طبقات الاغتراب وتشكّل الذاكرة الأوروبية–العربية
طُرُقُ استذكار زيارة الراهب الإيطالي فرنسيس الأسيزي إلى مصر

الغربة، “الأرض الغريبة”، والمواطنة الروحية
في الرابع من أكتوبر من كل عام، تحتفي الكنيسة بذكرى القديس فرنسيس الأسيزي (1181/1182–1226م) في يوم عيده؛ وهي مناسبة تدعونا إلى الاستعادة والتفكر في كيفية تشكّل حضور هذه الشخصية الإيطالية اللاهوتية عند زيارته لدمياط بمصر، وتأثيرها العميق في نظرات وأطر “الذاكرة المتشابكة” (Entangled Memory). فالغاية لا تقف عند حدود رصد الكيفية التي استعاد بها الفكر الغربي هذه الزيارة الشهيرة إلى الشرق (retrieval from memory)، بل تتجاوزها إلى إعادة بناء المسار التحليلي؛ بالانتقال من التشكّل أحادي الجانب (كيف تذكّرت أوروبا الشرق) إلى مسار تفاعلي دائر يستكشف كيف يشتغل مفهوم «الاغتراب» في صياغة الذاكرتين الأوروبية والعربية معًا. وفي هذا المعنى، لا تُفهم الذاكرة بوصفها استعادةً منفردة للماضي داخل إطار ثقافي مغلق، وإنما بوصفها عملية اجتماعية تتداخل فيها الذاكرات وتتفاعل عبر الحدود والتقاليد المختلفة (Feindt et al., 2014). ومن ثم، فإن الأهم في هذه الاستعادة ليس مجرد سرد الوقائع التاريخية المجردة، بل فهم كيفية استخدام الذاكرة، ومسارات التذكّر، والمناسبات التي يُستعاد فيها هذا الحدث (Assmann, 1997, 2006).
وفي هذا السياق، نجد موقع دار “فرنسيسكان ميديا” (Franciscan Media) يعيد، في نشر حديث عام 2024م، نشر نص للراهب والكاتب البلجيكي أومير إنغلبرت (1893–1991م) (Omer Englebert)، معنونًا إياه بـ “لقاء السلطان الملك الكامل: القديس فرنسيس في أرض غريبة” (Meeting Sultan Malik al-Kamil: St. Francis in a Foreign Land). ويتناول النص رحلة الراهب فرنسيس إلى مصر ولقاءه بالسلطان الأيوبي الملك الكامل عام 1219م، في سياق الحملة الصليبية الخامسة (Englebert, 2024). ففي هذا النص، يستذكر إنغلبرت حضور فرنسيس في المجهول بوصفه وجودًا في “أرض غريبة”، مستحضرًا غيابه عن مألوف أوروبا. وقد يقول قائل إن أراضي أوروبا في القرن الثالث عشر كانت جميعها أراضيَ غريبة، بتنوع لغاتها وثقافاتها، عن راهب ولد في مدينة أسيزي الإيطالية؛ فما السر إذن في محورية استخدام لفظة “أرض غريبة” تحديدًا عند الحديث عن مصر؟
بناءً على ذلك، يتخذ هذا البحث من “الاغتراب” عدسةً تحليليّة (Analytical Lens) تُخرج الحدث التاريخي (لقاء دمياط 1219م) من أطر التوثيق الوقائعي المجرد إلى رحاب اللاهوت الثقافي والفلسفي. وفي النظرية النقدية المعاصرة، أعاد هارتموت روزا بناء مفهوم الاغتراب ضمن تحليله للتسارع الاجتماعي، موضحًا أنه يظهر في علاقة الإنسان بالزمان والمكان والأشياء والأفعال، مثلما يظهر في علاقته بالذات والآخرين؛ وبذلك يغدو المفهوم أداةً لفهم اختلال علاقة الإنسان بالعالم، وليس مجرد وصف لشعور فردي بالعزلة أو الانفصال (Rosa, 2010).
ومن هذا المنطلق، يستعير البحث مفهوم “الاغتراب” بوصفه أداةً تفكيكية لاختبار طبقات مختلفة من العلاقة بالآخر والمكان والذاكرة؛ فالاغتراب الوجودي يتيح قراءة أوجه التقاطع بين الرهبنة والتصوف في موقفهما من عالم الدنيا، بينما يتيح الاغتراب الهرمينوطيقي النظر في المسافة التي تنشأ عند مواجهة الآخر المغاير، وفي الكيفية التي تتحول بها هذه المسافة من عائق أمام الفهم إلى مجالٍ لإعادة التأويل والإنصات وإعادة تشكيل الذاكرة. ومن هنا، لا يُستعمل “الاغتراب” في البحث باعتباره نتيجةً مسبقة للقاء فرنسيس بالشرق، وإنما باعتباره عدسةً نقرأ من خلالها الحدث وطبقاته اللاحقة من التذكّر والتأويل.
طبقات الغربة في اللاهوت المسيحي وسياق السفر
لتفكيك دلالة “الأرض الغريبة” التي أطلقها أومير إنغلبرت على تجربة فرنسيس الأسيزي، يتوجب الرجوع إلى اللاهوت المسيحي اللاتيني ومفاهيمه الروحية حول “الغربة” (strangeness / alienation / peregrinatio)؛ حيث لا تُعزى الغربة هنا إلى البعد الجغرافي المادي فحسب، بل تشير أيضًا إلى حالة روحية ووجودية تميز موقف المؤمن المسيحي تجاه قيم العالم الدنيوي ومؤسساته:
- الغربة الوجودية والنزول الأرضي (Earthly Alienation): ينطلق هذا المفهوم من النص الكتابي الذي يصف المؤمنين بأنهم “غُرباء ونزلاء” على الأرض (بطرس الأولى 2: 11)؛ فالعالم الدنيوي لا يُفهم هنا بوصفه الموطن النهائي للمؤمن.
- المواطنة السماوية (Heavenly Citizenship): يرتبط الموطن النهائي للمسيحي في التصور الأخروي بالمواطنة السماوية؛ ولذلك يمكن أن يترتب على ذلك روحيًا شعور بالاغتراب النسبي عن بعض قيم العالم وبناه الدنيوية.
- العزلة والانسحاب الرهباني (Monastic Retreat): تعمقت هذه الفكرة تاريخيًا حين اختار الرهبان والنساك العزلة عن بعض أنماط الحياة الاجتماعية المألوفة، والعيش في القفار والبراري والأديرة، للتفرغ للعبادة والسعي الروحي نحو الله.
وهنا تتشكل دلالة مضاعفة لرحلة فرنسيس إلى مصر: إنها “غربة على غربة”؛ غربة وجودية ورهبانية عن بعض القيم الدنيوية، تضاعفت بعبور مادي وجغرافي وثقافي نحو مجتمع عربي إسلامي ومكان مغاير تمامًا لبيئته اللاتينية.
أخلاقيات “استضافة الغريب” وحب المغاير (Xenophilia)
وهنا يتولد التساؤل المفهومي: هل إقبال فرنسيس على مصر يلمّح إلى أن الغربة في الفكر المسيحي لم تكن بالضرورة وسيلة للانكفاء على الذات، بل يمكن أن تفتح أفقًا لما يمكن تسميته بـ”حب الغريب” (Xenophilia)، أي الانفتاح الأخلاقي والروحي على المغاير؟
وهل كان الشرق يمثل “تواري لعيسى بن مريم (تمامًا مثل تواري العبد الخضر بين الناس) في صورة الغريب” (Christ in Disguise) في عين فرنسيس؟ إذ يتأسس هذا التأويل على التعاليم الإنجيلية التي تربط بين خدمة الغريب وخدمة المسيح ذاته: “كُلَّ مَا فَعَلْتُمُوهُ بِأَحَدِ إِخْوَتِي هؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ، فَبِي فَعَلْتُمْ” (متى 25: 40)؛ غير أن الانتقال من هذا المبدأ الإنجيلي العام إلى القول بأنه يصف تجربة فرنسيس في مصر تحديدًا يظل تأويلًا يحتاج إلى الحذر.
أم أن فرنسيس كان يطبق مفهوم “الضيافة المقدسة” (Sacred Hospitality)؛ حيث تحولت ضيافة الغرباء في بعض التقاليد المسيحية إلى واجب ديني وأخلاقي، يُستقبل فيه الغريب بوصفه إنسانًا يحمل كرامة الضيف؟
من هذا المنظور الأخلاقي واللاهوتي، يمكن قراءة عبور فرنسيس الأسيزي لخطوط الحرب في دمياط لا بوصفه مجرد مغامرة في أرض أعداء، بل بوصفه حركة نحو “الآخر” المغاير، يمكن أن تُستعاد في الذاكرة اللاحقة بوصفها انتقالًا من خطوط المواجهة إلى فضاء للاعتراف والإنصات الروحي.
لا يمكن للمجدلة التحليلية المتوشجة من عدة جدائل أن تحسم معنى “الغربة” المنفرد الذي أطلقه أومير إنغلبرت بحدّ قاطع؛ غير أن هذه المفاهيم تفتح أفق فهم التجربة وتأويلها عبر أبعاد لاهوتية وثقافية متراكبة.
من هو الغريب في الذاكرة اللاهوتية المسيحية؟
يمكن لنا القول إن المسيح نفسه ولد وعاش وتألم في بلاد الشرق الأوسط، وفي هذه الرقعة الجغرافية نفسها نشأت حركات رهبانية مبكرة، ولا سيما في مصر والشام، على أيدي ما عُرف لاحقًا بـ”آباء وأمهات الصحاري” (The Desert Fathers and Mothers) (Hänsch and Al Zekri, 2024). ومن ثم، حين نتساءل عن مغزى أومير إنغلبرت لاستذكار رحلة فرنسيس بأنها سفر إلى غربة، فإننا نجد أنفسنا أمام تراكبٍ لعدة عمليات استذكارية: استذكار لأصل التجربة المسيحية الشرقية، واستذكار لرهبنة الصحراء الأولى، ثم استذكار للراهب الأوروبي القادم ليلتقي بالشرق مجددًا.
ويجدر بنا أن نؤكد أن دراسة عملية استذكار صيغ الغربة الدينية للماضي وشخوصه هي عملٌ يتصل مباشرة بدراسة الذاكرة الثقافية والتاريخية عند يان أسمان (Jan Assmann)؛ إذ بيّن أن الأحداث والشخصيات لا تُستعاد في الذاكرة الدينية والثقافية كما وقعت فحسب، وإنما تدخل في عمليات من إعادة التأويل وإعادة التشكيل داخل الحاضر. وفي هذا الإطار، لا تكتفي التقاليد الدينية بالحفاظ على الماضي، بل تختار منه عناصر، وتصوغها، وتستعيدها بما يمنح التجربة المعاصرة معنىً متجددًا (Assmann, 1997).
لكن في مقالتنا الراهنة، سنتوقف فقط عند استذكارات الغربة، ونحن أمام مستويات متعددة منها، تحيط بنا ونسكنها في الوقت نفسه؛ إذ توجد استذكارات لأنواع مختلفة من الغربة، تُؤطَّر في سياقات تناسب وظائف الحاضر و”الهنا والآن”. فهل اغترب الراهب فرنسيس بذهابه إلى مصر لكي يقترب من أراضٍ عاش فيها أسلاف الحركة الرهبانية الذين أسسوا تقاليدها المبكرة، ونعني بهم “آباء وأمهات الصحاري”، والتي هو لاحقًا أحد امتداداتها؟ أم أنه أتى إلى هنا ليذكّرنا بأننا اغتربنا عن أوروبا حين لم نبنِ الجسور التي تتيح لنا الالتقاء في حاضنة الروحانية المشتركة؟ أم أنه جاء ليذكّرنا بأن بيننا وبين الصوفية أخوّةً في كوننا غرباء، نخدم العوام في غربة الدنيا؟
دراسة موسعة: طبقات الغربة، جغرافية الذاكرة، واللقاء الروحي في دمياط
جغرافية اللقاء الأول: الرهبان الشرقيون في المشرق الإسلامي والذاكرة الأدبية
لم يبدأ تاريخ اللقاء الروحي بين المسيحيين والمسلمين مع زيارة فرنسيس الأسيزي لدمياط عام 1219م؛ فقبل القرن الثالث عشر بزمن طويل، كانت المجتمعات الرهبانية المسيحية تُشكّل جزءًا أصيلًا من النسيج الحضاري والاجتماعي للشرق الأدنى. ففي قفار مصر، وبراري الشام، وأرض العراق، وأطراف الجزيرة العربية، عاش النساك والرهبان المسيحيون داخل فضاءات جغرافية وثقافية أصبحت، في مراحل لاحقة، جزءًا من العالم الإسلامي. ومن ثم، لم يكن الحضور المبكر للرهبنة المسيحية في هذه البيئات مجرد تماس متباعد بين حضارتين غريبتين، بل كان جزءًا من واقع اجتماعي وثقافي معقد نشأت فيه أشكال متعددة من التجاور والتفاعل.
وقد انعكس هذا الحضور المبكر جليًا في الذاكرة الأدبية الإسلامية؛ حيث يظهر الراهب المسيحي في كتب الزهد الأولى بوصفه نمطًا مجسدًا للنزوع عن الدنيا، والتبتل، والحرص على العبادة. ويُعد كتاب «الرهبان» للحافظ ابن أبي الدنيا (ت. 281هـ) شاهدًا مهمًا على تشكّل هذه الذاكرة؛ إذ يحفظ مادة أدبية وروايات إسلامية تُستحضر فيها شخصية الراهب للتأمل في معاني الخوف من الله، والفقر الروحي، والبكاء، والجدية في طلب الآخرة (الزكري، 2024). ولا يعني هذا الاستحضار الرمزي وجود اشتقاق لاهوتي مباشر أو نقل مؤسسي من الرهبنة اللاتينية أو الشرقية إلى التصوف الإسلامي، بل يشير إلى حضور صورة الراهب المسيحي الشرقي داخل المشهد الروحي الذي أطر التأمل الإسلامي المبكر في مفهوم الزهد (zuhd).
لقد أظهرت هذه المساحة المشتركة نقاطًا من الائتلاف والتناغم بين الرهبان والراهبات من جهة، والمتصوفة والمتصوفات من جهة أخرى، تكشف عن مساحات من التلاقي الروحي، دون أن تلغي نقاط الاختلاف العقائدي والمؤسسي؛ إذ يمكن النظر إلى الفريقين، في بعض تمثلات الذاكرة الروحية، بوصفهما «رفقاء الغربة» في دار الدنيا، يجمعهما إدراك متقارب لأهمية الروحانية، والانتساب إلى المواطنة السماوية، وخدمة العوام وسط اغترابهم الوجودي.
التفكيك المفهومي لطبقات الغربة (Alienation): تتداخل في تجربة فرنسيس الأسيزي مستويات متعددة من مفهوم «الغربة» (Alienation)، حيث تلتقي الأبعاد اللاهوتية بالأبعاد الجغرافية والثقافية:
- الغربة الوجودية والدنيوية (Earthly Alienation): تتأسس هذه الطبقة على المفهوم الكتابي الذي يرى المؤمن «غريبًا ونزيلًا» في العالم (بطرس الأولى 2: 11). ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة تجربة فرنسيس في التخلي عن الثروة والمكانة الاجتماعية واختياره حياة الفقر بوصفها تعبيرًا عمليًا عن موقف روحي نقدي تجاه قيم التملك والجاه في مجتمعه (Englebert, 2024). ومن هنا يبرز السؤال: هل القديس فرنسيس غريب في أرض غريبة بين غرباء؟
- المواطنة السماوية والغربة الرهبانية (Monastic Retreat & Heavenly Citizenship): في التقاليد الرهبانية المسيحية، ارتبط الزهد والانسحاب من بعض أنماط الحياة الدنيوية بالسعي إلى حياة مكرسة لله. فالراهب قد يختار العزلة أو الفقر أو البساطة، لا بوصف ذلك مجرد اغتراب اجتماعي، وإنما بوصفه ممارسة روحية. ويمكن ربط هذا المسار تاريخيًا بالتقاليد الرهبانية المبكرة وبحركة «الإخوة الأصاغر» التي ارتبطت بفرنسيس في أسيزي (McMichael, 2011; Tolan, 2009).
- الغربة الجغرافية والثقافية – العبور نحو «الآخر» (Geographical & Cultural Alienation): تضاعفت الغربة الوجودية والرهبانية عند فرنسيس حين أضيف إليها عبور جغرافي وثقافي. فلم تكن حركته مجرد انسحاب إلى صومعة في إيطاليا، بل خروجًا إلى فضاء ثقافي وديني وسياسي مغاير. وقد وصل إلى مصر عام 1219م في سياق الحملة الصليبية الخامسة، وعبر إلى معسكر السلطان الملك الكامل، وهو ما تؤكده الشهادة المبكرة لجاك دي فيتري وتناقشه الدراسات الحديثة للقاء (McMichael, 2011).
- الغربة الروحية المشتركة (Mystical Alienation & Spiritual Proximity): في الرقعة الشرقية نفسها، يمكن أن نلحظ بعض أوجه التقارب بين مفهوم الغربة في بعض التقاليد المسيحية وبين صور الغربة والزهد في التصوف الإسلامي؛ حيث يُنظر إلى الإنسان الروحي بوصفه منفصلًا، بدرجات مختلفة، عن التعلق بالدنيا، مع بقائه منخرطًا في خدمة الناس. ومن هنا تبرز فرضية «القرب الروحي»؛ فبالرغم من الفوارق العقائدية واللاهوتية العميقة بين الإسلام والمسيحية، يمكن أن نلحظ بين تجربة فرنسيس وبعض صور الزهد الإسلامي مساحةً من التقارب في مفردات الفقر الروحي، والنزوع عن التملك والسلطة، والبحث عن الله وسط غربة العالم (الزكري، 2024).
من الراهب الشرقي إلى الراهب الأوروبي التجوالي: التحول في جغرافية الذاكرة
يمثل فرنسيس الأسيزي نقطة انعطاف مهمة في اتجاه الذاكرة الدينية؛ فالراهب المسيحي في القرون الإسلامية الأولى كان ابنًا للشرق، يعيش داخل مجتمعات شرقية متعددة الأديان، وتظهر صورته في بعض الأدبيات الإسلامية. أما فرنسيس، فهو راهب أوروبي جاء من إيطاليا إلى مصر في سياق الحملة الصليبية الخامسة.
لقد خلق عبور فرنسيس إلى دمياط إمكانيةً جديدة في الذاكرة الأوروبية؛ فلم يعد العالم الإسلامي مجرد جغرافية بعيدة تُروى عنها الأخبار، بل أصبح مكانًا دخله راهب أوروبي جوّال (Mendicant Friar)، ووقف فيه أمام حاكم مسلم، ثم عاد إلى العالم المسيحي حاملًا ذاكرة تجربة أصبحت قابلة للاستعادة وإعادة التأويل (McMichael, 2011; Tolan, 2009).
أبعاد اللقاء في دمياط (1219م): النقد التاريخي واستعادة المعنى
وقع اللقاء التاريخي بين القديس فرنسيس والسلطان الأيوبي الملك الكامل في سياق الحملة الصليبية الخامسة عند دمياط عام 1219م. وتتنوع المصادر المتعلقة بالحدث وتفسيراتها عبر التاريخ، بما يجعل التمييز بين الشهادة المبكرة والذاكرة اللاحقة أمرًا ضروريًا:
- الشهادات المعاصرة المبكرة: تقدم كتابات جاك دي فيتري (Jacques de Vitry)، أسقف عكا المعاصر للحدث، شهادة مبكرة على عبور فرنسيس إلى معسكر السلطان، وعلى محاولته التبشير والوعظ. ويشير مكمايكل إلى أن أقدم تقرير عن اللقاء يعود إلى كتابات جاك دي فيتري عام 1220م، مع بقاء أسئلة مفتوحة حول دوافع فرنسيس وتفاصيل ما جرى في مجلس السلطان (McMichael, 2011).
- التوظيفات اللاهوتية والسيروية الوسيطة: طورت المصادر الفرنسيسكانية اللاحقة، ومنها كتابات توما السلاني وبونافنتورا، روايات مختلفة للقاء، وأعادت إدماجه في السردية الروحية والسيروية لفرنسيس. ولذلك ينبغي التعامل مع هذه المصادر بوصفها مصادر ذات أغراض وسياقات سردية خاصة، لا بوصفها تقارير محايدة عن الحدث (McMichael, 2011; Tolan, 2009).
- التأويلات الحديثة للحوار والسلام: في القرنين العشرين والحادي والعشرين، أُعيد تأويل اللقاء في سياقات الحوار بين الأديان والسلام والمصالحة، فأصبح فرنسيس يُستعاد في بعض الخطابات الحديثة بوصفه رمزًا لهذه القيم. وهذا الاستحضار الحديث لا ينبغي إسقاطه بأثر رجعي على الحدث نفسه، بل ينبغي فهمه بوصفه مرحلة من مراحل تشكّل الذاكرة اللاحقة. ويظهر هذا بوضوح في الطريقة التي تستعيد بها مؤسسات فرنسيسكانية معاصرة اللقاء بوصفه موردًا للحوار بين الأديان (Englebert, 2024).
وكما يوضح يان أسمان في دراسته للذاكرة الثقافية، فإن دراسة الماضي لا تتوقف عند استعادة الوقائع المجردة، بل تهتم أيضًا بكيفية تخزين الأحداث والشخصيات وإعادة تأويلها داخل التقاليد الدينية والثقافية (Assmann, 1997, 2006). ومن هذا المنظر، تساعدنا الذاكرة الجمعية عند موريس هالبفاكس على فهم الطريقة التي تستعيد بها الجماعات أحداث الماضي داخل أطر اجتماعية وثقافية متغيرة (Halbwachs, 1992).
أخلاقيات “استضافة الغريب” وعودة الذاكرة إلى مصر
تفتح تجربة فرنسيس أفقًا أخلاقيًا يعيد تعريف التعامل مع الآخر المغاير عبر مفهوم «استضافة الغريب» (Sacred Hospitality) و”حب الغريب” (Xenophilia) بوصفهما مفهوميْن تأويلييْن يساعدان على قراءة التجربة، لا بوصفهما مصطلحين تاريخيين ثابتين لوصف موقف فرنسيس نفسه.
لم يكن عبور خطوط المعركة مسعىً لإلغاء التباين العقائدي، بل يمكن أن يُقرأ في الذاكرة اللاحقة بوصفه اقترابًا من الآخر واستعدادًا للقاء به. ومن هنا تكتسب صورة اللقاء بين فرنسيس والسلطان الملك الكامل أهمية خاصة في الدراسات الحديثة لتاريخ العلاقة بين المسيحية والإسلام.
إن النقطة الأكثر إلفاتًا في تاريخ هذه الذاكرة هي عودتها الجغرافية إلى مصر نفسها؛ ففي عام 2019م، وبمناسبة مرور ثمانية قرون على لقاء دمياط، استُعيدت ذكرى اللقاء في سياقات دينية وحوارية معاصرة. وهكذا ارتحلت الذاكرة التي صاغتها أوروبا عن الشرق الأوسط لتعود، في صور حديثة، إلى الأرض الجغرافية التي شهدت أصل الواقعة، مستعادةً داخل حاضر يبحث عن إمكانات جديدة للتآخي والحوار الروحي.
خاتمة: الغريب، والغرباء، وأخلاقيات “تخفيف الغرابات”
في المحصلة، تنجلي تجربة عبور فرنسيس الأسيزي لخطوط المعركة في دمياط لا بوصفها سعيًا لإلغاء التباين العقائدي أو صهر التمايزات اللاهوتية بين أتباع الديانات، بل بوصفها تجربة يمكن أن تُقرأ، في ضوء الذاكرة اللاحقة، باعتبارها اقترابًا من الآخر المغاير ومحاولة للقاء به. ومن هنا يمكن استعادة معنى «الغربة» لا باعتبارها قطيعة مطلقة، بل باعتبارها تجربة قد تفتح، في بعض السياقات، إمكان التعارف والإنصات.
إننا نعيش اليوم في زمن محتدم ومتوتر، تخنقه لغة الحروب، وتصادمه الهويات المتصارعة، وتعقده الاستقطابات بين أتباع الأديان والثقافات. وفي وسط هذا الخناق الحضاري، تبرز الحاجة إلى استعادة تلك البصيرة الروحية: أن الإنسان يعيش، في جانب من تجربته الوجودية، غربةً في هذه الحياة، وأن الاعتراف بهذه الغربة قد يفتح مجالًا للاعتراف بغربة الآخر.
ومن رحم هذا الإدراك المشترك لـ«الغربة الوجودية»، تتخلق مسؤولية أخلاقية تتمثل في «استضافة الغريب» وفتح الأبواب والقلوب أمام المغاير. ولا تعني الضيافة المقدسة إلغاء الاختلاف، وإنما تعني توفير مساحة يمكن فيها للآخر أن يظهر بوصفه آخر، وأن يُسمع صوته، وأن يُعترف بكرامته الإنسانية والروحية.
ومن هنا يمكن أن يصبح مفهوم “تخفيف الغرابات” مدخلًا تأويليًا لقراءة تجربة فرنسيس في ضوء الذاكرة المعاصرة؛ فالمقصود ليس إلغاء الغربة، إذ إن الغربة جزء من التجربة الإنسانية والروحية، وإنما تخفيف حدتها حين تتحول من عزلة إلى معرفة، ومن خوف إلى إصغاء، ومن مواجهة إلى اعتراف.
ولذلك فإن السؤال الذي يظل مفتوحًا أمامنا ليس فقط: ماذا حدث بين فرنسيس والسلطان عام 1219م؟ بل أيضًا: لماذا نستعيد هذا اللقاء اليوم؟ وما الذي نبحث عنه في هذه الاستعادة؟ وهل نستعيد فرنسيس لأنه كان في “أرض غريبة”، أم لأننا نحن أيضًا نبحث عن معنى للغربة في عالم تتزايد فيه المسافات، رغم قرب الناس من بعضهم بعضًا؟
ربما تكمن إحدى إمكانات هذه الذاكرة في أن فرنسيس يذكّرنا بأن الغربة ليست دائمًا قطيعة، وأن الاختلاف لا يمنع بالضرورة إمكان اللقاء. وربما يذكّرنا كذلك بأن الراهب المسيحي والناسك المسلم، رغم اختلاف منظومتيهما العقدية والتاريخية، يمكن أن يظهرا في بعض تمثلات الذاكرة الروحية بوصفهما رفقاء غربة؛ كلاهما يعيش في عالم الدنيا، وكلاهما يسعى، بطريقته، إلى خدمة الإنسان الذي يعيش في هذه الدنيا.
ومن ثم، فإن استعادة فرنسيس في سياق اللقاء مع المسلمين لا ينبغي أن تتحول إلى محاولة لإلغاء الاختلافات التاريخية والعقائدية، بل إلى فرصة لفهم كيفية تشكل الذاكرة، وكيف تستعيد الجماعات شخصياتها وأحداثها، وكيف يمكن للماضي أن يُستدعى في الحاضر لا لتجميل التاريخ، وإنما لإعادة التفكير في علاقتنا بالآخر.
وفي هذا المعنى، لم يكن فرنسيس بداية اللقاء بين المسيحيين والمسلمين، لكنه أصبح جزءًا مهمًا من الطريقة التي تذكرت بها أوروبا لقاءها مع العالم الإسلامي. وربما كانت قيمة هذه الذاكرة اليوم في أنها لا تطلب منا إلغاء الغربة، بل أن نتعلم كيف نعيشها معًا، وأن نخفف من غراباتنا المتبادلة، وأن نبحث، وسط اختلافاتنا، عن المساحات التي يمكن أن تتيح للإنسان أن يرى في الغريب إنسانًا، وفي المختلف شريكًا في سؤال الروح، وفي الذاكرة مجالًا لإعادة بناء الجسور.
د. محمد الزكري القضاعي
المراجع والمصادر
الزكري، محمد. (2024). «كتاب الرهبان للحافظ ابن أبي الدنيا؛ تحوّل علاقات الصوفية مع الرهبان النصارى». مجلة التنويري.
- Assmann, J. (1997). Moses the Egyptian: The memory of Egypt in Western monotheism. Harvard University Press. https://doi.org/10.4159/9780674020306
- Assmann, J. (2006). Religion and cultural memory: Ten studies (R. Livingstone, Trans.). Stanford University Press.
- Englebert, O. (2024, March 1). Meeting Sultan Malik al-Kamil: St. Francis in a foreign land. Franciscan Media. https://www.franciscanmedia.org/franciscan-tradition-and-resources/meeting-sultan-malik-al-kamil-st-francis-in-a-foreign-land/
- Feindt, G., Krawatzek, F., Mehler, D., Pestel, F., & Trimçev, R. (2014). Entangled memory: Toward a third wave in memory studies. History and Theory, 53(1), 24–44. https://doi.org/10.1111/hith.10693
- Hänsch, M., & Al Zekri, M. (2024). Echoing Jesus of Nazareth: The Spiritual Imprint for the Community of Fathers and Mothers in the Arabian Sands. Darat Ibn alZekri alAlmaniye.
- Halbwachs, M. (1992). On collective memory (L. A. Coser, Ed. & Trans.). University of Chicago Press.
- McMichael, S. J. (2011). Francis and the encounter with the Sultan (1219). In M. J. P. Robson (Ed.), The Cambridge companion to Francis of Assisi (pp. 127–142). Cambridge University Press. https://doi.org/10.1017/CCOL9780521760430.010
- Rosa, Hartmut. (2010). Alienation and Acceleration: Towards a Critical Theory of Late-Modern Temporality. Budapest & New York: Central European University Press.
- Tolan, J. V. (2009). Saint Francis and the Sultan: The curious history of a Christian-Muslim encounter. Oxford University Press.
- Vásquez, A. (2009, February 28). God in a broken frame and shattered glass: Another look at sacred imagery. Catholic Exchange. https://catholicexchange.com/god-in-a-broken-frame-and-shattered-glass-another-look-at-sacred-imagery/
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




