التنويريفكر وفلسفة

ذكورية الخوارزميات: إعادة إنتاج التمييز في العصر الرقمي

كيف تعيد التكنولوجيا والرأسمالية إنتاج الفجوة الجندرية وتهميش العمل غير المرئي

نعيش اليوم وسط خوارزميات تقترح ما نشاهده، وتختار الإعلانات التي تصل إلينا، وتساعد في فرز طلبات العمل، وتقيس أداء العاملات والعاملين. وغالبًا ما نتعامل معها كأنها أدوات محايدة، غير أن الخوارزمية لا تأتي من فراغ؛ فهي نتاج عمل بشري، وتتعلم من بيانات صنعها مجتمع يحمل تاريخًا من التفاوت والصراع الطبقي والجندري. لذلك لا تحتاج الخوارزمية إلى أن تكون منحازة للرجال حتى تعيد إنتاج التمييز والتفاوت، إذ يكفي أن تتعلم من واقع غير متساوٍ ومن نظام رأسمالي ذكوري يستخدمها لصالحه، ويحولها إلى وسائل إنتاج جديدة تملكها قلة من الشركات الاحتكارية.

أولًا: التوظيف والإعلانات، حين يتحول الماضي إلى معيار للمستقبل

ويظهر ذلك بوضوح في التوظيف. فإذا تعلم نظام خوارزمي من تاريخ شركة كان الرجال فيه يشغلون معظم المناصب القيادية، فقد يتعلم أن السير الذاتية التي تشبه مسارات الرجال هي الأقرب إلى النجاح. قد لا تحتوي الخوارزمية على كلمة “رجل”، لكنها تستطيع أن تعيد إنتاج النتيجة نفسها، فيتحول سوق العمل الذي همش النساء تاريخيًا إلى قاعدة بيانات تعيد إنتاج هذا التهميش آليًا. وهكذا يتحول الماضي إلى معيار للمستقبل، ويصبح ما كان نتيجة لتفاوت اجتماعي وكأنه معيار موضوعي للجدارة.

وما يحدث في التوظيف لا يختلف كثيرًا عما يحدث في الإعلانات. فقد تظهر للنساء إعلانات أكثر عن الجمال والأطفال والمنزل والرعاية والأعمال الخدمية القليلة الأجر أو الأعمال غير مدفوعة الأجر، بينما تظهر للرجال إعلانات عن السيارات والاستثمار والتكنولوجيا. الخوارزمية لا تخترع هذه الصورة من تلقاء نفسها؛ إنها تتعلم من السلوك السابق ومن النظام السائد، وتحكمها في النهاية حسابات الربح: فهي تختار الجمهور الأقل كلفة والأكثر ربحًا، ويصبح التمييز نتيجة جانبية مقبولة ما دام يخدم الأرباح. لكن حين تستمر في عرض الصورة نفسها، فإنها تتجاوز عكس الواقع إلى المساعدة على تثبيته. وهكذا تتحول الصورة الاجتماعية القديمة إلى دائرة مغلقة: المجتمع ينتج البيانات، والخوارزمية تتعلم منها، ثم تعيد إنتاجها في حياتنا اليومية.

وتؤكد ذلك أحدث بيانات هيئة الأمم المتحدة للمرأة الصادرة في حزيران 2026 حول التمييز الجندري في الذكاء الاصطناعي، إذ أظهرت دراسة شملت 133 نظامًا للذكاء الاصطناعي أن 44% منها يحمل تحيزًا جندريًا، وأن 26% يجمع بين التحيز الجندري والعرقي. كما تواصل النماذج اللغوية الكبيرة ربط النساء بالمنزل والعائلة والأطفال، والرجال بالأعمال والقيادة والراتب، وجاءت نحو إجابة من كل خمس إجابات متحيزة جنسيًا حين طلب منها إكمال جمل تبدأ بجنس الشخص. ولا تذكر سوى 24 دولة من أصل 138 المساواة الجندرية في استراتيجياتها الوطنية للذكاء الاصطناعي.

ثانيًا: العمل غير المرئي والإنسان مصدرًا للبيانات

ومن الإعلان نصل إلى العمل، حيث تصبح الخوارزمية أكثر تأثيرًا في حياة الناس. فهناك أنظمة تقيس عدد المهام وسرعة الإنجاز وساعات العمل وعدد الطلبات، وتبدو محايدة لأنها تطبق على الجميع، لكنها لا ترى الظروف التي يعمل فيها كل شخص: موظفة أو موظف يعود إلى المنزل للاعتناء بطفل أو طفلة، أو بشخص مسن أو مريض، ويحتاج إلى مرونة في ساعات العمل.

ومن هنا تظهر مشكلة أعمق: ما لا تستطيع الخوارزمية قياسه بسهولة يعامل كأنه أقل قيمة. فالعمل المنزلي والرعاية لا يظهران في جداول الإنتاج، رغم أنهما ما يجعل بقية أشكال العمل ممكنة، والنظام الرأسمالي يعتمد على هذا العمل غير المأجور، الذي تتحمل النساء معظمه، لإنتاج قوة العمل وإعادة إنتاجها يوميًا دون أن يدفع ثمنه. وعندما تدخل الخوارزميات إلى مكان العمل، تعيد إنتاج هذا الاختفاء بلغة الأرقام.

وتمتد هذه العملية إلى العمل الذي يصنع التكنولوجيا نفسها. فخلف الذكاء الاصطناعي عاملات وعاملون يجمعون البيانات ويصنفونها ويراجعون المحتوى، وكثير منهم في الجنوب العالمي بأجور زهيدة، بينما تتراكم الأرباح في مراكز الشمال الرأسمالي. وكلما بدت التكنولوجيا أكثر استقلالًا، اختفى العمل البشري الذي يجعلها ممكنة: فمن الذي يصنع الذكاء الذي ننسبه إلى الآلة؟

وحتى المستخدم والمستخدمة يصبحان جزءًا من هذه العملية. فكل ما نشاهده ونشتريه ونبحث عنه يتحول إلى بيانات تستخدمها الشركات للتنبؤ بسلوكنا وتوجيهه، بعدما أصبحت البيانات المادة الخام الجديدة للرأسمالية، وصار الإنسان يعمل لصالح المنصة دون أجر، وغالبًا دون أن يدري. غير أن الخوارزمية لا ترى منه إلا ما اختير قياسه. فالعاملة التي ترفض رحلة في وقت متأخر لأسباب تتعلق بالأمان، أو العامل الذي يغير ساعات عمله بسبب مسؤوليات أسرية، قد يظهران في النظام أقل التزامًا أو إنتاجية، بينما تختفي الأسباب التي شكلت سلوكهما. الخوارزمية ترى النتيجة، وتغيب عنها الحياة التي أنتجتها.

ثالثًا: من يصمم الخوارزميات؟ هيمنة الرجل في صناعة التكنولوجيا

وهنا نصل إلى السؤال الأهم: هل المشكلة في الخوارزمية نفسها؟

ليس تمامًا. خلف كل خوارزمية شركة أو مؤسسة أو جهة تحدد ما الذي يجب قياسه، وما الذي يعتبر نجاحًا، وكيف تستخدم النتائج. لذلك لا يكفي أن نسأل هل الخوارزمية دقيقة؛ علينا أن نسأل أيضًا: ماذا تقيس؟ ومن حدد ما يستحق القياس؟ ومن يملك البيانات؟ ومن يستفيد من النتائج؟ ومن يتحمل تكلفتها عندما تخطئ؟ وهي في جوهرها أسئلة طبقية، فمن يملك وسائل الإنتاج الرقمية يملك سلطة تعريف الجدارة والإنتاجية والقيمة.

ولا يمكن فصل هذه الأسئلة عن سؤال آخر: من يصمم الخوارزميات أصلًا؟ فصناعة التكنولوجيا ما تزال تحمل طابعًا رجوليًا واضحًا، إذ يهيمن الرجال على فرق البحث والتصميم ومواقع القرار في الشركات الكبرى. وحين يصمم فريق من الرجال في الغالب نظامًا ما، تصبح تجربة الرجل هي «الوضع الافتراضي»، وتتحول تجارب النساء إلى استثناء أو هامش لا تلتقطه البيانات. ومن أوضح الأمثلة على ذلك المساعدات الصوتية الرقمية التي منحت أصواتًا وأسماء نسائية، وبرمجت على الطاعة والرد المهذب حتى على الإهانات، في استعادة رقمية لصورة المرأة الخادمة. وهكذا يلتقي الطابع الرجولي مع الطابع الطبقي في صناعة تتحكم فيها قلة من الشركات الكبرى، في تحالف واضح بين الأبوية ورأس المال.

وبحسب التقرير الأممي نفسه، لا تشكل النساء سوى 30% من العاملين في مجال الذكاء الاصطناعي عالميًا. ويظهر أثر هذا الطابع الرجولي بوضوح في العنف الرقمي، إذ أفادت نحو ربع المدافعات عن حقوق الإنسان والناشطات والصحفيات اللواتي شملهن استطلاع الهيئة بتعرضهن لعنف رقمي مدعوم بالذكاء الاصطناعي.

فقد تكون الخوارزمية دقيقة جدًا في تنفيذ المهمة التي طلب منها تنفيذها، لكن هذا لا يعني أن المهمة نفسها عادلة. وقد تجعل التكنولوجيا حياة شخص أكثر راحة، بينما تجعل عمل شخص آخر أكثر سرعة ومراقبة وضغطًا. ولهذا فإن التقدم التقني لا يعني تلقائيًا تقدمًا اجتماعيًا، فالتكنولوجيا في ظل الرأسمالية تتطور وفق حاجات التراكم قبل حاجات البشر.

من هنا يصبح نقد ذكورية الخوارزميات نقدًا للطريقة التي تنتقل بها علاقات القوة الاجتماعية والبنية الاقتصادية من المجتمع إلى التكنولوجيا. فالخوارزمية لا تخلق هذه العلاقات من العدم، لكنها تستطيع أن تعيد تنظيمها وتوسيعها ومنحها لغة جديدة. قد تختفي كلمة التمييز والتفاوت ويحل محلها رقم، وقد تختفي السلطة خلف نظام تقييم، وقد يتحول الحكم البشري إلى “توصية” تبدو موضوعية.

والخطر الحقيقي هنا يكمن في أن نبدأ نحن بتنظيم حياتنا وفقًا لما تستطيع الآلة قياسه، أكثر مما يكمن في أن تصبح الآلة مثل الإنسان. عندها يصبح ما لا يدخل في البيانات أقل قيمة، ويصبح العمل غير المرئي أكثر اختفاء، وتتحول التفاوتات القديمة إلى نتائج تبدو طبيعية. فحين تتحول علاقات القوة والربح إلى بيانات، لا تختفي هذه العلاقات؛ إنها تصبح فقط أكثر هدوءًا، وأكثر انتشارًا، وأصعب في الرؤية.

رابعًا: نحو خوارزميات قائمة على المساواة

إن بناء تكنولوجيا أكثر عدلًا يتجاوز الكود وحده، ونقطة انطلاقه أسئلة تتعلق بحياة النساء: من تعمل ولا يحسب عملها؟ ومن يملك ويقرر؟ ومن تدفع ثمن قرارات الآلة؟ ومن هنا تبدأ الخوارزميات القائمة على المساواة ومجتمع لا طبقي، بكسر الاحتكار الرجولي لفرق البحث والتصميم وصنع القرار، بحضور نسوي تحرري منحاز للعاملات والمهمشات يتجاوز التمثيل الشكلي لنساء النخبة، وبجعل حقوق وتجارب النساء منطلقًا للتصميم عوضًا عن اعتبار الرجل معيارًا، مع بيانات مصنفة حسب الجنس وتدقيق جندري مستقل يكشف الفجوات قبل الاستخدام. ويتطلب ذلك إنهاء الصور النمطية المبرمجة، وإشراك العاملات وتنظيماتهن النسوية والنقابية في تحديد ما يقاس وفق قاعدة المساواة.

في النهاية، يكمن الخطر الأكبر في أن الخوارزميات تعيد إنتاج عالم غير متساوٍ بلغة تبدو محايدة، فحين يصبح العمل الذي يدر ربحًا أكثر قيمة من العمل الذي يرعى الحياة، تتحول التكنولوجيا من أداة لتحرير الوقت إلى أداة للسيطرة عليه. لذلك يبقى النضال من أجل خوارزميات عادلة جزءًا من النضال النسوي والطبقي الأوسع، لأن تحرير النساء لا ينفصل عن تحرير العمل من الاستغلال، ولا عن مواجهة نظام يحول العمل والجسد والوقت والبيانات إلى سلع ومصادر للربح.

فالتحرر النسوي يتجاوز وصول نساء أكثر إلى مواقع السلطة داخل التكنولوجيا، ليطال تغيير طبيعة السلطة نفسها: من يملك التكنولوجيا، ومن يقرر أهدافها، ومن يحدد ما يعتبر عملًا وقيمة وإنتاجية، ومن يستفيد من ثمارها، ومن يتحمل تكلفتها. ومن هنا فإن بناء خوارزميات أكثر عدلًا يرتبط ببناء علاقات اجتماعية واقتصادية أكثر عدلًا، بحيث تتحرر التكنولوجيا من خدمة رأس المال على حساب النساء والعاملات والمهمشات، وتصبح جزءًا من النضال من أجل مجتمع يضع الإنسان والحياة والرعاية والمساواة قبل الربح.

فبناء مجتمع متساوٍ وعادل ينطلق من تغيير المجتمع والنظام الذي يصنع الآلة ويحدد لمن تعمل ولصالح من، ومن تحرير التكنولوجيا من علاقات القوة التي تعيد إنتاجها، قبل أي حديث عن الآلة ذاتها.

بيان صالح


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى