التنويريدراسات دينية

فقه الخلاف: التحديد – الأهمية – الأنواع

دراسة تأصيلية لمفهوم الاختلاف وأسبابه وأنواعه المحمودة والمذمومة في الفكر الإسلامي

تقديم

من السائد بين العلماء أن مفاتيح العلوم هي مصطلحاتها التي منها تتركب منها مفاهيم العلوم، فاستقامة أي علم رهين بالأخذ بهذا المبدأ المنهجي، وهو الوضوح والبيان للمفاهيم المتداولة والمستعملة في ذلك العلم، بحيث لا يستقيم العلم إلا بالفهم للمفاهيم والمصطلحات المركبة له، وتمثل المفهوم والمصطلح المتداول في ذلك العلم بشكل عام.

وعليه فإن لا علم بلا اصطلاحات، وفقه الخلاف مركب إضافي من كلمة فقه، ومن كلمة خلاف واختلاف، والفقه هو الفهم العميق للأشياء، وعرف الفقه في الاصطلاح بأنه: «العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية»، ويقال فقه بكسر القاف إذا فهم، وبفتحها إذا سبق غيره للفهم، وبضمها إذا صار الفقه له سجية.

وأشار الشيخ زروق التلمساني (ت 899 هـ) في شرحه على الرسالة لابن أبي زيد القيرواني (ت 386 هـ)، أن الفقه لا يمارسه إلا مجتهدًا ممارسًا، استجمع الشروط العلمية والعملية للاجتهاد والاستنباط والاستدلال، وتمكن من إدراك الفروع ومعرفة الخلاف واختلاف الفقهاء، أما إطلاق الفقيه على غير المجتهد الحافظ، فهو من قبيل المجاز.

وفقه الخلاف فقه يعتني بالقضايا والمسائل الخلافية التي كانت بين علماء الفقه، سواء أكان هذا الخلاف داخل المذهب أم خارجه.

كما يكون الاختلاف في قواعد الأصوليين، فالاختلاف كما يكون في الفقه فهو أيضًا حاصل في علم أصول الفقه.

لأن هذا العلم هو وصف واسم لعلم من العلوم الإسلامية، فهو مجموعة من القواعد والكليات التي تعين على تفهم النص الشرعي وتفسيره، وتساعد الفقيه على الاستنباط وعلى الاستدلال على الأحكام الشرعية التي لم ترد فيها نصوص صريحة.

معنى الخلاف والاختلاف في اللغة

كلمة اختلاف هي مصدر للفعل اختلف، وهذا الفعل يدل من الناحية الصرفية على التفاعل والمشاركة، أي: لا يكون الاختلاف إلا بين اثنين فأكثر. جاء في معاجم اللغة: الخلاف: المخالفة… واختلف ضد اتفق، أي: لم يتفق في الرأي، يقال: اختلف بين كذا وكذا، ومنه كلمة الخِلفة بالكسر: وهي من الاختلاف، أي: خلاف الاتفاق، أو مصدر الاختلاف، أي: التردد.

وذهب الراغب الأصفهاني (ت 502 هـ) في مفرداته أن الاختلاف والخلاف بينهما فرق، فالاختلاف في اللغة من مصدر اختلف، والخلاف من فعل خلف وهو ضد الاختلاف، والخلاف والاختلاف في اللغة: ضد الاتفاق: «الخلاف: أعم من الضد، لأن كل ضدين مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين».

فمثلًا: السواد والبياض ضدان ومختلفان، أما الحمرة والخضرة فمختلفان وليسا ضدين، والخلاف أعم من الضدية، لأنه يحمل معنى المغايرة مع عدم الضدية.

ومن إشاراته أيضًا: الخلاف يكون في القضايا المذمومة، والاختلاف يكون في المسائل المحمودة.

والاختلاف والخلاف تتحدد دلالتها، تبعًا للسياق التي يرد فيهما حسب موقعهما في التركيب والجملة في اللغة العربية.

ويرى كثير من العلماء بأنه لا يوجد فرق بين الخلاف والاختلاف من الناحية اللغوية وحتى الدلالية، بل هما مترادفان دلاليًا، وهما متفقان في المعنى والدلالة، وبالمقابل هناك من العلماء واللغويين من يفرق بينهما.

أسباب الاختلاف

إن أسباب الاختلاف كثيرة جدًا، ويمكننا أن نجملها ونوجزها في النقاط الرئيسة الآتية:

  • تفاوت الناس بالفهم حسب اختلاف مداركهم وقوتهم العقلية، فالناس في الفهم ليسوا على مرتبة واحدة، وإنما يختلفون في الفهم والاستيعاب حسب الطاقة التي يختص بها كل إنسان.
  • تفاوت أغراضهم ومقاصدهم ومصالحهم، وهذا التفاوت يكون مدعاة إلى الاختلاف.
  • التباين في المواقف والمعتقدات بين الناس.
  • غلبة النزعة الفردية للإنسان لامتلاكه شعورًا طبيعيًا بذات مستقلة تدفعه إلى التميز والتفرد عن غيره.
  • اتباع الهوى والتعصب للرأي الشخصي، وهذا السبب لا شك أنه مدعاة للخلاف المذموم.
  • التفاوت المعرفي والعلمي: وهذا يقع في اختلاف شخص عن آخر، كما يقع للشخص الواحد، فإنك تجد العالم يقول أقوالًا معينة، وكلما زاد علمه أعاد النظر والمراجعة لهذه الأقوال التي كان يأخذ بها، فالإمام الشافعي كان له مذهب في العراق وفي مصر غير كثيرًا من اجتهاداته وعرف بمذهبه الجديد.
  • اختلاف الظروف والمناسبات والأحوال والأعراف: قد تختلف الظروف والأحوال والبيئات والأوضاع، من حيث القوة والضعف، والشدة والرخاء، والغنى والفقر.
  • تردد الخطاب والكلام بين دلالتين الأولى هي الدلالة الأصلية، والثانية هي الدلالة التابعة، وتردد اللفظ بين الحقيقة والمجاز وبين القصد اللغوي والقصد السياقي.
  • اتساع اللغة العربية في ألفاظها وتراكيبها، وهذا المعنى يعني أن الاتساع يعني سعة اللسان العربي، كما يعني اتساع معنى الكلمة لتغطي مدلولاتها المعاني الكثيرة.

أنواع الاختلاف

الاختلاف المحمود

وهو الذي مدحه القرآن الكريم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ [الروم: 22].

وقوله أيضًا: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ [هود: 118].

وقوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: 62].

الاختلاف المذموم

هذا النوع يقع في العقيدة، ومن النصوص القرآنية في هذا الموضوع:

ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: 69].

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ اخْتَلَفُوا وَتَفَرَّقُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: 105].

ومنه قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ [آل عمران: 103]، أي: تمسكوا بعهد الله، والاعتصام بحبل الله: هو ترك الفرقة، واتباع القرآن.

فقه الخلاف ومرونة الفقه الإسلامي

والخلاف الفقهي في أحد جهاته يعكس لنا مرونة الفقه الإسلامي وحيويته وتفاعله مع المستجدات والطوارئ، ويعتبر الفقه النوازلي المالكي مصدرًا ثريًا في معرفة فقه الخلاف بين فقهاء المذهب، فهو يعكس تطور الفقه الإسلامي وحركيته وتفاعله مع القضايا المجتمعية التي مر منها المجتمع الإسلامي.

وجملة القول إن الاختلاف بين الناس أمر طبيعي، وسنة من سنن الحياة، وهو من طبيعة الحياة التي نعيشها ونحياها، وعلينا أن نحسن التعامل معه بشكل إيجابي وفعال لتحقيق التفاهم والتعاون والتعايش المشترك بين أفراد المجتمع.

وقد تطور فقه الخلاف حتى صار علمًا قائمًا بذاته، له مصادره وكتبه الخاصة، وقد اعتنى علماء الفقه باختلاف الفقهاء وبأسبابه حتى صار علمًا مستقلًا بذاته، له ضوابطه، وخصوه بمجموعة كبيرة من التصانيف والمؤلفات.

محمد بنعمر


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى