المرأة والشهادة: من أجل فقه جديد
نحو رؤية تجديدية تستجيب لتحولات العصر وتنصف المكانة المعاصرة للمرأة

تشكل مسألة شهادة المرأة في بعض المجالات، خاصة تلك المرتبطة بالأملاك والأنساب، امتدادا لتصور فقهي نشأ في سياقات تاريخية واجتماعية معينة. فقد كان المجتمع القديم، في بنيته العامة، قائما على تقسيم واضح للأدوار، حيث انحصر حضور المرأة غالبا في المجال الخاص، بينما ارتبط الرجل بالمجال العام من تجارة ومعاملات وأراضٍ ونسب. ونتيجة لذلك، بُنيت بعض الأحكام الفقهية على افتراض أن المرأة أقل احتكاكا بهذه المجالات، وبالتالي أقل إلماما بتفاصيلها. غير أن هذا التصور، وإن كان منسجما نسبيا مع واقع تلك المرحلة، لا يمكن اعتباره قاعدة ثابتة أو حقيقة مطلقة، وإنما هو انعكاس لظرف تاريخي محدد.
لقد شهدت المجتمعات الإسلامية، ومنها المغرب، تحولات عميقة خلال العقود الأخيرة، مست جميع البنيات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية. وأصبحت المرأة فاعلا أساسيا في مختلف المجالات، من الإدارة إلى القضاء، ومن الطب إلى التعليم العالي، وفئات أخرى عريضة في جميع المؤسسات والإدارات التي لها اتصال مباشر بالمواطنين، وهذا التحول يفرض إعادة النظر في بعض التصورات التي لم تعد تعكس الواقع، بل قد تسهم في تكريس فجوة بين النصوص المطبقة وحياة الناس اليومية.
إن الدعوة إلى فقه جديد في مسألة شهادة المرأة تعني استئناف النظر في التراث في ضوء المقاصد الشرعية ومتغيرات الواقع، فالشهادة في جوهرها وسيلة من وسائل الإثبات، هدفها تحقيق العدالة وحفظ الحقوق، وليست غاية في ذاتها أو حكما تعبديا ثابتا لا يقبل الاجتهاد. ومن هذا المنطلق، يصبح من المشروع التساؤل: هل ما زالت الشروط التقليدية للشهادة تحقق هذا الهدف في السياق الحالي؟
يقدم الواقع المعاصر معطيات واضحة، ذلك أن المرأة اليوم ليست فقط متعلمة، بل متخصصة في أدق المجالات، فهي طبيبة تُؤتمن على الأرواح، ومهندسة تُشرف على مشاريع كبرى، وقاضية تُصدر أحكاما في قضايا معقدة تمس الأموال والحقوق. فإذا كانت هذه الثقة المجتمعية والمؤسساتية قائمة في مجالات تتطلب أعلى درجات الدقة والمسؤولية، فكيف يمكن تبرير التقليل من قيمة شهادتها في بعض المجالات القانونية؟
إن هذا التناقض الظاهر بين مكانة المرأة الفعلية في المجتمع وبين بعض القيود المفروضة على شهادتها، يطرح إشكالا حقيقيا لا يتعلق فقط بالمرأة، وإنما بالمنظومة القانونية والاجتماعية ككل. فإضعاف شهادة فئة واسعة من المجتمع لا ينعكس سلبا عليها فقط، ولكنه يؤثر على جودة الإثبات وعلى تحقيق العدالة ذاتها.. لذلك، فإن إنصاف المرأة في هذا الباب هو في جوهره إنصاف للمجتمع بأكمله، كما أن عددا من النقاشات الفقهية المعاصرة، سواء داخل المؤسسات الرسمية أو في الأوساط الأكاديمية، بدأت تميل إلى إعادة تقييم هذه المسألة، انطلاقا من كونها مجالا للاجتهاد وليس حكما قطعيا، ويؤكد هذا التوجه أن الفقه، في حيويته، قادر على التفاعل مع الواقع دون أن يفقد أصالته.
لا يُختزل النقاش حول شهادة المرأة في كونه مطلبا نسويا صرفا أو خروجا عن الدين ، وإنما هو دعوة إلى تصحيح اختلالات لم تعد منسجمة مع واقع المجتمع. فإعادة النظر في هذه المسألة تعد سعيا إلى تحقيق مقاصده في العدل والإنصاف. ومن ثم، فإن بناء فقه جديد يستجيب لتحولات العصر، ويعكس المكانة الحقيقية للمرأة، إنه خطوة نحو مجتمع أكثر توازنا وعدلا، حيث تُقاس الكفاءة بالقدرة والمعرفة، لا بالتصورات الموروثة.
شامة اليعقوبي
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






