط وفساد واختلاف الاسماء هو وقوع اسم واحد علة معاني كثيرة…”.
ولعل هذا المعطى المحدد في ضرورة التحقق من المفهوم هو الذي جعل أغلب العلوم الاسلامية تخصص مقدمات ،و كتبا خاصة للمفهوم والمصطلح المستعمل والمتداول في العلم الذي يشتعلون عليه.
فوضع الامام ابن فررك كتابا في المصطلح سماه الحدود في الاصول حققه الدكتور محمد السليماني وصدر عن دار الغرب الاسلامي.
وخصص به ابن حزم رسالة في المصطلح سماها في الألفاظ الدائرة بين المتناظرين ، وقال في شأنها ” : فلا ينبغي للعاقل،و أن لا يرضى لنفسه بكل كلام أداه إلى إبطال التفاهم ، فلأن ذلك خروج عن ثقاف العقل”…
ووضع الامام الباجي ت474ه كتاب في المصطلح سماه الحدودفي الأصول ،وهو يحمل مجموعة من التعريفات بالمصطلحات المستخدمة والمتداولة عند علماء أصول الفقه، شرح الإمام الباجي المفاهيم بطريقة مختصرة وموجزة وأحيانا أخرى مفصلة ، وثارة يسهب في الشرح وأحيانا يوجز، وقد ينقل تعريفات شيوخه أو أصحابه ثمَّ يتناولها بالنقد وبالمراجعة العلمية السليمة.
والمكتبة الاسلامية غنية بالمفاهيم والمصطلحات وهو ما اثبته الدكتور أحمد الشرقاوي اقبال في كتابه المشهور “معجم المعاجم” الذي صدر عن دار الغرب الاسلامي سنة :1993. وقد ضم هذا الكتاب عددا كبيرا من المصادر والكتب التي اشتغلت على المعجم في العلوم من حيث النشأة والتطور والامتداد.
وهناك اعتبار اخر كان يشدعلماء الاسلام الى العناية بالمعجم وهو عنايتهم بعلوم الفهم للوحي ،فأشرف العلوم هو العناية بالتلقي السليم للقرءان الكريم، وفهم معانيه ،واستخلاص أحكامه ومقاصده ،وضبط معجمه وكلماته المستعملة والمتداولة فيه ،لا يتم الا عبر الأخذ بمجموعة من الشروط، والتقيد بعدد من المقتضيات، والأخذ بعدد من الأصول الصانعة والمسددة لعلم التفسير ومنها ضبط الكلمات القرءانية والتحقق من المعجم القرءاني .
علم اصول الفقه والمفهوم
عني علماء الأصول بالمفهوم ومن أهم الكتب التي عنيت بالمصطلح:
-المستصفى لأبي حامد الغزالي ت505ه، والبرهان لإمام الحرمين ت478ه والعمد للقاضي عبد الجبارالهمداني ت415ه ،والمعتمد لأبي الحسين البصري ت(436هـ):”..
وكتاب الإحكام في أصول الأحكام ابن حزم الأندلسي ت 456ه، و إحكام في أصول الأحكام للإمام أبي الوليد الباجي الأندلسي ت474 ه.وتقريب الوصول لابن جزي الكلبي المالكي ت741ه.
انطلاقا مما سبق ندرك ومما حملته هذه المصنفات ندرك أن تحديد المفاهيم بين الاصوليين، كان من التقاليد الراسخة ، اذ تقرر بينهم أن لا علم بدون ضبط المصطلح.
تقرير
العناية بالمفهوم في العلوم يعني العناية بالمعجم ،وهو ما يؤكد هذا المعطى ان العلوم الاسلامية كانت تستحضر في مقدماتها خطاب المنهج بشكل كبير وتعده من المقدمات الاساسية في تحصيل المعرفة والتحقق من العلم .
وهو المعطى الذي جعل الكثير ينعتون الحضارة العربية الاسلامية بحضارة المنهج ،بحكم الموقع المهم الذي احتله المنهج في هذه الحضارة.
هذه الاعتبارات العلمية المشار اليها ،هي التي أملت على علماء الإسلام الاهتمام بالمصطلح في وقت مبكر، تأخذهم هذه القناعة وهي كون المصطلح من أبرز مكونات وتجليات المسالة المنهجية
محمد بنعمر
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






