التنويريسلايدرفكر وفلسفة

التَّرْبِيَةُ ضِدَّ الْأَيْدِيُولُوجِيَا  فِي فَلْسَفَةِ أَدُورْنُو النَّقْدِيَّةِ

رؤية نقدية لاستخدام التربية كأداة لتحرير الوعي وبناء "الإنسان الناضج" القادر على مقاومة الهيمنة الأيديولوجية وبنى القمع اللواعية

“إِنَّ الثَّقَافَةَ تَعْنِي تَحَوُّلَ الْكَائِنِ مِنْ مُجَرَّدِ الْوُجُودِ الطَّبِيعِيِّ إِلَى الْوَعْيِ بِهَذَا الْوُجُودِ”


نَصْر حَامِد أَبُو زَيْد

بَعْدَ عَوْدَتِهِ مِنَ الْمَهْجَرِ الْأَمْرِيكِيِّ إِلَى أَلْمَانْيَا الْغَرْبِيَّةِ، انْخَرَطَ ثِيُودُور أَدُورْنُو (Theodor Adorno) فِي التَّدْرِيسِ الْأَكَادِيمِيِّ فِي جَامِعَةِ فَرَانْكْفُورْت، وَمِنْ ثَمَّ بَدَأَ نَشَاطَهُ الْفِكْرِيَّ وَالْفَلْسَفِيَّ حَوْلَ مُخْتَلِفِ قَضَايَا الْحَيَاةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ فِي أَلْمَانْيَا بَعْدَ الْحَرْبِ. وَقَدْ حَظِيَتِ الْمَسْأَلَةُ التَّرْبَوِيَّةُ بِاهْتِمَامِ أَدُورْنُو، الَّذِي لَمْ يَتَرَدَّدْ فِي تَنَاوُلِ قَضَايَاهَا وَأَوْضَاعِهَا فِي ضَوْءِ نَظَرِيَّتِهِ النَّقْدِيَّةِ. وَيَبْدُو أَنَّ أَدُورْنُو لَمْ يَتَوَقَّفْ عَنْ مُمَارَسَةِ النَّقْدِ الْحُرِّ لِأَوْضَاعِ التَّعْلِيمِ الْأَلْمَانِيِّ، وَالْبَحْثِ فِي عَوَامِلِهِ وَمُتَغَيِّرَاتِهِ. وَفِي ظِلِّ هَذِهِ الرُّؤْيَةِ النَّقْدِيَّةِ لِلْمُجْتَمَعِ وَالتَّرْبِيَةِ وَالْحَضَارَةِ، وَجَدَ أَدُورْنُو أَنَّهُ قَدْ أَصْبَحَ مِنَ الْمُسْتَحِيلِ عَلَى الْمُرَبِّي الْجَدِيدِ فِي أَلْمَانْيَا أَنْ يُنَاضِلَ شَخْصِيًّا ضِدَّ الْإِرْثِ الْأَيْدِيُولُوجِيِّ لِلْمُجْتَمَعِ الشُّمُولِيِّ فِي مُجْتَمَعٍ يَزْعُمُ أَنَّهُ دِيمُقْرَاطِيٌّ.

وَفِي مُحَاضَرَتِهِ “نَظَرِيَّةُ أَنْصَافِ التَّعْلِيمِ” (The Theory of Half-Education: 1959) ()، قَامَ أَدُورْنُو بِتَحْلِيلٍ نَقْدِيٍّ لِلنِّظَامِ التَّعْلِيمِيِّ الْهَشِّ فِي أَلْمَانْيَا، بِوَصْفِهِ ظَاهِرَةً ثَقَافِيَّةً تَعْمَلُ عَلَى تَعْزِيزِ مَا أَطْلَقَ عَلَيْهِ الصِّنَاعَةَ الثَّقَافِيَّةَ، الَّتِي تَتَمَثَّلُ فِي صِنَاعَةِ التَّرْفِيهِ اللَّاوَاعِي، وَتَأْصِيلِ الثَّقَافَةِ الرِّيفِيَّةِ التَّقْلِيدِيَّةِ، وَتَرْسِيخِ النَّرْجِسِيَّةِ الْجَمَاعِيَّةِ. وَقَدْ بَيَّنَ فِي هَذَا السِّيَاقِ أَنَّ انْتِشَارَ “أَنْصَافِ التَّعْلِيمِ” فِي الْمُجْتَمَعِ يُؤَدِّي إِلَى تَكْوِينِ إِنْسَانٍ نِصْفِ مُتَعَلِّمٍ، وَبِنَاءِ شَخْصِيَّةٍ هَشَّةٍ هَامِشِيَّةٍ نِصْفِ مُتَعَلِّمَةٍ. وَقَدْ أَوْضَحَ أَنَّ عَمَلِيَّةَ بِنَاءِ الْإِنْسَانِ “النِّصْفِ مُتَعَلِّمِ” تُشَكِّلُ شَرْطًا لِلْحِفَاظِ عَلَى الْأَيْدِيُولُوجِيَا السُّلْطَوِيَّةِ فِي الْمُجْتَمَعِ الْأَلْمَانِيِّ وَاسْتِمْرَارِهَا. وَقَدْ أَلْمَحَ فِي هَذَا السِّيَاقِ إِلَى أَنَّ هَذَا “الْإِنْسَانَ النِّصْفَ” يَكُونُ دَائِمًا مُنْشَغِلًا بِالْقَلَقِ مِنْ أَجْلِ الْحِفَاظِ عَلَى ذَاتِهِ الْمُتَوَهَّمَةِ. وَمِنْ ثَمَّ يُؤَكِّدُ، فِي سِيَاقٍ آخَرَ، أَنَّ الْمُجْتَمَعَ مَا بَعْدَ الرَّأْسِمَالِيِّ الشُّمُولِيَّ يَحْتَاجُ إِلَى بِنَاءِ الْإِنْسَانِ “نِصْفِ الْمُتَعَلِّمِ” لِتَعْزِيزِ هَيْمَنَتِهِ وَسَطْوَتِهِ. وَفِي هَذَا السِّيَاقِ يُظْهِرُ هَذَا الْمُجْتَمَعُ نَفْسَهُ بِوَصْفِهِ كِيَانًا اجْتِمَاعِيًّا مُخَدَّرًا، يَتَكَوَّنُ مِنْ أَفْرَادٍ مُخَدَّرِينَ مَعْرِفِيًّا، وَلَا يَسْتَطِيعُ تَجَاوُزَ هَذَا الْخَدَرِ إِلَّا الْإِنْسَانُ النَّقْدِيُّ الْمُهْتَمُّ (Caring person)، إِذْ تُغَذِّي فَعَّالِيَّتُهُ الْوَاعِيَةُ النَّقْدِيَّةُ، بِاسْتِمْرَارٍ، طَاقَةَ رُوحِهِ الْفَرْدِيَّةِ الَّتِي تَسْتَمِدُّ قُوَّتَهَا مِنَ الْإِرْثِ التَّرْبَوِيِّ الَّذِي طَوَّرَتْهُ التَّرْبِيَةُ الْأَلْمَانِيَّةُ السَّابِقَةُ ()

مقالات ذات صلة

وَفِي مُحَاضَرَتِهِ اللَّاحِقَةِ بِعُنْوَانِ “مَاذَا تَعْنِي مُعَالَجَةُ الْمَاضِي؟” الَّتِي أَلْقَاهَا عَامَ 1959، يُوَاصِلُ أَدُورْنُو نَقْدَ الْأَيْدِيُولُوجِيَا الِاجْتِمَاعِيَّةِ السَّائِدَةِ فِي الْمُجْتَمَعِ الْأَلْمَانِيِّ بَعْدَ الْحِقْبَةِ الشُّمُولِيَّةِ، بِوَصْفِهَا تَتَعَامَلُ مَعَ الْأَوْضَاعِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ الْقَائِمَةِ كَأَنَّهَا ثَابِتَةٌ وَغَيْرُ قَابِلَةٍ لِلتَّغْيِيرِ (). وَوَفْقًا لِأَدُورْنُو، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَيْدِيُولُوجِيَا ـ الَّتِي كَانَتْ سَائِدَةً فِي أَلْمَانْيَا الْغَرْبِيَّةِ ـ سَعَتْ إِلَى مَحْوِ الذَّاكِرَةِ التَّارِيخِيَّةِ لِلنَّاسِ حَوْلَ أَهْوَالِ الْحُكْمِ النَّازِيِّ، كَمَا سَعَتْ إِلَى إِقْصَاءِ هَذِهِ الذِّكْرَيَاتِ مِنَ الْوَعْيِ الْجَمْعِيِّ لِلْأَلْمَانِ، وَقَدْ وَظَّفَتْ طَاقَتَهَا لِاسْتِحْضَارِ ذِكْرَيَاتِ “الْأَيَّامِ الْهَادِئَةِ” تَحْتَ الْحُكْمِ النَّازِيِّ. وَيُبَيِّنُ أَدُورْنُو أَنَّ الْأَفْرَادَ، فِي ظِلِّ هَذِهِ التَّوَجُّهَاتِ التَّرْبَوِيَّةِ، يَمْتَلِكُونَ أَنًا ضَعِيفَةً (weak ego)، وَلِذَلِكَ فَإِنَّهُمْ يَحْتَاجُونَ إِلَى التَّمَاهِي مَعَ جَمَاعَةٍ كَبِيرَةٍ أَوْ حِزْبٍ سِيَاسِيٍّ، وَهُمْ لَا يُحَقِّقُونَ انْدِمَاجَهُمْ إِلَّا مِنْ خِلَالِ سُلْطَةٍ اجْتِمَاعِيَّةٍ قَوِيَّةٍ.

وَلِلْكَشْفِ عَنْ طَبِيعَةِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ الْأَلْمَانِ آنَذَاكَ وَمُمَثِّلِي السُّلْطَةِ النَّازِيَّةِ، يَسْتَخْدِمُ أَدُورْنُو مَفْهُومَ النَّرْجِسِيَّةِ (Narcissism) فِي التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ الْفْرُويدِيِّ، مُشِيرًا خُصُوصًا إِلَى النَّرْجِسِيَّةِ الْجَمَاعِيَّة  (Collective narcissism) لَدَى أَنْصَارِ الْأَيْدِيُولُوجِيَا النَّازِيَّةِ. وَاسْتِنَادًا إِلَى كِتَابِ فْرُويد “عِلْمُ نَفْسِ الْجَمَاهِيرِ وَتَحْلِيلُ الْأَنَا” (Group Psychology and the Analysis of the Ego: 1921) (يُبَيِّنُ أَدُورْنُو أَنَّ عَمَلِيَّاتِ التَّمَاهِي، وَكَذَلِكَ النَّرْجِسِيَّةَ الْجَمَاعِيَّةَ، بَقِيَتْ دُونَ تَغْيِيرٍ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَأَنَّ هَؤُلَاءِ الْأَفْرَادَ لَا يَتَمَاهَوْنَ مَعَ ضَحَايَا النَّازِيَّةِ وَلَا يَتَعَاطَفُونَ مَعَهُمْ.

وَقَدِ اعْتُبِرَتِ التَّرْبِيَةُ الدِّيمُقْرَاطِيَّةُ الْجَدِيدَةُ وَالتَّعْلِيمُ الْمُضَادُّ لِلْأَيْدِيُولُوجِيَا (Re-education) وَسَائِلَ فَعَّالَةً لِتَجَاوُزِ هَذَا الِاتِّجَاهِ الْأَيْدِيُولُوجِيِّ. وَقَدْ طُبِّقَتْ عَمَلِيًّا مِنْ قِبَلِ أَشْخَاصٍ مُتَعَلِّمِينَ وَاعِينَ بِجَرَائِمِ الْمَاضِي، بِطَرِيقَةٍ يُمْكِنُهَا الْقَضَاءُ عَلَى “الطُّفُولَةِ السِّيَاسِيَّةِ” لَدَى الشَّبَابِ، وَمَنْعُ تَكْرَارِ الْجَرَائِمِ النَّازِيَّةِ تَارِيخِيًّا فِي أُورُوبَّا ()

وَقَدِ اسْتَمَرَّ مَوْضُوعُ نَقْدِ النِّظَامِ التَّعْلِيمِيِّ فِي الْمُجْتَمَعِ مَا بَعْدَ الشُّمُولِيِّ فِي مُحَاضَرَةِ أَدُورْنُو “حَوْلَ الْفَلْسَفَةِ وَالْمُعَلِّمِ” (The Philosophy and the Teacher: 1961) )(). وَفِيهَا يُشِيرُ أَدُورْنُو نَقْدِيًّا إِلَى أَنَّ الِاتِّجَاهَ السَّائِدَ فِي الْجَامِعَاتِ الْأَلْمَانِيَّةِ بَعْدَ الْحَرْبِ هُوَ الِالْتِزَامُ الْحَصْرِيُّ بِمَبَادِئِ الْمَعْرِفَةِ الْعِلْمِيَّةِ فَقَطْ. وَقَدْ وَجَدَ أَنَّ ذَلِكَ يُؤَثِّرُ سَلْبًا فِي مَوْقِفِ بَعْضِ الْمُعَلِّمِينَ الْمُسْتَقْبَلِيِّينَ مِنْ مِهْنَتِهِمْ وَمِنْ طُلَّابِهِمْ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْمُعَلِّمِينَ يَفْتَقِرُونَ إِلَى الْفَهْمِ الْفَلْسَفِيِّ لِعَمَلِهِمْ، وَيَتَعَامَلُونَ مَعَ الْمَعْرِفَةِ بِطَرِيقَةٍ اسْتِهْلَاكِيَّةٍ، نَتِيجَةَ غِيَابِ الْحُبِّ الشَّخْصِيِّ لِمِهْنَتِهِمْ وَلِطُلَّابِهِمْ. وَهُمْ غَيْرُ مُبَالِينَ بِعَمَلِهِمْ، وَلَا يَمْتَلِكُونَ الْإِحْسَاسَ بِالرِّسَالَةِ، كَمَا أَنَّهُمْ غَيْرُ قَادِرِينَ عَلَى تَقْدِيمِ مَعْرِفَةٍ جَدِيدَةٍ، سَوَاءٌ عَبْرَ الْخِطَابِ الشَّفَهِيِّ الْمُنْتَقَى أَوِ الْكِتَابَةِ الْمُتْقَنَةِ.

فِي الْمُقَابِلِ، يَقْتَرِحُ أَدُورْنُو تَصَوُّرًا لِمُعَلِّمٍ مُخْتَلِفٍ تَمَامًا. فَالْمُعَلِّمُ الْجَدِيدُ، بِوَصْفِهِ إِنْسَانًا جَدِيدًا، يَجِبُ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى اسْتِيعَابِ الْمَعْرِفَةِ بِعُمْقٍ لِفَهْمِ وَاجِبِهِ الْمِهْنِيِّ، وَأَنْ يَكُونَ قَادِرًا أَيْضًا عَلَى مُمَارَسَةِ الْفَهْمِ الذَّاتِيِّ وَالتَّأَمُّلِ الذَّاتِيِّ (Self-reflection)، وَيَجِبُ أَنْ يُدْرِكَ مَعْنَى عَمَلِهِ التَّرْبَوِيِّ بِشَكْلٍ مُسْتَقِلٍّ. وَتَحْتَ تَأْثِيرِ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ الْفْرُويدِيِّ، يَأْخُذُ أَدُورْنُو بِعَيْنِ الِاعْتِبَارِ مَرْحَلَةً مُبَكِّرَةً مِنْ حَيَاةِ الْإِنْسَانِ()

وَيَتَجَلَّى تَأْثِيرُ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ الْفْرُويدِيِّ فِي فَلْسَفَةِ التَّرْبِيَةِ عِنْدَ أَدُورْنُو بِوُضُوحٍ فِي مُحَاضَرَتِهِ “الْمَحْظُورَاتُ عَلَى مِهْنَةِ التَّدْرِيسِ” (Taboos on the Teaching Vocation: 1965) ()، فِي هَذَا الْعَمَلِ، تَنَاوَلَ أَدُورْنُو الْأَسْبَابَ الِاجْتِمَاعِيَّةَ-النَّفْسِيَّةَ وَالثَّقَافِيَّةَ الَّتِي أَدَّتْ تَارِيخِيًّا إِلَى ظُهُورِ مَحْظُورَاتٍ نَفْسِيَّةٍ عَدِيدَةٍ تُجَاهَ مِهْنَةِ التَّعْلِيمِ فِي الْمُجْتَمَعِ الْأَلْمَانِيِّ. وَاسْتِنَادًا إِلَى كِتَابِ فْرُويد “الطُّوطَمُ وَالتَّابُو” (Totem and Taboo: 1913) ()، حَلَّلَ أَدُورْنُو أَسْبَابَ النُّفُورِ الِاجْتِمَاعِيِّ مِنْ مِهْنَةِ التَّعْلِيمِ. وَمِنْ أَبْرَزِ هَذِهِ الْأَسْبَابِ:

الطَّابِعُ الْمَادِّيُّ لِلتَّقْلِيدِ الثَّقَافِيِّ الْأَلْمَانِيِّ، وَكَذَلِكَ تَقْلِيدُ اسْتِخْدَامِ الْعُنْفِ الْجَسَدِيِّ كَوَسِيلَةٍ لِلْإِكْرَاهِ الِاجْتِمَاعِيِّ. وَوَفْقًا لِهَذَا التَّقْلِيدِ، كَانَ عَلَى الْمُعَلِّمِ أَنْ يُخْضِعَ الطُّلَّابَ لِسُلْطَتِهِ، فِي حِينِ أَنَّهُ هُوَ نَفْسُهُ يَخْضَعُ لِلْأَيْدِيُولُوجِيَا الِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالتَّرْبَوِيَّةِ السَّائِدَةِ فِي الْمُجْتَمَعِ. وَقَدْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى تَشْوِيهٍ أَيْدِيُولُوجِيٍّ لِصُورَةِ الْمُعَلِّمِ، وَانْكِسَارٍ رَمْزِيٍّ لِصُورَتِهِ، وَاغْتِرَابِهِ عَنْ رِسَالَتِهِ التَّرْبَوِيَّةِ، وَقَدْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى تَدْمِيرِ قُوَّتِهِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَالرُّوحِيَّةِ. وَبِوَصْفِهِ بَدِيلًا أَيْدِيُولُوجِيًّا، يَقْتَرِحُ أَدُورْنُو أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ الْمُجْتَمَعُ تَحْقِيقَ تَحَوُّلٍ دِيمُقْرَاطِيٍّ حَقِيقِيٍّ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَدْعَمَ الْمُعَلِّمِينَ الشَّبَابَ الَّذِينَ يُظْهِرُونَ قُوَّةَ رُوحِهِمُ الْفَرْدِيَّةِ فِي مُمَارَسَةِ مِهْنَتِهِمُ التَّرْبَوِيَّةِ ذَاتِ الطَّابِعِ الْإِنْسَانِيِّ. وَيَرَى أَدُورْنُو أَنَّ هَذَا التَّصَوُّرَ يُمْكِنُهُ إِحْدَاثُ مَوْجَةٍ دِيمُقْرَاطِيَّةٍ فِي الْمَدْرَسَةِ الْأَلْمَانِيَّةِ، تَعْمَلُ عَلَى تَجَاوُزِ الْهَمَجِيَّةِ فِي الْمُجْتَمَعِ مَا بَعْدَ الشُّمُولِيِّ، وَتَفْكِيكِ التَّقَالِيدِ اللَّاإِنْسَانِيَّةِ، وَعَلَى رَأْسِهَا تَقْلِيدُ الْعُنْفِ()

وَأَخِيرًا، لَا يُمْكِنُ إِغْفَالُ الْبُعْدِ النَّفْسِيِّ فِي حِوَارِ أَدُورْنُو مَعَ الْكَاتِبِ السِّيَاسِيِّ وَالْمُنَظِّرِ التَّرْبَوِيِّ هِلْمُوت بِيكر (Helmut Becker)، الَّذِي نُشِرَ بِعُنْوَانِ “التَّرْبِيَةُ ـ لِمَاذَا؟” (The Upbringing – Why?) (1966)(). فِي هَذَا الْحِوَارِ، حَدَّدَ الْمُفَكِّرَانِ هَدَفَ التَّرْبِيَةِ السَّلِيمَةِ الْمَنْشُودَةِ فِي تَكْوِينِ الْمُوَاطِنِ الْأَلْمَانِيِّ بِوَصْفِهِ مُوَاطِنًا فِي دَوْلَةٍ دِيمُقْرَاطِيَّةٍ. كَمَا عَرَّفَا جَوْهَرَ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ بِوَصْفِهَا نِظَامَ حُكْمٍ يَتَطَلَّبُ الِاسْتِخْدَامَ الْفَعَّالَ لِعُقُولِ الْأَفْرَادِ، أَيْ قُدْرَتَهُمْ عَلَى التَّفْكِيرِ الْمُسْتَقِلِّ وَاتِّخَاذِ مَوَاقِفَ عَقْلَانِيَّةٍ. فَالدِّيمُقْرَاطِيَّةُ، فِي نَظَرِهِمَا، لَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَحَقَّقَ بِصُورَةٍ فِعْلِيَّةٍ إِلَّا عِنْدَمَا يَكُونُ الْأَفْرَادُ قَادِرِينَ عَلَى اسْتِخْدَامِ عُقُولِهِمْ بِحُرِّيَّةٍ، بَعِيدًا عَنِ الضُّغُوطِ الْأَيْدِيُولُوجِيَّةِ وَالتَّلَاعُبِ النَّفْسِيِّ.

وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يُؤَكِّدُ أَدُورْنُو أَنَّ التَّرْبِيَةَ يَجِبُ أَنْ تُرَكِّزَ عَلَى تَنْمِيَةِ الْقُدْرَةِ النَّقْدِيَّةِ (Critical capacity) لَدَى الْفَرْدِ، كَيْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى مُقَاوَمَةِ أَشْكَالِ الْهَيْمَنَةِ الْأَيْدِيُولُوجِيَّةِ. وَهُنَا يَظْهَرُ بِوُضُوحٍ تَأْثِيرُ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ الْفْرُويدِيِّ، إِذْ يُنْظَرُ إِلَى الْفَرْدِ بِوَصْفِهِ كَائِنًا يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ صِرَاعَاتٍ نَفْسِيَّةً بَيْنَ قُوَاهُ الْمُخْتَلِفَةِ، وَأَنَّ التَّحَرُّرَ الْحَقِيقِيَّ يَتَطَلَّبُ وَعْيَ هَذِهِ الصِّرَاعَاتِ.

وَهُنَا يَرَى أَدُورْنُو أَنَّ التَّرْبِيَةَ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ لَا تَقْتَصِرُ عَلَى نَقْلِ الْمَعْرِفَةِ، بَلْ تَهْدِفُ إِلَى تَشْكِيلِ شَخْصِيَّةٍ مُسْتَقِلَّةٍ (Autonomous personality)، قَادِرَةٍ عَلَى الْوَعْيِ بِذَاتِهَا وَبِالْوَاقِعِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَعَلَى رَفْضِ الِامْتِثَالِ الْأَعْمَى لِلسُّلْطَةِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ التَّرْبِيَةَ تُصْبِحُ وَسِيلَةً لِتَحْرِيرِ الْفَرْدِ مِنْ بُنَى الْقَمْعِ الَّتِي تَعْمَلُ عَلَى مُسْتَوَى اللَّاوَعْيِ، وَهُوَ مَا يَتَقَاطَعُ مَعَ التَّحْلِيلِ النَّفْسِيِّ عِنْدَ فْرُويد. كَمَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ فَشَلَ التَّرْبِيَةِ فِي تَحْقِيقِ هَذَا الْهَدَفِ يُؤَدِّي إِلَى إِعَادَةِ إِنْتَاجِ الْبُنَى السُّلْطَوِيَّةِ دَاخِلَ الْمُجْتَمَعِ، حَتَّى فِي ظِلِّ نِظَامٍ دِيمُقْرَاطِيٍّ شَكْلِيٍّ. وَبِالتَّالِي، فَإِنَّ الْمُهِمَّةَ الْأَسَاسِيَّةَ لِلتَّرْبِيَةِ هِيَ الْحَيْلُولَةُ دُونَ تَكْرَارِ الظُّرُوفِ الَّتِي أَدَّتْ إِلَى نُشُوءِ الْأَنْظِمَةِ الشُّمُولِيَّةِ، وَذَلِكَ مِنْ خِلَالِ تَنْمِيَةِ الْوَعْيِ النَّقْدِيِّ وَالذَّاكِرَةِ التَّارِيخِيَّةِ.

وَفِي ضَوْءِ ذَلِكَ، فَإِنَّ التَّرْبِيَةَ عِنْدَ أَدُورْنُو تُمَثِّلُ مَشْرُوعًا تَحَرُّرِيًّا يَهْدِفُ إِلَى بِنَاءِ إِنْسَانٍ قَادِرٍ عَلَى التَّفْكِيرِ، وَالْمُسَاءَلَةِ، وَرَفْضِ الظُّلْمِ، وَالْمُشَارَكَةِ الْفَعَّالَةِ فِي الْحَيَاةِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ. وَهِيَ التَّرْبِيَةُ الَّتِي تُعَزِّزُ الِاسْتِخْدَامَ الْفَعَّالَ لِعَقْلِهِ، وَقُدْرَتَهُ عَلَى الْحُكْمِ الْمُسْتَقِلِّ وَاتِّخَاذِ الْقَرَارَاتِ. وَفِي هَذَا الْإِطَارِ، يُشِيرُ الْمُتَحَاوِرَانِ إِلَى أَنَّ التَّرْبِيَةَ الْحَقِيقِيَّةَ يَجِبُ أَنْ تَهْدِفَ إِلَى تَنْمِيَةِ هَذِهِ الْقُدْرَةِ الْعَقْلِيَّةِ لَدَى الْفَرْدِ، بِحَيْثُ يُصْبِحُ مُوَاطِنًا قَادِرًا عَلَى الْمُشَارَكَةِ الْوَاعِيَةِ فِي الْحَيَاةِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ.

وَيُؤَكِّدُ كُلٌّ مِنْ أَدُورْنُو وَهِلْمُوت بِيكر أَنَّ التَّرْبِيَةَ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى نَقْلِ الْمَعَارِفِ أَوْ تَدْرِيبِ الْمَهَارَاتِ، بَلْ يَجِبُ أَنْ تَتَّجِهَ نَحْوَ تَشْكِيلِ وَعْيٍ نَقْدِيٍّ لَدَى الْفَرْدِ. فَالْمُوَاطِنُ فِي الدَّوْلَةِ الدِّيمُقْرَاطِيَّةِ لَا يَكُونُ كَذَلِكَ إِلَّا إِذَا امْتَلَكَ الْقُدْرَةَ عَلَى التَّفْكِيرِ الْمُسْتَقِلِّ، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ وَالْوَهْمِ، وَمُقَاوَمَةِ التَّأْثِيرَاتِ الْأَيْدِيُولُوجِيَّةِ.

وَفِي هَذَا السِّيَاقِ، يَنْظُرُ أَدُورْنُو إِلَى الْفَرْدِ بِوَصْفِهِ كَائِنًا يَحْمِلُ فِي دَاخِلِهِ تَوَتُّرَاتٍ وَصِرَاعَاتٍ نَفْسِيَّةً تُؤَثِّرُ فِي سُلُوكِهِ وَوَعْيِهِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ التَّرْبِيَةَ يَنْبَغِي أَنْ تُسَاعِدَ الْفَرْدَ عَلَى فَهْمِ هَذِهِ الصِّرَاعَاتِ الدَّاخِلِيَّةِ، وَعَدَمِ الْوُقُوعِ تَحْتَ سَيْطَرَةِ الْقُوَى اللَّاوَاعِيَةِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تُسْتَغَلَّ أَيْدِيُولُوجِيًّا. كَمَا يُشِيرُ أَدُورْنُو إِلَى أَنَّ غِيَابَ هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّرْبِيَةِ يُؤَدِّي إِلَى تَكْوِينِ أَفْرَادٍ يَفْتَقِرُونَ إِلَى الِاسْتِقْلَالِيَّةِ الْفِكْرِيَّةِ، وَيَكُونُونَ عُرْضَةً لِلتَّأَثُّرِ بِالْخِطَابَاتِ السُّلْطَوِيَّةِ. وَهَؤُلَاءِ الْأَفْرَادُ قَدْ يَنْدَمِجُونَ بِسُهُولَةٍ فِي الْبُنَى الْجَمَاعِيَّةِ الَّتِي تُعِيدُ إِنْتَاجَ أَنْمَاطِ التَّفْكِيرِ الشُّمُولِيِّ.

وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ التَّرْبِيَةَ الْأَدُورْنِيَّةَ تُمَثِّلُ أَدَاةً أَسَاسِيَّةً فِي مَنْعِ تَكْرَارِ الْكَوَارِثِ التَّارِيخِيَّةِ، مِثْلَ تِلْكَ الَّتِي شَهِدَتْهَا أُورُوبَّا فِي ظِلِّ الْأَنْظِمَةِ النَّازِيَّةِ؛ إِذْ إِنَّ غِيَابَ الْوَعْيِ النَّقْدِيِّ، وَضَعْفَ الْأَنَا، وَاللُّجُوءَ إِلَى التَّمَاهِي الْجَمَاعِيِّ، كُلُّهَا عَوَامِلُ تُسْهِمُ فِي إِعَادَةِ إِنْتَاجِ الشُّرُوطِ الَّتِي تَسْمَحُ بِظُهُورِ الْأَنْظِمَةِ الشُّمُولِيَّةِ.

وَيَخْلُصُ الْحِوَارُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ إِلَى أَنَّ التَّرْبِيَةَ الدِّيمُقْرَاطِيَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ هِيَ الَّتِي تُنَمِّي لَدَى الْفَرْدِ الْقُدْرَةَ عَلَى اسْتِخْدَامِ عَقْلِهِ بِشَكْلٍ حُرٍّ وَمَسْؤُولٍ، وَتُعَزِّزُ لَدَيْهِ حِسَّ الْمَسْؤُولِيَّةِ تُجَاهَ الْمُجْتَمَعِ، وَتَجْعَلُهُ قَادِرًا عَلَى مُقَاوَمَةِ كُلِّ أَشْكَالِ الْهَيْمَنَةِ الْفِكْرِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ.

وَقَدِ اتَّفَقَ أَدُورْنُو وَهِلْمُوت بِيكر عَلَى تَسْمِيَةِ مِثْلِ هَذَا الْفَرْدِ بِـ”الْإِنْسَانِ النَّاضِجِ” (mature man). وَمَعَ ذَلِكَ، فَإِنَّ التَّرْبِيَةَ، فِي نَظَرِهِمَا، عِنْدَمَا تَلْتَزِمُ بِالْمَبَادِئِ التَّقْلِيدِيَّةِ لِلتَّنْشِئَةِ، فَإِنَّهَا تُؤَدِّي إِلَى تَشْكِيلِ نَوْعٍ مِنَ التَّكَيُّفِ الْعَقْلَانِيِّ (Rational adaptation) لِلْإِنْسَانِ مَعَ الْعَالَمِ الِاجْتِمَاعِيِّ، وَهُوَ تَكَيُّفٌ لَا يُؤَدِّي إِلَّا إِلَى زِيَادَةِ دَرَجَةِ الِامْتِثَالِ (Conformism) لَدَى الْإِنْسَانِ.

وَخِلَالَ حَدِيثِهِ مَعَ بِيكر، أَكَّدَ أَدُورْنُو أَهَمِّيَّةَ التَّنْشِئَةِ الْأَوَّلِيَّةِ قَبْلَ الْمَدْرَسِيَّةِ، وَرَكَّزَ أَيْضًا عَلَى خُصُوصِيَّةِ مَرْحَلَةِ الْبُلُوغِ لَدَى الطِّفْلِ. وَوَفْقًا لِأَدُورْنُو، تَتَمَيَّزُ هَذِهِ الْمَرْحَلَةُ مِنَ الْحَيَاةِ بِإِمْكَانِيَّةِ تَشَكُّلِ التَّفْكِيرِ الشَّخْصِيِّ بِوَصْفِهِ تَفْكِيرًا عَفْوِيًّا. وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ التَّرْبِيَةَ الْجَدِيدَةَ ـ الَّتِي تُجَسِّدُ تَنْشِئَةً مُتَجَدِّدَةً ـ يَنْبَغِي لَهَا، فِي مَسَارِهَا، أَنْ تُرَكِّزَ عَلَى تَنْمِيَةِ الْعَفْوِيَّةِ الْإِنْسَانِيَّةِ. وَهَذَا مَا يَجْعَلُ عَمَلِيَّةَ تَفْرِيدِ الْفَرْدِ مُمْكِنَةً، وَهِيَ تُؤَسِّسُ لِلْقَضَاءِ عَلَى النَّزْعَةِ الْأَيْدِيُولُوجِيَّةِ الَّتِي تَسْعَى إِلَى الْحِفَاظِ عَلَى مَبْدَإِ الْجَمَاعِيَّةِ (ضِدَّ الْفَرْدِيَّةِ) (anti-individualism) فِي التَّنْشِئَةِ الِاجْتِمَاعِيَّةِ. وَنَتِيجَةً لِهَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّرْبِيَةِ، يَتَشَكَّلُ فَرْدٌ جَدِيدٌ، أَيْ إِنْسَانٌ قَادِرٌ عَلَى مُقَاوَمَةِ التَّأْثِيرَاتِ الْأَيْدِيُولُوجِيَّةِ الَّتِي تُمارَسُ عَلَى نَحْوٍ وَاعٍ عَلَى الْوَعْيِ الْجَمْعِيِّ لِلْمُجْتَمَعِ ()

مراجع وهوامش 

د. عَلِي أَسْعَد وَطْفَة


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

علي أسعد وطفة

علي أسعد وطفة أكاديمي وأستاذ في جامعة الكويت، يحمل شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة كان في فرنسا. يتولى إدارة مركز نقد وتنوير للدراسات الإنسانية، ويدير برنامجاً فكرياً تنويرياً مهماً عبر المركز ومجلته الفكرية المحكمة المعروفة بـ "نقد وتنوير". حصل على عدد من الجوائز العلمية منها: جائزة الباحث المتميز لجامعة الكويت في مجال الآداب والعلوم الإنسانية، وشهادة تقدير من صاحب السمو سلطان بن محمد القاسمي، وجائزة حميد بن راشد للعلوم الاجتماعية. ألف عدداً من الكتب منها: (علي أسعد وطفة، من الاغتراب إلى التشيُّؤ في منظور كارل ماركس: "التشيُّؤ" منهجًا ماركسيًا لتحليل الرأسمالية ونقدها)، بنية السلطة وإشكالية التسلط التربوي في الوطن العربي، التربية والتنمية المستدامة: تحديات الوجود والمصير، سوسيولوجيا التربية: إضاءات نقدية معاصرة، رأسمالية المدرسة في عالم متغير، العنف والعدوانية في التحليل النفسي، الجمود والتجديد في العقلية العربية، التربية إزاء تحديات التعصب والعنف في الوطن العربي، التربية الأخلاقية في الفلسفة الكانطية، الأمية الأكاديمية في الفضاء الجامعي العربي، مستقبل التعليم العالي الخليجي في ضوء الثورة الصناعية الرابعة، وأوهام المقدس ومطلقاته في زمن الأوبئة: ما بين الدين والأيديولوجيا الدينية في مواجهة كورونا!

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى