
تُعدّ قصيدة “المومس العمياء” للشاعر العراقي بدر شاكر السياب واحدة من أبرز النصوص الشعرية في الشعر العربي الحديث، لما تحمله من كثافة رمزية وإنسانية عميقة، فهي ليست مجرد تصوير لامرأة مهمَّشة في المجتمع، بقدر ما هي مرآة لواقع إنساني مأزوم، تتداخل فيه المأساة الفردية مع القسوة الاجتماعية. وينجح السيّاب من خلال هذه القصيدة في تحويل شخصية المومس العمياء إلى رمز مركّب للإنسان المنكسر في عالم فقد بوصلته الأخلاقية، فهي قصيدة تنتمي إلى مرحلة التحولات الكبرى في الشعر العربي والتي قادها رواد حركة الشعر الحر، إذ سعى السيّاب إلى تجاوز القوالب التقليدية للشعر العربي، والاقتراب من التجربة الإنسانية في أبعادها النفسية والاجتماعية، وهو ما جعل القصيدة عنده محاولة لفهم المأساة الإنسانية من الداخل، وليست خطابا أخلاقيا أو حكما على الشخصية.
يبدأ السيّاب ببناء مشهد شعري قاتم، حيث لا تتجسد العتمة في فقدان البصر، بقدر ما في فقدان المعنى أيضا، فالمومس في القصيدة ليست عمياء جسديا فحسب، وإنما عمياء عن العالم الذي يحيط بها، وعاجزة عن إدراك حجم المأساة التي تعيشها. العمى هنا يتحول إلى استعارة كبرى عن العمى الاجتماعي.. عمى مجتمع يرى المأساة لكنه يتغافل عنها، ويستمر في استغلال الضحية بدل إنقاذها.
وتبرز في القصيدة مفارقة قاسية، ذلك أن المومس التي يفترض أن تكون موضوع إدانة أخلاقية تتحول إلى ضحية، بينما يظهر المجتمع – ضمنا – بوصفه المسؤول الحقيقي عن هذا السقوط. بهذا المعنى، يقلب السيّاب منظومة الحكم الأخلاقي، وينقل مركز التعاطف من المجتمع إلى الفرد المهمّش.
تعتمد القصيدة على بنية تصويرية كثيفة، وذلك بتكرار مفردات الظلام، الليل، الصمت، والبرد، وهي عناصر وأدوات لبناء مناخ شعري يعكس حالة الانكسار الوجودي، لأن الليل في القصيدة هو زمن وحالة نفسية، مثلما هو الصمت تجسيد لغياب الكلام وغياب العدالة.
ومن الناحية الرمزية، يمكن قراءة المومس العمياء باعتبارها صورة للوطن الجريح أو للإنسان العربي المقهور في زمن التحولات السياسية والاجتماعية، بحيث أن السيّاب، الذي عاش مرحلة مضطربة في تاريخ العراق والعالم العربي، كان يميل إلى تحويل الشخصيات الهامشية إلى رموز كونية تعبّر عن الألم الإنساني العام، ومن تم فإن قوة القصيدة تكمن في قدرتها على الجمع بين الواقعي والرمزي، بتقديمها شخصية ملموسة تعيش في هامش المدينة، لكنها في الوقت ذاته تتجاوز حدود المكان لتصبح رمزا إنسانيا واسع الدلالة،، وهذا ما يجعل النص مفتوحا على قراءات متعددة.. اجتماعية ونفسية وحتى وجودية.
وفي النهاية، لا تقدّم قصيدة “المومس العمياء” حلا أو خلاصا، بل تترك القارئ أمام سؤال أخلاقي وإنساني عميق: من هو الأعمى حقاً؟ أهي المرأة التي فقدت بصرها، أم المجتمع الذي فقد بصيرته؟ هكذا ينجح بدر شاكر السيّاب في تحويل مأساة فردية إلى صرخة شعرية ضد القسوة الاجتماعية، مؤكدا أن الشعر الحقيقي لا يكتفي بوصف الألم، بل يكشف جذوره العميقة في بنية المجتمع ذاته.
عائشة بوزرار
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






