التنويريدراسات دينية

لا تضع على التدبر أقفالاً (١)

قطيعة التدبر: هل تحول القرآن في حياتنا إلى مجرد طقس صوتي؟

لا تكادُ تخلو مساجدنا ودورنا، وحتى سياراتنا، من دويّ التلاوة، وفي سباق الحفظ يتنافسُ المتنافسون؛ وهذا لعمري من بشائر الخير التي تُبهج النفس. لكننا اليوم أمام مفارقة عجيبة: كيف يضجّ الواقع بالقرآن صوتًا، ويشكو هجرانًا في الأعماق؟ إننا لا نتحدثُ هنا عن الهجر السطحي بترك تلاوة المصحف وحفظه، بل عن “قطيعة التدبر” والاستلهام. فهل تحول القرآن في حياتنا إلى طقس صوتي نغفل فيه عن لُبّ الرسالة؟ وهل قرأنا صريح قوله تعالى: (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها)؟، أم مررنا عليها مرور الكرام؟

١/ المنع حراسة أم تعطيل؟

يتذرع البعض بحجة “حماية النص” لتهويل عملية التدبر، وكأنّ استخلاص الدروس من كتاب الله مغامرة غير مأمونة العواقب، أو كأنّها بوابة لتحريف المقاصد. يخلط هؤلاء —عن قصد أو دون قصد— بين “التدبر” الذي هو دعوة إلهية عامة، وبين “التفسير بالرأي” المنهي عنه. فهل يُعدّ التدبر حكرًا على فئة، والقرآن نزل بلسان عربي مبين، لقد أفصح بكونه (هُدًى لِّلنَّاسِ)، فهل حقًا بيننا وبين فهم الآيات خَرْطُ القتاد؟، أظنّ أنّ في الأمر مغالطة تحجب الجلي من الأوامر، فهناك آيات واضحات مثل: آيات السلم، والصيام، والغيبة، وسواها، فهل بالفعل هذه الآيات طلاسم لا تُفهم إلا بعباءة أهل العلم، بينما الحقيقة التي يقر بها الجميع أنها آيات تخاطب الفطرة قبل العقل، والصغير قبل الكبير، والإنسان البسيط قبل المتضلع في العلوم.

 نقل لي أحدهم: أن رجلًا بسيطًا جادل شيخًا يُهول أمر التدبر، فقال الرجل: “يا شيخ، هل القرآن بلسان عربي مبين؟”، قال: بلى. قال: “وهل هو هدىً وشفاءٌ للناس؟”، قال: بلا شك. فقال الرجل: “فهل يُعقل أن يبعث اللهُ رسالة لهدايتنا، ثم يعجز الناس عن فهم مرادِه منها؟!”. سكت الشيخ، وأدرك أنّ فطرة الرجل غلبت حراسته.

٢/ جواهر الأعماق

لماذا تجافت أعيننا عن النظر في الأعماق وركنا إلى السطح؟ إنّ من يمنع الناس عن تدبر القرآن يساهم في هجرانه وهو يظنّ أنه يذود عنه! والآن تأملْ معي في بهاء اللفظ القرآني؛ لماذا قال سبحانه (وَقَضَىٰ رَبُّكَ) ولم يقل “وأمرَ ربك”؟ إنّ استحضار كلمة “القضاء” ينقلنا إلى أجواء المحكمة الإلهية المطلقة، حيث القاضي هو الله، مما يمنح الروح مهابة لا تدركها القراءات العابرة. وكذلك في قوله: (غِيضَ الْمَاءُ) و (فَارَ التَّنُّورُ)؛ كلمات تقطر إعجازًا، وتحتاج لعين باصرة تستنطق المكنون، لا بلسان يكتفي بهزّ الهواء بنبرات الصوت وكفى!

وإليك هذه الحكاية، يحكى أنّ أعرابيًا سمع قارئًا يتلو قوله تعالى: (فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا)، فوقف مذهولًا من بلاغة اللفظ، وكيف اختصرت هذه الكلمات حال إخوة تآمروا في خلوتهم بلفظ معجز! فقال بيقين: “أشهد أنّ هذا ليس من كلام البشر”. لقد كان تدبر لفتة واحدة كفيلًا بأن يوقظ قلبه، ويجعله يقتنص اللؤلؤة الثمينة من جوف المحار.

٣/ القرآن إفاقة القلوب

التدبر ليس ترفًا ذهنيًا، بل هو صدمة يقظة. ولنا في قصة ذلك “اللص” عِبرة؛ حين هزته آية واحدة، هي: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ). لم يمر عليها مرور العابرين، بل تدبرها بعمق حتى ارتعدت فرائصه وقال بصدق: “بلى قد آن”. فهل كانت السطحية في القراءة ما أفاق قلبه؟، أم هو ذلك العمق الذي حرك وجدانه وأطلق عنان توبته؟ هل هذه القراءة المعمقة لآية واحدة أهم؟ أم تلك الختمات المطولات التي لم تتجاوز الحنجرة؟ هنا يتجلى القرآن هاديًا، حين تتحول الآية الصغيرة من نص مقروء إلى قرار مصيري، يغير المسلك من ضفة الضياع إلى جنان البصيرة. ومما قرأت أنّ أحد العبّاد كان إذا مرّ بآية وعيد أمضى ليله باكيًا يرددها، فسأله صاحبه: “أتتعب نفسك بآية واحدة؟”، فقال: “يا أخي، إنّ القلوب الحية يكفيها آية واحدة تتعظ بها، ولو آمنت أنّ هذا الخطاب من ربّ العالمين لعذرتني”. ثم أردف قائلًا: “لقد قرأت قوله تعالى: (وَقِفُوهُمْ ۖ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ)، فشعرت أنّ القدم قد زلّت، وأنّ السؤال موجه لي أنا لا لغيري!”. وهكذا كانت وقفته مع الآية خيرًا له من ألف ختمة بلا أثر.

في الختام: إننا لا نحارب الحفظ ولا نقلل من شأن الترتيل والمقامات، بل نسعى لتعميقها؛ فالمتأمل في الآيات سيتفوق في الحفظ وسيزداد في ضميره الأثر. إننا نتطلع لذلك اليوم الذي نرى فيه “حلقات التدبر” في مساجدنا تُزاحم بجلالها حلقات التلقين.

فشتان بين من يغترف من معين السطح، وبين من يغوص في الأعماق لينتزع من المحار أثمن الجواهر واللآلئ.

عبدالعزيز آل زايد


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى