التنويريدراسات دينيةمكتبة التنويري

مفهوم القضاء والقدر: من العلم إلى المشيئة

دعوة قرآنية لتجديد الفهم الديني: قراءة في انتقال القضاء والقدر من نظرية العلم الأزلي إلى نظرية المشيئة

صدر حديثا لكاتب هذه الفقرات عن الدار المغربية للنشر والتوزيع مؤلف من جزأين بعنوان “محاسن إعادة النظر في مفهوم القضاء والقدر: من نظرية العلم إلى نظرية المشيئة“. والعنوان يشير إلى مسألتين: الأولى أن الإشكال في مسألة القضاء والقدر يتمحور حول المفهوم قبل أن يكون حول القضايا التي أثارها الفلاسفة والمتكلمون، والثانية أن حل الإشكال قد يكون بارتكاز القضاء والقدر على المشيئة بدل العلم.

أولا: محاور الكتاب

يتكون الجزء الأول من مقدمة وبابين وخاتمة، كل باب يتكون من عشرة محاور. نفس الأمر بالنسبة للجزء الثاني. الباب الأول خصص لمقدمات منهجية ليتمكن القارئ من معرفة طريقة الكاتب في الفهم والتحليل، أما الباب الثاني فعرض لمختلف الآراء المعروفة والتي اعتمدت نظرية العلم (العلم، العليم، القلم، الكتابة، اللوح المحفوظ) وصولا إلى محاولة بناء نظرية المشيئة في القضاء والقدر (القدرة، الأهلية، القرار، المسؤولية، المحاسبة)، أما الباب الثالث فاهتم بتصنيف مراتب القضاء والقدر وفق المنظور الجديد، والباب الرابع خصص للرد على الشبهات واستنتاج الخلاصات.

أما المقدمة فبعد أن أشارت إلى أهمية الموضوع وصعوبة الخوض فيه أكدت أن كل الطوائف الإسلامية إنما كانت تدافع عن بعض أسماء الله الحسنى، فكان منهم الأشاعرة الذين يؤسسون فهمهم على اسم الله “العليم” في مقابل المعتزلة الذين أدخلوا اسم الله “العدل” إلى جانب اسمه “العليم”. والحقيقة أن الأمر لا يتعلق فقط باسمي العليم والعدل بل ببقية أسماء الله الحسنى التي لها صلة بالفعل وردة الفعل. وبتعبير أوضح فإن الإشكال في موضوع القضاء والقدر مرتبط كذلك بذات الله تعالى وأسمائه وصفاته، وليس فقط بذات الإنسان وحريته ومسؤوليته.

الفرضية تأسست على ملاحظة مفادها أن كتابات الأولين تربط بشكل مباشر بين القضاء والقدر من جهة؛ وبين العلم الرباني والقلم والكتابة في اللوح المحفوظ قبل الخلق من جهة ثانية… ومن الوهلة الأولى يظهر لك أن هذا الربط على مستوى اللغة لا أساس له، فلا صلة ل “قضى” ب “علم” على مستوى الاشتقاق اللغوي، وبالتالي هل له أساس على مستوى الشرع قرآنا وسنة؟ أوليس هذا الربط الميكانيكي هو أصل المشكلة؟ وهل يوجد أساس آخر يرتكز عليه القضاء والقدر انطلاقا من المعرفة الدينية يمكننا من تحديد تعريف جديد للقضاء والقدر بمعايير ومحددات تجيب عن الإشكالات التي أفرزها التعريف الموروث؟

يمكن أن يكون أساس القضاء والقدر هو قدرة الله كما قال عمر بن الخطاب: “القدر قدرة الله”، ويمكن أن يكون القضاء هو ما أقدرنا الله عليه لنواجه التحديات مثلما يتعالج الدعاء مع البلاء إلى يوم القيامة. وهذا المعنى يمكن أن يستفاد من أقوال أبي بكر وعمر وعلي رضي الله عنهم أجمعين. بل يمكن أن يكون القضاء والقدر تعبيرا عن أسماء الله الحسنى مضافة إلى أمانة الاستخلاف التي حملها الإنسان، والتي بموجبها كان الخلق والأمر والحساب والجزاء.

ثانيا: المنهج المعتمد

لقد اعتمدت المنهج الفكري (التحليلي)، بخلاف استعمال الفلاسفة للمنهج الفلسفي ﴿النسقي التجريدي) أو اعتماد علماء الكلام على الحجج المنطقية واللغوية. فالمنهج الفلسفي يعتمد فيما يعتمده المفاهيم العقلية أو المنطقية المجردة والمطلقة للوصول إلى ماهية الشيء. ذلك أن الوسيلة إلى الحقيقة ليست عقلية فحسب، وإنما هي نقلية في إحدى جوانبها خصوصا الحقيقة الدينية والأخلاقية، وعقلية من جهة ثانية خصوصا الفكرية والإبداعية، وتجريبية من جهة ثالثة خصوصا في شقها التقني والعلمي، وكثيرا ما يجب استعمال عنصرين أو أكثر في الحقيقة الواحدة.

والمنهج الفلسفي يعتمد النسقية، وهي أن الفيلسوف إنما ينظر إلى الحقيقة من خلال منظور فلسفي منسجم، فهو مثلا إذا قال إن السلوك البشري الاجتماعي يفسره العقل أو الضمير أو المصلحة أو الشهوة … بقي سجينا لرؤيته الفلسفية المنسجمة. في حين أن الدراسة الفكرية تجمع في تفسير السلوك الاجتماعي بين ذلك كله، فتنص أن الأفراد يتأثرون بالعقل وبالضمير وبالمصلحة وبالإكراه وبالشهوة… مستعملين لتقدير نسبة كل منها الملاحظة والاستمارة والتجربة… بينما يكتفي المنهج الفلسفي بأسلوب الحجاج اللغوي والبرهان المنطقي للوصول إلى ماهية الشيء وليس إلى تفاصيله…

كان المنهج الاستقرائي مكملا للمنهج التحليلي، وقدم نتائج مفيدة في مجموعة من المحاور منها: محور الهداية والضلال الذي استقر الرأي فيه على خمسة مراتب عوض أربعة حيث أغفل السادة العلماء المرتبة الثالثة التي من اختصاص الإنسان وهي هداية الاستجابة والتطبيق ﴿ مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ ﴾ (الإسراء: 15). وكذلك أفادني المنهج الاستقرائي في محور القلم والكتابة إذ تبين أنها على ستة أصناف متباينة. واستعملته كذلك في ثنايا محاور أخرى مثل تمييز الفاعل، ومسألة خلق الأفعال، وأصناف العلم.

ثالثا: مصادر البحث

ملاحظة أخرى سجلتها الدراسة، هي اعتماد المفهوم الذي ورثناه عمن قبلنا – من الفلاسفة والديانات السابقة – على الأحاديث النبوية بدل الانطلاق من القرآن الكريم. والقرآن الكريم هو المتحدث بامتياز – في اعتقادي – عن حقيقة القضاء والقدر، والبحث في غيره قبله مضيعة للجهد وخروج بالموضوع عن أساسه. فلا يجب البدء من الأحاديث النبوية، وهي التي قد تكون معرضة للكذب عن رسول الله ﷺ، أو اعتراها زيادة أو نقصان أو رواية بالمعنى عوض الحفاظ على اللفظ، والتي لا يمكن بإجماع الأمة أن تكون مخالفة لآيات الذكر الحكيم، بل مؤكدة ومفسرة ومبينة وتابعة لها. إلى جانب تخصص القرآن في بناء العقيدة، وتميزه بالحفظ في اللفظ، فإنه غزير المعنى؛ دقيق التعبير؛ يلامس الفكر والوجدان. بالإضافة إلى هذا كله، فالقرآن وحدة متكاملة ومتراصة، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (النساء، 82).

أما السنة النبوية فهي المصدر الثاني للتشريع بإجماع المسلمين، وقد جاءت مؤكدة ومفسرة ومبينة ومفصلة للقرآن الكريم. فالسنة النبوية فصلت مجمل القرآن، وبينت مشكله، وخصصت عامه، وقيدت مطلقه مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (النحل، 44). كما أنها شرعت أحكاما باعتبارها من حيث المصدر وحي كالقرآن سواء بسواء مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (الحشر، 7). وقوله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (الأنفال، 20).

لذلك فبدون السنة لا تستقيم عقيدة ولا شريعة، ولا يصلح دين ولا دنيا. لكن هذه المكانة الشريفة والمقامة الرفيعة لا تجعلنا نغفل بأن السنة لابد وأن تأتي بعد القرآن وليس قبله، لأن الحقائق الكبرى تأخذ من القرآن أولا، والسنة تفصيل للفروع. ومسألة القضاء والقدر من الأمور العظيمة التي فصل فيها القرآن الكريم كثيرا.

ولابد أن نشير أن عقيدة القضاء والقدر قد بنيت على الأحاديث، بينما نجد الآيات القرآنية مكملة ومبينة وتابعة للحديث. فعوض أن ينضبط الحديث للآيات القرآنية نجد العكس. فعشرات الآيات عوض أن تساند بعضها بعضا، وتفسر بعضها بعضا، تجد الحديث الواحد يغير معانيها الظاهرة إلى معاني مؤولة. وهكذا يكون كل حديث أسيئ فهمه؛ أو تغير لفظه؛ أو تم وضعه واختراعه قد شوش على مقصود الله تعالى من آياته المنزلة على رسوله ﷺ.

رابعا: نظرية العلم في القضاء والقدر

أما على مستوى اللغة فنظرية العلم جعلت القضاء هو علم الله الذي كتبه في اللوح المحفوظ منذ الأزل، والقدر هو نفاذ ذلك العلم في الواقع بحلول الأجل، مما يجعلنا نتساءل عن علاقة القضاء بالعلم على مستوى الاشتقاق اللغوي؟ ثم على مستوى الوحي قرآنا وسنة؟ وما حدود تلك العلاقة؟ ذلك أن اعتبار علم الأحداث كتب منذ الأزل، بعلم الله الأزلي يجعل هذه المحدثات ضرورية وأزلية وواجبة الحدوث، وهذا مناف للتوحيد من جهة، ومخالف لصريح الحديث الذي بين أن كتابة الكائنات الباقيات إلى يوم القيامة من السماوات والأرض والنجوم والأفلاك محدد في خمسين ألف سنة فقط قبل خلقها. وهو عمر لا يكاد يذكر في أزلية الزمان بله أن يكون ذلك مطابق لأزلية الخالق.

خامسا: نظرية المشيئة في القضاء والقدر

أما نظرية المشيئة لما انطلقت من القرآن الكريم وجدت أن القضاء هو القرار بلغة العصر، والقدر قرار جزئي، فالله يقضي بخلق السماء ويقدر نجومها، ويقضي بخلق الأرض ويقدر الأرزاق فيها. قال تعالى: ﴿ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ ﴾ (الإسراء: 23)، وقال عز من قائل: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا فِيٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٖ سَوَآءٗ لِّلسَّآئِلِينَ * ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ * فَقَضَىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَاتٖ فِي يَوۡمَيۡنِ وَأَوۡحَىٰ فِي كُلِّ سَمَآءٍ أَمۡرَهَاۚ وَزَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِمَصَٰبِيحَ وَحِفۡظٗاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ ﴾ (فصلت، 10-12).

أما على مستوى المفهوم، فإذا كانت القراءة السطحية للأحاديث النبوية توحي أن الأحداث معلومة أزلا ومكتوبة في اللوح المحفوظ فإن روح القرآن الكريم تجعلها في إطار المشيئة المطلقة. فربنا يفعل ما يشاء ويختار في كل حين، قال تعالى: ﴿ اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ۚ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ ۚ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ۚ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ ۖ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ ۚ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۖ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا ۚ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ (البقرة، 255). وقال سبحانه: ﴿ إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ (النحل: 40).

سادسا: أنواع العلم

فالقرآن الكريم لا يلغي العلم، لكنه يميز بين أنواع منه. هناك الإدراك الذي به يتم الفهم والاستيعاب، فنقول الإنسان عاقل والله عليم، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، فلولا العلم بطلت فائدة السمع، وهناك الدراية والخبرة والحكمة في تصريف الأمور وتدبيرها ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدا﴾، ويوجد العلم القبلي بأمر قرره ربنا وتكفل بإنجازه بقوته القاهرة ﴿عنده علم الساعة) كما يوجد علم بالحاضر من خلال ملكة السمع والبصر ﴿ويعلم ما في الأرحام﴾. قال تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا ۖ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (لقمان: 34). فاختصارا يمكن القول هناك علمان مختلفان: علم الملكة، وهو أزلي وضروري وواجب، به يتم القضاء إلى جانب القدرة والإرادة، وعلم بالحوادث هو وليد القضاء والحكم بإيجاد هذه الحوادث.

والقرآن الكريم يوضح أن هناك أمورا باقية إلى يوم القيامة، منها السماء والأرض والكواكب… وهي باقية بأمر الله وقوته، ولا تفنى إلا بقراره وجبروته ﴿ يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ (الأنبياء، 104)، وهو ما تشير إليه الأحاديث “إن أول ما خلق الله تعالى القلم، فقال له: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة”، وفي رواية: “إن أول ما خلق الله القلم، فقال له: اكتب، فجرى بما هو كائن إلى الأبد”. فهذا غير الأحداث المنتهية مثل “ضرب زيد عمرا”. والتي لا تدوم إلا فترة وجيزة. وفي الحديث: “إنَّ اللَّهَ قدَّرَ مقاديرَ الخلائقِ قبلَ أن يخلقَ السَّمواتِ والأرضَ بخمسينَ ألفَ سنةٍ وَكانَ عرشُهُ على الماءِ” فعبارة مقادير الخلائق وجب أن تصرف للكائنات الباقيات إلى يوم القيامة (الأفلاك والنجوم والجبال والبحار…) مثلما أشار الحديث نفسه.

سابعا: وظيفة الكتابة وأنواع الكتب

إن الكتابة قبلية وليست أزلية، لكنها وإن قامت بوظيفة علمية إخبارية فإن لها وظائف قيومية أخرى مثل إثبات القدرة والتدبير والمراقبة، وإذا كان موضوع ما يسمى بلغة القرآن “كتاب الله” هو الأكوان الباقية، كما في قوله تعالى: ﴿.إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ﴾ (التوبة، 36) وكذلك في قوله تعالى: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَىٰ يَوْمِ الْبَعْثِ ۖ فَهَٰذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَٰكِنَّكُمْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (الروم، 56) فإن هناك كتابا قبله يسمى “أم الكتاب” فيه مبادئ العدل التي تحكم الخلائق قبل خلقها ﴿ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ (الرعد: 39)، فالمحو والإثبات ليس عشوائيا ولا عبثيا ولا اعتباطيا، ثم يوجد كتاب بعده يسمى الكتاب المبين فيه تسجل أحداث الكون لحظة بلحظة قبل وقوعها. وهذا الكتاب يفرض علما قبليا وليس أزليا ﴿.وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ (الأنعام، 59)، وقال سبحانه: ﴿ مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ (الحديد: 22). دون أن ننسى الإمام المبين الذي تسجل فيه الحسنات والسيئات، وهو بعدد المكلفين، وكذلك الكتب المنزلة على الأنبياء التي اشتملت الأوامر والنواهي، وأخيرا ما يكتب ليلة القدر التي ﴿ فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا ۚ إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ﴾ (الدخان: 4-5).

إن المشيئة الربانية الدائمة والمطلقة التي يعتبرها القرآن أساسا لما يحدث في الكون نجدها مسبوقة بالعلم الخبري والكتابة الأزلية عند علماء العقيدة مما يجعلها مقيدة إن لم نقل منعدمة. فإذا كان أمر ما واقعا بالضرورة انتفت المشيئة في منعه واعتبرت زائدة في وجوده. وما دمنا في مسألة العلم فإن انعدامه في المعدوم وجوده وعلمه ليس جهلا وإنما هو علم بحقيقته، والأحداث ليست أزلية لكي تكون معلومة وإنما وجودها متوقف على مشيئة الله الدائمة والمستمرة قبل اللوح المحفوظ وبعده، فينتج علم بوجودها بعد أن يقضي الله تعالى بوجودها متى شاء على الكيفية التي يشاء، ولا تصبح معلومة لنا إلا بعد أن يبرئها الله تعالى أو يأذن بوجودها.

ثامنا: القيومية والقضاء والعلم الخبري

والقرآن الكريم يعتبر استجابة الناس للابتلاء بالخير والشر أساسا للعلم بأحوالهم السلوكية والأخلاقية، وأحوالهم الإيمانية، فالله خلقهم على الفطرة وهم يختارون العقل أو الهوى، الضمير أو الغريزة، الحق أو الباطل، قال تعالى: ﴿ وَنَفۡسٖ وَمَا سَوَّىٰهَا * فَأَلۡهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقۡوَىٰهَا * قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا ﴾ (الشمس: 7-10). والابتلاء هو الامتحان الذي به يعرف المسلم من الكافر، والمؤمن الشاكر من المنافق الفاجر. قال سبحانه: ﴿ وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا ۗ وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ ۚ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ ۗ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ (البقرة: 143) ، وقال عز وجل: ﴿ وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ ۗ وَرَبُّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ (سبأ: 20-21).

قد يعترض أحدنا أن الله تعالى أخبر بطبيعة استجابة أقوام قبل أن يفعلوا، مثل قوله تعالى: ﴿بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (الأنعام: 28) فقد بين سبحانه كذبهم الذي تكرر في حياتهم مرات عديدة حتى طبع على قلوبهم وأصبح ذلك صفة لازمة لهم لا يستطيعون لها صرفا ولا تحويلا. قال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ۙ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَٰذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ * فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۗ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَىٰ أَنفُسِكُم ۖ مَّتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (يونس: 22-23).

تاسعا: مفهوم القضاء والقدر وفق نظرية المشيئة

بعد هذا العرض المقتضب فما حقيقة القضاء والقدر؟ القضاء لغة هو “القرار” بلغة العصر، والخلق قرار، والاستخلاف قرار، والأمر قرار، والفعل قرار، والترك قرار… وصاحب الخلق والأمر على وجه الحقيقة هو الله تعالى، والإنسان مستخلف بموجب مرسوم رباني ﴿ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 30). فالله قيوم على ملكه والإنسان حمل أمانة عمران الأرض، فهو قائم عليها ومسؤول عنها. فالقيومية رمز للحياة والقدرة والاستطاعة من جهة، وتقتضي اتخاذ قرارات من جهة أخرى، وتستلزم مسؤولية ومحاسبة من جهة ثالثة.

والقرآن الكريم حدد المحاور الكبرى للقضاء والقدر، أحدها أن الخلق والأمر لله، أولا على وجه الحقيقة، ثم في الأكوان على سبيل الاختصاص الحصري الذي لا يدخله الشريك، قال تعالى: ﴿.إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (الأعراف: 54).

وثانيها: على مستوى التشريع الذي ينبغي أن يقابله الإنسان بسمعنا وأطعنا وليس بسمعنا وعصينا، قال تعالى: ﴿ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (الأحزاب: 36). وهذه الآية في نظري أصل في معنى القضاء والقدر، وهي تبين أن المؤمن الحقيقي هو من يجعل مشيئته مطابقة لمشيئة الله عز وجل بكل قناعة ورضى واطمئنان سواء علم الحكمة من الأمر أو جهلها.

والثالث: على مستوى الحكم بقدر الشيء ومقاديره ووظيفته وسنته… التي جعلها الله له دون إفراط ولا تفريط، قال تعالى: ﴿ لَيۡلَةُ ٱلۡقَدۡرِ خَيۡرٞ مِّنۡ أَلۡفِ شَهۡرٖ﴾ (القدر، 3)، وقال سبحانه: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٞ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡۚ…﴾ (آل عمران: 144) وقال عز من قائل: ﴿ قَدۡ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَيۡءٖ قَدۡرٗا ﴾ (الطلاق: 3).

والرابع: بتقبل المخلوقات التي جعلها الله تحت سيطرة الإنسان أو التي تنازع الإنسان، قال تعالى: ﴿ وَرَبُّكَ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخۡتَارُۗ مَا كَانَ لَهُمُ ٱلۡخِيَرَةُۚ سُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ﴾ (القصص: 68).

والخامس: بقبول الابتلاءات التي تنزل على الإنسان دون أن تكون له يد فيها، وأن يتعامل معها كما يريد ربه ويرضى، قال سبحانه: ﴿ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ خُلِقَ هَلُوعًا * إِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ جَزُوعٗا * وَإِذَا مَسَّهُ ٱلۡخَيۡرُ مَنُوعًا * إِلَّا ٱلۡمُصَلِّينَ * ٱلَّذِينَ هُمۡ عَلَىٰ صَلَاتِهِمۡ دَآئِمُونَ ﴾ (المعارج: 19-23).

السادس: ما الإجماع والقياس والاستحسان والاجتهاد وعلم المقاصد والحديث والتفسير والتدبر… والأمر بالمعروف والفطرة السليمة والسنن الكونية إلا مجالات لإرادة الله التي علينا اكتشافها والانقياد لروح مقاصدها وابتغاء حكمها والمصالح التي تنشدها.

فالملاحظ أن مثل هذه الأمور هي التي توجب الرضى بها في السراء والضراء، وسواء اعتبرنا أنها خير أو ظننا أنها شر. فالله تعالى هو من يعلم حقيقتها، قال تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ﴾ (البقرة: 216)، وفي الحديث (وأن تؤمن بالقضاء والقدر خيره وشره)، وفي دعاء الاستخارة نقول “اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاصرفه عني واصرفني عنه، واقدر لي الخير حيث كان ثم ارضني به”. فلما طلب الشارع أن تؤمن بالقضاء والقدر فقد دعاك أن تسلك مسلكا ربانيا باختيارك غير متسخط ولا معترض.

فحديث جبريل لا يعتبر أعمال العباد مكتوبة في اللوح المحفوظ قبل خلقهم، وأن مصيرهم محتوم بغض النظر عن أفعالهم الاختيارية الحرة، وإنما يطلب منهم التسليم والرضى بما اختص الله به، والتسليم والرضى بما أمروا به لكي يسلموا ويكونوا من الفائزين. فمقتضى القضاء والقدر أن يكون القرار البشري وفق ما يرضي الله تعالى المختص بالخلق والأمر.

عاشرا: ثمار نظرية المشيئة كأساس لمفهوم القضاء والقدر

إذا صح ما سبق، يمكنني القول إن غمامة من الأسئلة المحيرة في عقول الشباب قد انكشفت، وإن فجوة كبيرة بين القضاء والقدر من جهة؛ وبين مقتضيات القانون من مسؤولية ومحاسبة قد هدمت، بل إن الموضوع بدأ ينفتح على العلوم التقنية من صناعة وطب وزراعة، لكون القدر هو قرار في الأجزاء ضمن القضاء في الأشياء، ويشمل ذلك الحجم والوزن والحركة والوظيفة واللون والعلاقة مع الأشياء الأخرى… فكل اختلال اجتماعي أو خلل صحي أو اختلاف فكري أو اضطراب نفسي أو فشل تقني إلا وأصله علة في القدر، أي في تقدير الأمور وإعطاءها المقدار الواجب دون إفراط ولا تفريط. قال تعالى: ﴿ إِنَّا كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقۡنَٰهُ بِقَدَرٖ﴾ (القمر: 49) وقال سبحانه: ﴿ أَنِ ٱعۡمَلۡ سَٰبِغَٰتٖ وَقَدِّرۡ فِي ٱلسَّرۡدِۖ ﴾ (سبأ: 11)، وقال سبحانه: ﴿ وَٱلشَّمۡسُ تَجۡرِي لِمُسۡتَقَرّٖ لَّهَاۚ ذَٰلِكَ تَقۡدِيرُ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡعَلِيمِ * وَٱلۡقَمَرَ قَدَّرۡنَٰهُ مَنَازِلَ حَتَّىٰ عَادَ كَٱلۡعُرۡجُونِ ٱلۡقَدِيمِ * لَا ٱلشَّمۡسُ يَنۢبَغِي لَهَآ أَن تُدۡرِكَ ٱلۡقَمَرَ وَلَا ٱلَّيۡلُ سَابِقُ ٱلنَّهَارِۚ وَكُلّٞ فِي فَلَكٖ يَسۡبَحُونَ ﴾ (يس، 38-40).

وعليه إذا فعلنا حسنة فالفضل من الله الذي أحسن خلقتنا، ووهبنا العقل والفهم، وهدانا بالرسل والكتب، وأنعم علينا بالاستطاعة والتوفيق، وإذا فعلنا سيئة لم تكن ضرورية ولا واجبة الوقوع، فوزرها علينا حيث قابلنا الهداية بالضلالة، والنعمة بالغواية، ولم يكن واجبا على الله أن يمنعنا في السيئة كما وفقنا في الحسنة. فنسبة الضلال إلى الله لا حجة عليه، قال تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ (الزخرف: 20). فذلك ليس حقيقيا، ولو كان حقيقيا لكانوا يتنبؤون وليس يخرصون.

هكذا يكون القضاء حكم بإيجاد شيء، والقدر حكم في تفاصيله وخصائصه وسننه… ويكون الإيمان بالقضاء والقدر تعهد بتطويع الإرادة البشرية لتكون ربانية المصدر في المنشط والمكره، فيكون لدينا مفهوما نفعيا يساهم في إصلاح الفرد والجماعة، وله سند من القرآن والسنة واللغة العربية، وهو مفهوم ديناميكي تكون الكتابة فيه تعبير على العدل في أم الكتاب، وعلى القدرة في كتاب الله، وعلى الحفظ والإحاطة في الكتاب المبين، والمراقبة في الإمام المبين، والتدبير الاستراتيجي في ليلة القدر وليست الكتابة مجرد علامة على العلم الخبري. فلما كان اسم “القيوم” هو اسم الله الأعظم دل ذلك على سمو المشيئة الإلهية على المشيئة البشرية، فالله فاعل ومريد والإنسان فاعل ومريد، لكن الإنسان قد يفعل ما لا يريده الله لكن لا يمكنه أن يفعل إلا ما شاءه الله وسمح بوجوده، قال تعالى: ﴿إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ * لِمَن شَآءَ مِنكُمۡ أَن يَسۡتَقِيمَ * وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ﴾ (التكوير، 27-29).

إحدى عشر: مراحل الفعل البشري

فالإنسان ليس ريشة في مهب الريح وأفعاله ليست واجبة الوقوع، فهو يفعلها باختياره، بخلاف ما يعتقده الأشاعرة، لكنه لا يستطيع أن يفعلها إلا إذا مكنه الله من فعلها بخلاف ما يصرح به المعتزلة، فالفعل البشري مفعول وليس مخلوقا، ويمر عبر مراحل هي:

  1. مرحلة الرغبة، أو الفكرة أو الموقف الابتلائي؛
  2. مرحلة التفكير في الحلول؛
  3. اختيار حل من الحلول الممكنة؛
  4. رابعا: مباشرة الأسباب لتحقيقه على أرض الواقع؛
  5. خامسا: القرار الرباني على القرار البشري بالإذن والتمكين أو المنع؛ 
  6. سادسا: علم الله بالحادث؛
  7. سابعا: وجود الحادث؛
  8. ثامنا: علم الفاعل بالحادث.

فأما علاقة العلم الخبري بالمحدثات فهي ليست مستغنية عن القدرة الربانية، فكل قضاء مبرم محتاج بالضرورة لقوة قاهرة تسهر على تنفيذه، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعۡجِزَهُۥ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيمٗا قَدِيرٗا﴾ (فاطر، الآية 44). وأما الفعل البشري فهو تعبير على هذا الفاعل المختار والمسؤول، وإذا كان الإنسان حادثا ففعله تابع له في الحدوث.

خاتمة:

وهكذا فالحياة ليست مسرحية، والقضاء والقدر ليس سجلا مغلقا من المعلومات التي لن تتخلف، بل إن القضاء والقدر هو إمكانات وقدرات وقرارات ومسؤوليات وتفاعلات حية وديناميكية… فالقضاء والقدر وظيفة كونية لتدبير الوجود وصناعة الحياة وتنظيم الاستخلاف البشري. ففي الفعل الرباني فالقضاء يشمل الخلق والأمر والتدبير وكل الأسماء الحسنى مثل الغفار والتواب والحسيب والرقيب… أما في الفعل البشري فهو قرار رباني يسمح للفعل البشري بالوجود أو يحكم عليه بالفناء، كما قد يسمح له بالوجود مع التزكية فيه والبركة أو التحفيف منه واللطف فيه، قال تعالى: ﴿وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ﴾ (الأنفال، الآية 17).

وأخيرا فما كان من توفيق فمن الله صاحب الفضل والمنة، وما كان من خطأ فمن نفسي، وآخر دعونا آن الحمد لله رب العالمين.

القرشي محمد


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى