
لوازم الدخول:
منذ أن وطأت أول مطار في حياتي، وحَمَلَت قدمي معها عيني، قبل عقود خلت، رأيت تضاد المعنى المستقر في عرصات الانتظار، وذلك الحِس اللاهث بين السكينة والقلق، في كواشف الزمن، الذي تعبث به سرعة اللحاق. فقد أدهشتني لأول وهلة طريقة حركة المسافرين، وتأملت وجوههم، فتلمست نسبية كل الأشياء في نظراتهم، وقيمة الزمان والمكان في تصوراتهم. وتعمقت في هذا التأمل، حتى غدا عندي شغف بتصوير المشاهد بحرارة الأحرف المتعجلة لالتقاط بوارق اللحظات، بل حَلِمْتُ جادًا بكتابة رواية فلسفية عن نسبية الزمن وضغط المكان، وكثافة التنوع والتعدد والتبدل في تقديرات الناس وما يمكن أن نقرأهه في تعبيرات وجوههم، وانعكاسات أحاسيسهم وجيشان مشاعرهم، رغم اختلاف ألوانهم وألسنتهم، ووجهاتهم. وهذا التأمل، الذي أصوغه برغبة ليس مجرد شرارة لفكرة رواية فقط، بل قد يبدو كمشروع ظاهراتي “فينومينولوجي” وإنساني مكتمل الأركان. فالمطار ليس مجرد منشأة لوجستية للعبور، بل هو مختبر مكثف للوجود الإنساني؛ بؤرة تلتقي فيها المصائر، وتتعرى فيها المشاعر من أقنعة الحياة اليومية المستقرة، ليصبح الإنسان فيه في أنقى حالات “العبور” و”التحول”. لذلك، أردت ترجمة هذا الشغف إلى معمار روائي فلسفي، محمولًا ببعض الأبعاد المفاهيمية والسردية، التي يمكن أن تغذي هذه الرواية وتمنحها عمقها الفريد؛ بين زمنية العبور، وما يريبط بها من نسبيّة “الديمومة” مقابل زمن الساعة، إذ يغدو الزمن الميكانيكي نقيض الزمن النفسي. ففي في المطار، تصبح ساعات حائط الصالة بلا معنى حقيقي، إذ إن دقيقة واحدة عند بوابة المغادرة أثناء الوداع قد تزن دهرًا، بينما تمر ساعات الانتظار في “الترانسيت” كغيبوبة خاطفة، أو كثقل أزلي.
إن زمن المسافر العالق في صالة الانتظار لا يعيش في “المكان، الذي غادره” ولا في “المكان، الذي يقصده”؛ إنه يعيش في زمن برزخي متوقف بين ماضٍ انقطع ومستقبل لم يكتمل بعد. وكما يقول المتصوفة في غمرة شطحاتهم السرمدية؛ هو في من “حيث لا حيث وعند لا عند”، إذ يرتقي “المجذوب”، أو “الإنسان الكامل”، بين ضغط المكان وجماليات “اللا-مكان”. فالمطار،؛ في تقديرات عالم ما بعد الضرورة، مكان محايد تمور فيه المشاعر المكثفة، وفضاؤه ينتمي لما سماه الأنثروبولوجي مارك أوجيه بـ “اللا-مكان” كتصور هندسي زجاجي لا يمنح هوية جغرافية، أو تاريخية لمرتاديه. لكن المفارقة تكمن في أن هذا المكان “العاري” من دثار الإنتماء هو بالذات ما يضغط الأرواح لتفرز أقصى درجات كثافتها الوجدانية. فالجغرافيا المنكمشة؛ في بضعة أمتار مربعة عند بوابة المغادرة، تجلس تصورات قارات بأكملها؛ لغات مختلفة، ألوان متقابلة، وأقدار تتجاور على مقاعد معدنية باردة دون أن تدري أيًا منها عن عاصفة الأخرى. وتُعَبِّرُ فينومينولوجيا الوجوه؛ أي “وجه الآخر”، كأنثولوجيا عاطفية، إذ يبدو كل وجه كخريطة وجودية، ترتسم في تعبيرات الوجوه في تقاطعات المطار وكأنها مادة روائية مذهلة؛ هناك قلق السفر، وهواجس الهجرة، ولهفة اللقاء، ورعب المجهول، ووجوم الوداع، وارتياح العودة. وتتجلى سيماء الآخر في النظرات المتبادلة بين الغرباء في المطار تحمل نوعًا من العُري الإنساني؛ لأن الجميع يعلمون أنهم ربما لن يلتقوا مجددًا، فتسقط الحواجز النفسية ويصبح الوجه كتابًا مفتوحًا لمن يتقن قراءته. ويزين ذلك التعددية الصوتية وما يُصطَلَحُ عليه بـ”الهتيروتوبيا”، وتقاطع المسارات والوجهات، إذ يمثل كل مسافر عوالم كاملة مكثفة في حقيبة يد وملامح وجه. ولذلك، فالمطار هو “هتيروتوبيا”؛ مكان يجمع أمكنة وأزمنة متناقضة في نقطة واحدة، كالكورال الآلي بأصوات الهمس البشري، والتباين الفلسفي بين النداءات الالية الجافة عبر المكبرات؛ “المسافرون على الرحلة…”، وبين الحوارات الداخلية والهمسات العاطفية للمسافرين، الذي يخلق إيقاعًا موسيقيًا وسرديًا ساحرًا، لا يتماثل بذات الدقة والرهاب مع غيره.
لقد جربت؛ غير هذه اللحظة التأملية الماتعة، كتابة القصة القصيرة فأبطلها الانقطاع، وزَلَّت قدمي في سلم الشِعر الطويل، فأقلعت قبل أن تحاكمني القوافي وتتنازعني الأوزان، وتمتحني أعراض العَرُوض. وكان المطار في وجداني حكايات على عتبة العبور إلى تَخَيُّل حبك الرواية، التي تستبين مطالعها لترى النور، قبل أن تصل رحلة العمر إلى مرفأ النور. لذلك، لم تكن فكرة الدخول إليه مجرد خطوة أولى على بلاطٍ مصقول تحت سقفٍ زجاجي شاهق، بل كانت انزلاقًا عاطفيًا خاطفًا من جغرافية الثبات المعتادة في جامعة الخرطوم حينها إلى سيمفونية سائلة من الحركة والتحول، أخذتني ذات صباح من مطار بلادي بطائرة سويسرية عبر القاهرة، وليلة مبيت في زيوريخ، وهبوط إجراءات دخول في بوسطن، وتوقف إبدال الطائرة في مطار أوهير بشيكاغو، وإقامة ليلة مليئة بالتوقعات في كانساس سيتي، ثم كانت نهاية المطاف مطار كولمبيا بولاية ميسوري، في الغرب الأمريكي الأوسط، الذي نعتته كتبنا المدرسية بـ”حزام الإنجيل”، أو بالمقاربة المادية “حزام الذرة الشامية”، لتبدأ سنوات الدراسات العليا، وقصة أسفار حول العالم؛ لم تنقطع إلى يومنا هذا. نعم، منذ أن وطأت قدمي أرض مطار الخرطوم لأول مرة، كما أسلفت، لم أرَ أمامي مجرد معمارٍ هندسي تُدار فيه حركة السفر والعبور، بل رأيتُ مسرحًا وجوديًا مكتظًا بنوازع البشر تتكثف فيه الأقدار، وتتعرى فيه الروح الإنسانية من كافة أقنعتها اليومية. هنا، في هذا الفضاء البرزخي، يتفتت الزمن الميكانيكي، الذي تعتقله الجغرافيا وتحسبه عقارب الساعات. ويُلغى حسابات المسافة للمكان والترقيم التقليدي للوقت، ليفسح المجال لـ”زمن نفسي” فريد؛ زمنٌ قد تتمدد فيه الدقيقة الواحدة عند بوابة الوداع لتزن دهرًا كاملًا من الثقل واللوعة، كما قلت، بينما تنكمش ساعات الانتظار الطويلة في صالات “الترانسيت” لتغدو غيبوبة خاطفة بين حلمَين. وهنا أيضًا، يتجلى “ضغط المكان” في أبهى مظاهره؛ فضاءٌ محايد وبادر، لكنه يعتصر في بضعة أمتار مربعة أجسادًا قادمة من شتى قارات الأرض، يجمعهم سقف واحد وتفرقهم ألف وجهة ووجهة.
تأملتُ الوجوه العابرة… فكان كل وجهٍ كتابًا مفتوحًا ينبض بلغة وجدانية لا تحتاج إلى ترجمة. في تلك النظرات المترددة بين الصعود والهبوط، تلمستُ نسبية الأشياء في أسمى صورها وأعلى تقديراتها؛ الخوف من المجهول يتجاور مع طمأنينة الوصول، ومرارة الانقطاع تتقاطع مع لهفة الائتلاف. ألوانٌ شتى، وألسنةٌ تتزاحم في الهواء كأطيار غريبة، وملامح تحمل على ثناياها جغرافيتها الخاصة وعواصف تمنياتها المكتومة. الجميع هنا يسيرون في اتجاهات متعاكسة، لكنهم ينخرطون جميعًا في التجربة ذاتها؛ تجربة الانكشاف الإنساني أمام حقيقة الرحيل. ومنذ تلك اللحظة الفذة، لم يعد المطار في وعيي مجرد محطة نمرّ بها، بل غدا هاجسًا فلسفيًا يلاحقني؛ شغفًا متدثرًا يُلحُّ عليّ لنبش جوهره وسرد خفاياه. وكانت تلك رغبة البدء؛ كفكرة تمور في الخاطر، تُحِسُّ على كتابة مقدمات لهذه الرواية؛ كمحاولة قد لا تكتمل لقراءة ما تُخفيه تعبيرات الوجوه، ولتفكيك تلك الكثافة النادرة من التنوع والتعدد، ولتتبع أثر الزمن وهو ينضغط تحت أقدام العابرين… علّنا نقرأ في حركة هؤلاء الغرباء جميعًا، القصة الكبرى للإنسان وهو يخوض رحلته الأزلية الأبدية بين الغياب والوجود. واليقين أن الرواية، التي اتقصدها، لا تقتضي بالضرورة وجود بطل واحد بمسار تقليدي، وإنما بحكم تقاطع مسالكها، لا بد أن تقوم على شبكة من الحكايات العابرة، والتي نتشاركها جميعًا وتتداخل خطوطها في صالة انتظار واحدة، أو خلال رحلة ترانسيت مدتها بضع ساعة، أو عديد الساعات. فالراوي فينا يمكن أن يكون “متأملًا سريًا”؛ كما كنت أنا في كل تلك اللحظات العابرة، أنظر إلى الوجوه، وأنسج من كل وجه جغرافيةً وتاريخًا، لتلتقي التكهنات مع مصائر الشخصيات الواقعية. فلغة رواية كهذه وإيقاعها، في ظني، ينبغي أن تتنقل اللغة فيه بين التكثيف الفلسفي والتأمل العرفاني أثناء قراءة الحركة والزمن، وبين الواقعية الحسية الدقيقة في وصف حركة الحقائب، والضوء المنعكس على الزجاج المرتفع، وصدى الخطوات المسرعة، التي لا تُفصِحُ عنها إلا البطاقات المطوية داخل جوازات السفر.
ونواصل…
الجمعة، 16 أكتوبر 2026
الدكتور الصادق الفقيه*
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






