التنويريفكر وفلسفة

هل يحتاج دماغ الإنسان المعاصر إلى وثيقة حقوق دستورية جديدة؟

من السلطة الحيوية إلى السلطة العصبية: مقاربة فلسفية وقانونية لحماية الحرية المعرفية في عصر التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي

في مفكرته الشخصية كتب فرانز كافكا ذات يوم بيأس نبيل: “أخشى ما أخشاه أن يتسلل الآخرون إلى دهاليز عقلي، فيروا تلك الأفكار الغامضة التي لا أملك الشجاعة الكافيةلقولها”. كان كافكا يعبر عن مخاوف أديب يقدس العزلة، معتبراً أن جدران الجمجمة هي الملاذ الأخير لسرية الإنسان وحريته الروحية المطلقة. لم يدر في خلد كافكا، ولا في روع جورج أورويل وهو يتخيل شاشات المراقبة الكابوسية في روايته الشهيرة “1984”، ولا حتى رينيه ديكارت وهو يتوجس من “شيطان رجيم” يتلاعب بوعيه، أن تلك الجدران الصلبة ستتداعى يوماً ما، ليس بفعل القمع البوليسي التقليدي، بل بفعل رقة التقدم التقني الباردة. اليوم مع رقاقات “نيورالينك” والواجهات العصبية المتطورة، لم يعد العقل البشري قلعة حصينة مغلقة؛ بل تحول إلى حقل مفتوح للقرصنة والاستثمار والتنقيب الممنهج عن البيانات. هذا الانتقال من “حرمة العقل” إلى “شفافيته الكاملة” يضعنا مباشرة أمام مفهوم التقنو-علم المعاصر الذي لا يكتفي بدراسة الطبيعة والتحكم بظواهرها، بل يسعى لإعادة صياغة الكينونة الإنسانية ذاتها. لم يعد الدماغ في المنظور الفلسفي والتقني الحالي مجرد عضو بيولوجي، بل جرى تفتيته وتحويله إلى بنية بيانات  قابلة للسلعنة والقراءة والتحكم الخارجي. إننا نعيش اليوم ما يسميه الفلاسفة أفول الداخل الإنساني إذ لم يعد التفكير تجربة باطنية غامضة تتخلق في صمت العزلة والتأمل الفريد، بل غدا نشاطاً فيزيولوجياً وكيميائياً مرئياً ومقاساً بلغة الخوارزميات الرقمية. هذا التحول ينقلنا من مفهوم “السلطة الحيوية” الكلاسيكية التي كانت تتحكم بالأجساد وتراقبها في الحيز العام، إلى “سلطة عصبية” تسعى لاختراق الوعي الفردي في مهده، وقراءة النوايا والنزعات قبل أن تتبلور في سلوك أو لغة منطوقة. أمام هذا التغلغل غير المسبوق في المناطق الأكثر حميمية داخل الكائن البشري، تتبدى هشاشة المنظومات القانونية والدستورية الكلاسيكية وفقرها المفهومي. فدساتير العالم التي صيغت في القرون الماضية صُممت أساساً لحماية حرية التعبير، وحرمة المراسلات، وحرية الجسد والملكية الخاصة. لكنها اليوم تقف عاجزة وصامتة أمام فكرة “قرصنة الأفكار” أو توجيه المشاعر والعواطف العميقة من قِبل إمبراطوريات التكنولوجيا

الرقمية العابرة للقارات. ومن هنا تبرز الضرورة الملحة لـ “الحقوق العصبية” إن المطالبة بوثيقة حقوق دستورية جديدة تحمي العقل ليست ترفاً فكرياً أو خيالاً علمياً، بل هي خط الدفاع الأخير لحماية “الحرية المعرفية” وحق الإنسان في حماية خصوصيته الذهنية، وسلامة هويته العقلية، وضمان إرادته الحرة من التوجيه الخفي والبرمجة الصامتة التي تمارسها خوارزميات الذكاء الاصطناعي. هنا تعود بنا هذه المعركة التشريعية والفلسفية الشرسة إلى السؤال الأنطولوجي الأبدي: ما الذي يتبقى من الكائن البشري إذا جُرّد من خلوته العقلية ومن حقه في الخطأ والغموض؟ إن استعادة قيمة الصمت والتفكير الحر غير المراقب ليست مجرد تطلع رومانسي، بل هي شرط أساسي لبقاء الإنسان كذات مفكرة مستقلة وواعية. وإذا كانت دساتير الماضي قد كتبت بدموع الثورات الكبرى من أجل تحرير الأجساد من الأغلال المادية والعبودية وسلاسل المستبدين، فإن دساتير الغد يجب أن تُكتب لحماية العقول من شباك الشبكات غير المرئية التي تغلف كوكبنا. فالحق في ألا نكون مخترقين، والحق في أن نملك أسرارنا الذاتية وهشاشتنا الإنسانية الفريدة، هما الحصنان الأخيران اللذان يجب الدفاع عنهما لكي لا يتحول الوعي البشري إلى مجرد شاشة إضافية تابعة لجهاز حاسوب كوني ضخم.

دكتور أحمد فاتح محمد


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

احمد فاتح محمد

دكتور احمد فاتح محمد محامي و مستشار قانوني باحث قانوني و كاتب في مجالات علم الاجتماع القانونب و الفكر و الادب

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى