الميتافيزيقا المثلومة؛ كانط عائداً إلى كهفه

لو كان لنا أن نتوجه الى كانط بسؤال افتراضي لاصطفينا التالي: ما الذي سيحدث حين يمكث الفيلسوف وسط مثلث متباين من العقول ـ [نظري وعملي وتاريخي لكل أحدٍ منها منهجهُ ومنطقهُ وآلياتهُ] .. ويكون عليه في الآن عينه أن يؤدي لكل منها نصيبه المخصوص من الاعتناء والتدبير؟..

قد يكون رده  ـ على غالب الظن ـ أن عودوا الى تحرِّي ما حلَّ بالميتافيزيقا من وهنٍ وعطالة بسبب من مكوثها دهراً في علياء التجريد. فإذا وقفتم على أحوالها سيُفتح لكم السبيل الى فهم ما قصدتُه. وأما الحكاية الموصوفة فلسوف تهتدون إليها في مفتتح كتابي الذي صدَّرته عام 1763 بعنوان «بحث في وضوح مبادئ اللاَّهوت الطبيعي والأخلاق». ذكرت يومها أن الميتافيزيقا ـ هي بلا أدنى شك ـ تمثل أكثر الحدوس الإنسانية قوة لكنها لم تُكتب بعد»..

ها هنا على وجه الضبط سوف يستهل “ناقد العقل الخالص” رحلته في لجة التفلسف… أراد أن يستظهر الميتافيزيقا على هيئة لا قِبَلَ لها بها في سيرتها الممتدة من اليونان الى مبتدأ الحداثة. شعر وهو يمضي في المخاطرة كأنما امتلك عقلاً حراً، بعدما ظن انه تحرَّر تماماً من رياضيات ديكارت. راح يرنو الى الإمساك بناصية الميتافيزيقا ليدفعها نحو منقلب آخر. لكن حين انصرف الى مبتغاه لم يكن يتخيل ان «الكوجيتو الديكارتي» رَكَزَ في قرارة نفسه ولن يفارقها أبداً. ربما غاب عنه يومئذٍ ان تخلِّيه عن منهج ديكارت الرياضي لن ينجيه من سطوة “الأنا أفكر” ولو اصطنع لنفسه منهجاً آخر. كانت قاعدته الاولى عدم البدء بالتعريفات كما يفعل علماء المنطق الرياضي، بل البحث عما يمكن إدراكه في كل موضوع عن طريق البرهان المباشر. كأن يقومُ المبرهَنْ عليه من تلك الإدراكات بالتعبير مباشرة عن نفسه بحكمٍ ما. أما قاعدته الثانية فقد نهضت على إحصاء كل الأحكام بشكل منفصل، والتيقُّن ألا يكون أيّ منها متضمَّناً في الآخر. وأخيراً وضع الأحكام الباقية كأوليات أساسية ينبغي بناء كل المعرفة اللاحقة عليها».

سَيبينُ لنا جراء ما سَلَفَ أن النقد الكانطي للميتافيزيقا، لم يكن سوى إنشاء متجدِّد للشك الديكارتي بوسائل وتقنيات أخرى. فالمشروع النقدي الذي افتتحه كانط هو في مسراه الفعلي امتدادٌ جوهريٌّ لمبدأ الـ «أنا أفكر» المؤكِّدة لوجودها بالشك. وهو المشروع الذي أسس لسيادة العقل، وَحَصَر الهم المعرفي الإنساني كله بما لا يجاوز عالم الحس.

انهمام كانط بالعقلانية الصارمة سيقوده راضياً شطرَ الكوجيتو الديكارتي حتى ليكاد يذوي فيه. الأمر الذي سيجرُّ على منظومته الفلسفية أظِلَّة قاتمة لم تنجُ الحضارة الحديثة من آثارها وتداعياتها حتى يومنا هذا.

لننظر قليلاً ماذا نجد..

من معاثر «مبدأ الأنا أفكر» انه أفضى إلى انبعاث الإلحاد في فضاء الفلسفة الحديثة. فقد جرت الألوهية مع “الكوجيتو” وفق معادلة مختلة الأركان قوامها: الله الموجود هو مجرد نتيجة لـ «الأنا موجود». ومن معاثره أيضاً أن الإنسان ـ بوصفه مخلوقاً ـ يكوّن معرفته الخاصة ويجعلها تؤسّس ذاتها من دون مسبقات. الـ«أنا موجود» (ergosum) التي تلي «الأنا أفكّر» (cogito) هي تعبير عن كيان يريد إظهار نفسه بالتفكير والكينونة بمعزل عن الله، وبسبب من كونه عاجزاً عن فعل هذا، فإنه يمنع تجلّي نفسه وتجلّي الله في اللحظة عينها.  زد على هذا أن الكوجيتو الديكارتي، بالأساس، يشكل انعطافة معرفية نحو الأنا، في حين يؤدي إلى أنانة سياسية ليبرالية ذات نظام سياسي واقتصادي أناني وجشع.

وهكذا فإن منظومة كانط المسكونة بسلطان الكوجيتو ومعاثره، سوف تستدرج الى تناقض بيِّن في أركانها. وللبيان نتساءل: كيف يمكن أن يستخدم كانط العقل كوسيلة ليبرهن أن هذا العقل لا يستطيع أن يصل إلى المعرفة الفعلية بالأشياء كما هي واقعاً؟ وكيف يمكن أن يعلن أن المرء لا يستطيع تحصيل المعرفة بالشيء في ذاته، وفي الوقت نفسه يستمر في وصف العقل كشيء في ذاته. واضح أن كل حجج كانط ـ كما يبين الفيلسوف الألماني فرانز فون بادر Franz Von Baader (1756 ـ 1841) ـ لا أساس لها ما لم تكن قادرة على وصف العقل كما هو حقيقة. وهذا لا ينطبق على كانط فحسب، بل على جميع الحالات الشبيهة. فإذا كنا لا نعرف إلا ظواهر الأمور، فكيف يمكننا أن نعرف العقل بذاته؟ وإذا كنا لا نعرف إلا الظاهر فقط، فهل ثمة معنى، في التحليل النهائي، لقولنا إننا نعرف شيئا ما؟ واما سبب هذه التناقضات ـ وفقاً لبادر ـ فتكمن في حقيقة أن الفلسفة النقدية استثنت معرفة اللَّه والدين النظري من حقل المعرفة التي يمكن الحصول عليها عن طريق العقل.

لم يأخذ كانط عن ديكارت وحسب. ففي عام 1756 سينصرف إلى أعمال الفيلسوف الإنكليزي ديفيد هيوم وينأخذ بها حتى الانسحار. جاءه كلام هيوم كانعطافٍ حاسم: «إن أي فيلسوف لا يقدر على تفسير «قدرة الأسباب وقوتها السرية»، وإن القوة القصوى وفاعلية الطبيعة مجهولة تماماً بالنسبة إلينا، وإن البحث عنها في كل الصفات المعروفة للمادة مجرد هباء.. وبالتالي فإن القدرة التي تسبب النتائج الطبيعية واضحة لحواسنا، ولا بد ان تكون هذه القدرة في الله. وان الله ليس فقط هو الذي خلق المادة أولاً، ووهبها حركتها الأساسية، وإنما بذل القدرة الكلية ليدعم وجودها ويمنحها كل تلك الحركات الموهوبة لها.. ثم يتساءل: «إذا لم يكن عندنا فكرة كافية عن «القدرة» و»الفاعلية» و»السببية» يمكن تطبيقها على المادة، فأين يمكننا أن نحصل على فكرة تنطبق على الله؟..

بسبب هيوم وشكوكيته سيهتز إيمان كانط بشرعية المعرفة الميتافيزيقية. من بعد ذلك سيميلُ نحو منفسح آخر من التفكير الفلسفي. كان له أن يعرب عن ذلك بكلمات دالَّة في مؤلفه «مقدمات نقدية»: «لقد أيقظني ديفيد هيوم من سباتي الدوغمائي». ثم انبرى الى الحكم على الميتافيزيقا ـ كمعرفة إيجابية ـ بالموت.

* * * * *

اضطر كانط لمواجهة اليأس من التعرّف على “سرّ الشيء في ذاته”، إلى ان يبتني أسس المعرفة الميتافيزيقية بوساطة العلم. استبدل التعريفات المجردة بالملاحظة التجريبية، حتى لقد خُيِّل للذين تابعوه وكأنه يغادر الفلسفة الأولى ومقولاتها ليستقر في محراب الفيزياء. وليس كلامه عن أن «المنهج الصحيح للميتافيزيقا هو المنهج نفسه الذي قدمه نيوتن في العلوم الطبيعية»، سوى شهادة بيِّنة  على نزعته الفيزيائية.

في اليوم نفسه الذي كتب فيه هذه الكلمات البسيطة، تجاوز كانط خط النهاية الذي تكمن خلفه الأرض القاحلة التي يستحيل فيها استكناه السرّ الذي منه ظهرت الأشياء إلى عالم الوجود. ففي هذه الأرض سيجري تعيين علم معياري جديد كقاضٍ أعلى على الفلسفة. وحين صارت الميتافيزيقا عنده على هذه السجية، سوف يتبيَّن ـ لمجايلي كانط وللكثرة التي جاءت من بعده ـ أنها لم تعد قادرة لا على البرهان الفيزيائي ولا على  البرهان الرياضي في آن. ولذا، لمَّا قال كانط إن كل ما هو موجود، هو في مكان ما وزمان ما (irgendwannirgendwo und)، لم يكن يتوقع أن موقفه هذا سيؤدي الى التخلي عن الميتافيزيقا ـ بوصفها تعرفاً على ذات الموجود وسره ـ وانه سيخلي الساح للفيزياء بوصفها وقائع يدركها الفكر، أو بما هي موضوعات تنوء تحت سطوة الحواس الخمس..

توسل كانط مرجعيتي هيوم ونيوتن لتسويغ «رغبته» في تحويل الميتافيزيقا الى علم يقدر على متاخمة المشكلات الحقيقية للعالم الحديث. ولقد أدرك منذ اللحظة التي سيتحول فيها مشروعه الى عمل رسالي، أن للميتافيزيقا مقاماً غريباً بين العلوم، وأنها علم لا ينتهي رواجه ابداً بوصف كونها حاجة طبيعية للبشر. مثل هذه الفهم جاء ليدحض ما قرره الفلاسفة الوضعيون لجهة إقصاء الفلسفة من مهمة تدبير العالم. لقد رأى ان إلغاء الميتافيزيقا تماماً سيكون مستحيلاً، وان أكثر ما يمكن فعله هو إزالة  بعض الأنواع غير الصالحة منها، وفتح الباب أمام ما يسميه بالعقيدة العلمية الجديدة. وهي العقيدة التي سيضعها كانط تحت عنوان «الإمكان الميتافيزيقي» في العالم الطبيعي، وتقوم على التمييز المنهجي بين عالمين غير متكافئين: عالم الألوهية وعالم الطبيعة.

لكن التمييز الكانطي بين هذين العالمين وإن جاء خلاّقاً على المستوى الأبستمولوجي، إلا أن أثره التأويلي سيجاوز الحدود والمقاصد المرسومة . فالتمييز الأبستمولوجي سيغدو في ما بعد تفريقاً بين الكائن المتعالي فوق الزمان والمكان، وبين الدين بما هو كائن تاريخي ثاوٍ في الزمان والمكان. مع هذا التفريق سينفجر التأويل وتتعدد القراءات ليُرى إلى كانط تارة كفيلسوفٍ تَقَويٍّ توارى إيمانه بين السطور والألفاظ، أو كملحدٍ لا يرى إلى الله إلا كمتخيَّل بشري…

لقد قيل بصدد هذا المُشكل أن هدف كانط من نقده لأدلة وجود الله لم يكن من أجل ترسيخ الإنكار النظري التام لوجود الله، بل لتمهيد الطريق لإثباتٍ أكثر أصالة لوجود الله. ومن خلال قصر كانط  لمعنى «المعرفة» على الفهم العلمي للأشياء الظاهرية وقوانينها، وبإنكاره لإمكانية امتلاكنا المعرفة  النظرية بوجود الله، كان يُنكر إمكانية معرفة الله بالطريقة نفسها التي نُدرك من  خلالها أي شيءٍ مادي. وبما أن الله ليس جزءاً من العالم المادي بأي شكل من الأشكال، فلا يُمكن على نحوٍ أدق إثبات كونه موضوعاً للمعرفة النظرية. وإذا أردنا إثباته، فلن يكون ذلك من خلال بيئة المعرفة العلمية بل عبر نوع من الإثبات الذي يتجاوز المعرفة العلمية ويمكن إطلاق صفة الإيمان المنطقي عليه بسبب الافتقار لمصطلح أفضل.

* * * * *

بالتأكيد لن يُحمل على كانط أنه كان عدوّاً للإيمان، لكن عَيْبَه الموصوف أنه أسس لـ “مانيفستو فلسفي” يقطع صلات الوصل المعرفية بين الله والعالم وبالتالي بين الدين والعقل. هذا هو الإجراء “الكوبرنيكي” الذي شقّ الميتافيزيقا إلى نصفين متنافرين (ديني ـ دنيوي) وما سينتهي إليه من غلبة الدنيوي على أزمنة مديدة من أنوار الحداثة.

مع هذا، فقد بدا كانط كما لو أنه فتح الكوة التي ستتدفق منها موجات هائلة تعادي التنظير الميتافيزيقي ولا تقيم له وزناً في عالم الإمكان الفيزيائي.

أصحاب الميتافيزيقا المثلومة من الذين استطابوا الدرس الكانطي أعادوا إنتاج القطيعة  بين الكائن الذي لا يُدرك والموجود الواقع تحت راحة اليد. لذا حرص هؤلاء على وقف مهمة الميتافيزيقا حيناً عند حدود الحاجة الابستمولوجية، وحيناً آخر من أجل استخدامه في عملية التوظيف الإيديولوجي. وعليه فقط  دأبوا على إحاطتها بسوار لا ينبغي فكّه إلا عند الاقتضاء. فلا تصبح الميتافيزيقا ممكنة إلا متى كان هناك مجال شرعي للمبحث الميتافيزيقي. في حين تكون العلوم التجريبية هي الحاكم. بل هي وحدها القادرة، على إنبائنا ببنية الواقع الأساسية.

لقد كان أنصار «العِلموية»، في صنفيها، – سواء ذاك المستقطب من صفوف العلماء، أو ذاك المتأتِّي من صفوف المفكرين ـ يُظهرون دوغمائية ضيقة الأفق هي في منتهى التحليل نقيض الفلسفة الأصيلة. فهم أعمياء عن رؤية أن العلم يقتضي الميتافيزيقا (أو يفترضها مسبقاً)، وأن دور الفلسفة معياري normatif، بمقدار ما هو وصفي ـ وان كل الأشياء، ومن ضمنها العلوم، تقع تحت عينها الناقدة. غير ان ما تستطيع العلوم التجريبية إطلاعنا عليه، في أحسن الاحوال، هو الوضع بكيفيته الراهنة، لا بـ “كيف يجب ان يكون”، أو “ما يمكن أن يكون”. الميتافيزيقا هي من يتعاطى مع الممكنات. فقط عندما نضبط مدى الممكن، نستطيع أن نرجو تحديد الفعلي تجريبياً. لذا ستكون العلوم التجريبية في مثل هذه الحالة عالة على الميتافيزيقا ولا يكون للتجريبية أن تسطو على دور (الميتافيزيقا) اللائق بها وحدها.

* * * * *

سوف يسري الالتباس والغموض بعمق في نظامية كانط جرّاء هذا الفصل الوظائفي بين ما هو أنطولوجي عصيٌّ على الإدراك وما هو فينومينولوجي قابل للفهم. والذين نظروا الى هذا الالتباس وجدوا ان الفصل المومىَ اليه تعدى حدود الوظائفية لتتحول الهندسة المعرفية الكانطية بسببه الى نقائض. وهذه النقائض هي عند كانط نفسه غير قابلة للحل لأنها تنطوي على علاقة غير واضحة بين النومينا (الشيء في ذاته) والفينومينا (الظاهرة) وهي في التحليل الأخير غير منطقية…

تلقاء ذلك سعى كانط الى ابتكار جواب حاسم على مشكلة الفلسفة بسؤاله الأثير عن إمكان صيرورة الميتافيزيقا علماً. فبعد إدراك صحة ما يمكن البرهان عليه يرفض العلم كل ما سواه باعتباره تفكيراً عديم الجدوى. فالعلم في تقدم مستمر واحترام دائم، على خلاف الميتافيزيقا وعلم الأخلاق والدين. فهذه المجالات المعرفية لا تؤسِّس حقها في التقدير والاحترام على أدلة نتائجها، بل على أهمية الموضوعات التي تتطرق إليها. لذلك رأى كانط أن هذا الموقف كان شيئاً من الماضي. فقد جاء الزمان الذي لم يعد الإنسان فيه يشعر بالاهتمام بأي فرع معرفي لأجل سموّ غايته، بل فقط لأجل سلامة براهينه. ويستنتج كانط مما مرَّ ان «عصرنا هو عصر النقد بكل ما للكلمة من معنى، ويجب أن يسلمّ كل شيء له. لكن الدين بقوة قداسته والقانون بقوة سلطانه يحاولان التملص منه، إلا أنهما  بفعلتهما هذه يثيران الشكوك، ولا يقدران على إعلان الاحترام الصادق الذي يكنه العقل فقط لأولئك الذين كانوا قادرين على الصمود أمام اختباره الحر والمفتوح.

* * * * *

المشهدية المثلومة للميتافيزيقا الكانطية، سوف تحدو بهايدغر بعد زمن الى مراجعة الميتافيزيقا من أصلها الى فصلها. كذلك سيدعو بنتيجة ذلك، الى استنقاذها من غفلتها المديدة، ومن نسيانها الجائر لحقيقة الكينونة.فقد كان لمنظومة كانط الأثر المبين في تشكيل الحضارة العلمانية في الغرب. وذلك عائد الى الزرع الذي أجرته في بنية التفكير الفلسفي لجهة محدودية العقل في فهم وإدراك البعد الإيماني في المنظومة الدينية.

كذلك ستوفر الكانطية التسويغ الفلسفي للفردانية(individualisme) التي تعني إنكار أي مبدأٍ أعلى فوق الفرد (individualite). مثل هذا الإنكار سيكون السبب الحاسم للانحطاط الراهن للغرب، من جهة كونها، كونه المحرّك للتطوّر الحصريّ للإمكانيّات السفلى للإنسانيّة.

مقتضى الإمكان الميتافيزيقي الكانطي في صيرورة الميتافيزيقا علماً متاخماً للعلوم الإنسانية وسيَّالاً في ثناياها، هو النزوع العقلاني الذي طغى على الثقافة الغربية منذ أفلاطون إلى يومنا هذا. ولقد أكمل كانط رحلة الإغريق من خلال سعيه الى انشائها على نصاب جديد عبر تحويلها الى موقف ينزلها من علياء التجريد الى الانهمام بالعالم. لكن بدل الاكتفاء بالتمييز والإبقاء على خيط تتكامل فيه العملية الإدراكية للموجود بذاته والموجود بغيره ، راح يفصل بين العالمين ليبتدئ زمناً مستحدثاً تحولت معه الميتافيزيقا الى فيزياء أرضية محضة.

* * * * *

*محمود حيدر/ مفكر وأستاذ في الفلسفة – لبنان.

جديدنا