المثال بوصفه أساسا للحضارة وصناعة التاريخ
قراءة فلسفية وروحية في دور "المثال" بوصفه المحرك الأساسي لتطور البشرية من المادة إلى الوعي

ما الإنسان إلا مثال. لم يكن ليكون كائنا ثقافيا إلا بفضل المثال. فالقلم، الريشة، الكتاب، السيارة، الطائرة… كل هذه مُثل مادية جعلت حياة الإنسان غير ما كانت عليه. إذن فالمثال محرك البشرية. وحين يقال إن الفلسفة مثالية لا قيمة لها، عندما ينعت أفلاطون بالفيلسوف الحالم، ويُنتقد الفيلسوف الذي يريد السلم للبشرية… فلأن المنتقد/المهاجم لم يفهم معنى المثال، ولم يكن ليعي خطورة المجرد والممكن والرمز. ليس النبي والفيلسوف والفنان والمفكر والمصلح والعالم بالكائنات الحالمة والتي تعيش في برج عاج، إن دعوتهم لعقيدة أو فكرة أو مذهب… هو محاولة لتغيير واقع الناس والمجتمعات. بل قد يصل الأمر إلى التضحية بالنفس من أجل ذلك المثال بوصفه نموذجا وبوصلة للبشرية.
لو تأملنا الواقع لوجدناه “مادة”، ولكن لو نظرنا إليه من خلال مثال معين أو نموذج ذهني أو نظرية… لأصبح مختلفا. كان روسو يرى أن البشرية كانت تعيش في حال طبيعية، ثم ما لبثت أن انتقلت إلى حال مدنية، وبمجرد أن بدأ التملك ظهر المجتمع المدني وبرز الفساد… وحين يكتب عن أصل التفاوت بين الناس وعن التربية (إميل) وعن العقد الاجتماعي… فإنه يروم تأسيس مثال موجه للإنسان. أي كيف نستطيع بناء مجتمع أقل فسادا، ولا يكون ذلك إلا ببناء الإنسان؛ بناء الطفل؛ لا صلاح للكل إلا بصلاح الجزء. قد يبدو روسو مثاليا وحالما، إنه على وعي بذلك، لكنه يريد التغيير، ولا تغيير إلا بما يجب أن يكون؛ لا جديد إلا بالمثال. إن الإنسان نفسه أصبح كائنا ثقافيا، لأنه حرر يديه من المشي. أصبحت لليد وظائف كثيرة. واليد إنما تُوجَّه بالمثال؛ إنها تنزل المثال إلي شيء وواقع.
هكذا نفهم أن الدين، أيضا، مثال عن الإنسان الذي يجب أن يكون، فالنبي حين أُرسل جسّد المثال، وأظهر إمكان التغيير نحو الأفضل. العلم نفسه مثالي؛ فهو نماذج ذهنية متغيرة ومتطورة لفهم العالم، إنه مثال ننظر به إلى الظواهر لنستوعبها ونُطور فهمنا لها… والفن مثالي لأنه يُرينا ما لا نراه. وإذا صح أن الإنسان هو ابن المثال والتجاوز، فكيف يمكننا أن نفهم الجانب الداخلي الجوّاني فينا؟ كيف للمثال أن يجعلنا نفهم سر القلق والحنين للمجهول والاغتراب في عالم الوفرة؟
معلوم أن فرويد اشتغل على أن مشكلات الشخصية في الحاضر، تجد جذرها في الماضي؛ الطفولة. إن الحل هو أن نعود للتاريخ. فما الذي يمنع أن نعود للتاريخ أيضا حين يتعلق الأمر بالروح لا بالنفس؟
يبدو أن بحثنا عن الجمال والكمال والجلال والمعنى… هو تنقيب للروح عن شيء فيها أو شيء خبرته في زمن ما. حين نتأثر بالموسيقى والنغم واللحن… أو بالبهاء والرهبة، فلأن نسيم المثال قد داعب وجه الروح، وكأنها تذكرت ذكريات أزلية، فأبت إلا أن تخضع وتعترف من دون أن تستعلي أو تجحد وتكفر. ولأن هناك مسلمات لابد من الانطلاق منها، كالإيمان بجدارة العقل من دون دليل، وكما نفهم فوضى السماء بعلم الفلكـ، يمكننا على فرض عدم قبول صحة مخاطبة الإله للبشرية في عالم الذر، يمكننا أن نجعل بحثنا المستمر عن المعنى وخلو الواقع منه، يمكن أن نجعل لبحثنا معنى من خلال مثال/نموذج روحاني هو أننا نبحث من دون وعي عن كلمات الله في الوجود؛ فكما سمعنا كلماته أرواحا، يمكننا سماعها الآن بطرق وأساليب مختلفة. بالعلم، الفلسفة، الدين، الفن، الحب… ولعل هذا هو ما عناه كثير من الفلاسفة حين ذهبوا إلى أن في رأس كل إنسان ثقب لا يسده إلا الله. قد يملأ بكثير من البدائل، ولكن يبقى الشعور بالفراغ والقلق والعبث… دليلا على أن روح الإنسان أكبر من العالم، لأنها نفخة إلهية، ولا تسكن إلا بجوار أحسن الخالقين. وكيف يمكن ـ أصلا ـ ملء فراغ علوي بأدوات سفلية؟
إن المثال الروحي هنا هو أن نقترب من المصور الكريم بوصفه جميلا وجليلا وأصلا، إن العودة إلى الواحد توحيد للشخصية من أرباب متفرقين، من التشتت والضياع والاغتراب. والاقتراب من الكريم والجميل واللطيف، يورث الكرم والجمال واللطف… البحر والطبيعة تغير مزاجنا في ساعة زمن، فكيف بمُوجد البحر والطبيعة وما نعلم وما لا نعلم؟ إننا اليوم في حاجة إلى أن ننظر إلى الله بعمق؛ فقد قزمنا صورته، أستغفر الله. أليس من الشرف أن تُخلق في كون عمره طويل جدا، وأنت لا تكاد أن تساوي شيئا حجما، أليس من الواجب أن نكون من الممتنين لإله أوجدنا ليشهدنا على خلقه وبدائعه؛ بل ليحول عمرنا من قيمة عددية إلى قيمة وجودية مكثفة؟ كان يمكن ألا نوجد، ولكننا وجدنا؛ والوجود نعمة وشرف عظيم لو تعلمون.
إذا وعيت بعمق بأنك قد حظيت بشرف الوجود في كون رب العالمين، ستصيبك قشعريرة ورهبة وشعور بقيمة عظيمة. بميزان بشري، إذا رأينا كوكبنا الأزرق، سنصاب بخيبة وخوف ورعب، لأننا لا شيء مقارنة بكون عملاق يتوسع في كل لحظة، ولكننا إذا رأينا أنفسنا بميزان العليم الخبير؛ رأينا ما لا عين رأت ولا خطر على قلب مغالط بشري؛ القيمة والاعتبار والمعية الدائمة.
قد يتخذ المثال شكلا تقنيا أو صورة أخلاقية أو فلسفية أو علمية أو روحية… لكنه يبقى محركنا في عالم متغير؛ عالم يحتاج أن نتغير معه بالمُثُل. بل قد يكون المثال هو مِرساتنا في بحر الوجود. والاستخلاف الإلهي للإنسان هو دعوة له بأن يشاركـ في الخلق المستمر عبر المثال. أليس الكون نفسه مثال لم يكن ثم كان؟ إن خلق الإله للكون هو في حد ذاته المثال الأول على أنه في البدء كان المثال. البدايات مُثُل والنهايات عجائب وغرائب، ثم بعد الإلف تعود من العاديات والطبيعيات. وتعبيرا وتكثيفا لما سبق، يمكن القول: إن المثال قوة وتحرر دائمين.
رحو اليوسفي
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.




