
“وذلك القوس المقلوب الذي تسمِّيه السماء، الذي نعيش ونموت تحته محبوسين زاحفين،
لا ترفع يديك إليه طلبًا للعون – لأنَّه يدور عاجزًا مثلنا تمامًا” (عمر الخيّام) ()
1- مقدمة
تُعَدُّ الأبراج اليوميّة المنشورة في أعمدة التنجيم في الصحف والمجلّات في كلِّ مكان من بين الملذّات التي يتمتّع بها الملايين من البشر على سطح المعمورة. فمعظم الناس يعرفون البرج الذي وُلدوا تحته، سواء كانوا من برج الثور أو العذراء أو الأسد أو العقرب، إلخ. وكثيرٌ منهم لديه فكرة عن الصفات الشخصيّة التي يُفترض أنَّهم يمتلكونها نتيجةً لذلك. وقد أصبح اليوم من المألوف أن يعرف شخصٌ ما نفسه بالمواصفات البرجيّة له، كأن يقول: “أنا من برج الثور، أحبُّ البيت، ويمكن الاعتماد عليَّ مع أنَّني مملٌّ قليلًا” ().
والشخص الذي يسمع مثل هذا التعريف البرجيّ لا يميل عادةً إلى اعتبار المتكلّم خرافيًّا أو غير عقلانيّ. بل قد يبدو هذا القول وكأنَّه يعكس قدرًا من الوعي الذاتيّ الموضوعي؛ فهو لا يحمل طابعًا غرائبيًّا أو مبالغةً غير عقلانية، بل يبدو القول طبيعيًّا من خلال معقوليته اليوميّة. كما أنَّ هذه التصريحات لا تُقال عادةً بحماسة المؤمن المتعصّب. فقرّاء هذه الأعمدة لا يعلنون أنفسهم مؤمنين أو غير مؤمنين. بل إنَّ مسألة الإيمان نفسها تبقى ضبابيّة بسبب عدم رغبة عامة في التحقّق من نظام التنجيم وتبريراته، ولا سيّما فيما يتعلّق بحركات الكواكب وعلاقاتها. وقد تمنح الإشارات “العلمية” الظاهريّة – مثل العلاقة بين المريخ والمشتري – القارئ إحساسًا بوجود منطقٍ ما في البنيّة النجومية، وذلك دون أن يشعر بالحاجة إلى التحقّق. كما أنَّ النصائح تبدو واقعيّة بشكل عام، ومصاغةً بلغة توحي بعلمٍ مبسّط. ومع ذلك، يدّعي كثيرٌ من القرّاء أنَّهم يقرؤون هذه الأعمدة للتسلية فقط دون أخذها على محمل الجد ().
2- أدورنو والتنجيم بوصفه قوّةً استلابية
ففي مقاله المطوّل “النجوم تهبط إلى الأرض” ” (Stars Down to Earth) ()، قام أدورنو بتحليل تفكيكيّ لعمود تنجيم يوميّ في صحيفة “لوس أنجلوس تايمز” (Los Angeles Times, 1952–1953)، كاشفًا عن المرض الاجتماعيّ الذي يدعم هذا الشكل من اللاعقلانيّة. فما يراه البعض تسليةً بريئة، يراه هو – شأنه شأن منتجات صناعة الثقافة – شيئًا سامًّا، وفي هذا الأمر يقول: “إنَّ المواقف التي تستدعيها صناعة الثقافة ليست بريئةً على الإطلاق… فإذا نصح المنجِّم قرّاءه بالقيادة بحذر في يومٍ معيّن، فهذا لا يضرُّ أحدًا؛ لكن الضرر الحقيقيّ يكمن في تلك البلادة الذهنيّة التي تجعل الناس يعتقدون أنَّ مثل هذه النصيحة العاديّة تكتسب أهميتها من الهالة الزائفة التي تُعطى لها لمجرّد ربطها بالأبراج والنجوم”(). فالخطر الحقيقيّ للنصيحة يكمن في الشكل الذهنيّ والنفسيّ الذي تُعوِّد الناس عليه. فقول المنجِّم: “قُدْ بحذر اليوم” يبدو نصحًا عاديًّا يمكن أن يُقال في أيّ وقت. لكن المشكلة تكمن في أنَّ الإنسان يُدفع إلى الاعتقاد واهمًا بأنَّ أفعاله تخضع لسلطة غامضة وخارجيّة كسلطة النجوم، وذلك بدلًا من التفكير العقلانيّ المستقل. فالنصيحة لا تقوم على أساس عقلانيّ لأنَّها مجرد نصيحة عامة تصلح في كل وقت، ولكنَّها تصبح وهمًا عندما تُقدَّم وكأنَّها معرفة كونيّة دقيقة مستمدّة من النجوم والأبراج.
والبلادة هنا لا تكمن في الجهل البسيط، بل في اعتياد العقل على قبول أمور فارغة وغير منطقيّة على أنَّها حقائق عميقة. وهذا يعني أنَّ هذه الذهنيّة الخرافيّة تُنتج نمطًا من الوعي الكسول الذي يتوقّف عن التساؤل والنقد. فالإنسان لا يعود يسأل أو يتأمّل على نحو نقدي، بل يكتفي بالاستهلاك والتصديق الساذج لأقوال المنجّمين. وغنيٌّ عن البيان أنَّ هذه الفكرة ترتبط بنقد أدورنو للعقل الأداتيّ (Instrumental Reason)، إذ يرى أنَّ المجتمع الحديث، في رأيه، رغم تقدّمه التقني، يُعيد إنتاج أشكال جديدة من الخرافات والأوهام. وبدلًا من الأساطير القديمة تظهر أشكال حديثة من الوعي الأسطوريّ أو الخرافيّ الذي يتمثّل في الأبراج والدعاية والترفيه المعلّب والشعارات الإعلاميّة الفارغة. ومع أنَّ هذه الأفكار بسيطة وبريئة، لكنَّها تُدرِّب الأفراد على الامتثال والتلقّي السلبي والجمود الفكريّ والذهنيّ. وهنا يكمن جوهر الفكرة التي تتعلّق بالتنجيم، فنحن لسنا أمام نصيحة تحضّنا على القيادة بحذر، بل إزاء فكرة تدعو إلى استلاب العقل الإنسانيّ وإحالته إلى سلطات وهميّة فتفقده قدرته على الحكم النقديّ المستقل. فالنصيحة في المثال السابق «قُدِ السيارة بحذر» نصيحة صحيحة في كل يوم، سواء كانت النجوم مناسبة أم لا. لذلك فهي ليست معرفةً خاصةً أو عميقة. لكنَّ المنجِّم يقدّم هذه النصيحة وكأنَّها اكتشاف كونيّ مرتبط بحركة الأبراج والنجوم، فيقول مثلًا: «اليوم يجب أن تكون حذرًا في القيادة لأنَّ الكواكب في وضع خطير». وهنا تكمن المشكلة الاستلابية، وهذا يولِّد نوعًا من «البلادة الذهنية» لأنَّ الشخص يتوقّف عن رؤيّة التفاهة الكامنة في الكلام ويلتفت إلى التأمّل في مصدرها الخارجيّ. فبدلًا من القول: “الحذر مطلوب دائمًا أثناء القيادة”، يقول القارئ أو المستمع لنفسه: النجوم تخبرني أن أكون حذرًا اليوم، وهذا يعني أنَّه ينسب أمرًا بديهيًّا وعقلانيًّا إلى قوّة غامضة وخرافيّة لا يدرك كنهها أو فحواها. وهنا يظهر ما يسمّيه أدورنو أثر صناعة الثقافة: أيّ تعويد الناس على قبول الكلام الفارغ إذا قُدِّم بأسلوب جذّاب أو سلطويّ أو غامض. والمشكلة هنا ليست في «الحذر» نفسه، بل في الطريقة التي تجعل الإنسان يسلّم عقله لخطاب وهميّ لا معنى حقيقيًّا له.
وفي هذا الفضاء يرى أدورنو أنَّ أعمدة التنجيم تعكس مرضًا اجتماعيًّا يتمثّل في ضعف الأنا (Ego-weakness) ومرض التبعيّة (Dependency) والسلطويّة (Authoritarianism)، وينطلق أدورنو في تحليله إلى نظريتيّ ماركس وفرويد معًا، ويتجلّى هذا المزج في دراسته الشهيرة “الشخصيّة السلطوية” (The Authoritarian Personality) (). وعلى هذه الصورة يرى أدورنو أنَّ الإيمان بالأبراج ليس مجرد تسلية، بل هو تعبير عن بنية اجتماعية-نفسيّة عميقة، يتحوّل الإنسان فيها ومعها إلى كائن خرافيّ يعتمد على قوى خارجيّة تمنحه معنىً وهميًّا لحياته.
3- سلطة النجوم والعقل المغلق
تزعم الأبراج أنَّها تمثّل سلطة – سلطة النجوم – التي يُفترض أنَّها تتحكّم في الحياة اليوميّة. فإذا تصرّف الفرد وفقًا لها، يمكنه الشعور بالأمان. لكن هذه السلطة غير قابلة للمساءلة أو التأثير. ويرى أدورنو أنَّها مجرد إسقاط لعجز الفرد أمام القوى الاجتماعيّة الحقيقيّة التي تتحكّم في حياته. وتنشأ السلطويّة حيث يوجد تفاوت كبير في القوة وغياب للتكافؤ في العلاقات.
يتناول أدورنو قضيّة التنجيم بشكل موسّع وشامل في دراسته الموسومة بـــــ “النجوم تهبط إلى الأرض” (The Stars Down to Earth) () ، إذ يرى أنَّ التنجيم يعكس محاولة عقلانيّة للبقاء تحوّلت إلى لاعقلانيّة. فالعلاقة بالنجوم تشبه العلاقة بالمجتمع: علاقة اغترابيّة غير مباشرة. وعلى هذه الصورة فإنَّ المنجِّم ينظر إلى الحياة الاجتماعيّة بوصفها قدرًا موضوعيًّا يتخطّى إرادة الفرد، وتعبِّر عن طبيعة وجوده وعلاقته بالبنية الاجتماعيّة. والفرد في معطيات التنجيم يعاني من العجز والضعف وعدم القدرة على تقرير المصير؛ ومع ذلك فإنَّ التنجيم يمنح هذا العجز معنىً، عبر تقديم معرفة وهميّة أو إعطاء نصائح أو خلق وهم المشاركة في السلطة، كما يقلّل من درجة الخوف إزاء حتميّة الواقع. وعلى هذا المنوال تركّز النصائح النجميّة على الأمور اليوميّة البسيطة، وتشجّع على التحكّم العقلانيّ بالسلوك؛ لكنَّها في الحقيقة تحوِّل الانتباه عن نقد الواقع وتدفع الفرد للتكيّف معه والامتثال لحتميته. ومع أنَّ التنجيم لا يدعو إلى الحتميّة المطلقة، بل يعطي فسحة قصيرة للحرية، أي حريّة الاختيار داخل حدود مفروضة مسبقًا، وهي حريّة محدودة جدًّا غير قادرة على تغيير الواقع أو تجاوزه، وهي في كل الأحوال لا تتخطّى حدود التكيّف الاجتماعيّ على مبدأ الوهم، كما لو أنَّ مجال الفرد منفصل تمامًا عن العالم وعليه أن يقبل بشعار “الأعمال تسير كالمعتاد بوصفها حكمة ميتافيزيقية”(). وهذا يعني أنَّ التنجيم يدفع الفرد إلى الاعتقاد بأنَّ مشكلاته كلها، سواء أكانت نفسيّة أم اجتماعيّة أم فردية، ليست مرتبطة بالبنية الاجتماعيّة أو الاقتصاديّة أو السياسية، بل بقوى خارجيّة خفيّة مخصّصة لرسم الأقدار والمصائر. فالعامل المرهق مثلًا لا يُقال له إنَّ سبب تعبه هو الاستغلال الرأسمالي، بل يُقال له: “زحل يؤثر على طاقتك اليوم”. والشخص القلق من المستقبل لا يُدفع إلى فهم شروط المجتمع، بل إلى متابعة الأبراج، وضبط سلوكه الشخصي، وانتظار تحسّن الحظ. وهنا تصبح عبارة “الأعمال تسير كالمعتاد” تعبيرًا عن حكمة ميتافيزيقيّة تقول: إنَّ العالم القائم طبيعيّ وثابت، وإنَّه لا يمكن تغييره جذريًّا، وما على الفرد إلا أن يتكيّف معه بأقل الخسائر. ومن هنا يرى أدورنو أنَّ التنجيم ليس مجرد خرافة بريئة، بل يؤدّي وظيفة أيديولوجيّة تتمثّل في تخفيف القلق الفرديّ وخفض التوتر وشلِّ التفكير النقديّ. فالتنجيم هنا يحوِّل التوترات الاجتماعيّة إلى مشكلات تخضع للقدر الخارجيّ عند الإنسان. وهذا الرأي قريب جدًّا من نقد هربرت ماركوز وإريك فروم للمجتمع الحديث الذي يبدو فيه الإنسان حرًّا ظاهريًّا، ولكنه محصور فعليًّا داخل أنماط سلوك محدّدة وتفكير متصلّب مسبقًا.
4- التنجيم بوصفه أيديولوجيا
فخطاب التنجيم يجسّد أيديولوجيا تفرض نفسها على الفرد، فتعطيه وهمًا بامتلاك حريّة مشروطة تعمل داخل حدود مرسومة سلفًا بفعل قوى كونيّة مفترضة. وعلى هذه الصورة تُختزل الحريّة إلى أداة تكيّف مع ما هو قائم، وهي لا تجسّد سعيًا إلى تغيير الواقع أو نقده. كما تسهم هذه الأيديولوجيا في فصل الفرد عن الشروط الاجتماعيّة والتاريخيّة التي تشكّل واقعه، فيُعاد تفسير المعاناة والنجاح بوصفهما نتاجًا لحركات النجوم لا لعلاقات القوة والبنية الاجتماعيّة. ومن ثمَّ، يُعاد إنتاج الواقع القائم بوصفه قدرًا طبيعيًّا، حيث يُستبطن شعار “الأعمال تسير كالمعتاد” كحقيقة ميتافيزيقيّة لا تقبل الجدل. وفي هذا السياق، يغدو التنجيم أداة لإعادة إنتاج الامتثال، إذ يمنح الأفراد إحساسًا زائفًا بالسيطرة بينما يعمّق في الواقع منطق التكيّف والخضوع، وهو ما يتقاطع مع النقد الذي يقدّمه أدورنو للأيديولوجيا بوصفها نسقًا يُخفي علاقات الهيمنة تحت غطاء من المعنى.
وعلى غرار الصناعة الثقافية، يقدّم التنجيم نفسه كخطاب عقلاني، بطريقة يطمس فيها الفرق بين العقلانيّ واللاعقلانيّ. وتشكل هذه العقلانيّة المزيّفة غطاءً للأوهام التي تتسلّل إلى عقل الفرد وبنيته الذهنيّة. وفي نطاق هذا الوهم العقلانيّ يحمّل التنجيم الفرد مسؤوليّة مشكلاته، ويجعل الحل في سلوكه الشخصي، لا في الظروف الاجتماعيّة. فــ “القوى الموضوعيّة تُحصَّن ضد النقد، بينما يُطلب من الفرد التكيّف معها” (). وهذا التعبير يشكّل نقدًا عميقًا لوظيفة التنجيم كأيديولوجيا تُعيد توزيع المسؤوليّة بطريقة تُخفي البنية الاجتماعيّة وتُبرز الفرد وحده. فالفرد يُدفع إلى الاعتماد على الآخرين في فهم نفسه، مما يعزّز الاغتراب. ويصبح “التوافق الجماعي” معيار الحقيقة. كما يُطلب من الفرد أن يتصرّف كأنَّه قوي، رغم عجزه الحقيقي، عبر أنشطة سطحيّة لا تؤثر فعليًّا في الواقع. ويتم هذا الأمر على الطريقة التي تحدث في العصاب القهري، إذ يجب طاعة قواعد دون معرفة السبب… وهذه الطاعة العمياء ترتبط بقوة مخيفة مجهولة” ().
5- التنجيم والعصاب القهري
يبيّن لنا فرويد أنَّ المصاب بالعصاب القهريّ (Obsessive Neurosis) قد يكرّر أفعالًا قسريّة قهريّة معيّنة، أو يمارس طقوسًا محدّدة دون أن يعرف لماذا يفعل ذلك تمامًا، لكنَّه يشعر بأنَّ عدم الطاعة سيؤدّي إلى خطر غامض أو كارثة أو قلق هائل. ومن الأمثلة على ذلك الشخص الذي يعود ليتأكّد من أنَّه أقفل باب منزله مرات عديدة، أو ذاك الذي يرتّب الأشياء بطريقة قهرية، أو الشخص الذي يكرّر سلوكًا محدّدًا بشكل قهري، أو الإنسان الذي يفكّر في أمر ولا يستطيع التخلّص منه تحت ضغط داخليّ مبهم يجبره على ذلك. وعلى مقياس هذا العصاب القهريّ يرى أدورنو أنَّ المجتمع الحديث ينتج شيئًا مشابهًا على المستوى الاجتماعيّ والثقافيّ. فالإنسان يشعر بأنَّه ضعيف أمام سطوة الاقتصاد، وعاجز أمام هيمنة البيروقراطية، وغير قادر على فهم القوى التي تتحكّم بحياته، ولا يستطيع التأثير فعليًّا في النظام الاجتماعيّ. لكن بدل مواجهة هذا العجز الحقيقي، قد يلجأ إلى أنشطة رمزيّة وسطحيّة تمنحه وهم السيطرة مثل: متابعة الأبراج، وممارسة الطقوس اليوميّة بشكل متكرر، أو الإيمان بالإشارات والرمزيات الخفية، أو التمسّك بعادات استهلاكيّة فائضة عن الحاجة، وأخطرها الطاعة العمياء لقواعد اجتماعيّة لا يفهم أساسها.
وهنا تظهر القوة الخفيّة للمجتمع التي تتمثّل في قوة النظام الاجتماعيّ نفسه، لكن بعد أن تصبح مجهولة المصدر وغير مفهومة ومُستبطنة نفسيًّا داخل الأفراد. فالإنسان لا يرى السلطة في شكلها المباشر، بل يشعر بها كضغط دائم يقول له: تكيّف ولا تخرج عن القواعد، لا تخاطر وافعل ما يفعله الجميع، حافظ على سير الأمور. وعلى هذا العصاب القهريّ الاجتماعيّ يبني أدورنو على أنَّ الطاعة في المجتمع تتحوّل إلى طاعة عمياء صمّاء لسطوة القوى التي في المجتمع؛ لأنَّ الفرد لم يعد يعرف حقيقة من يفرض القواعد وينظّمها، ومن الذي يسيطر على مقدّرات المجتمع، كما أنَّه لا يعرف ما القوى التي تفرض عليه الخضوع والامتثال والطاعة، كما أنَّه لا يدرك الغاية الحقيقيّة للسلوك الذي يؤدّيه تحت ضغط المجتمع، وذلك لأنَّه مسكون بخوف غامض من مخالفة الأنظمة والخروج عن النظام. وهذه الرؤية الأدورنيّة تتجانس مع ما سيراه ميشيل فوكو لاحقًا حول السلطة الحديثة؛ فالسلطة لم تعد دائمًا قمعًا مباشرًا، بل تتحوّل إلى مراقبة داخليّة وتنظيم ذاتيّ بطريقة يصبح معها الفرد نفسه مسكونًا بالقواعد التي تقيّده وتسيطر على كيانه ووجوده. وهنا يمكن الحديث عن «القوة الخفية» التي تتمثّل في سلطة المجتمع المجهولة وهيمنة النظام البرجوازيّ والخوف من الانفصال عن الواقع السائد الذي يتخفّى في صورة قواعد يوميّة عاديّة أو طقوس تبدو بريئة.
6- تنجيمات الصباح والمساء
يقسم التنجيم الحياة إلى مرحلتين، تأخذ الأولى مكانها في الصباح وتتمثّل في تنجيمات العمل والنجاح والتفوّق أو الفشل، وتتجلّى الثانية في المساء متمثّلة في أوهام الراحة والمتعة والترفيه وأحلام اليقظة، وعلى هذه الصورة يتم حل التناقضات الاجتماعيّة ظاهريًّا، فـ “العلاقات المتناقضة تتحوّل إلى تعاقب زمني… العمل تكفير عن المتعة، والمتعة مكافأة للعمل” (). ففي الصباح والمساء تنصح الأعمدة الناس بأداء مهام صغيرة وغير ذات أهمية، في اعتراف ضمنيّ بأنَّ ما يُطلب من الفرد هو أن ينسجم ويتكيّف، مؤدّيًا دور ترس داخل آلة.
وتتضمّن الصحف اليوميّة غالبًا ووسائل الإعلام الجماهيريّة أعمدة ثابتة تحت عناوين مثل: أبراج الحظ والتنجيم، والنصائح اليومية، والكلمات المتقاطعة، وإرشادات يوميّة تحت عنوان “كيف تنجح في يومك”. وهنا ينتقد أدورنو الطريقة التي تقوم بها هذه الأعمدة بتوجيه الأفراد نحو التكيّف والانضباط اليوميّ بدلًا من التفكير النقديّ أو التأمل العقليّ الرصين. فأبراج الحظ والتنجيم تنصح الناس بأداء مهام صغيرة وغير ذات أهمية، على مثال: استيقظ باكرًا وكن عمليًّا ولا تفكّر كثيرًا، وقم بواجبك على نحو أفضل وانسجم مع محيطك، ولا تنغمس في رغباتك الشخصيّة. وهذه الإشارات والنصائح والتنبيهات الاعتباطيّة تؤكّد، وفق أدورنو، أنَّ الثقافة الجماهيريّة لا تطلب من الإنسان أن يكون ذاتًا حرّة وأن يفكّر موضوعيًّا أو نقديًّا أو أن يتأمّل على نحو عقلانيّ في الحياة والعمل، بل تحاول أن تجرّده من القدرة على التفكير والتأمل وتحوّله إلى آلة صمّاء عمياء داخل النظام الاجتماعيّ الضخم(). ففي الفترة الصباحيّة تتفيض أعمدة الأبراج بالتنبيهات التي تحضّ على تأدية الواجب والاجتهاد في العمل، وتطالب الناس بعدم الانغماس في إشباع الدوافع الغريزية، وهذا يعني أنَّ هذه الأعمدة تمارس دورًا أيديولوجيًّا يتمثّل في المطالبة بالانضباط والإنتاجيّة والطاعة وضبط الرغبات، ومن ثمَّ الامتثال للأنظمة الاجتماعيّة. وعلى خلاف ذلك فإنَّها ترفض الرغبات الفرديّة أو اللذّة أو التأمل الشخصيّ بوصفها شيئًا يجب تأجيله أو كبحه لصالح العمل والتكيّف. وعلى هذه الصورة تتحوّل وسائل الإعلام اليوميّة إلى أدوات لإعادة إنتاج الطاعة الاجتماعيّة بصورة ناعمة وغير مباشرة.
وفي هذا السياق يرى أدورنو أنَّ العمود يعزّز النزعة الليبيديّة (libidinization) في العمل، وهو ما يتناسب عكسيًّا مع أهميّة هذه المهام. ففي عصر يتحوّل فيه الأفراد سريعًا إلى ملحقات للآلات، إلى أشياء، تمتد هذه النزعة الليبيدية إلى الأدوات التي تُمنح هالة إنسانية، مثل إضفاء الطابع الشخصيّ على السيارات والأدوات بمختلف أنواعها. وهناك نزعة نرجسيّة هنا، إذ يتم التماهي بين “أنسنة” الأداة وبين سيطرة الأنا على الطبيعة، وما توحي به من مشاعر القدرة المطلقة.
7- فعاليّة أيديولوجية
يلفت أدورنو النظر بدقة إلى التناقض في النصائح التي تدعو إلى أن يكون الفرد حديثًا (Modern) وفي الوقت نفسه محافظًا (Conservative)، فعندما يُنصح القارئ بأن يكون حديثًا، يبدو أنَّ ذلك يعني ضمنيًّا ضرورة شراء تجهيزات حديثة، خاصة للمنزل، وهو ما يرتبط بثقافة الأدوات. أمَّا عندما يُنصح بأن يكون محافظًا، فهذا يعني أن يراقب نفقاته ويضبطها. وهكذا، يتعيّن على العمود أن يحقّق الحيلة ذاتها التي تقوم عليها الرأسماليّة نفسها: أي تعزيز الانضباط والتقشّف لدى قوة العمل، وفي الوقت نفسه تشجيع هؤلاء الأفراد على الاستهلاك وشراء السلع التي يساهمون في إنتاجها. ويعني ذلك شحن الفرد بطاقة عاطفيّة رغبويّة وتحويله إلى موضوع للاستثمار النفسيّ والانجذاب؛ وهذا يعني جعل العمل، بما ينطوي عليه من تفاصيل يومية، ممتعًا مشحونًا بالمعنى الشخصيّ وجديرًا بالتعلّق العاطفي، وذلك بدلًا من أن يشعر بأنَّ العمل مجرد نشاط روتينيّ أو مفروض أو قد يكون مغتربًا. ويدلّل أدورنو في هذا السياق على وجود علاقة عكسيّة في تناول أعمدة التنجيم والحظ للعمل، وهذا يعني أنَّه كلما كان العمل أقل أهميّة وأكثر رتابة أو تفاهة زادت عمليّة تزيينه عاطفيًّا وتضخيمه نفسيًّا، وعلى خلاف ذلك يتم تبخيس العمل الجاد الذي يحمل قيمة إنسانيّة وإهماله. وهنا تتكشّف الوظيفة الأيديولوجيّة لأبراج الحظ والتنجيم التي تقوم بتعزيز الفراغ أو التفاهة واللاعقلانية، إذ تحييها سيكولوجيًّا فتحقنها بدوافع حيّة وتغذّيها بشحنة نفسيّة شعوريّة أو لا شعوريّة من أجل السيطرة على الفرد واحتوائه كليًّا في معبد الطاعة والامتثال.
ومن بين أهم المبادئ التي يكتشفها أدورنو في هذا العمود هو إعطاء الأولويّة للأنا (ego) على الهو (id)، وللعقلانيّة على الإشباع. وهو الأمر الذي يسمح بتعزيز الترفيه والمتعة، بل وتشجيعهما، ولكن فقط إذا كانا يخدمان غاية خفية، هي تعزيز فرص النجاح أو التقدّم الذاتيّ. وحتى عندما يُنصح المرء بالابتعاد عن العمل، فإنَّ ذلك يكون بهدف العودة إليه بنشاط أكبر. وعلى هذا النحو يعزّز العمود في الوقت نفسه الاستهلاك ومقاومة الاستهلاك، وهي حيلة يتم إنجازها عبر توزيع النصائح المتناقضة على فترات زمنيّة مختلفة ().
8- التنجيم واستلاب العائلة
وفي هذا الأمر يقول أدورنو: “تُحال العائلة إلى مجال الفراغ؛ ويحدث ذلك في سياق الفترة المسائية؛ أيّ في المجال نفسه الذي يُنصح فيه المخاطَب بإصلاح منزله أو الخروج… والفكرة السائدة هي أنَّ العائلة ما تزال الفريق الوحيد المرتبط بمصالح مشتركة قويّة إلى حد يسمح بالاعتماد المتبادل والتخطيط المشترك لمواجهة عالم مهدِّد وعدائيّ محتمل. وتُبنى العائلة هنا كنوع من التنظيم الوقائيّ القائم حصريًّا على مبدأ الأخذ والعطاء، وليس كشكل عفويّ للحياة المشتركة…” (). وهنا يجري تحويل العائلة إلى مجرد مساحة للراحة أو الاستهلاك العاطفي، بدلًا من أن تكون مؤسسة اجتماعيّة فاعلة تمتلك سلطة تربويّة أو أخلاقيّة مستقلة. وتُطالب العائلة في هذا السياق بأن تؤدّي وظيفة تقليديّة تتمثّل في تقديم نوع من الطمأننة النرجسيّة حول استحقاق الفرد ومشروعيّة امتيازاته أو موقعه الاجتماعيّ. كما يمكن النظر إليها كوسيلة للتعامل مع اختفاء النشاط التنافسيّ الحر. أمَّا “الإزاحة الزمنية” (Time-shifting) التي يعتمدها العمود، ونعني بها حالة التسويف والتأجيل التي يعتمدها الأفراد في العمل على تلبية متطلبات وجودهم، فيعني ذلك تأجيل المواجهة الحقيقيّة لمشكلاته ومتطلبات الحياة. فبدلًا من أن يتصرّف المرء بصورة حاسمة وفاعلة، يؤجّل القرارات والأفعال إلى وقت لاحق، وكأنَّ الزمن نفسه سيحلّ الأزمة. وهذه الحالة تعكس ما يسمّيه التحليل النفسيّ «الأنا الضعيفة»؛ أيّ ذاتًا غير قادرة على المبادرة المستقلة أو على مواجهة الواقع بثقة. وبعبارة أخرى تعكس هذه الحالة وضعيّة الإحالة على الزمن، وهذه الوضعيّة تعكس حالة الأنا الضعيفة والتابعة، التي تُسقط إخفاقاتها على بُعد زمنيّ مجرد، وتتمسّك بالأمل في أنَّ المستقبل سيعوّض إخفاقات الماضي ويصلحها. وبعبارة أخرى، يقصد أدورنو بمفهوم الإزاحة الزمنيّة (Time-Shifting) أنَّ الإنسان الضعيف نفسيًّا، بدل مواجهة فشله أو عجزه في الحاضر، يقوم بتأجيل الأمل إلى المستقبل، وإسقاط التعويض على الزمن القادم. أيّ يقول لنفسه: “غدًا ستتحسّن الأمور”، “المستقبل سيعوّضني”، “لاحقًا سأحقق ذاتي”. وهكذا يصبح الزمن نفسه أداة نفسيّة للتعويض. وهذا، وفق أدورنو، يدل على ضعف الأنا والعجز عن الفعل الحقيقي، والتكيّف السلبيّ مع الواقع. فالإنسان لا يغيّر العالم، بل ينتظر أن يقوم المستقبل بإصلاح ما عجز هو عن إصلاحه.
9- أعمدة التنجيم
إنَّ تقسيم العمود الإعلاميّ الحياة إلى مجالين زمنيين، صباحيّ ومسائي، ليس بريئًا؛ بل يعكس بنية المجتمع الرأسماليّ الحديث. فالإنسان يُعرَّف نهارًا كعامل ومنتِج، بينما تُؤجَّل إنسانيته وعلاقاته الحميمة إلى وقت الفراغ فقط. وعلى هذه الصورة تُحال العائلة إلى “مجال الفراغ” وتتحوّل إلى مجرد مساحة لاستعادة الطاقة النفسيّة بعد العمل. وهذا يعني أنَّ العمل هو المجال “الحقيقي” والملزم، أمَّا العائلة فتتحوّل إلى وظيفة تعويضيّة أو استهلاكيّة. وعلى هذه الصورة يقدّم أدورنو العائلة كبنية للتحالف الدفاعيّ تقوم وظيفتها على الحماية والتأمين النفسيّ والاجتماعيّ. وهنا لا يتحدّث أدورنو عن العائلة بوصفها علاقة حب طبيعيّة أو جماعة إنسانيّة عفوية، بل بوصفها آليّة دفاع اجتماعيّ ونفسيّ داخل عالم تنافسيّ وعدائيّ. وعلى خلاف ذلك يُقدَّم العالم الخارجيّ كفضاء للصراع والتنافس والعدوانية، وهو فضاء غير آمن ومهدِّد دائمًا. وعلى نقيض العالم الخارجيّ تصبح العائلة ملجأً نفسيًّا وشبكة أمان ووحدة تضامن ضد المجتمع الخارجي.
وهنا يوجّه أدورنو النقد إلى هذه الوضعيّة التي تجعل من العلاقات العائليّة علاقات مشروطة بالمنفعة والتبادل لا بالتلقائيّة الإنسانيّة الحرة. فالعائلة تمنح الفرد إحساسًا بالانتماء والشعور بالهوية، وهي حصن الحماية والتضامن الداخليّ. وهذه الصفات تشبه العائلة بالمجتمعات التقليديّة أو المغلقة التي يكون فيها الولاء للجماعة قويًّا والاعتماد المتبادل مرتفعًا والفرد أقل استقلالًا. وهنا يرى أدورنو أنَّ العائلة تمنح أفرادها “طمأنة نرجسية”، أيّ أنَّها تجعل الفرد يشعر بأنَّه شخص مهم، يستحق مكانته وله قيمة خاصة؛ وهي في كل الأحوال تعوّض قساوة المجتمع الفعليّ الخارجيّ الذي يقمع الفرد ويهمّشه أو يجعله مجرد رقم داخل النظام. فالعائلة تعيد إنتاج وهم التميّز والنجاح والقوة والاستحقاق، وتساعد الفرد على تقبّل موقعه الاجتماعيّ وعدم التمرّد عليه.
والفكرة الأساسيّة هي أنَّ أعمدة الإعلام اليومية، ولا سيّما أعمدة التنجيم والحظ والنصائح، تعمل لتحقيق غاية أساسيّة تتمثّل في إنتاج أفراد متكيّفين مطيعين يؤجّلون رغباتهم وغير قادرين على المواجهة الفعليّة للواقع الاجتماعي.
ففي الماضي كان العمل نفسه يخضع لتحوّل مستمر، وقد ابتعد كثيرًا عن نموذج النشاط المستقل المرتبط بالمرحلة الرياديّة من الرأسماليّة. وأصبح تكامل العمليات النفعيّة يُبقي الأفراد، على نحو متزايد، داخل جهاز تشغيليّ (Operant machinery) يُطلب من كل فرد أن يتكيّف معه.
وغالبًا ما ينصح العمود الناس بأداء مهام صغيرة وغير ذات أهمية، في اعتراف ضمنيّ بأنَّ ما يُطلب من الفرد هو أن “ينسجم” ويتكيّف، مؤدّيًا دور ترس داخل الآلة. وتمتلئ الفترة الصباحيّة بالتنبيهات إلى ضرورة القيام بالأعمال اليوميّة والعمل دون الانغماس في إشباع الدوافع الغريزية().
10- خاتمة
وباختصار يرى أدورنو أنَّ ظاهرة التنجيم والأبراج اليوميّة تشكّل نسقًا من آليات الهيمنة الثقافيّة في المجتمع الرأسماليّ الحديث. وهذا يعني أنَّه يرى أنَّ التنجيم ليس مجرد تسلية بريئة كما يُخيَّل للبعض، بل هو أيديولوجيا خفيّة تُسهم في إنتاج وعي الخضوع والامتثال والاستكانة لمعايير المجتمع الرأسماليّ ومتطلباته الحيوية.
ومن الواضح البيّن في هذه المقالة أنَّ أعمدة الأبراج تمنح الأفراد شعورًا زائفًا بالأمان والثقة من خلال ربط حياتهم بقوى كونيّة غامضة تتمثّل في قوى النجوم والتنجيم، وهو الأمر الذي يؤدّي إلى إضعاف التفكير النقديّ وتعزيز التبعيّة النفسيّة والسلطويّة للنظام الرأسماليّ القائم. فالنصائح اليوميّة التي تبثها أعمدة الأبراج في الصحف وفي الراديو تبدو عقلانيّة وعاديّة ولا غبار عليها من حيث المظهر، إذ تدعو إلى الحذر والاجتهاد والعمل، ولكن هذه الأبراج، بما تنطوي عليه من نصائح وتوصيفات وعناصر، تبدو غير عقلانية، ولا سيَّما عندما تربط بين أحداث الحياة اليوميّة وتجعلها تسير على هدي النجوم وحركة الأبراج، وهو الأمر الذي يدفع الأفراد إلى التسليم الخرافيّ بوجود سلطات خارجيّة بدل الاعتماد على العقل والتحليل الواقعي.
ومن الواضح أنَّ أدورنو يحلّل هذه الظاهرة في ضوء النظريات السيكولوجيّة والسوسيولوجيّة، ولا سيَّما في نظريتيّ الماركسيّة والتحليل النفسيّ عند فرويد. وعليه يربط بين التنجيم ومفهوم ضعف الأنا (Ego-weakness)، إذ يرى أنَّ الفرد الحديث يشعر بالعجز أمام القوى الاقتصاديّة والاجتماعية، فيلجأ إلى الأبراج والرموز الغيبيّة بوصفها وسائل تمنحه وهم السيطرة والتفسير. وهنا يؤدّي التنجيم وظيفة أيديولوجيّة تتمثّل في تحويل المشكلات الاجتماعيّة الحقيقيّة إلى قضايا قدريّة أو نفسيّة فردية، مما يبعد الإنسان عن نقد البنية الاجتماعيّة والسياسيّة القائمة. ومما لا شك فيه أنَّ خطاب التنجيم يعزّز الامتثال والتكيّف مع النظام الاجتماعي، إذ يشجّع الأفراد على الانضباط والعمل والطاعة، مع تأجيل الرغبات والآمال إلى المستقبل.
ويتّضح من المقالة أنَّ أدورنو يفكّك بنية التنجيم في ضوء مفاهيم الاغتراب والاستلاب الماركسي، ويبحث في وظيفته بموجب مفهوم العصاب القهريّ الذي يجعل الأفراد يطيعون قواعد وقوانين اجتماعيّة لا يفهمون مصدرها وقوة بطشها، ولا يحاولون مقاومتها خوفًا من قوة غامضة وغير مرئيّة تحكم عالمهم من الأعلى. وقد بيّن لنا أدورنو الكيفيّة التي تعالج فيها أعمدة الصحف البرجيّة مصائر الناس على نحو وهميّ وخرافي، إذ تعتمد منهجيّة تقسيم الحياة إلى زمنين: صباحيّ للعمل والإنتاج، ومسائيّ للراحة والترفيه والاستجمام، وفي كلتا الحالتين يؤدّي هذا التقسيم إلى تعزيز الأيديولوجيا الرأسماليّة في عمليّة تحوّل الإنسان إلى مسخ خرافيّ أسطوريّ داخل بنية الهيمنة الاجتماعيّة الصلبة الصمّاء. وفي كل الأحوال فإنَّ هذه البرجيّات التنجيميّة تختزل العائلة إلى فضاء للتعويض النفسيّ وإعادة إنتاج الطاعة والتكيّف بدل أن تكون فضاءً إنسانيًّا حرًّا. وباختصار يمكن القول إنَّ التنجيم ليس مجرد خرافة شعبية، بل فعاليّة ثقافيّة وأيديولوجيّة استلابيّة تعمل على إعادة إنتاج الخضوع والاغتراب في المجتمعات الرأسمالية الرقمية المعاصرة ، وتفعل فعلها في عمليّة احتواء العقل النقديّ واستلاب الطاقة الإنسانية، ومن ثمَّ تعزيز الامتثال، وتحويل الأفراد إلى طاقة إنتاجيّة خاضعة وإلى كيانات استلابيّة متكيّفة مع الواقع القائم بدل السعي إلى تغييره.
د. علي أسعد وطفة
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






