هل يمكنك القيام بعدَّة مهام بكفاءة؟

هناك اعتقاد سائد بأنه عندما نقوم بمهام متعددة، فإننا في الواقع نقوم بأمرين في وقت واحد، مما يضاعف من كفاءتنا الإنتاجية. لكن الحقيقة العلمية هي أننا لسنا كذلك، فنحن نحول انتباهنا بين المهام، وفي كل مرة نقوم فيها بالتبديل، ندفع الثمن على المستوى العصبي والاستقلابي وكفاءة الإنجاز. ومثل العديد من التحيزات المعرفية لدينا، أو ذاكرتنا غير الموضوعية، أو العمليات اللاواعية التي تشكل سلوكنا، فإن حدسنا العام حول نجاحنا في القيام بمهام متعددة في آن معاً ليس حكماً دقيقاً على مدى نجاحنا في التبديل والتنقل بين المهام.

تعدُّد المهام

غالباً ما نبهر بما يمكن للأشخاص المشغولين بإفراط إنجازه. وبالنسبة للعديد من الأشخاص، فإن القدرة على ضغط المزيد من المهام في يوم واحد من خلال مضاعفتها هي مصدر فخر. لكن الدراسات أظهرت أن الأشخاص الذين يقومون بمهام متعددة في كثير من الأحيان، والذين يعتبرون أنفسهم متميزين في ذلك بشكل خاص، هم في الواقع أسوأ في القيام بها من بقيتنا نحن البشر الاعتياديين.

ما لا نعرفه حتى الآن هو هل تعدد المهام يفضي إلى زيادة القابلية للإلهاء ونقص القدرة على التحكم في انتباهك، أم أن الأشخاص الأكثر تشتتاً هم أكثر عرضة لقضاء الوقت في محاولة القيام بأمرين في وقت واحد؟

والأشخاص الذين يبلغون عن قدرتهم على القيام بمهام متعددة في كثير من الأحيان، والذين يعتقدون أنهم بارعون بشكل خاص في ذلك من المرجح أيضاً أن يكونوا مندفعين، ويتم تصنيفهم على أنهم من نموذج الأشخاص الذين يخوضون في المزيد من المخاطر للحصول على تجارب جديدة ومكثفة. لذلك، قد يكون من الصحيح النظر إلى أن الأشخاص الذين لديهم فترات انتباه أقصر ينجذبون نحو تعدد المهام.

ولكن بغض النظر عما سلف، فإن التوافر المتزايد للوسائط التقانية المتعددة في متناول أيدينا لن يؤدي إلا إلى تفاقم هذه المشكلة. فكلما استسلم الأشخاص للإغراءات المتزايدة للقيام بمهام متعددة، زادت احتمالية رؤيتنا لآثار سلبية على قدرتهم على التركيز على المهام الصعبة.

بالنسبة لكثير من الأفراد، المشكلة الأكبر ليست فقط أننا نجد صعوبة في مقاومة إغراء الترفيه عن أنفسنا أثناء وقوفنا في إشارة المرور أو السير على طول الشارع، إذ تكمن المشكلة الحقة في كم الطلبات المطلوبة منا يومياً بشكل يناسب جدول العمل المزدحم ووقت العائلة والأصدقاء، وكلها في يوم قصير لا يترك لنا سوى القليل من الفرص لقضاء قدر كبير من الوقت في أي مهمة بشكل شافٍ في كثير من الأحايين.

تعدد المهام، في العالم الحقيقي، لا يتعلق فقط بالاستماع إلى الموسيقى أثناء عملنا في المشروع الذي ننكب عليه؛ بل هو ما يطلبه المجتمع منا، حيث أصبح من السهل الاتصال بنا وتواصلنا مع الآخرين، ومقاطعة ما نحن منكبون عليه. والحقيقة في واقع العالم المعاصر تتمثل بأنه لا يمكننا تجنب ذلك النمط الحياتي المشتت للانتباه والتركيز في كل الأوقات. لكن في كثير من الأحيان نسمح بأنفسنا لكل هذه المطالب بإلهائنا عن الأنشطة المهمة التي تتطلب أقصى قدر من التركيز، تاركين وراءنا سلسلة من المشاريع غير المكتملة والأحلام التي لم تتحقق.

أدمغتنا وتعدد المهام

قدرات أدمغتنا هي حاصل تراكم العادات والأنماط والخبرات في نسيجها العصبي؛ أي إذا فعلت الشيء نفسه مراراً وتكراراً، فإن شبكات الخلايا العصبية التي تشارك في هذه المهمة تترسخ عضوياً في بنيان الدماغ وتتعزز وتشتغل عصبياً وكهربائياً بكفاءة أكبر. هذا يعني أنه في المرة القادمة التي تقوم فيها بالشيء نفسه، سيكون نشاط عقلك أكثر دقة قليلاً. ولكن من الصعب أيضاً اتخاذ مسار مختلف بعد تكرار المهمة لعشرات أو مئات المرات، وهنا يتم تخليق العادة والنمط السلوكي.

عندما تقوم بمهام متعددة، فإن دماغك لا يعرف بالضرورة قيمة المهمة بالنسبة لكينونتك. والدماغ يصبح كسول مجازياً؛ إذ سوف ينجذب نحو المسار الأسهل. لذلك، إذا كنت تقوم بمهمتين، إحداهما متأصلة أكثر عبر التكرار، مثل تصفح هاتفك الجوال بشكل تلقائي كل بضع دقائق، فإنك سوف تجد عقلك ينجرف إلى تلك المهمة بدلاً من الاجتهاد لتخليق ارتباطات عصبية على شكل شبكات ومسارات عصبية مستحدثة في سياق الاجتهاد والتركيز في مهمة جديدة غير مألوفة من قبل.

إذا كنت تقوم بمهام متعددة أثناء محاولتك أيضاً تعلم شيء جديد، فأنت بذلك تنشئ سياقاً محدداً يدونه دماغك، وتشوش ما يجب على الدماغ القيام به إذ أنه من الناحية العصبية المحضة فإن الدماغ لا يعرف أن النشاط العصبي المتعلق بالموضوع الهامشي ليس جزءاً مهماً من صلب المهمة الجديدة وما يتطلب منك تعلمه.

على سبيل المثال، إذا كنت تستمع إلى الموسيقى أثناء الدراسة، فإن دماغك ينشئ روابط بين الموسيقى وما تقوم به من تفكير عقلي فيما تدرسه. وعندما يحين الوقت لاسترداد المعلومات التي كنت تحاول تعلمها، فبدون الموسيقى، قد يكون من الصعب عليك توجيه دماغك في المسار الصحيح. لكن قم بتشغيل الموسيقى مرة أخرى، فقد تجد أنها تثير بعض التذكر بصورة أفضل من دونها، وهو على الأرجح ليس ما كنت تقصده في المقام الأول حينما طفقت بالدراسة والاستماع إلى الموسيقى في آن معاً.

ولكن ربما يكون الأمر الأكثر خطورة هو الوهم الذي تتعلمه بينما في الواقع لا تتعلمه. فوفقاً لخلاصة الأبحاث العلمية في هذا الميدان، فإن الانخراط في أنشطة ممتعة يجعلك تشعر بالراحة في الوقت الحالي، لكنه من المحتمل أن يقلل من احتمالية أن تقوم بالعمل الشاق المطلوب منك بكفاءة، والمتمثل في التعلم من خلال الانخراط بعمق في المحتوى والاشتباك مع كل تفاصليه وحيثياته الدقيقة.

نعم بعض المهام ليست ممتعة دائماً، ولا يعني جعلها ممتعة عن طريق الإلهاء أنك تنجز ما كنت تخطط للقيام به، حتى لو، بنهاية حلقة البرنامج التلفزيوني، قمت بشق طريقك إلى نهاية فصل في كتابك الدراسي الذي تنكب عليه، وأنت تتابع بين الفينة والأخرى التلفاز وما يعرض على شاشته.

ومع ذلك، أظهرت دراسة أن الاستماع إلى الموسيقى غير المعقدة لحنياً أو إيقاعياً ودون أي غناء مصاحب لها زاد من التحفيز العصبي لدى الطلاب وأدى إلى أداء أفضل في مجموعة من المهام المعرفية مثل التحصيل العلمي. لكن التحفيز العصبي لا يساعد إلا إذا كانت المهمة المثيرة لا تتداخل مع التعلم ولا تتضمن التشارك في نفس العمليات المعرفية والعصبية في الدماغ بشكل تتداخل فيه المهمة مع ما يتم استخدامه للترفيه عنك عصبياً في الدماغ.

يُعدّ تعدُّد المهام أمراً مجزياً لأننا عموماً نستمتع بواحدة على الأقل من المهام، ونقلل من الجوانب السلبية للآخر. لذا، فإن التجربة الإجمالية إيجابية. بعد ذلك، عندما نواجه المهمة السلبية فقط، نتذكر الأوقات الجيدة لتعدد المهام ونواجه صعوبة في الحفاظ على تركيزنا دون الانزلاق إلى فخ تعدد المهام.

ولإعادة التوضيح حول لماذا لا يمكننا فعل مهمتين في وقت واحد، فالحقيقة أننا إذا كنا نستخدم جهودنا الواعية لتحقيق مهمتين في آن معاً، فلا يمكننا من الناحية العصبية فعلاً القيام بأكثر من مهمة واحدة في كل مرة، وبدلاً من القيام بأمرين يتطلبان جهداً عقلياً واعياً في نفس الوقت، فإننا نقوم بواحدة من المهمتين ثم ننتقل إلى الأخرى بشكل سريع في بعض الأحيان يبدو فيه لمن يقوم بالمهمتين كما لو أنه يؤديهما في نفس الوقت بينما هو في واقع الأمر يتنقل بينهما بسرعة.

التبديل والتنقل الخاطف بين المهام

هناك عدد لا حصر له تقريباً من الطرق المختلفة التي يمكننا من خلالها القيام بتعدد المهام، وسيكون لكل مهمة فرعية توقيع عصبي مختلف في نشاط الدماغ الكهربائي، لذا فإن جمع تلك المهمات معاً سيُظهر أيضاً أنماطاً مختلفة من تنشيط الدماغ كهربائياً.

لاحظ أننا ابتعدنا عن وجهة النظر القائلة بأن المهمة الواحدة تنشط منطقة دماغية واحدة، فنحن نتحدث عن شبكات تشمل عدة مناطق تشريحية الدماغ، حيث أن التوصيف السالف يتطابق بدقة أكبر مع ما لاحظناه خلال دراسات التصوير العصبي، إذ تتفاعل العديد من المناطق التشريحية الدماغية المختلفة لإنجاز مهمة معينة، وقد تتضمن إحدى المهام مناطق اللغة والقشرة البصرية بينما قد تتطلب مهمة أخرى معالجة بصرية ونشاطاً حركياً.

وكلما كانت المهمة أكثر تعقيداً، بشكل عام، كلما زاد التنشيط الذي نراه في تلك الشبكة العصبية المرافقة لأداء تلك المهمة التي قد تشمل العديد من المناطق التشريحية في الدماغ. وتتطلب المهمة الأكثر صعوبة مزيداً من الاهتمام، مما يترك قدراً أقل من الاهتمام المتاح للمهام الأخرى أي كلما زاد التنشيط العصبي أثناء أداء مهمة ما، قل ما يمكن إعادة توجيهه من مصادر وطاقات عصبية إلى مهمة أخرى.

وكلما زاد التداخل بين النشاطين، من حيث نمط تحفيزهما العصبي، كلما زاد التداخل الذي نلاحظه بين مهمة والأخرى الموازية لها، وكلما كان الأداء ضعيفاً في إحدى المهمتين أو كليهما.

وحتى لو تجاهلنا الموارد العصبية المنخفضة التي يمكننا صرفها على كل مهمة، فإننا ندفع ثمناً عصبياً في كل مرة نحول فيها انتباهنا من مهمة إلى أخرى. في بعض الأحيان يكون الثمن بسيطاً ويمكننا إعادة تبئير انتباهنا بسهولة إلى حد ما. وفي كثير من الأحيان، في الواقع، نكون سريعين جداً في إجراء التبديل. لكن في بعض الأحيان تكون التكلفة العصبية أكبر مما نعتقد، فبدلاً من تكلفة التبديل السريع بصرف طاقة مهدورة لا يستفيد الدماغ منها، ندفع ثمناً عصبياً فريداً لخلط المهمتين المعرفيتين، يدعى تكلفة الخلط.

وتكلفة الخلط هي مقياس لمدى تداخل المهمة السابقة مع المهمة الحالية من الناحية العصبية والطاقية، من قبيل إذا كنت تقوم بالتبديل بين التحقق من البريد الإلكتروني وإعداد عرض تقديمي، فقد تكون تكلفة الخلط باهظة الثمن من زاوية مستوى وكفاءة الإنتاج، حيث تستمر في التفكير في رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بك حتى على الرغم من أنك يجب أن تفكر في محتوى العرض التقديمي الذي تنكب عليه. وفي الحقيقة في الكثير من تفاصيل حيواتنا اليومية نقع في فخ إضاعة الكثير من الوقت على مهمة غير جوهرية، ثم نخصص وقتاً أقل لفعل المهمة الجوهرية التي كان من المفترض أن نقوم بها.

ويمكننا استخلاص ثلاث استنتاجات عامة من الدراسات التي طلب فيها علماء وظائف الدماغ من المشاركين التبديل بين المهام وقياس مقدار التداخل الذي حدث من مهمة واحدة على الأخرى:

-كلما كانت المهمتان أكثر تشابهاً – أي كلما زاد تداخلهما فيما يتعلق بالعمليات المعرفية والعصبية والعقلية اللتين يتشاركان فيها – كلما زاد تعطيلهما لبعضهما البعض.

-يكون تقسيم الانتباه والتنقل الخاطف بين مهمتين أقل فعالية عندما تكون إحدى المهمتين أو كلتيهما صعبة.

-يكاد يكون من المستحيل تقريباً القيام بأمرين في وقت واحد عندما تتطلب كلتا المهمتين انتباه العقل الواعي واستخدام قدرات القشرة الدماغية الجبهية المسؤولة عن التحليل والاستنتاج والاستنباط المنطقي واتخاذ القرارات.

ويمكننا التفكير في تنشيط الدماغ لإعطائنا بعض الدلائل حول الأسباب المستبطنة التي أدت لتلك الاستخلاصات الآنفة الذكر، إذ غالباً ما يؤدي تعلم مهمة معقدة إلى تجنيد شبكة عصبية أكبر لمواجهة ذاك التعقيد، والتدريب يجعل هذه الشبكة أكثر كفاءة، مما يتطلب تنشيطاً أقل لإنجاز المهمة نفسها لاحقاً. لذلك، إذا كنت تتعلم، فأنت بحاجة إلى تخصيص المزيد من الموارد العصبية للمهمة التي تتعلمها للمرة الأولى، مما يترك عدداً أقل من الموارد المتاحة لأشياء أخرى.

يمكن لهذه المبادئ الثلاثة أن تفسر لماذا يبدو الحال ظاهرياً بأننا قادرون على القيام بأكثر من شيء واحد في وقت واحد مع الممارسة، وهو ما يحدث عندما تمارس مهارة ما بشكل كافٍ، بحيث لم تعد تتطلب التفكير الواعي وتصبح سهلة، مما يجعل المزيد من الموارد المعرفية والعصبية والعقلية متاحة لك من أجل أنواع أخرى من التفكير والاجتهاد العقلي.

ودائماً طريقة مزج المهام الخاصة بك هي أيضاً عامل من العوامل. من الأسهل الانتقال من مهمة لا تجيدها جيداً إلى مهمة تقوم بها بشكل جيد أكثر من العكس. لهذا السبب ينصحنا الكثير من المعلمين بمعالجة المهام الصعبة أولاً. إذ من الأسهل الانتقال من المهمة الصعبة الأقل شيوعاً إلى المهام الاعتيادية الأكثر شيوعاً. وكمثال على ذلك فبعد ساعة من التحقق من البريد الإلكتروني أو ما كان على شاكلته، وهو ما نجيده جميعاً الآن، قد يصبح من الصعب جداً عليك الجلوس للاجتهاد وتعلم مجموعة من المعارف الجديدة التي لم يسبق لك التعرف عليها من قبل.

والمهام الاعتيادية مثل التحقق من البريد الإلكتروني، والتي تتكون بالفعل من العديد من المهام القصيرة، تستنزف عقولنا أكثر مما نعتقد، إذ أن اتخاذ القرارات بصدد ما يتوجب فعله بخصوص كل رسالة بريد الكتروني نستعرضها أمر مرهق من الناحية العقلية والعصبية ومستنزف لموارد الطاقة في الدماغ. فمثلاً بعد اتخاذ مجموعة من القرارات الهامشية، مثل الرد على الفور أو حفظ البريد الإلكتروني حتى وقت لاحق، يصبح لدينا عدد أقل من الموارد المعرفية والطاقية المتاحة لتقييم إيجابيات وسلبيات القرارات الأكثر أهمية التي يتوجب اتخاذها فيما تبقى من الوقت خلال يوم العمل. ويسمي علماء وظائف الدماغ هذا القرار بالإرهاق الدماغي التشويشي.

فوائد تعدد المهام

لفترة طويلة، حذر علماء وظائف الدماغ الآباء من تعليم الأطفال الصغار أكثر من لغة واحدة، خوفاً من أن يصاب الأطفال بالارتباك. وهناك دليل على أن الأطفال الذين يتحدثون لغتين يستغرقون وقتاً أطول لتطوير ثروة مفرداتهم باللغتين بالمقارنة مع أقرانهم أحاديي اللغة.

ولكن يبدو أن هناك فائدة غير متوقعة من ثنائية اللغة تتمثل في تحسين القدرة على تعدد المهام. نظراً لأن الأطفال الذين يكبرون ويتحدثون لغتين يجب أن يتعلموا التبديل بين اللغتين في وقت مبكر، ولذلك فإن أدمغتهم تنتظم عصبياً بشكل مختلف، ويبدو أنهم يظهرون أداءً تنفيذياً أفضل بشكل ملحوظ في مجمل المهارات العقلية والحركية، في المتوسط​​ الإجمالي، من الأطفال أحاديي اللغة.

من الممكن أن يؤدي الاضطرار إلى وضع كلمات متعددة لنفس المفهوم في العقل في وقت واحد إلى تدريب وظائف الذاكرة العاملة عند الطفل ثنائي اللغة. في الواقع، نرى فوائد الذاكرة العاملة لدى ثنائيي اللغة، إذ معظمهم يؤدون بشكل أفضل في اختبارات الذاكرة العاملة اللفظية والبصرية المكانية. وأيضاً يجب على الأطفال الذين يتحدثون لغتين أن يتعلموا منع اقتحام الكلمات من اللغة الخاطئة إلى سياق حديثهم، لذلك يطورون مهارات التثبيط والضبط العصبي والسلوكي التي تعد أحد مفاتيح النجاح في تبديل المهام، وفي كل تفاصيل الحياة اليومية عموماً.

تظهر هذه الفوائد بشكل خاص في الأطفال القادمين من أسر اجتماعية واقتصادية منخفضة. والعديد من العائلات المهاجرة تبدأ فقيرة في بلد جديد. ولذلك يجب إعادة النظر في الأسطورة السياسية والغير أخلاقية والسائدة في بعض دول العالم الغربي، والقائلة بأن الأطفال الذين يولدون في هذه العائلات يجب أن يتعلموا فقط لغة بلدهم الجديد.

هناك كم كبير من الدراسات لتعلم المهارات التي تُظهر أن الممارسة المركزة، أي القيام بنفس الشيء عدة مرات بشكل متواصل، ليست فعالة مثل تقسيم الممارسة والتدريب إلى جلسات عبر فترة زمنية. حتى في جلسة التدريب الواحدة، يكون ممارسة نفس الشيء مراراً وتكراراً أقل كفاءة من إدخال أكثر من ممارسة مع بعضها البعض، من قبيل ممارسة الشيء مرة أو مرتين، ثم ممارسة شيء مختلف أو مهارة مختلفة، ثم إعادة الكرة بالتنقل بين ما يتم التدرب عليه في حقول معرفية متعددة.

وهنا يطرح السؤال التالي نفسه: هل يمكن للتدريب أن يحسن القدرة على تعدد المهام؟ والجواب المختصر على ذلك هو: نعم، على الرغم من أن مجرد القيام بمهام متعددة بحد ذاته قد لا يوفر بذلك، إذ أنك بحاجة إلى استراتيجية لكيفية تحسين أدائك في تعدد المهام. عادة، تتمثل تلك الاستراتيجية في ممارسة كل مهمة بمفردها وإتقانها، قبل تجميع تلك المهمات معاً.

تُظهر دراسات تصوير الدماغ لهذا النوع من التدريب متعدد المهام بأن الشبكات العصبية المعنية في الدماغ أصبحت أكثر كفاءة، ونلاحظ أيضاً زيادة في سرعة المعالجة في قشرة الفص الجبهي المسؤول عن التحليل والاستنتاج والاستنباط، مما يؤكد هذه الزيادة في الكفاءة.

ولكن لا بد من الإشارة إلى أن نهج تعدد المهام بالطريقة التي يقوم بها معظم الأشخاص ممثلاً بالتخفيف من الطبيعة المملة لمهمة صعبة مستجدة نواجهها بإدخال قدر أكبر من الترفيه المحفز من خلال مهمة مرافقة لابد أن يقلل من مستوى أدائنا وتعلمنا للمهمة الصعبة.

______
*تعريب فريق دار الأكاديمية للطباعة والنشر والتوزيع لملخص محاضرة قدمها الطبيب مصعب قاسم عزاوي باللغة الإنجليزية في مركز دار الأكاديمية الثقافي في لندن.

جديدنا