التنويريفكر وفلسفة

الإنفجار الفكري بين مهدي عامل و مالك بن نبي و مسألة الإنعتاق

دلالات "الصفر" وتحديات التحرر الفكري في عالم محاصر: قراءة في فكر بن نبي وعامل

لم يترك مالك بن نبي هو يعالج المشكلة الحضارية ، فكرة إلا و عالجها ، و قد تحدث عن مسألة الحق و الواجب ، حيث وضع لها المعادلة التالية : ( الحق + واجب = صفر) ، الصفر طبعا هو دائرة مغلقة، و الدائرة المغلقة لا يوجد فيها ثقب نتنفس منه ليشعرنا بأننا أحياء، هذه الدائرة ترسم للإنسان فلسفة الحياة التي هي طريق نحو التحرر، إذًا مشكلة الإنسان هي مع الصفر، و هي مشكلة الفلاسفة أيضا بحثوا عن سرّ الخلود فلم يجدوا لها حلا، لأنها معقدة .

مشكلتنا مع “الصفر” إذن هي معادلة من الصعب فك شفرتها، فمالك بن نبي لم ينظر إلى الصفر كرقم (عدد)، كما ينظر إليه المختصون في الرياضيات وعمليات الحساب و لو أن معادلته عملية حسابية ، لكنه نظر إليه كمفهوم فلسفي، فالصفر في الفلسفة يعني تساؤلات حول الوجود و العدم، و نحن نعبر عنه بـ: اللاشيئ، ( شيء) غير موجود أو منعدم، ( الهدف/ الغاية/ روح ) و تجدنا نتساءل إن كان مالك بن نبي يقصد بالصفر “العدمية” ؟ أم أمور أخري تكبر فكرنا ؟، كيف تؤدّي واجبك تجاه شيء لا تراه و لا تلمسه و الصفر يعني لا شيء، وكيف تحصل على حقك من لا شيء ؟، فلنتصور انه عندما يعتقل شخص ما و يوضع في زنزانة مظلمة، يصبح مقيدا، محروما من الحرية ، فلا هو نال حقه منها و لا هو قام بواجبه و هو خارج السجن ، و هو الذي اعتاد على خدمة الآخر ، قد يكون هذا السجين طبيبا أو مهندسا أو باحثا في مخبر، أو معلما يربي النشء، أو عالما، أو داعية إلى السلام ، أو مفكرا صاحب نظريات.

هي الحرب على العقول المفكرة المبدعة، أراد النظام سلبها حريتها، و حجب النور عنها ، ليس في الجزائر فحسب بل في كل أقطار المعمورة ، في فلسطين ، في سوريا ، في لبنان، في تونس ..الخ، كان الجمود و الركود و كأن عنصر الحياة متوقف و أصبحنا نعيش في العدم، وكما يقال “الحياة صراع”، نعم هي صراع بين الذات والأخر، بين الثابت و المتغير، بين المقدس و المدنس، بين الحق و الباطل، و في الصراع قد يحدث الاغتراب، و الاغتراب حالة نفسية واجتماعية تعني الانفصال أو الشعور بالغربة والابتعاد عن الذات، أو المجتمع، أو القيم، يعني المسألة أخلاقية أيضا، و الأخلاق وحدها تتحكم في سلوكنا، تبحث في أصل الضمير، ومعايير التمييز بين الخير والشر، والأساس الذي يُبنى عليه الواجب، و إن غابت الأخلاق تدخل الإنسانية عالم التشيؤ Reification ، فتفقد جوهرها، ويختلط الأصلي بالمزيّف ، يتحول الإنسان إلى مجرد أداة أو “شيء” يفقد محتواه الروحي.

في الصفر يلتقي مفكر مع مفكر، يلتقي مالك بن نبي مع المفكر اللبناني مهدي عامل، و لو أن لكل منهما إيديولوجيتة، فعامل مهدي ( لبناني ماركسي) و مالك بن نبي يتقاطع فكره مع فكر ماركس ، خاصة في المسألة الحضارية فماركس يراها قائدة على المادة و مالك بن نبي يراها مبنية على الفكرة الدينية و الأخلاق، تكلم مهدي عامل عن جوهر “الصفر”، و هنا نتساءل : هل الصفر الذي تحدث عنه مالك بن نبي هو الصفر نفسه الذي تحدث عنه مهدي عامل على لسان زميله إلياس خوري؟ إذ يقول في الصفحة 16 من كتابه” نقد الفكر اليومي” و هو يتحدث عن “الفكر البائس” الذي تتساوى فيه الأضداد جميعا، إذ يقول: هو فكرٌ عاجز عن إدراك العقل التاريخي، يستبدل ديالكتيكية عصر الثورات بصفر كليٍّ يغمر سطح الأشياء، فتحتجب الأعماق و تحتجب الحركة، و يضيف: و يبقي للفكر لغته الحمقاء و صفرُ يحسبه من موقع ذاك الزمن الذاهب في الموت، اكتشافا بسيطا ناصعا بأن الأشياء لم تعد ممكنة، فيضطرب و يتعثر و يسقط في الصفر حتى القاع، فالخصم لبس ثيابنا و جلس بيننا و أعادنا من جديد إلى نقطة الصفر، كيف نجمع الصفر؟ و كيف نخترع من الصمت لغة؟ في الصفر الكلّي يتوقف الزمن عن دورانه، لا الماضي يمضي و لا الآتي يأتي و الزمن لا يراوح مكانه، يتصدّع و ينهار و لا يتّضح غير المستحيل، إنه زمن مكسور من جهة الماضي مبتور من جهة المستقبل و الحاضر فيه يتفتت.

آه يا مهدي.. تنقلنا إلى عالم لم نتعرف عليه بعد، عالم فيه دهاليز، مجبرون على السّير فيه و نحن نخاف من الظلمة، نحتاج إلى فيلسوف يرى الدنيا ألعوبة ، يفك لنا هذه العقدة، يُخَيَّلُ إليَّ و كأنني داخل زنزانة بأبواب حديدية متينة مغلقة بسلاسل حديدية ، يصعب عليك استعادة حريتك، هكذا هو العقل عندما يكون محاصرا بأفكار تكبرنا و لم نتدرب عليها من قبل ، و يريد الإنعتاق لكننا نقاوم و تجدنا نبحث على طريقة للهروب، هذه صورة عن حياة الزنزانة ( الظلامية) ، و نحن نبحث عن سر الوجود ، زنزانة فيها الزمن يتصدّع و ينهار، و لا يتّضح غير المستحيل، كل شيء بداخلها يتوقف، الزمن و الفكر، تعجز العين عن رؤية ما يحيط بها بوضوح، و هنا نتساءل هل ينتصر الفكر و تنتصر الكتابة و ينتصر التاريخ، تبقي هذه التساؤلات عبارة عن تساؤلات ، فمن لا يقرأ التاريخ لا يستطيع كتابته، هذه نظرتي لمعادلة مالك بن نبي ( الصفر) و صِفْرُ مهدي عامل و لست أدري إن أصبتُ أم أخطأتُ، في كل الأحوار تظل نظرية ديكارت ” أنا أفكر أنا موجود” خالدة طالما الحياة مستمرة و معها تستمر عملية التفكير.

علجية عيش


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

علجية عيش

كاتبة صحافية عصامية (23 سنة خبرة في الميدان)، مؤلفة ومدونة جزائرية. درست بمركز اللغات المكثفة بجامعة منتوري قسنطينة في منتصف الثمانينيات، وهي متعددة الإختصاصات وحاملة لعدة شهادات من معاهد وطنية، وخريجة الهلال الأحمر الوطني الجزائري كمربية أطفال بدرجة امتياز. في الرصيد المعرفي 14 عنوان كتاب، آخرها طبعات 2025 بعنوان "العوالم الثلاثة عند مالك بن نبي" و"المثقف العربي وصراع النخب"، إلى جانب كتاب جديد قيد الإنجاز عبارة عن دراسة أكاديمية مبرمج للصالون الدولي للكتاب (سيلا 2026)، وفي الآفاق مسودة رواية وديوان شعر. حظيت بوسام المثقف لسنة 2016 من طرف صحيفة المثقف العربي بأستراليا، وتكريم خاص من مؤسسة الفكر بالعراق، بالإضافة إلى شهادة كسفيرة للسلام وشهادة دكتوراه فخرية من مركز الدراسات الإسلامية عن كتابها حول الشخصية الوطنية العسكرية العقيد محمد الصالح يحياوي، رجل بوزن أمة.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى