
يحتل عنوان رواية “تقرير إلى الهدهد” لشعيب حليفي موقعا مركزيا داخل البناء الدلالي للنص، إذ يشكل مدخلا أساسيا لفهم مشروعها الفكري والروائي. فالعنوان، وهو يؤدي وظيفة تعريفية، يختزل القضايا الكبرى التي تنشغل بها الرواية، وفي مقدمتها الذاكرة والتاريخ والشهادة والحقيقة. كما يحيل لفظ “التقرير” إلى مجال التوثيق والتحقيق والأرشيف، ويرتبط بفعل نقل الوقائع وتسجيلها وتقديم الشهادة حولها. ومن هذه الزاوية يعلن النص منذ عنوانه انتماءه إلى أفق البحث والكشف، فالرواية تتأسس على جمع الوثائق واستنطاق الشهادات وتتبع آثار المختفين وإعادة بناء أحداث ظلت بعيدة عن السرديات الرسمية. لذلك يكتسب التقرير معنى يتجاوز دلالته الإدارية ليصير شكلا من أشكال الشهادة على ما تعرض للإقصاء أو النسيان.
أما الهدهد فيحمل دلالة رمزية كثيفة داخل الثقافة الإسلامية والصوفية، فهو في القرآن الكريم حامل الخبر وكاشف الحقيقة، والوسيط بين العوالم المختلفة، وهو الذي أعلن أمام سليمان:”: أحطت بما لم تحط به(سورة النمل، الآية 22)، وتمنح هذه الإحالة الدينية للهدهد وظيفة معرفية تجعله رمزا للبحث عن الحقيقة واكتشاف ما ظل خفيا عن الأنظار. وتزداد دلالة العنوان عمقا مع اختيار الكاتب صيغة “إلى الهدهد” عوض “عن الهدهد”، إذ يحول هذا الاختيار الهدهد إلى شاهد رمزي تُرفع إليه الشهادات والحكايات والذكريات، وكأن السارد يوجه خطابه إلى كائن يمتلك القدرة على رؤية ما تعجز الوثائق عن كشفه، وعلى سماع الأصوات التي لم تجد مكانا لها داخل التاريخ المكتوب. ومن منظور تاريخي، يغدو الهدهد رمزا للذاكرة الجماعية. فالرواية تنتقل بين أمكنة وأزمنة متعددة، وتربط بين وقائع متباعدة وشخصيات مختلفة، وتعمل على جمع شتات الحكايات داخل سردية واحدة، ومن ثم يصبح الهدهد صورة مجازية لذاكرة قادرة على وصل ما تفرق واستعادة ما تعرض للتهميش والنسيان.
تؤسس رواية تقرير إلى الهدهد مشروعها السردي على تقاطع الذاكرة والتاريخ، حيث يتخذ الماضي شكل آثار متناثرة تستعاد عبر الوثائق والصور والرسائل والشهادات. وداخل هذا البناء يتحول السارد إلى باحث يتتبع الشذرات المتبقية من الماضي، ويسعى إلى إعادة تركيبها داخل سردية تمنح المعنى لما تعرض للتغييب والنسيان. ويحتل الأرشيف، بمختلف أشكاله، موقعا مركزيا داخل الرواية، إذ تتجاور الوثيقة المكتوبة مع الشهادة الشفوية والذاكرة العائلية في عملية استعادة حدث مولاي بوعزة وما ارتبط به من اختفاءات وأسئلة معلقة. وتبرز شخصية غيثة حدو حاملة لذاكرة ورثت آثار الصدمة عبر الأجيال، الأمر الذي يجعل الذاكرة مصدرا أساسيا لفهم الماضي واستعادة الأصوات التي غابت عن السرديات الرسمية.
كما تطرح الرواية إشكالية العلاقة بين الذاكرة والتاريخ، وهي تمتحن النسيان وآثاره في بناء المعرفة التاريخية.، فالماضي يستمر داخل الوعي الفردي والجماعي عبر ما تتركه الأحداث من آثار ورموز وشهادات، لتغدو الكتابة الروائية محاولة لاستعادة ما تعرض للمحو وإعادة إدماجه في الذاكرة الجماعية. وفي مستوى آخر، تستعيد الرواية عالم الطفولة والوسط القروي مجالا لفهم الذهنيات والثقافة الشعبية. ويكشف حضور الأب والمعتقدات المحلية والرموز المرتبطة بالهدهد والمطمورة عن مخيال جماعي تتداخل داخله الذاكرة الشعبية بالتصوف والرموز الثقافية. وبهذه العناصر تقترب الرواية من اهتمامات التاريخ الثقافي وتاريخ الذهنيات، حيث تغدو التمثلات والرموز جزءا من فهم المجتمع وتاريخه. ويحظى مولاي بوعزة بمكانة خاصة؛ فهو فضاء للذاكرة الجماعية، يختزن داخله الحكايات والمعتقدات وآثار الأحداث التاريخية. فالمكان يحضر حاملا للذاكرة ومنتجا للمعنى، بما يجعله قريبا من مفهوم “أماكن الذاكرة” في الكتابات التاريخية المعاصرة.
تنتقل الرواية من البحث في الوقائع والأحداث إلى مساءلة الكيفية التي يُبنى بها المعنى التاريخي داخل الذاكرة الفردية والجماعية. فالسرد لا ينشغل بالحدث في حد ذاته بقدر ما يهتم بالروابط التي ينسجها الأفراد بين تجاربهم الماضية، وبالطريقة التي تعيد بها الذاكرة تنظيم الوقائع ومنحها دلالات جديدة. ومن ثم يظهر الماضي بناء سرديا متجددا، يتشكل من التأويل وإعادة القراءة أكثر مما يتشكل من الوقائع المجردة.
وفي هذا السياق، توسع الرواية مجال اهتمامها ليشمل الثقافة الشعبية والفنون المحلية والذاكرات اليومية، وتتقدم شخصياتها حراسا للذاكرة الجماعية ورواة لتجارب المجتمع المحلي. وتكتسب الأغنية الشعبية والحكاية المتوارثة والمواسم والطقوس مكانة خاصة؛ فهي تحفظ الذاكرة الجماعية، وتكشف التحولات الثقافية والاجتماعية التي عرفها المجتمع. كما تؤكد الرواية أهمية التاريخ الشفوي ودور الرواة المحليين في صيانة الماضي ونقله بين الأجيال. كما تبرز داخل هذا المسار أسئلة منهجية تتعلق بطبيعة الشهادة وآليات بناء السرد التاريخي. فاعتراف السارد بإعادة ترتيب بعض الوقائع يكشف أن الذاكرة عملية مستمرة من الانتقاء والتأويل وإعادة البناء، لا خزانا محايدا. لذلك تتحول الذاكرة نفسها إلى موضوع للتفكير والنقد، وتغدو الحقيقة حصيلة تفاعل بين روايات متعددة وأصوات متقاطعة.. وتربط الرواية بين الماضي والحاضر عبر استحضار التحولات الاجتماعية والثقافية المعاصرة، وتجعل الذاكرة أداة لفهم المجتمع الراهن بقدر ما هي وسيلة لاستعادة الماضي. ويتجسد هذا التوجه في مشروع “حج الفقير” الذي يعيد الاعتبار للمواسم والمزارات والتراث الشفهي والجغرافيا المهمشة، ويعكس اهتماما متزايدا بالثقافة الشعبية والذاكرة المحلية مجالين أساسيين لفهم المجتمع وتاريخه..
تبلغ هذه الرؤية مستوى أكثر عمقا حين تتجه الرواية إلى مساءلة شروط إنتاج المعرفة التاريخية ذاتها. فالسارد يعبر عن وعي نقدي بحدود التاريخ الرسمي، ويمنح مكانة مركزية للأصوات والتجارب التي ظلت خارج دائرة التدوين. وهنا تتقاطع الرواية مع المقاربات التاريخية الحديثة، ومنها مدرسة الحوليات، التي وسعت مجال البحث ليشمل المهمشين والعائلات والنساء والأولياء والفاعلين المجهولين، وجعلت الذاكرة مصدرا مكملا للوثيقة في إعادة بناء الماضي. وفي هذا الإطار يحتل التصوف موقعا محوريا، خاصة في شخصية أبي يعزى، التي تتحول إلى مدخل لفهم الذهنيات والتمثلات الجماعية وأنماط الاعتقاد السائدة داخل المجتمع. كما تتقدم الذاكرة النسائية إحدى القنوات الأساسية لحفظ الماضي ونقله عبر الأجيال، مما يمنح الرواية بعدا ثقافيا واجتماعيا يتجاوز حدود الحدث السياسي المباشر.
وكما تطرح الحوارات التي تجمع السارد برحمة إشكالية الحقيقة التاريخية، فهي حصيلة تعدد الروايات والتأويلات، وهو تصور ينسجم مع المقاربات المعاصرة التي ترى التاريخ بناء معرفيا متجددا، لا يقينا نهائيا. وتبين الرواية كذلك الدور الذي تؤديه الآثار المادية البسيطة في مقاومة النسيان، فالبيت المهجور لسيدي حدو، ورسم الهدهد الباقي على الجدار، يتحولان إلى شواهد تحفظ بقايا الماضي وتمنح الغياب حضورا رمزيا داخل الذاكرة الجماعية. ويبلغ هذا المسار ذروته مع الانتقال إلى استحضار أحداث مولاي بوعزة سنة 1973، حيث تتقاطع الذاكرة الشعبية بالتاريخ السياسي. فالرواية تجعل الحكاية مدخلا إلى الحدث التاريخي، وتمنح الذاكرة دورا أساسيا في فهم الماضي وإعادة بنائه. وعبر شخصيات الثوار والمناضلين تستعيد تجربة جماعية حملت آمال التغيير وأسئلته، وتعيد الاعتبار لتاريخ الفاعلين العاديين الذين أسهموا في صناعة الأحداث.
تقدم الرواية الثورة تجربة إنسانية وأخلاقية بقدر ما هي حدث سياسي، فالشخصيات تدرك صعوبة الخيارات التي تواجهها وحدود الإمكانات المتاحة، لكنها تواصل فعلها انطلاقا من الإيمان بقيم العدالة والتغيير. وفي المقابل تنتقل الرواية إلى مساءلة مآلات التجربة الثورية بعد فشل أحداث مولاي بوعزة، فتنشغل بآثارها الإنسانية أكثر من انشغالها بمجرياتها العسكرية. وتظهر الذاكرة هنا مجالا تستمر داخله التجربة بعد انطفاء الحدث، حيث تتحول الثورة من مشروع سياسي إلى قضية أخلاقية ورمز جماعي يحفظه الشهود والضحايا والناجون. كما تمنح الرواية أهمية خاصة لتجارب المطاردين والمختفين وعائلاتهم، وللأدوار التي اضطلعت بها النساء في حمل أعباء الغياب والانتظار والتشريد.
يمثل هذا الجزء ذروة البعد الإنساني في الرواية، حيث ينتقل الاهتمام من الحدث السياسي إلى الآثار العميقة التي خلفها في حياة الأفراد والعائلات. فالسرد ينشغل بتجارب الفقدان والانتظار والصمت، ويجعل الذاكرة أداة أساسية لفهم ما خلفته أحداث مولاي بوعزة من جراح استمرت لعقود طويلة. وفي شخصيات مثل جُمعة وغيثة، تتجسد التحولات التي تنقل المعاناة من مستوى التجربة الفردية إلى مستوى الذاكرة الجماعية.
وتمنح الرواية مكانة خاصة لتجارب النساء جزءا أساسيا من التاريخ الاجتماعي للأحداث. فالاعتقال والعنف والتهجير وفقدان الأقارب لا يرد في صورة نتائج جانبية للصراع السياسي؛ إنه تجارب مؤسسة للذاكرة الجماعية. كما يكتسب الصمت دلالة خاصة، فهو شكل من أشكال التعبير عن الصدمة وحفظ آثارها، مما يجعل الذاكرة تتجاوز حدود الشهادة المباشرة لتشمل أيضا ما تعجز اللغة عن الإفصاح عنه.
وفي هذا السياق تظهر شخصية غيثة نموذجا للجيل الثاني للذاكرة، حيث تتحول التجربة العائلية إلى قضية عامة ترتبط بالحقيقة والإنصاف وحقوق الإنسان. ويكشف مسارها التوتر القائم بين الوثيقة الرسمية والذاكرة الحية، وبين الحقيقة القانونية والحقيقة الإنسانية. ومن هنا تحتل العدالة الانتقالية موقعا محوريا، فهي سعي جماعي إلى الاعتراف بالماضي وإعادة بناء الذاكرة على أسس أكثر إنصافا. كما تؤكد الرواية أهمية الشهادة في استعادة الجوانب المغيبة من التاريخ، سواء عبر شخصيات الشهود أو عبر إعادة بناء مصائر المعتقلين والمختفين. ويغدو الاختفاء القسري أحد المحاور المركزية للنص، تجربة تتجاوز غياب الأفراد لتصبح حالة مستمرة من الانتظار والبحث وعدم اليقين. وتجسد شخصية حدو الدمناتي هذا البعد بامتياز، إذ يتحول الغموض المحيط بمصيره إلى رمز لذاكرة معلقة وأسئلة ظلت مفتوحة داخل الوعي الجماعي.
وتبرز هيئة الإنصاف والمصالحة إطارا مؤسسيا للبحث عن الحقيقة وجبر الضرر، بما يعكس انتقال المجتمع نحو مساءلة ماضيه القريب. غير أن الرواية تكشف التوتر القائم بين منطق المؤسسة، القائم على الوثيقة والإثبات، ومنطق الضحايا، القائم على الذاكرة والتجربة المعاشة. ومن هذا التوتر تطرح إشكالية مركزية تتعلق بمكانة الشهادة ودورها في بناء المعرفة التاريخية، خاصة في القضايا التي تتسم بندرة الوثائق وتشتت الأدلة.
مثلما تقدم الرواية صورة دقيقة للصعوبات المنهجية التي تواجه البحث التاريخي، سواء عبر تداخل الروايات، أو ضياع الآثار، أو استعمال الأسماء الحركية التي تجعل الهوية نفسها موضوعا للتحقيق. ويغدو البحث عن الحقيقة أشبه بعملية إعادة تركيب لشذرات متناثرة من الذاكرة والوثائق والقرائن، في مسار يقترب كثيرا من عمل المؤرخ في تعامله مع الماضي.
وتتوقف الرواية عند أهمية الذاكرة الحية، فهي شكل من أشكال الأرشيف غير المكتوب. وتحتفظ الحكايات والصور والذكريات الفردية بجوانب من التجربة التاريخية التي يصعب العثور عليها داخل الوثائق الرسمية، وتسهم في استعادة أصوات ظلت بعيدة عن السرديات المؤسسية. ومن هنا يتعزز حضور التاريخ الشفوي أداة أساسية لفهم الماضي وإعادة بنائه.
وتمنح الرواية مكانة خاصة لفكرة التعدد السردي، عبر عرض روايات مختلفة لمصير حدو الدمناتي دون ترجيح نهائي لإحداها. ويعكس هذا التعدد طبيعة المعرفة التاريخية نفسها، حيث تتشكل الحقيقة من تقاطع الشهادات والقرائن والاحتمالات أكثر مما تتشكل من اليقين المطلق. وهكذا يتحول البحث عن الحقيقة إلى مسار مفتوح يقوم على المراجعة والتأويل المستمر.
تأسيسا على ما سبق، يمكن القول إن رواية تقرير إلى الهدهد تنهض بمشروع سردي يجعل من الذاكرة مدخلا لفهم التاريخ وإعادة مساءلة الماضي، وتبرز أهميتها في قدرتها على توسيع مجال النظر التاريخي ليشمل الفاعلين المغمورين والضحايا والعائلات والنساء وحراس الذاكرة المحلية، بما يجعلها قريبة من التحولات التي عرفها البحث التاريخي المعاصر في اهتمامه بتاريخ الذهنيات والثقافات الشعبية والتاريخ الشفوي.
ولعل أكثر ما شدني في هذه الرواية قدرتها على الجمع بين متعة السرد وعمق الأسئلة التي تطرحها حول الذاكرة والتاريخ والحقيقة. فقد وجدت نفسي، أثناء قراءتها، أتابع مصائر الشخصيات والأحداث وأنخرط في رحلة فكرية وإنسانية دفعتني إلى التفكير في قضايا ترتبط بكتابة التاريخ وحدود الوثيقة ومكانة الشهادة ودور الذاكرة في حفظ الماضي. وقد ازداد هذا الإحساس كلما تقدمت في القراءة، حيث تتداخل الحكاية الفردية بالتجربة الجماعية، ويتقاطع التاريخ السياسي مع الثقافة الشعبية والتصوف والذاكرة المحلية في بناء روائي غني ومركب. لذلك بدت لي رواية “تقرير إلى الهدهد” عملا يتجاوز حدود الرواية جنسا أدبيا، وتصير فضاء للحوار بين المؤرخ والروائي، وبين الذاكرة والتاريخ، وبين الإنسان وماضيه.

توفيق الدرازي
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






