التنويريسلايدرفكر وفلسفة

لكل عقلٍ مفتاح.. والحكمة أن تعرف أيَّ الأبواب تطرق

كيف تبني جسور الفهم مع الآخرين؟ قراءة في فقه العقول وفلسفة التواصل

فلسفة التواصل وفقه العقول

ليست الحكمة في امتلاك الحقيقة فحسب، بل في معرفة السبيل والمنهج للوصول بها إلى العقول؛ فكم من فكرة عظيمة لم تُرفض لبطلانها، وإنما لأنها قُدِّمت في غير زمانها، أو صيغت بغير لغتها، أو عُرِضت على عقول لم تُهيأ بعد لاستقبالها. لذلك، لم يكن التأثير في تاريخ الإنسانية رهين قوة الفكرة بمجردها، بل كان مرهونًا بقدرة صاحبها على فهم الطبيعة البشرية قبل محاورتها، وإدراك سمات المخاطَب قبل انتقاء الكلمات.

فالبشر ليسوا نسخًا متطابقة؛ لكلٍّ منهم خلفيته الثقافية، وبيئته، ومستواه التعليمي، وتجاربه الحياتية، بل وحتى حالته النفسية المتغيرة، والتي قد تجعل الكلمة الواحدة تبث فيه الأمل في يوم، وتثير سخطه وغضبه في يوم آخر. ومن ثمَّ، فإن مخاطبة الجميع بأسلوب نمطي واحد لا تعكس مساواة واعية، بل تجسد تجاهلاً لحقيقة إنسانية أصيلة: أن العقول تتباين، وأن الولوج إليها يتطلب مفاتيح متباينة.

إن المتحدث الذي يظن أن تعقيد عباراته دليل على عمق فكره، غالبًا ما ينتهي به الأمر إلى مخاطبة نفسه بدلاً من محاورة الآخرين. أما الحكيم، فيدرك تمامًا أن البلاغة لا تكمن في غموض الألفاظ، وإنما في وضوح المعاني، وأن أعظم الأفكار هي تلك التي تملك القدرة على النزول من أبراجها العاجية العالية لتسير بين العامة دون أن تفقد شيئاً من قيمتها؛ فليس الإنجاز الحقيقي أن ينبهر الناس بعلمك، بل أن يستفيدوا وينتفعوا به.

تأصيل الحكمة في الخطاب التربوي والقيادي

ولعل هذا المعنى هو ما اختصرته الحكمة الخالدة: «خاطبوا الناس على قدر عقولهم»؛ فهي ليست مجرد نصيحة عابرة في حسن الحديث، بل فلسفة متكاملة في فهم الطبيعة البشرية، وقاعدة راسخة في التربية، وأصل أصيل من أصول القيادة، وسر من أسرار نجاح المصلحين والعلماء عبر التاريخ. إن هذه القاعدة لا تعني مطلقاً تبدّل الحقيقة باختلاف الناس، وإنما تؤكد أن الحقيقة الثابتة تحتاج إلى أساليب متعددة لتبلغ غايتها؛ فالحكيم لا يساوم على مبادئه ولا يغيّرها، وإنما يحسن اختيار اللغة التي يفهمها مخاطبوه، وينتقي من الأمثلة ما يقرب الفكرة إلى أذهانهم، متدرجاً في تقديم المعرفة بما يراعي استعدادهم لاستيعابها. بناءً على ذلك، لا تُقاس قيمة الخطاب بثراء ألفاظه أو بوعورة مصطلحاته، وإنما بمدى قدرته على صناعة الفهم، وإيقاظ الوعي، وتنوير العقول.

ومن هنا، جسدت الرسالات السماوية نموذجاً خالداً في الحكمة التربوية؛ فلم يكن الأنبياء والرسل يخاطبون البشر بنبرة جامدة، ولا بأسلوب نمطي موحد، بل كانوا يراعون تباين البيئات، وتفاوت العقول، ومستويات الاستعداد. يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]؛ وهذه الآية لا تقف عند حدود لغة النطق الفصحى فحسب، بل تمتد لتشمل ضرورة أن يكون البيان قريباً من واقع الناس، ملتحماً بثقافتهم، ومتوافقاً مع طرائق تفكيرهم لتتحقق الغاية من الرسالة؛ فالهدف الأسمى من الخطاب ليس مجرد إلقاء القول، وإنما بلوغ الفهم الذي يثمر اقتناعاً، ثم يتحول الاقتناع إلى سلوك وعمل.

لأجل هذا أيضاً، جاء الأمر الإلهي حاسماً وواضحاً: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]؛ فالحكمة هنا لا تمثل زينة تجميلية للخطاب، وإنما هي منهجه الحركي وروحه النابضة. وهي تفرض على الداعية، والمعلم، والمصلح، إدراك أن البشر لا يتلقون المعارف بالطريقة نفسها، وأن الكلمة التي قد تحيي نفساً وتصلحها، قد لا تنفع أخرى إن لم تُقدَّم في قالبها الأسلوبي المناسب.

شريعة الأنبياء وتعدد أدوات البيان

وقد جسّد النبي محمد ﷺ هذا المنهج في سيرته العملية تجسيداً واقعياً؛ فكان يجيب السائل بما يناسب حاله، ويراعي ظروف مُخاطَبِه، وينتقي من جوامع الكلم ما يفتح مغاليق القلوب قبل العقول. ولم يكن ﷺ يرهق أصحابه بكثرة الموعظة، بل كان يتخولهم بها كراهة السآمة عليهم؛ إدراكاً منه بأن النفس إذا ملّت وكلّت، انصرف العقل عن الفهم والوعي. ولعل من أبلغ ما رُوي في هذا الباب المقاصدي ما قاله الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «ما أنت بمحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة»؛ وهي عبارة بليغة تختصر فلسفة كاملة في فقه التربية والتواصل؛ فالمعرفة التي تُساق دون مراعاة لاستعداد المتلقي قد تنحرف عن مسار الهداية لتصبح سبباً في الحيرة والالتباس.

وهذا المبدأ الإنساني الراسخ لا نجده في التراث الإسلامي فحسب، بل يتجلى بوضوح كذلك في الفكر والتعاليم المسيحية. فقد قال السيد المسيح لتلاميذه: «إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن» (يوحنا 16: 12)؛ ولم يكن هذا الموقف حجباً للحقيقة أو كتماناً لها، بل كان وعياً عميقاً بأن لكل معرفة أوانها، ولكل عقل طاقة استيعابية لا يتعداها. لأجل هذا، اتخذ المسيح من “المثل” أداة محورية في تعليمه؛ فحدث الناس عن الزارع، والكرمة، وحبة الخردل، والراعي الصالح، والابن الضال، مستدعياً صوراً حية من تفاصيل الحياة اليومية، لكونها أقرب إلى العقول البديهية من الأفكار الفلسفية المجردة، وأنفذ في غرس القيم داخل النفوس. وتأكيداً للمفهوم ذاته، جاء قول بولس الرسول: «سقيتكم لبنًا لا طعامًا، لأنكم لم تكونوا بعد تستطيعون» (1 كورنثوس 3: 2)، ليرسم صورة مجازية بديعة تلخص حتمية التدرج المعرفي تبعاً لنضج المتعلم.

ولو تأملنا هذه النماذج بوعي، لوجدنا أن الأنبياء لم يطوعوا الحقائق أو يحرفوها إرضاءً لأهواء الناس، وإنما تفننوا في تمهيد السبل الموصلة إليها. فالرسالة ظلت واحدة وثابتة في جوهرها، بينما تعددت أدوات إبلاغها بتعدد البيئات، وتباين الثقافات، وتفاوت مدارك الوعي. وهذا التوازن هو عين الحكمة وسنامها: أن تثبت راسخاً على المبدأ، وأن تملك مرونة فائقة في الأسلوب؛ فالحق لا يحتاج إلى تبديل، لكنه يفتقر دائماً إلى حسن البيان، والبيان لا يستقيم إلا بمعرفة الطبيعة الإنسانية. 

شهادة العلوم الحديثة وأزمة الواقع المعاصر

وإذا كانت الرسالات السماوية قد أرست هذا المبدأ منذ قرون، فإن ذلك يكشف عن حقيقة عميقة: نجاح أي رسالة لا يتوقف على صدق مضمونها وحده، بل يعتمد كذلك على حكمة تقديمها؛ فالإنسان لا يتعامل مع الكلمات بوصفها ألفاظًا مجردة، بل يفسرها في ضوء معارفه السابقة، وخبراته، وبيئته، وقدرته على الاستيعاب. ومن هنا، لم يكن اختلاف الأساليب يوماً ضعفًا في الرسالة، بل كان دليلاً على فهمٍ عميق لطبيعة النفس البشرية.

واليوم، تأتي العلوم الحديثة لتؤكد ما أدركته الرسالات السماوية؛ فمناهج التربية الحديثة تتحدث عن “الفروق الفردية”، وعلم النفس يبين اختلاف “أنماط التفكير”، وعلوم الاتصال تؤكد أن نجاح الرسالة مرهون بمعرفة “الجمهور المستهدف” قبل صياغة الخطاب. بناءً على ذلك، لم يعد المعلم الناجح هو من يكتنز أكبر قدر من المعلومات، وإنما من يملك مهارة تقديمها بطريقة تناسب طلابه. وينطبق هذا المبدأ على الطبيب، والقاضي، والإعلامي، والمدير، والأب والأم؛ فنجاح هؤلاء جميعاً لا يُقاس بحجم ما يملكونه من معرفة، بل بقدرتهم الفائقة على ترجمة تلك المعرفة إلى خطاب يفهمه من يقف أمامهم.

ولعل أكثر ما يفتقده عالمنا المعاصر هو هذه الحكمة التواصليّة؛ فقد أصبح كثير من الناس يتحدثون ليُظهروا حجم ما يعرفون، لا ليصلوا إلى عقول من يسمعون، وتحولت الحوارات إلى ساحات للاستعراض الفكري، لا إلى جسور للفهم المتبادل. وربما لهذا السبب تحديداً تكثر الخصومات، ويقل التفاهم؛ لأن كل طرف بات يخاطب الآخر بلغته هو وبما يناسب هواه، لا باللغة التي يستطيع الطرف الآخر أن يفهمها ويستوعبها. 

ميزان الاحترام ومسؤولية الكلمة

    إن احترام عقول الناس لا يعني أبداً التقليل من شأنهم، ولا يفرض تبسيط الحقائق إلى حد تشويهها، كما لا يعني مجاملة العوام على حساب المبادئ الثابتة؛ وإنما يعني تزويد كل إنسان بالمفتاح الذي يفتح له مغاليق الفهم؛ فالطفل يحتاج إلى قصة تشويقية، والطالب إلى شرح مبسط، والباحث إلى برهان علمي، والعامة إلى لغة واضحة، والمتخصص إلى تحليل عميق. وهذه التباينات ليست تفاوتاً في قيمة الإنسان ومكانته، وإنما هي اختلافات فطرية في طرائق التعلم وآليات الإدراك.

    لقد أدرك الأنبياء والحكماء من بعدهم أن الكلمة ليست مجرد صوت عابر يخرج من الفم، بل هي مسؤولية كبرى تلج إلى العقل، ولها القدرة على بناء الإنسان أو هدمه. ومن هنا، غدت الحكمة أعظم من البلاغة المجردة، وأصبح حسن البيان أسمى من كثرة الكلام، وبات التأثير الحقيقي أعمق أثراً من مجرد الإقناع المؤقت.

    إن العالم اليوم لا يفتقر إلى مزيد من الأصوات المرتفعة، بل يتطلع إلى عقول واعية تعرف كيف تخاطب العقول؛ فحين نوقن أن لكل إنسان طريقته الخاصة في الفهم، سنكتشف أن حواراتنا ستغدو أكثر هدوءاً، وتعليمنا أكثر نجاحاً، ودعوتنا أكثر أثراً، وعلاقاتنا الإنسانية أكثر نضجاً واستقراراً.

    وهكذا، تظل الحكمة التي لخصتها العبارة الخالدة «خاطبوا الناس على قدر عقولهم» بمثابة منهج تربوي متكامل، وأساس متين في القيادة، وقانون صارم من قوانين التواصل الإنساني؛ فالكلمة لا تبلغ قيمتها الحقيقية بمجرد نطقها، وإنما حين تُفهم وتستوعب، ولا ينجح الخطاب بعلو الصوت أو بزخم المعلومات، بل بقدرته الفائقة على أن يجد لكل عقلٍ مفتاحه، ولكل قلبٍ مدخله، ولكل إنسان السبيل الذي يقوده نحو الحقيقة.

    أ.د. هاني جرجس عياد


    اكتشاف المزيد من التنويري

    اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

    هاني جرجس عياد

    أ.د. هاني جرجس عياد، من مواليد عام 1974م في محافظة الغربية بمصر. حصل على درجة الليسانس في عام 1997 بتقدير عام جيد جدًا، وعلى درجة الماجستير في عام 2001 بتقدير عام ممتاز، ثم نال درجة الدكتوراة في عام 2007 بمرتبة الشرف الأولى. يعمل أستاذًا لعلم الاجتماع بقسم العلوم السياسية بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة الإسلامية بمنيسوتا، وخبيرًا في علم الاجتماع بمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة مجلس الوزراء المصري، إلى جانب كونه أستاذ علم الاجتماع بقسم الاجتماعيات بكلية العلوم الإنسانية بجامعة أكاديميون العالمية، ورئيس مركز خدمة المجتمع والتعليم المستمر بأكاديمية لندن للتعليم والتدريب. هو حاصل على رخصة مدرب معتمد واستشاري إدارة أعمال معتمد، وقد شغل سابقًا عدة مناصب أكاديمية بارزة شملت منصب عميد كلية العلوم السياسية بجامعة سليمان الدولية، ونائب رئيس الجامعة للدراسات العليا والبحث العلمي بنفس الجامعة، ورئيس قسم علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالجامعة الأفروآسيوية. مُنح وسام التميز العلمي من جامعة الأمم المتحدة، وفاز بالمركز الأول في أوسكار المبدعين العرب لفرع أفضل كتاب منشور للموسم الثقافي 2023 – 2024. له العديد من الكتب ونشر العديد من الأوراق العلمية والبحثية في مجلات ومؤتمرات دولية عديدة، كما يعمل كمحكم علمي في عدد من المجلات العلمية المحكمة المعتمدة، وشارك في العديد من المؤتمرات والندوات وورش العمل على الصعيدين المحلي والدولي.

    مقالات ذات صلة

    اترك رد

    زر الذهاب إلى الأعلى