الواقع والحلم في كتاب “ما يفوق الواقع”

   غلاف يحمل لوحة فنية لسجين مقيد اليدين يضم لصدره طفلة ويغلب عليه الألوان القاتمة بدون الاشارة لمن تعود اللوحة، مع نص على الغلاف الأخير يعطي بالنص المنتقى فكرة عن الكتاب والآفاق التي يحلق بها، فكانت بدايتي مع كتاب “ما يفوق الواقع” والذي صنف تحت بند الشعر للأستاذ بسام سعيد عرار، والذي شرفني باهدائي الكتاب بكلمات جميلة، وعنوان يشير أن نصوص الكتاب مختلفة عن الواقع فهي تبحث عما هو وراء الواقع، والكتاب من منشورات دار ورد الأردنية للنشر والتوزيع وقدمت له الأديبة الجزائرية شهرزاد المسعودي، ومقدمة بقلم المؤلف واهداء شمل القراء والأصدقاء والأبناء والأحفاد، وسبعة وستون نصاً إنثالت في صفحات الكتاب التي بلغت مائة وستون صفحة من القطع المتوسط، ومن خلال تجوال دقيق بين دفتي الكتاب عبر جهد أخذ مساحة كبيرة من الوقت وجدت أن الكتاب يدور بشكل خاص حول ثلاثة محاور رئيسة هي: الفلسفة الحياتية، الأحاسيس والمشاعر، البحث عن الحقيقة، وتحت هذه المحاور نجد محاور فرعية مهمة سعيت بقرائتي للكتاب لتبيانها ومن ثم الحديث عن وجهة نظري بالكتاب.

الفلسفة الحياتية: منذ بداية الكتاب نجد الكاتب يبحث في فلسفة حياتية من جوانب عدة، ففي نص البداية “خوابي الجعاب” نجد الشاعر يجول في فلسفتة الحياتية المستمدة من تجاربه وتجواله كما كل فلسطيني لا يعرف الاستقرار طالما أنه بعيد عن وطنه، يبدأها بالقول: “الجعاب تكتنز بلا نهاية، زاد الروح الآخر المديد”، لنجد النص على مساحة صفحتين يبحث في اطار هذه الفكرة، فهو يبحث عن زاد الروح وقلب نقي وعقل من نور والسمو بسماواته وبذور الجنان وفنارات مراسي السلامة والطروس التي لم تقرأ بعد، وعن أقلام تمتح وحروف تعتمل وطلع سامقات الثمر وانتظار القطاف وتبدد العادات والمفاهيم الصدئة، وغيرها الكثير في النص الذي ينهيه بالقول: “الجعاب ملأى حافلة بلا عدد، تنتشي وتنثال لمن يحث الخطا ويتزود، يواعد السناء والبهاء”، وهذه دعوة للجميع للبحث عن الحقيقة فالحقيقة بحث في الوجود.

وهذا النص “خوابي الجعاب” بحد ذاته لخص فكرة الكتاب بأكملها فأصبحت النصوص الأخرى تبحث بشكل مفصل عما ورد في هذا النص، ففي نصه “هو القلم” يتحدث بالتفصيل عن دور القلم في نص طويل من صفحتين ويقول فيه بعض من وصف القلم “الحاضر بين الشك واليقين” بينما في النص الأول ذكره بالقول “أقلام تمتح وحروف تعتمل”، وينهي النص المطول بالقول: “زاد مداده، القلب والفكر والروح والعلم”، بينما في نصه “تباينات” يؤمن بالقوة للتغيير فيقول: “الحائط مسدود، تفتحه سواعد الحق، مخضبة بالضياء والندى”، بينما في نصه “متاهات مقفرة” يرسم الواقع المؤلم فيقول: “انسانية مهدورة ثكلى، تستدعي وتناشد، الحضور والإرث الإنساني الممتد”، وأما في نصه “مدارات عُمر” فهو يتحدث عن مسار مدارات العمر فهي “مدارات عمر تتوالى” لينهي النص بالقول: “ذاكرة تتسرب لهذا وذاك، تذكره بكل جميل”، وأيضا أهمس لشاعرنا أن الذاكرة حين تتسرب قد تذكرنا بكل ما هو مؤلم أيضا.

وهكذا نرى أن الفلسفة الحياتية تحضر بصور مختلفة في غالبية النصوص فنراه في نص “أحمال واحتمالات” بعد وصف الواقع والحال حيث “قد ضاق الخناق” يقول: “ثمة زمن مائز صعب، يحمل بالضرورة آفاقا ورجاء، يستدعي الفرص والحلول، كي يفوق واقعه للذي سوف يجيء”، ونرى ذلك أيضا في نص “جسر الطفولة” حين يهمس: “يظل الضياء وللمؤمنين البشارة، للطفولة جسر التواصل”، وكذلك في نص “المدى الموهوم”

الأحاسيس والمشاعر: وهذه المسألة أخذت مساحة جيدة في الكتاب، ففي نص “غياب موصول” تحدث عن لوعة الغياب والغائب فقال: “أيها الغائب وفراقك موصول، تبقى حبة القلب، ما دامت في القلب دقة”، وتتجلى هذه الأحاسيس والمشاعر  في نص “منحنيات التعاقب والدوران” حيث يقول: “أين أنتِ مني؟؟ من إلاك يضمني وأضمه، حد الالتحام  والإنصهار، كلينا في واحد”، وتتألق مشاعره في نصه “أسافر إليك..” في نهاية النص بالقول: “أسافر منك ومني.. دربي طويل، في جعبتي كنوز دفينة، حبة قلب.. إرهاصات فكر، بذرة في العمق تتفتق نماءً وضياء”، بينما في نصه “إيقاع آخر” تتجلى المشاعر بقوله: “لنعيد ايقاعات الفضاءات الجميلة، وقع من حركية نسماتها وورودها، حيث سنكون صيرورة بهاء، نحاكي الشموس والمدى البسام”.

   ويواصل الشاعر التعبير عن أحاسيسه بين جنبات الكتاب ففي نصه “استجابة” يقول: “لن آتيك على فرس أبيض، (كما في الحكايات)، ولكن على فرس تحمل بقايا حلم، أترفق به عندما تدلهم الخطوب، ولن أترجل”، وأعتقد أن هناك خطأ طباعي في كلمة “به” فالفرس مؤنث ولذا الأجدر قول “بها”، ولكن في هذا النص نجد ممازجة بين المرأة والوطن، ومن العام إلى الخاص والعام في آن في نصه “الأم الأبقى” حين يقول: “ومن مثلها الأم تَحمل وتَحتمِل، في الواقع والخيال”، ويقارن بين الطفولة البريئة في مراحل زمنية مضت والحال الآن في نصه “مآلات الطفولة” فيقول: “جدران سميكة، تحول بين براعم الطفولة ونسماتها، بهارج وأبراج تتطاول، مدفوعة الثمن، على حساب مسخ الطفولة والبراءة”، وفي نصه “ملاذات” يتجه اتجاه آخر مرتبط بما يراه بالواقع المعاش بقوله: “محصنات الذوات والأنفس، صحائف بيضاء، طهرا ونقاء”، ويتحدث في نصه “إدخار مشاعل عشق” عن الحياة الزوجية القائمة “على الاحترام والوئام” فيقول: “بياض أحلام وأماني، بلون الشمس وعبق النور، سلالات من الفرح، تنتشي للفجر وتتألق”، وهذا الموضوع نجده في نصوص أخرى مثل “مليحتي الأبهى” و نص “فيوض زرع” ونص “إلى عناق” ونص “امرأة تتحفز”، بينما في نصه “عقم وترقب” يتحدث عن حلم ولادة الابن فيقول: “يترقب وليد بكري ذات فجر، يأتي ويكبر.. بين كفيه، وهج ضياء.. ضحكة حياة.. دفء عطاء” وكذلك في نص “آيتان وجنتان”.

   ولعل الغياب والتجوال المستمر في حياة الشاعر ترك أثره في نصه “بقايانا” بعد الحديث عن بيوت عز مهجورة فيقول بالنص: “بقايانا أيها الطالع منا وفينا، تبقى لا تنفصم عراها”، وكذلك في نص “بين البدء والمنتهى” حين يقول: “مساكن طيور المهاجر صارت خرائب، قلب معّنى من عذابات الفراق”، وكذلك في نص “موعد عشق وشوق” حين يقول: “الدروب قاحلة والضفاف خاوية، إلا من نشوزٍ وتوحش ووحشة”، بينما في نصه “الأثر السرمدي” يقول: “ويبقى الأثر الطيب هو الإرث الحقيقي، عبر الأزمان وعبر الحياة”، وتفاوتت الأحاسيس والمشاعر في نصوص أخرى مثل “ذات دمعة” و”من جانب واحد” ونص “أطوار لقاء” ونص “ملامح زهرة” ونص “أطوار ظلامية” ونص “بين الموئل والمدى” حيث يقول: “جسر وصال ممتد، يحمل خوابي الزمان وشواهد المكان”.

   ومن ضمن الأحاسيس والمشاعر نجد الشاعر يحلق في نصوص صوفية ومنها نص “سمو الطالع والطلائع” في مديح الرسول الأعظم حين يقول: “دروب السداد والصلاح أنت ضياؤها الوهاج، أبواب الخير لا تقفل بيديك طهر وعطاء ونماء”، وأيضا نصه “بياض المدى” حين يقول: “تستقي من مناهل علوية، تأتي من سماوات الطهر والنقاء”، وهذا ما نراه أيضا في نص “مشهد جديد”، بينما في نصه “المطلق والحال” نجده يخاطب الخالق عز وجل ليوجهه للحقيقة بقوله: “يكتنف الغموض مساراتي، إلا منك أيها المطلق الأعلى، فإلى متى أكون؟”.

  لينقلنا إلى أبعاد قومية ووطنية في نص “الشام” فيقول: شآم موطن النور والطهر والجمال، نفح إيمان وريحان”، ومنها للقدس في نصه “القدس” فيقول: “يا قدس..، حزينة أنت ليس منك، ولكن بحجم خراب الروح الإنسانية تهجرك”، ومن ثم تأتي القدس من جديد في نصه “هنا القدس” فيقول: “هنا العنوان.. هنا القدس، جرح عتيق غائر، شوق مقيم، عشق بلا نهاية، بقايا حلم مباح”، ويواصل الحديث عن القدس في نص “تجليات مقدسية” بقوله: “في القدس، شواهد مائلة متفردة، روحانية شفيفة، مدارات حياة، تراتيل سماوية”، ومخاطبة للوطن في نصه “هو الآتي” حين يقول: “آتون يا وطني طالعون، نزداد من تقاسيمك المعجزات”،  وفي نص “المنافح الحر” حين يقول عن الأسير: “يهزم عوالم عبثية السجان، يكسر قيود الجور والأغلال”، وفي نصوص أخرى مثل نص “رسالة حمامة الميدان”، وفي نص “مداد وبشارة” ونص “متن أرض” ونص “خطاب مفتوح” ونص “هدية على الدرب”.

البحث عن الحقيقة: من ضمن ما تضمنه الكتاب وهي نظرة للبحث عن مشكلات المجتمع وما يوده من مشكلات وهذا نراه بوضوح في نص “التردي والأمداء” حيث يقول في النص “أبعاد الحكاية لم تكتمل، أزمات تترى تبحث عن حلول، حواجز رعناء تقطع روافد الحياة، حتى طفح الكيل”، فالكاتب يريد وكما أوضح في نهاية النص بالقول: “ازدهار كيان من جديد، عمقا.. أفقا.. نماء.. طهر السماء..”، ويواصل الكاتب دوره بالبحث عن الحقيقة حيث نراه في نصه “سحر الواقع” حين يقول: “أين منا أداة تنقيب، خارطة طريق لسحر الواقع، كي نستدل على مارد المصباح فينا”، وفي نصه “الماكث والنابض” يقول: “الساكن والمتحرك، ذات بينهما، شيء من هذا يعانق ذاك” وفي نفس النص يقول: “من يكسر حدة هذا العقم؟”.

  بينما نرى الكاتب في نصه “انزياح مائز” يواصل بحثه رغم كل ما يحيط به من عتمة فيقول: “شاخصة الدروب تئن وتتضور، تضيع الملامح تحت وطئة الألوان الباهتة، معابر النور تتوق لألوان لرؤى الباهرة”، وفي نصه “تداعيات” يصف دوره بالقول: “توق طائر محلق يجوب الفضاءات، ينفض عن جناحيه أعباء ثقيلة، باحث اجتهد كي يحل المعضلات العميقة”، بينما في نصه “تباينات” نرى السؤال العميق: “البحر الذي يتخلى عن ماهيته، ماذا تسميه الكائنات والأسرار”، وهذا ما نراه في رحلة البحث في نصه “عُصارة نور” بقوله: “بأصابع من نور، يتلمس آفاق حلم مباح، يستنطق المستحيل المتاح”.

   وتتواصل رحلة البحث فنراه في نصه “عوائق وشواغر” فيقول: “أين من مآلات النجاة والعلياء، ايجاد العلاجات الشفيفة الشافية”؛ وينهي النص بقوله: “أسباب النهوض ومعطيات التحديات الفائقة”، ومن وجهة نظره يرى بالغروب بداية جديدة بنصه “غروب زاخر” وهو من النصوص القصيرة والمكثفة لغويا فيقول: “زاخرة لحظة الغروب الأولى، تمضي على دروب الشمس لا تتوقف، تحمل ارث الزمان والمكان” حتى يصل للقول: “تطل على البشرية ديمومة بقاء، تتسربل بالصفاء والمحبة، نصرة للنور يشق ظلمات الحياة”، وكذلك في نصه “بالمقلوب” حين يقول: “تظل الحقيقة وتتكشف، بين المبتدأ والخبر اليقين، تعيد صياغة السؤال والحال”، وكذلك تتكرر رحلة البحث في نصوصه “معابر التوازن” و”المتلون الأسود الهدام” و”دورة وهيئات” و”قحط وخصب” و”إلى أصحاب الزيف والتنكر” ونص “قاع الجحود” ونص “سواكن حنايا فارقة”، وفي نص “قرائن الأسئلة” وفي نص “جائحات وحيوات” حيث يتحدث عن الأوبئة والأمراض التي ظهرت فكانت: “جائحات لها ما بعدها، في معطيات الزمان والمكان”.

   من البدايات حتى وصلت النهاية شعرت بأن المؤلف خرج عن أطر القوالب المعهودة بكتابة النص الشعري من حيث الشكل والأسلوب والمساحات التي امتازت بطول معظم النصوص، فنجد أن الشاعر قد خرج عن المعايير المعروفة لشعر التفعيلة والقوالب المعروفة، متنقلا في فضاءات مختلفة من الفلسفة الحياتية والأحاسيس والمشاعر والبحث عن الحقيقة الغائبة، ولعل ذلك ناتج عن تجربة طويلة في الحياة والتنقل المستمر للعمل في دول عدة، ولعل هذه التجارب الحياتية وعدم الاستقرار لعبت دورها بالتأثير على هذا الكتاب، كما رأيت أنه انزاح بقوة من فضاء الشعر إلى شواطئ النثر، بحيث رأيت في معظم النصوص سرديات مازجت بين الشعر والنثر وإن صنفت تحت اطار الشعر، فكان هذا الكتاب فضاء خاص بالشاعر بسام سعيد عرار عبر فيه عن فلسفته ورؤياه للواقع وما وراء الواقع، عبرت فيه النصوص عن التأثيرات النفسية على روحه والتي انتقلت إلى قلمه، بحيث نرى من خلالها أن حياته لم يكن بها فراغ بل حركة مستمرة تحتاج لقدرة على التوازن من خلال المتغيرات في الحياة بين طفولته وشبابه وتجربة عمره، فرسمت نصوصه لوحات غلبت عليها القتامة من الواقع الذي وصلنا إليه ولكنها لم تخلو من الحلم والبحث عن الحقيقة.

   الكاتب كان مقتدر لغويا بحيث استخدام كلمات جزلة وقوية، ولكنه في نفس الوقت ابتعد عن التقعر باللغة، ولكن نلاحظ على النصوص أنها كانت جميعا ذات نهايات غير مفتوحة وهذه الطريقة تبعد القارئ عن وضع الاحتمالات التي يمكن أن يقوده اليها النص وإن اهتم كثيرا بتناسب العناوين مع النصوص، وكان فضاء الكتاب متسعا لمسائل عديدة منها التصوف والوطن والبعد القومي إضافة للمشكلات التي يعاني منها المجتمع بأفراده من كان صغيرا أو كبيرا، فكان الكتاب يحمل بين دفتيه مجموعة كبيرة من الصور والأفكار والأحاسيس والمشاعر التي دارت في ذهنه وتفكيره وتأملاته، عبر عنها بأسلوب مازج الشعر بالنثر وإن إنزاح للسرد أكثر، فكانت العديد من النصوص تروي قصة مصاغة بأسلوب غير قصصي في مكان مفتوح فمنح النصوص الطابع الإنساني وزمان محدد مرتبط بالواقع الحالي، فنجده يعرض البدايات والتأزم وينهي عادة بحلم أو سؤال، فحملت النصوص أبعاد اجتماعية وفكرية ووجهات نظر تحتمل الصحة من جانب والخطأ من جانب آخر، لكن بالتأكيد أنه ابتعد تماما عن السطحية ودخل في العمق للواقع المعاش متنقلا بين الصور البسيطة والصور المركبة، فكان الكتاب بمجمله يحمل وحدة الفكرة وقوة اللغة والممازجة بين السرد والشعر بمستويات مختلفة بحبكة جميلة ومتميزة حتى الوصول للذروة في نهاية النصوص، وأنهي حديثي بمقطع من نص “للحديث بقية” وهو خاتمة الكتاب ويلخص فيه ما جال ويجول في داخله والحلم الذي يحلم به حين يقول: “ثمة بوح، ما زال معقوداً على رأس اللسان، بانتظار المقام المنشود، فائق يتململ، حتى يخرج من قمقم الترقب الترقب المرجو، للذي فينا أملا ووعدا، حباً.. نوراً.. حقاً.. كرامةً وسلاماً”

“عمَّان 13/7/2022”

____________
*زياد جيوسي.

وسوم:

اترك رد

جديدنا