التنويريتربية وتعليم

توظيف الذكاء الاصطناعي كأداة علمية لدعم المتعلمين المصابين باضطراب التناسق الحركي

"الديسبراكسيا" في تعلم الإيقاظ العلمي لتلاميذ الدرجة الثانية نموذجا

الملخَّص 

يهدف هذا البحث إلى دراسة فاعلية توظيف الذكاء الاصطناعي في دعم تعلم الإيقاظ العلمي لدى التلاميذ المصابين باضطراب التناسق الحركي (الديسبراكسيا). تم اعتماد منهج وصفي وتجريبي عبر تصميم منصة تعليمية تفاعلية “MoveBright” ومقارنتها بالطريقة التقليدية. أظهرت النتائج تحسنًا ملحوظًا في التحصيل الدراسي وتفاعل التلاميذ، خاصة لدى الحالات التي تعاني من صعوبات حركية. كما ساهم الذكاء الاصطناعي في مراعاة الفروق الفردية وتقديم دعم شخصي للمتعلمين. وتؤكد الدراسة أهمية هذه التقنيات في تحقيق تعليم دامج وفعّال

المقدِّمة 

يشهد العالم المعاصر ثورة رقمية غير مسبوقة، جعلت من الذكاء الاصطناعي أحد أبرز ركائز الازدهار العلمي والتربوي في القرن الحادي والعشرين. فقد تحول الذكاء الاصطناعي من مفهوم تقني بحت إلى أداة علمية وتربوية قادرة على إحداث نقلة نوعية في طرق التعليم والتعلّم، من خلال توفير بيئات تعلم ذكية تراعي الفروق الفردية بين المتعلمين وتتكيف مع قدراتهم واحتياجاتهم الخاصة.في هذا السياق، تبرز أهمية توظيف الذكاء الاصطناعي لدعم المتعلمين ذوي الإعاقة، بهدف إتاحة فرص متكافئة لجميع المتعلمين، بمن فيهم أولئك الذين يعانون من صعوبات أو اضطرابات نمائية. ومن بين هذه الفئات، نجد المتعلمين المصابين باضطراب التناسق الحركي (الديسبراكسيا)، وهو اضطراب عصبي يؤثر على التخطيط الحركي والتنسيق بين الدماغ والجسم، مما يجعل إنجاز الأنشطة التربوية، وخصوصًا التي تتطلب حركات دقيقة أو تفاعلات يدوية، أمرًا صعبًا ومجهدًا، اذ يواجه هؤلاء المتعلمون تحديات حقيقية داخل البيئة المدرسية، لاسيما في مادة الإيقاظ العلمي، التي تعتمد على الملاحظة والتجريب والأعمال التطبيقية. غالبًا ما يجد الطفل المصاب بالديسبراكسيا نفسه غير قادر على التأقلم مع زملائه في إنجاز التجارب أو في التعبير الدقيق عن ملاحظاته الحسية، مما يؤثر سلبًا على مشاركته وثقته بنفسه، وقد يؤدي إلى عزوفه عن التعلم أو ضعف تحصيله العلمي. 

انطلاقًا من هذه المعطيات، يهدف مشروعنا إلى توظيف الذكاء الاصطناعي كأداة علمية مساعدة لتمكين المتعلمين المصابين باضطراب التناسق الحركي من التفاعل الإيجابي مع دروس الإيقاظ العلمي. يسلط هذا البحث الضوء على هذا الموضوع لأسباب متعددة، ويتمثل هدفنا الأساسي في اكتشاف استراتيجيات تعليمية مبتكرة تعمل بالذكاء الاصطناعي، تساعد المتعلمين في تجاوز صعوباتهم من خلال إدراج تقنيات ذكية تتماشى مع احتياجاتهم، وتعزز قدراتهم، لتمكينهم من التعامل مع المحتوى العلمي بطريقة فعالة وناجحة.

الإطار العام 

مشكلة البحث 

يشهد القطاع التعليمي في السنوات الأخيرة تحولات جذرية بفعل الثورة التكنولوجية وتطور تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي أصبحت تمثل فرصة حقيقية لإعادة التفكير في أساليب التعليم والتعلّم، لا سيما لفائدة المتعلمين ذوي الاحتياجات الخصوصية. ومن بين هؤلاء، نجد المتعلمين المصابين باضطراب التناسق الحركي (الديسبراكسيا)، الذين يواجهون صعوبات في التحكم الحركي، مما يؤثر سلبًا على قدرتهم على أداء الأنشطة العلمية التطبيقية وفهم المفاهيم المجردة في مادة الإيقاظ العلمي.

تطرح هذه الوضعية تحديًا بيداغوجيًا يتمثل في كيفية تمكين هؤلاء المتعلمين من تعلم ناجع يأخذ بعين الاعتبار صعوباتهم الحركية ويستثمر قدراتهم المعرفية والإبداعية. وفي هذا السياق، يبرز الذكاء الاصطناعي كأداة علمية مبتكرة يمكن توظيفها لابتكار موارد رقمية تعليمية تفاعلية تراعي الفروق الفردية وتقدّم الدعم المناسب لكل متعلم وفق احتياجاته.

انطلاقًا من ذلك، ينبثق التساؤل المركزي التالي:

إلى أي مدى يمكن أن يسهم توظيف الذكاء الاصطناعي كأداة علمية في دعم تعلم الإيقاظ العلمي لدى المتعلمين المصابين باضطراب التناسق الحركي (الديسبراكسيا)، وتحسين مشاركتهم وتفاعلهم داخل الفضاء المدرسي؟

ومن هذا التساؤل تتفرع إشكاليات فرعية أخرى:

  1. إلى أي مدى تشكّل صعوبات التناسق الحركي عائقًا أمام فهم التلاميذ للتجارب العلمية وتطبيقها في مادة الإيقاظ العلمي؟ 
  2. كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم في مراعاة الفروق الفردية داخل الفصل؟ 
  3. ما هي الشروط اللازمة لضمان نجاح تجربة التعليم الدامج المعتمد على الذكاء الاصطناعي؟

فرضيات هذا البحث 

الفرضية الأولى: صعوبة التناسق الحركي تؤثر سلبًا على التحصيل الدراسي لتلاميذ السنة الثالثة في مادة الإيقاظ العلمي.

الفرضية الثانية: وعي المدرسين المعاصرين بأهمية توظيف الذكاء الاصطناعي يسهم في تحسين طرق معالجة صعوبات التناسق الحركي لدى المتعلمين.

الفرضية الثالثة: تطبيقات الذكاء الاصطناعي قادرة على مساعدة المتعلمين ذوي صعوبات التناسق الحركي (الديسبراكسيا) على فهم التجارب العلمية وتنفيذها بشكل أكثر فعالية في مادة الإيقاظ العلمي.

أهمية البحث

تُعدّ مادة الإيقاظ العلمي من الركائز الأساسية في المنظومة التربوية بمرحلة التعليم الابتدائي، إذ تساهم في تنمية التفكير العلمي والمنطقي لدى المتعلمين، وتغرس فيهم روح الاستكشاف والبحث والملاحظة الدقيقة للظواهر الطبيعية والبيئية المحيطة بهم. كما تساعدهم على اكتساب المفاهيم العلمية الأساسية، التي تُشكّل قاعدة لبناء معارفهم المستقبلية في مختلف المواد العلمية .إلا أنه، على غرار ظاهرة الإدماج في المدارس العمومية التونسية، يواجه بعض المتعلمين تحديات إضافية، لا سيما أولئك الذين يعانون من صعوبات في التناسق الحركي (الديسبراكسيا)، مما يؤثر على قدرتهم على متابعة التجارب العلمية وأداء الأنشطة التطبيقية بشكل فعّال.

من هذا المنطلق، يسعى هذا البحث إلى تسليط الضوء على هذه المشكلة الدارجة، عبر استكشاف وسائل تعليمية تتماشى مع هذا الاضطراب، مع التركيز على التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي، وتوظيف تطبيقات ذكية تساعد تلاميذ السنة الثالثة على تجاوز الصعوبات المرتبطة بالديسبراكسيا وتحقيق تعلم ناجع في مادة الإيقاظ العلمي.

مصطلحات البحث

الذكاء الاصطناعي

لغة: يتكون مفهوم الذكاء الاصطناعي من كلمتين: الأولى اصطناعي  artificiel  وتشير إلى شيء مصنوع أو غير طبيعي، الثانية ذكاء intelligence  ويعني القدرة على الفهم والتفكير.

اصطلاحا: هو اسم يطلق على اي نظام حاسوب يتم تدريبه على محاكاة الاسلوب البشري الذكي.

التكنولوجيا

لغة: التكنولوجيا هي مصطلح يوناني الأصل يتألف من مقطعين: techno الذي يعني الفن أو الحرفة وكلمة logy  التي تعني النظرية أو العلم وعند دمجهما ينتج معنى ” علم صناعة المعرفة النظامية في فنون الصناعة أو العلم التطبيقي”.

اصطلاحا: التكنولوجيا هي عبارة عن مجموعة من المعارف والمهارات والخبرات المتراكمة والمتاحة والأدوات والوسائل المادية والتنظيمية والإدارية التي يستخدمها الانسان لاستغلال موارد البيئة وتطويع ما فيها من موارد وطاقات لخدمته في أداء عمل أو وظيفة ما في مجال حياته اليومية لإشباع الحاجات المادية والمعنوية سواءا على مستوى الفرد والمجتمع.

الإيقاظ العلمي

لغة: لإيقاظ: من الفعل أيقظَ – يوقِظُ – إيقاظًا، أي نَبَّهَ أو أثار بعد سكون. ويُقال: أيقظ فيه حبَّ المعرفة أي حرّك رغبته في التعلم والاكتشاف، أما العلمي: فهو منسوب إلى العِلم، أي المعرفة القائمة على الملاحظة والتجريب والاستنتاج.

اصطلاحا: الإيقاظ العلمي هو مادة تعليمية تهدف إلى تنمية التفكير العلمي لدى المتعلمين، وإثارة فضولهم لفهم الظواهر الطبيعية والاجتماعية، عبر الملاحظة، والبحث، والتجريب، والتحليل.

التناسق الحركي

لغة: لتناسق في اللغة مأخوذ من الفعل نسقَ أي انتظم وترتّب واتّسق بعضه مع بعض، ويُقال :   تنَاسقت الحركات أي انسجمت وتكاملت دون اضطراب. والحركي منسوب إلى الحركة، أي الانتقال أو الفعل الجسدي الذي يقوم به الإنسان بإرادته.

اصطلاحا: القدرة على تنظيم الحركات الجسمية المختلفة والتحكم فيها بدقة وتناسق زمني ومكاني من أجل أداء مهام أو أنشطة حركية معينة بشكل منسجم وفعّال.

الديسبراكسيا

لغة: لفظ الديسبراكسيا (Dyspraxia) مشتق من أصل يوناني: الكلمة تتكون من مقطعين هما:“Dys”وتعني اضطرابًا أو خللًا أو صعوبة، و“Praxis” وتعني الفعل أو الأداء أو الحركة المنسقة. وبذلك، فإن  “Dyspraxia” تعني صعوبة في أداء الأفعال أو الحركات الإرادية المنظمة.

اصطلاحا: اضطراب التناسق الحركي النمائي (الديسبراكسيا) هو حالة عصبية تؤثر على القدرة على تخطيط وتنظيم وتنفيذ الحركات الإرادية، وتظهر في مرحلة الطفولة المبكرة، وقد تؤثر في الأداء المدرسي والتفاعل الاجتماعي.

التربية الدامجة

لغة: التربية في اللغة مأخوذة من الفعل ربّى، أي نشّأ وعلّم ونمّى. والدامجة من الفعل دمج، أي أدخل الشيء في غيره وجعله جزءًا منه. وبذلك، فالتربية الدامجة لغةً تعني تربية تُدخل جميع الأفراد في نظام تعليمي واحد دون إقصاء أو تمييز.

اصطلاحا: تُعرَّف التربية الدامجة بأنها نهج تربوي يهدف إلى ضمان حق جميع الأطفال، بمن فيهم ذوو الاحتياجات الخاصة أو الصعوبات التعليمية، في التعلم داخل نفس الفضاء المدرسي، من خلال تكييف المناهج والوسائل والتقويمات لتلبية احتياجاتهم الفردية.

الفروق الفردية

لغة: الفروق جمع فَرق، وهو التمييز بين شيئين أو أكثر، أي ما يجعل أحدهما مغايرًا للآخر. والفردية منسوبة إلى الفرد أي الشخص الواحد، أي ما يخص كل إنسان على حدة. اذن الفروق الفردية لغةً هي: الاختلافات التي تميز الأفراد بعضهم عن بعض في صفاتهم أو قدراتهم.

اصطلاحا: لاختلافات في الأداء بين الأفراد في نفس المهمة أو السلوك، نتيجة تباين في القدرات أو الخبرات أو الدوافع.

البيئة الرقمية التفاعلية

لغة: البيئة في اللغة هي المحيط الذي يعيش فيه الإنسان ويتفاعل معه. والرقمية منسوبة إلى “الرقم” أي ما يُعبر به عن البيانات بلغة الأعداد (0 و1).

أما التفاعلية فهي من الفعل تفاعل أي تبادل الأثر بين طرفين أو أكثر. وعليه، فإن البيئة الرقمية التفاعلية لغةً تعني: محيط إلكتروني يقوم على تبادل التفاعل بين الإنسان والتقنية.

اصطلاحا: البيئة الرقمية التفاعلية في التعليم هي فضاء تعلم إلكتروني يستخدم الوسائط الرقمية (كالمنصات التعليمية، والمحاكاة، والوسائط المتعددة) لتوفير تعلم قائم على المشاركة، والاكتشاف، والتغذية الراجعة الفورية، بما يُعزّز التفاعل بين المتعلم والمحتوى والمعلم.

اسباب اضطراب التناسق الحركي :

يتجلى اضطراب التناسق الحركي نتيجة لعدة أسباب تكون في المعظم حصيلة عوامل مختلفة :

 نقص في التطور أو زلل في مناطق معينة في الدماغ المكلفة بالتخطيط الحركي.

 عوامل الوراثة لديها دور فعال في نسبية تكون الاضطراب.

 فترة الحمل والولادة يمكن أن تمثل سببا أيضا مثلا في حالة نقص في الأكسجين أو الولادة قبل ميعادها.

 عدم توفر وسط محفز حركيا في مرحلة النمو الأولى وبالتالي بطىء في تطور المهارات الحركية.

 فتور العضلات والعظام أو اضطرابات الاحساس الحسي .

 مشاكل في تدبير المعلومات الحسية من قبل الدماغ.

 بطئ في نمو الجهاز العصبي المركزي عند الطفولة.

اعراض اضطراب التناسق الحركي :

توجد عدة فئات متجانسة تعكس طبيعة الاضطراب ومخلفاته على أداء الطفل:

  1. الاعراض الحركية العامة : وهي التي تتعلق بتعلم وتنفيذ الحركات الكبرى، اذ يعاني الطفل من بطء واضح في اكتساب المهارات الحركية الجديدة أو عدم القدرة على إحكمها بشكل طبيعي. كما تتجلى في صعوبة في ربط الحركات المتتابعة بسلاسة، مثل القفز، الركض والتقاط الكرة، إضافة إلى ضعف التوازن ووجود حركات غير منسقة أو غير دقيقة.
  2. الاعراض الحركية الدقيقة : ترتبط هذه الأعراض بشكل مباشر أنشطة الكتابة، إذ يعاني الطفل من صعوبة في الإمساك بالقلم والتحكم فيه، مما يؤدي إلى خطوط غير متساوية وكلمات غير واضحة. وينتج عن ذلك خللًا في التناسق بين العين واليد وفي التحكم العضلي الدقيق.
  3. الأعراض الوظيفية في الأنشطة اليومية :ينعكس اضطراب التنسيق الحركي على قدرة الطفل على أداء الأنشطة اليومية الاعتيادية، كإرتداء الملابس، ربط الحذاء، واستخدام أدوات المائدة، حيث يتطلب إنجاز هذه المهام جهدًا أكبر ووقتًا أطول مقارنة بأقرانه.
  4. الأعراض الإدراكية–الحركية : تشير إلى ضعف التفاهم الحركي والوعي بمكان الجسد في الفضاء، مما يؤثر على قدرة الطفل على تنظيم حركاته والتكيف الحركي مع المحيط، ويؤدي إلى أداء حركي غير متناسق.
  5. الأعراض النفسية–الانفعالية المصاحبة : قد يتفادى بعض الأطفال الأنشطة الرياضية أو الألعاب التي يجب أن يوظف فيها مستوى عاليًا من التناسق الحركي، نتيجة الشعور بالإحباط أو الخوف من الفشل، وهو ما يعكس الأثر النفسي للاضطراب على دافعية الطفل ومشاركته الاجتماعية.

فاعلية الذكاء الاصطناعي لتجاوز هذه الصعوبة :

نظرًا لجائحة كوفيد-19 وما رافقها من إغلاق للمؤسسات التعليمية، برزت التكنولوجيا، وخاصة الذكاء الاصطناعي، كحل بديل لضمان استمرارية التعلم، حيث شهد هذا المجال توسعًا ملحوظًا وانتشارًا سريعًا. ورغم هذا التطور، لا تزال الأدلة العلمية محدودة في تحديد مدى مساهمة الذكاء الاصطناعي في تحسين التحصيل الدراسي أو في تعميق فهم الباحثين والممارسين التربويين لآليات التعلم الفعال، كما أن إمكانيات الذكاء الاصطناعي في تتبع حصيلة التعلم وتقويم الكفاءات المكتسبة، خاصة في البيئات غير الرسمية، لم تُستكشف بالقدر الكافي. وتشير بعض الدراسات إلى تصنيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التعليم إلى ثلاث فئات رئيسية: تطبيقات موجهة للنظام التعليمي، وأخرى للمتعلمين، وثالثة للمعلمين .في المقابل، يقترح بعض واضعي السياسات التعليمية تصنيفًا قائمًا على الحاجيات، يشمل أربع فئات أساسية: إدارة التعليم وتقديمه، التعلم والتقويم، تحسين الممارسات التعليمية، ودعم التعلم مدى الحياة، مع التأكيد على أن هذه الفئات مترابطة وليست منفصلة، حيث يمكن للتطبيق الواحد أن يلبي عدة احتياجات في الوقت نفسه .وعليه، يُوصى بأن يستند توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم إلى تلبية الاحتياجات المحلية والمستقبلية، مع الاعتماد على تحليل دقيق للمخاطر والفوائد، بدلًا من الاقتصار على اعتبارات السوق .ورغم أن الذكاء الاصطناعي ساهم في مواجهة التحديات التي فرضتها جائحة كوفيد-19، خاصة من خلال دعم التعليم عن بعد، فإن فعاليته على المدى الطويل لا تزال تتطلب مزيدًا من البحث والدراسة.

تأثير التطبيقات والمواقع على التحصيل الدراسي 

تؤثر التطبيقات والمواقع بشكل كبير على التحصيل الدراسي في العصر الرقمي الحالي فيما يلي تفصيل لهذا التأثير: 

  • تعزيز التعلم الذاتي: تشجع التطبيقات والمواقع التعليمية على التعلم المستقل، مما يمكّن التلاميذ من تطوير مهاراتهم ومعارفهم بشكل مستمر. 
  • المرونة في التعلم: توفر هذه الأدوات إمكانية التعلم في أي وقت ومكان، مما يسمح للطلاب بالاستفادة من أوقاتهم بشكل أفضل. 
  • تشخيص المحتوى: تتيح التطبيقات تكييف المحتوى التعليمي وفقا لاحتياجات كل طالب، مما يجعل التعلم أكثر فعالية ونجاعة. 
  • تعزيز التحفيز والمشاركة: تزيد التطبيقات التفاعلية من تحفيز التلاميذ ومشاركتهم في العملية التعليمية.
  • استخدام الوسائط المتعددة: توظف التطبيقات والمواقع مجموعة من الوسائط مثل الفيديو والصوت والصور، مما يدعم أساليب مختلفة في مجال التعليم.

الجانب التطبيقي للدراسة

الإستبيان

قمنا باستبيان موجه للمعلمين، يشمل 20 سؤالا، حيث قسّموا إلى خمسة محاور أساسية كالآتي:

المحور الأول: يجمع المعلومات حول المعطيات الشخصية والمهنية و الإجتماعية للمعلمين (من السؤال الأول الى السؤال 5).

المحور الثاني: يهتم بمدى إحاطة المعلم بصعوبة التناسق الحركي ونسبة إنتشارها بالقسم والوسائل المعتمدة للتعامل مع هذه الفئة من المتعلمين (من السؤال 6 إلى السؤال 9).

المحور الثالث: يضم أسئلة عامة عن إدراك المعلمين للذكاء الاصطناعي في المجال التربوي (من السؤال 10 إلى السؤال 13).

المحور الرابع: هذا المحور هو جوهر الإستبيان، إذ يقوم على موقف آراء المعلمين حول إستخدام الذكاء الاصطناعي (من السؤال 14 إلى السؤال19).

المحور الخامس: يضم إقتراحات وملاحظات مفتوحة حول الموضوع، يعطي للمعلم مساحة التعبير عن أفكاره دون حدود (سؤال 20).

المقابلة

لضمان صحة فرضيات بحثنا والحصول على المعلومات التي نحتاجها وإتمام البيانات المستهدفة، إعتمدنا على المقابلة كأداة من المنهج الكيفي، إذ قمنا بمقابلتين:

  • المقابلة الاولى :

أجريت هذه المقابلة مع الأخصائية النفسية رهام العناني المتخرجة من كلية 09 أفريل (كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس) سنة 2021 ومتحصلة على الماجستير في علم النفس المرضي والإكلينيكي بتاريخ 7  نوفمبر 2025.

تضمنت المقابلة أسئلة حول الاضطراب نفسه، أسئلة حول التشخيص، أسئلة حول تأثير الاضطراب على الحياة المدرسية و أسئلة حول العلاج و المتابعة ثم أسئلة حول الجانب العصبي و التربوي.

 ومن أهم مخجرات هذه المقابلة : اضطراب الديسبراكسيا يُعدّ اضطرابًا نمائيًا عصبيًا يؤثر على التخطيط والتناسق الحركي دون أن يكون مرتبطًا بضعف في الذكاء، بل بخلل في معالجة المعلومات الحركية. كما كشفت عن صعوبة التشخيص المبكر وخطورة سوء تفسير أعراضه من قبل الأولياء والمعلمين، حيث غالبًا ما تُنسب إلى الكسل أو ضعف القدرات .وأكدت المقابلة أهمية التشخيص القائم على فريق متعدد الاختصاصات لضمان تقييم دقيق وشامل. كما بيّنت أن الديسبراكسيا تؤثر سلبًا على الأداء المدرسي رغم سلامة القدرات المعرفية، مما يستدعي اعتماد تكييفات تربوية وتهيئة بيئة تعليمية ملائمة .كما أبرزت النتائج كذلك الدور الأساسي للأسرة في الدعم النفسي والمتابعة، إلى جانب أهمية المرافقة التربوية المستمرة. كما أشارت إلى أن العلاج يختلف حسب الحالات ويتطلب تقييمًا دوريًا، مع إمكانية إدماج الطفل في حياة مدرسية عادية عند توفر الدعم المناسب. وفي الختام، أكدت المقابلة أهمية المقاربة العصبية-التربوية وفتحت آفاقًا لتوظيف الوسائل الرقمية، وخاصة الذكاء الاصطناعي، كأدوات مساعدة لتمكين الطفل من تجاوز صعوباته والتعبير عن قدراته.

  • المقابلة الثانية :

أجريت هذه المقابلة بتاريخ  2026-01-30 مع السيد عدنان القاسم  معلم لمادة الإيقاظ العلمي بالمدرسة الابتدائية المحلة بزغوان.

خلال المقابلة سألناه عن مدى معرفته بهذا الاضطراب، مدى وعي الأولياء و الزملاء تجاهه، هل تعرض لحالة مماثلة في القسم،  سألنا أيضا عن الأساليب الذي يعتمدها لمساعدة هذه الفئة من التلاميذ. أما مخجرات المقابلة فاستنتجنا أن تلاميذ الديسبراكسيا يواجهون صعوبات حركية تؤثر على أدائهم في الأنشطة العلمية وتحصيلهم الدراسي، مما ينعكس على ثقتهم بأنفسهم. كما بيّنت نقص الوعي بهذا الاضطراب لدى بعض المعلمين والأولياء. ولمواجهة ذلك، يتم اعتماد تكييفات تربوية مثل تقليل الكتابة، استخدام الوسائل الرقمية والبصرية، ومنح وقت إضافي.

المنصة التعليمية موف برايت :Move Bright 

لدعم مشروعنا أعددنا منصة تعليمية تربوية موجهة للمتعلمين من الدرجة الثانية من المرحلة الابتدائية ، خاصة منهم الذين يعانون من اضطراب التناسق الحركي  .اذ تهدف هذه المنصة إلى دعمهم ولتشخيص صعوباتهم ثم اقتراح معالجات تربوية مناسبة حسب مستوى كل متعلم، وذلك عن طريق تمارين تعليمية في مادة الايقاظ العلمي، في دروس التنقل عند الحيوانات، التغذية، التنفس، حالات المادة

وصف المنصة التعليمية 

يضم التطبيق واجهة ترحيبية تم تصميمها بشكل بسيط، واضح وجذاب بهدف خلق انطباع أولي ايجابي لدى المستخدم منذ الولوج الأول للمنصة، حيث تحتوي هذه الواجهة على رسالة تعرف بالموقع وتبرز أهدافه التربوية بطريقة مختصرة ومفهومة، كما تم الحرص على أن تكون لغة الترحيب مناسبة للطفل من حيث البساطة واللطف، وقصيرة لتجنب الحمل المعرفي الزائد، خاصة لدى الأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلم وذلك انسجاما مع المبادئ التربوية الحديثة ونظريات التعلم الداعم

 واجهة ترحيب المنصة التربوية

وظفنا في هذه المنصة التعليمية نافذتان : واحدة مخصصة للمتعلم و أخرى للمعلم أو الولي، تحتوي هذه الأخيرة على شبكة ملاحظات لتقدم عمل المتعلمين….. أما نافذة المتعلم فتحتوي على مرحلتان أساسيتان، وهما مرحلة تشخيص و مرحلة معالجة حيث تم الاعتماد فيهما على النظرية الاجتماعية-الثقافية للتعلم لفيغوتسكي وخاصة منها مفهومي منطقة النمو القريب ZPD و الدعم التدريجي :Scaffolding ففي مرحلة التشخيص، استخدمت الأنشطة لتحديد مستوى أداء الطفل الحالي داخل منطقة النمو القريبة، أي ما يستطيع إنجازه بمفرده وما يحتاج فيه إلى دعم .أما في مرحلة المعالجة، فيُقدّم دعم تدريجي (Scaffolding) بهدف تمكين المتعلم من الانتقال من الأداء الموجّه إلى الأداء المستقل، مع تمكينه من تطبيق المكتسبات على مواقف جديدة، بما ينسجم مع مبادئ التعلم الدامج.

مرحلة التشخيص 

في هذه المرحلة يتمتع كل متعلم بعشرة تمارين تفاعلية متنوعة محددة بوقت معين. والهدف ن هذه المرحلة، رصد صعوبات التعلم في مجالات التخطيط الحركي، تنظيم المعلومة، نقل المعرفة …في نهاية هذه المرحلة سوف يقيم أداء المتعلم، فان لم يلتزم بالوقت المحدد له سوف تخرج له اشارة تطلب منه الانتقال إلى المرحلة الثانية، علما و أن هذه الاشارة معناها احتمال وجود أعراض ديسبراكسيا.

مرحلة المعالجة 

هذه المرحلة تكون مغلقة و لا تفتح الا في حالة الاشتباه لمريض الديسبراكسيا. وتتمثّل في مرحلة المرافقة التربوية بعد رصد الصعوبات التعليمية، حيث توفّر مجموعة من الأنشطة التفاعلية الذكية المصمّمة خصيصًا لتنمية مهارات المتعلّم بطريقة تدريجية ومكيّفة مع احتياجاته. اذ قسمت هذه الأنشطة إلى أربعة مستويات رئيسية صنفت من الأسهل إلى المتوسط، ثم القوي إستنادا إلى فيغوتسكي.

المستوى الأول : ملاحظة 

المستوى الثاني: ملاحظة مع حركة 

المستوى الثالث: تقليد 

المستوى الرابع: تحليل، ترتيب مع الاستقلالية

وبهذا نكون قد طبقنا مبدأ الدعم التدريجي بمساعدة الطفل في البداية بالصور، التلميحات، الفيديوهات، بعد ذلك دعم أقل تدريجا وفي النهاية يؤدي الطفل مهامه بمفرده، وفي المقابل يتمتع بواجهة بسيطة، محفّزة، وآمنة، تشجّعه على التعلّم باللعب وتعزّز ثقته بنفسه.

و بما أن مشروعنا معتمد أساسا على الذكاء الاصطناعي، فقد تجلى في منصتنا على شكل مرافق للمتعلم خلال رحلته التعليمية بإرشاده، إعطاءه تلميحات، تفسير الخطأ ان وجد و مكافأته بنجمة عند الإجابة الصحيحة. فهنا نجد أن الذكاء الاصطناعي قد ساهم في جعل عملية التعلم أكثر تفاعلًا وتحفيزًا، حيث يواكب المتعلم خطوة بخطوة ويوفر له دعمًا شخصيًا يتماشى مع احتياجاته، مما يعزز فهمه وثقته بنفسه ويُمكّنه من تجاوز صعوباته بطريقة فعّالة.

التجربة الميدانية 

لنتبين أثر توظيف الذكاء الاصطناعي على التحصيل الدراسي العلمي لتلاميذ اضطراب التناسق الحركي، قمنا بالتواصل مع مدير المدرسة الابتدائية بزغوان “المحلة” و معلم السنة الثالثة بالمدرسة على الدرس المراد تدريسه وهو درس التحولات الفيزيائية للمادة، وحسب ذلك تم الاتفاق على تدريس القسم أولا بالطريقة التقليدية، ثم الانتقال الى التدريس باستعمال الموقع “MoveBright” لنتبين بعد ذلك الفرق الواضح بين الطريقتين و مدى فاعلية الذكاء الاصطناعي في تدريس ذوي الديسبراكسيا.

العينة: تتكون عينة هذه الدراسة من 30 تلميذا مرسمين بالسنة الثالثة أ من بينهم حالة تلميذ مصاب بالديسبراكسيا مع عدم التشخيص الطبي ولكن من خلال الملاحظة تظهر عليه جميع الأعراض و بشهادة من مدرسيه.

نتائج تقييم القسم عند التدريس بالطريقة التقليدية

يبين الجدول رقم 1 نتائج القسم الذي درس بالطريقة التقليدية، كما يوضح اللون الأصفر نتائج التلميذ المصاب بالديسبراكسيا.

الجدول رقم 1 : نتائج القسم الذي درس بالطريقة التقليدية.

نتائج تقييم القسم بعد التدريس بالذكاء الاصطناعي

يوضح الجدول رقم2 نتائج القسم بعد أن درسوا باستعمال الموقع الموظف بالذكاء الاصطناعي، كما يوضح اللون الغامق التلميذ المصاب بالديسبراكسيا.

الجدول رقم2 : نتائج القسم بعد أن درسوا باستعمال الموقع الموظف بالذكاء الاصطناعي.

الاستنتاجات

من خلال التجربة الميدانية، يمكن التأكيد على أن توظيف الذكاء الاصطناعي في تدريس مادة الإيقاظ العلمي قد ساهم بشكل ملحوظ في تحسين مستوى التحصيل الدراسي لدى التلاميذ بصفة عامة، ولدى التلميذ المصاب باضطراب التناسق الحركي (الديسبراكسيا) بصفة خاصة. فقد أظهرت النتائج المقارنة بين التدريس بالطريقة التقليدية والتدريس المعتمد على الموقع “MoveBright” وجود تطور واضح في نسب النجاح، مما يعكس فاعلية هذا التوظيف في دعم التعلم.

كما بيّنت التجربة أن استخدام بيئة رقمية تفاعلية قائمة على الذكاء الاصطناعي يساهم في تعزيز دافعية التلاميذ، وتحسين تفاعلهم داخل القسم، من خلال تقديم دعم فردي يتماشى مع خصوصيات كل متعلم. وقد مكّن ذلك التلميذ المصاب بالديسبراكسيا من تجاوز بعض الصعوبات الحركية والمعرفية، والاندماج بشكل أفضل في النشاط التعليمي.

وعليه، تؤكد هذه النتائج صحة فرضيات البحث، خاصة الفرضية القائلة بأن تطبيقات الذكاء الاصطناعي قادرة على دعم تعلم التلاميذ ذوي صعوبات التناسق الحركي وتحسين أدائهم في الأنشطة العلمية. كما تبرز أهمية اعتماد مقاربات تعليمية حديثة ودامجة، تستثمر في التكنولوجيا لتوفير فرص تعلم متكافئة لجميع التلاميذ. 

الخاتمة

في ختام هذا البحث، يتبيّن أن توظيف الذكاء الاصطناعي في المجال التربوي لم يعد خيارًا ثانويًا، بل أصبح ضرورة ملحّة لمواكبة التحولات الرقمية وتحسين جودة التعلم، خاصة لفائدة المتعلمين ذوي الاحتياجات الخصوصية. وقد سعى هذا العمل إلى استكشاف مدى فاعلية هذا التوظيف في دعم تعلم الإيقاظ العلمي لدى التلاميذ المصابين باضطراب التناسق الحركي (الديسبراكسيا)، من خلال مقاربة تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي.

وقد أظهرت النتائج المتحصل عليها، سواء من خلال الاستبيان والمقابلات أو التجربة الميدانية، أن الذكاء الاصطناعي يساهم بشكل فعّال في تيسير التعلم، وتحسين الفهم العلمي، وتعزيز التفاعل داخل القسم، وذلك بفضل قدرته على مراعاة الفروق الفردية وتقديم دعم شخصي متدرّج يتماشى مع حاجيات كل متعلم. كما برهن موقع “MoveBright” على قدرتها في مرافقة التلميذ، تشخيص صعوباته، وتقديم أنشطة علاجية مناسبة، مما ساعد على رفع مستوى التحصيل الدراسي وتنمية الثقة بالنفس، خاصة لدى التلاميذ الذين يعانون من صعوبات حركية.

ومن جهة أخرى، أكدت هذه الدراسة أن نجاح توظيف الذكاء الاصطناعي في التعليم الدامج يظل مرتبطًا بجملة من الشروط، من بينها وعي المعلم، وتكوينه المستمر، وتوفر بيئة رقمية ملائمة، إضافة إلى دعم المؤسسات التربوية لمثل هذه المبادرات. كما تبرز الحاجة إلى مزيد من الأبحاث الميدانية التي تعمّق فهمنا لدور هذه التقنيات في تحسين التعلم على المدى البعيد.

وعليه، يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقًا واعدة نحو بناء مدرسة دامجة، عادلة ومرنة، تراعي خصوصيات جميع المتعلمين، وتمكّنهم من تحقيق تعلم فعّال وذي معنى. وفي هذا الإطار، ندعو إلى تعميم التجارب الناجحة، وتطوير حلول رقمية مبتكرة تضع المتعلم في قلب العملية التعليمية.

ميساء المهذبي” و “زينب الرايس”


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى