نشأة العالم في المذهب الذري

ديمقريطس، أبيقور ولوكريتيوس

تقديم

المذهب الذري عند اليونان هو مذهب فلسفي ينطلق أصحابه في تفسيرهم للأشياء وتعليلهم للظواهر الطبيعية من الطبيعة ذاتها، أي أنهم يفسرون الطبيعة بالطبيعة ويستبعدون أي تفسيرات أخرى غيبية أو أسطورية أو ميتافيزيقية. ومن أبرز الفلاسفة الممثلين لهذا المذهب نجد ديمقريطس وأستاذه لوكيبوس، وأبيقور وبعده لوكريتيوس الشاعر والفيلسوف الروماني الذي شرح وقدم فلسفة أبيقور في قصيدته الشهيرة: “في الطبيعة”.

وسوف نعمل على استقراء بعض النصوص التي وصلتنا عن هؤلاء، أو ننظر في ما ذكره أرسطو وديوجين اللائرتي عنهم أو عن بعضهم، من أجل أن نستخلص مواقفهم بخصوص الإشكالية المتعلقة بنشأة العالم، والتي سنسعى إلى مقاربتها من خلال هؤلاء الفلاسفة الذريين بالإجابة عن التساؤلات الأساسية التالية:

هل العالم قديم أم محدث؟ هل هو متناهي أم غير متناهي؟ هل وجد العالم من عدم أم من مادة؟ وهل العالم من صنع الآلهة أم هو نتيجة تفاعل عناصر طبيعية؟ ما هي طبيعة المادة التي يفترض أنها هي أصل الأشياء الموجودة في الكون؟ ما هي خصائص الذرات؟ وكيف أدى التفاعل بينها إلى نشأة العالم؟ وهل العالم ثابت أم متغير؟ وهل هو خالد أم يصير إلى زوال؟

أولا؛ نشأة العالم عند ديمقريطس

ديمقريطس (460-370ق.م) فيلسوف يوناني قديم، عاصر سقراط وكان أصغر منه سنا. وكان تلميذا للفيلسوف الذري لوكيبوس الذي لا نعرف عنه إلا القليل، ويقال أنه أخذ بعض أفكاره الذرية وعمل على تطويرها. وهناك من يعتبر أن ديمقريطس هو «الفيلسوف الذي أعلن في يونان القديمة المذهب الذري: إن الوجود مكون من ذرات».[1]

لا نعرف عن أفكاره الفلسفية سوى ما ورد في بعض المصادر اللاحقة، مثل كتابات ديوجين اللائرتي ومؤلفات أرسطو. ولذلك سنعتمد عليهما بشكل رئيسي من أجل التعرف على فلسفة ديمقريطس الذرية، وموقفه من مسألة نشأة العالم.  

1- لا شيء ينشأ من لا شيء

ترتكز الفلسفة الذرية عند ديمقريطس على المبدإ القائل: «لا شيء يولد من العدم، ولا شيء يفنى ويعود إلى العدم».[2]

وهذا ما يجعل ذرية ديمقريطس تلتقي مع التصور البارمنيدي الإيلي القائل بالثبات وبوحدة الوجود المادي وأزليته وأبديته. ومن هنا فقد قبل ديمقريطس «تماما من ناحية تصور وحدة العالم وأبديته: أن لا شيء يمكن أن يضاف إلى العالم، ولا شيء يمكن أن يخرج منه».[3]

لكنه  في الوقت الذي يقول مع الإيليين بالوحدة والثبات العام للكون، فإنه يقول أيضا بالكثرة والتغير على مستوى الظواهر الطبيعية، لأن أجسام الكون تنقسم إلى ذرات صغيرة دائمة الحركة في الفراغ، فتنشأ عن اصطداماتها وافتراقاتها أشكال مختلفة من الأجسام والظواهر على مستوى عالم التجربة.

إذن فنحن أمام حركية وتغير داخل الوحدة والثبات. وإذا كان “لا شيء يمكن أن يضاف إلى العالم، ولا شيء يمكن أن يخرج منه”، فإن هذا يعني قول ديمقريطس بلاتناهي العالم سواء من ناحية الأزل أو من ناحية الأبد؛ فلا بداية ولا نهاية للعالم.  

2- تتكون الأجسام من ذرات لا متناهية وغير قابلة للانقسام

يقول أرسطو في كتاب “الكون والفساد”:

«يزعم ديمقريطس ولوكيبس أن جميع الأجسام مركبة في البداية من أجزاء لا تتجزأ أو ذرات، وهي غير متناهية لا في عددها ولا في أشكالها. وأن الأجسام لا تختلف في أصلها بعضها عن بعض إلا بالعناصر التي تتركب منها، وبوضع هذه العناصر وترتيبها».[4]

انطلاقا من هذا النص الأرسطي يتبين أن ديمقريطس هو صاحب مذهب ذري، بموجبه يرى أن الأجسام الموجودة في الكون هي أجسام مركبة من ذرات، وهذه الذرات هي أجزاء متناهية في الصغر بحيث أنها غير قابلة للتجزيء إلى عناصر أصغر منها. كما أنها غير متناهية أيضا من حيث العدد والأشكال؛ فعدد الذرات لا متناه، كما أنها تتخذ أشكالا وصورا مختلفة. ولعل القول بلا تناهي الذرات يستفاد منه أيضا القول بلا تناهي العالم، إذ لا يمكن أن توجد ذرات لا متناهية في عالم متناه ومحدود، والعكس صحيح أيضا؛ لا يمكن أن يتكون عالم لا متناه من ذرات متناهية، خصوصا وأننا نعلم أن المذهب الذري عند ديمقريطس يجعل الذرات تدخل في تكوين وتشكيل كل الموجودات والأشياء والأجسام التي توجد في الكون. ولهذا فالأجسام ذات أصل ذري واحد، وما الاختلاف الحاصل بينها سوى اختلاف في عدد الذرات المكونة لها ووضعها وترتيبها داخل تلك الأجسام.

وهكذا «توصف الذرات في مذهب ديمقريطس الذري، كما بينه أرسطو، بأنها موجودة، وذلك على نقيض الخلاء الذي يوصف بأنه لا موجود. وتوصف الذرات أيضا بأنها تختلف بعضها عن بعض من ثلاثة وجوه: (أ) تختلف في الوضع أو الانعطاف؛ مثل فوق وأسفل وأمام وخلف [ويمنة ويسرة]؛ (ب) وتختلف في الشكل أو الإحاطة، مثل ذي زوايا ومستقيم ومستدير؛ (ج) وتختلف في الترتيب أو الاتصال الجواني على نحو ما يمكن لذرتين (أ) و(ن) مثلا أن يرتبا إما على هيئة (أ ن) أو (ن أ) فيكون الاتصال بينهما مختلفا».[5]

3- الكون والفساد

إن الكون والفساد عند أرسطو يتعلقان بانفصال الأشياء واتحادها، بينما تتعلق الاستحالة بتغير يحصل على مستوى خصائصها. ولهذا فإن «كون الأشياء واستحالتها هما ظاهرتان مختلفتان جدا، وإن الأشياء لتكون ولتفسد يجب أن تتحد أو تنفصل في حين أنها تستحيل بتغيرات في خواصها».[6] وحيث أن ديمقريطس لم يهتم حسب أرسطو إلا بما هو ظاهر، أي بصور الأشياء وأشكالها، فإن الكون والفساد عنده يرتبط بافتراق الذرات واتحادها؛ فالأشياء تتكون كنتيجة لاتحاد الذرات والتقائها، وهي تفسد من جراء افتراق الذرات وابتعادها عن بعضها البعض، أما الاستحالة فهي مجرد تغير يحدث على مستوى ترتيب الذرات ووضعها، مما يجعلها تتخذ صورا وأشكالا متعددة ولا متناهية، نظرا للاتناهي الذرات نفسها. ولهذا نجد أرسطو يرى أنه «لما لم يهتم ديمقريطس ولوكيبس إلا بصور العناصر، استخرجا منها استحالة الأشياء وكونها. وعلى هذا فمن انقسام الذرات ومن اتحادها يأتي الكون والفساد، ومن ترتيب الذرات ووضعها تأتي الاستحالة».[7]

وقد ركز المذهب الذري عند ديمقريطس، وعند لوكيبس أيضا، في نظرته إلى حقيقة الكون والأشياء على ما هو ظاهر ومتغير. وهذا التغير يتم بشكل دائم ولا متناه، مما يفضي إلى القول بلا تناهي الذرات من حيث عددها وأشكالها وأوضاعها؛ «بحيث أن الشيء الواحد يمكن أن يظهر ضد ما هو لنظر هذا الرائي أو ذلك تبعا لتغيرات وضعه، ويظهر متغير الصورة بمجرد أن تختلط به أو تزداد عليه أصغر جزئية أجنبية. ويظهر أنه صار غير ذاته جملة بتغير موضع جزء واحد من أجزائه. ذلك كما أنه يمكن أن تستخدم الحروف بعينها لتأليف مأساة أو فكاهة حسبما يختار».[8]

وإذا كانت الأجسام تتكون من ذرات، فإن هذا الكون يأتي كحصيلة لحركة الذرات الأزلية في الفراغ، إذ تشكل باصطدامها وتدافعها أشياء الكون وظواهره. ولذلك يرى ديمقريطس أن «مبادئ الكون الأولى هي الذرات وكذا الفراغ، أما كل الأشياء الأخرى فيظن أنها موجودة».[9] وهذا يعني أن الذرات هي المادة الأصلية التي تكونت منها كل الأشياء الموجودة في العالم، فهي عبارة جسيمات صغيرة ليست لها نوعية معينة، أما الفراغ، فهو المكان الذي تتحرك فيه منذ الأزل، وهي في حركتها إما أن تتشابك بشكل ما أو تتصادم بحيث يدفع بعضها بعضا ثم تتلاشى من جديد. فالكون يتكون حسب ديمقريطس من ذرات متناهية في الصغر، وهي غير معروفة مادامت غير قابلة للإدراك الحسي. وهي تتحرك في الفراغ منذ الأزل، وتساهم أثناء تشابكها واصطدامها في تشكل الأجسام الموجودة في العالم.

ويمكن القول إن «الذرات غير محدودة، سواء في حجمها أو عددها، وهي تحمل في دوامة خلال الكون كله، وبذلك تولد جميع الموجودات المركبة: النار، الماء، الهواء، والتراب، وهذه الموجودات المركبة عبارة عن أخلاط أو تجمعات لذرات بعينها».[10] والذرة عند ديمقريطس هي عبارة عن وحدة متماسكة ومتجانسة وغير قابلة للإدراك الحسي نظرا لتناهيها في الصغر، كما أنها أزلية وغير متناهية العدد. وهي غير قابلة للقسمة، ولها نفس الطبيعة، لكنها مع ذلك تختلف من حيث الشكل والوضع والترتيب. «أما كيف تكون العالم من الذرات فذلك أن هذه الذرات كانت منتشرة في الخلاء، وكانت حركتها في كل الاتجاهات. الذرات الأكبر حجما تجمعت في المركز بفضل الحركة الدائرية الأزلية، والأصغر حجما اندفعت إلى خارج المركز الذي هو الأرض […] فتشابكت الذرات المتشابهة فكونت الأرض. أما الذرات الأصغر حجما فاندفعت إلى خارج المركز فتكونت السماء بنجومها وكواكبها وموجوداتها. وهكذا تكونت أكوان لا نهاية لعددها».[11]

خلاصة

يمكن اختصار تصور ديمقريطس لنشأة العالم في ما يلي:

– لا شيء يولد من العدم، ولا شيء يفنى ويعود إلى العدم.

–  القول بالتغير داخل الوحدة والثبات؛ إذ لا شيء يمكن أن يضاف إلى العالم، ولا شيء يمكن أن يخرج منه.

– يقول ديمقريطس بلاتناهي العالم سواء من ناحية الأزل أو من ناحية الأبد؛ فلا بداية ولا نهاية للعالم.

– جميع الأجسام مركبة من ذرات هي عبارة عن أجزاء لا تتجزأ، وهي غير متناهية لا في عددها ولا في أشكالها.

– تختلف الذرات عن بعضها من ثلاثة وجوه: في الوضع، مثل فوق وأسفل؛ في الشكل، مثل مستقيم ومستدير؛ في الترتيب أو الاتصال الموجود بينها.

– من افتراق الذرات واتحادها يأتي الكون والفساد، ومن ترتيب الذرات ووضعها تأتي الاستحالة.

– ينشأ الكون كنتيجة لحركة الذرات الأزلية في الفراغ، إذ تشكل باصطدامها وتدافعها أشياء الكون وظواهره.

– الذرات هي عبارة عن وحدات مادية متماسكة ومتجانسة ومتناهية في الصغر، وغير قابلة للإدراك الحسي، كما أنها أزلية وغير متناهية العدد. وهي غير قابلة للقسمة، ولها نفس الطبيعة، لكنها مع ذلك تختلف من حيث الشكل والوضع والترتيب. وهي تتحرك في الفراغ منذ الأزل، وتساهم أثناء تشابكها واصطدامها في تشكل الأجسام الموجودة في العالم.

ثانيا؛ نشأة العالم عند أبيقور

 أبيقور هو فيلسوف يوناني قديم عاش في الفترة بين عامي (341-270 ق.م)، أسس  مدرسة فلسفية سميت باسمه هي المدرسة الأبيقورية. كتب عدة أعمال لم يصلنا منها إلا بعض الرسائل والحكم. ومعظم ما وصلنا من فلسفته وصلنا عن طريق ديوجين اللائرسي؛ وهي “رسالة إلى هيرودوت” في الطبيعيات، و”رسالة إلى فيتوقليس” في الآثار العلوية، و”رسالة إلى مينيكسين” في الأخلاق. بالإضافة إلى بعض الحكم التي هي عبارة عن شذرات متفرقة.

ونظرا لأن موضوع رسالة إلى هيرودوت ورسالة إلى فيتوقليس يتعلق بقضايا فيزيائية وطبيعية، فإنهما يتعلقان بشكل مباشر بموضوع بحثنا هذا حول نشأة العالم. ولذلك فقد اعتمدنا عليهما في معالجة هذا الإشكال عند أبيقور.  

1- العالم قديم وموجود من شيء

يقول أبيقور في “رسالة إلى هيرودوت”:

«لا يوجد شيء من لا شيء، وإلا أمكن لكل شيء أن يتولد عن كل شيء دونما حاجة إلى أي بذر. ولو كان كل ما يغيب عن الأنظار يتحول إلى عدم لانقرضت الأشياء جميعها، إذ أنها ستتحول إلى أشياء غير موجودة. فالكون منذ القدم على نحو ما هو عليه الآن، وسوف يبقى هو عينه إلى الأزل. وفعلا لا يمكن للكون أن يتحول إلى أي شيء، إذ لا يوجد شيء خارجه ليلج فيه ويحدث فيه التغير».[12]

يتبين من خلال هذا النص أن أبيقور يرفض فكرة الخلق أو الإيجاد من عدم، فلا يمكن في نظره أن يوجد شيء من لا شيء أو من عدم. وهذا يعني أنه يتبنى فكرة القول بأن العالم وجد من مادة معينة. فكما لا يمكن للنبتة أن توجد بدون بذرة، فكذلك لا يمكن للعالم أن يوجد إلا من بذرة ما، هي بمثابة النواة الأصلية المشكلة للأشياء الموجودة فيه.

وإذا كان العالم، بحسب النظرة الأبيقورية، لم يوجد من عدم، فإنه أيضا سوف لن يصير إلى عدم. وحجة أبيقور في ذلك هي أنه لو تحولت الأشياء إلى عدم، لانقرضت وأصبحت غير موجودة. وهذا أمر لا يقبله أبيقور، إذ يرى على العكس من ذلك أن العدم غير موجود وأنه لا يوجد أي شيء خارج الكون، لكي تنتقل الأشياء إليه. وهذا يعني أن الكون يظل ثابتا هو هو منذ الأزل إلى الأبد، وإذا كان هناك من تغير يحدث فإنه يظل مجرد تغير ظاهري يتم في إطار ثبات الذرات المكونة للعالم.

وهكذا «يفضي رفض أبيقور لنظرية الخلق إلى التسليم بأنه لا شيء يولد من لا شيء ولا شيء يصير عدما، بحيث يتكون العالم في نظر هذا الفيلسوف من أجسام صغيرة للغاية وغير قابلة للقسمة وللانحلال، ومن خلاء ضروري لحركة هذه الأجسام التي باصطدامها ببعضها البعض وبتجمعها تكون العالم المادي بمختلف أشكاله».[13]

ولعل رفض أبيقور لفكرة العدم، يجعله يلتقي مع فكرة بارمنيدس القائلة بأنه لا يوجد إلا الوجود، وأن الوجود موجود واللاوجود غير موجود. وبالتالي القول بفكرة الثبات، مادام أن أي تغير يظل تغيرا ظاهريا ويتم في إطار الوحدة والثبات المميزين للوجود.

2- الكون يتكون من جواهر غير قابلة للقسمة

ويتألف الكون حسب أبيقور من أجسام وخلاء. والحواس هي من تجعلنا ندرك وجود الأجسام، أما الخلاء فهو من يتيح لتلك الأجسام أن تتحرك وتحتل حيزا في الكون؛ ذلك أنه «لو لم يوجد ذلك الشيء الذي نسميه الخلاء أو الفضاء أو الجوهر اللامحسوس لما أمكن للأشياء أن تحتل حيزا ولا أن تتحرك».[14] ويميز أبيقور بين الأجسام المركبة من جهة، والجواهر البسيطة التي تتكون منها تلك الأجسام من جهة أخرى. وإذا كانت الأجسام المركبة قابلة للانحلال والقسمة إلى أجزاء، فإن الجواهر الأساسية التي تتكون منها تلك الأجسام هي عناصر صلبة ومتماسكة وغير قابلة للانحلال، فهي «لا تتجزأ ولا تتغير، وهو ما ينبغي الإقرار به إذا ما أردنا ألا تستحيل الأشياء كلها إلى اللاوجود».[15]

وتتسم الذرة بثلاث خاصيات عند أبيقور هي «الحجم، الصورة، الثقالة […] وإذا كانت الخاصية الأولى عالقة بكل وجود مادي وكل وجود متشكل، فالخاصية الثانية تسمح بوجود تباين بين الأشياء وبالفصل بين الأصناف والأنواع. أما الخاصية الثالثة، فهي أصل الحركة وأصل السقوط واصطدام الذرات ببعضها البعض وتجمعها وتكتلها. فالثقالة هي التي تفسر – مع الانحراف وقبله – حركة الذرة. فمن طبيعة أي جسم أن يمارس ضغطا من أعلى إلى أسفل، أي أن يتحرك وأن يدفع ما يعترضه نحو الأسفل، على خلاف الخلاء الذي لا حركة له ولا دفع لأنه بلا ثقالة».[16]

وإذا كانت الذرات تتصف بثلاث صفات هي الثقالة والحجم والصورة، فإن التغيير يحدث فقط على مستوى هذه الصفات، «بينما لا تخضع الذرات لأي تغير»،[17] لأنها صلبة وغير قابلة للانحلال، والتغير يحصل فقط عن تزايد أو تناقص حركة الذرات داخل الأجسام.

3- الكون لا محدود

يرى أبيقور أن الكون لا محدود ولا نهاية له. وهو لا محدود سواء من حيث عدد الأجسام أو من حيث امتداد الخلاء. فإذا كانت الأجسام محدودة والخلاء لا محدودا، فإن تلك الأجسام لن تجد مرتكزا تستقر فيه وستتبعثر وتتشتت في الخلاء اللامحدود. وبالمقابل، إذا كان الخلاء محدودا والأجسام لا محدودة «لما اتسع مكان للأجسام التي هي بعدد لا محدود».[18]

وإذا كانت الأجسام المركبة تتكون من ذرات بسيطة غير قابلة للقسمة، فإن هذه الذرات ذات أشكال مختلفة ولا محدودة؛ «ذلك أنه لا يمكن للتنوع اللامحدود لأشكال المركبات أن ينتج عن عدد محدود من الأشكال البسيطة».[19]

وتوجد الذرات المكونة لأجسام العالم في حركة دائمة منذ الأزل، و«لا توجد بداية لهذه الحركات، إذ الذرات قديمة والخلاء قديم».[20] وهي تصطدم وتبتعد عن بعضها البعض، لأن الخلاء يفصل بينها ولا يوفر لها قاعدة ارتكاز. لكنها مع ذلك يحدث أن يلتف بعضها مع البعض الآخر، فيحصل لها اهتزاز وتذبذب.[21]

4- نشأة العالم وظواهره

يرى أبيقور أن «العالم جزء من الكون الذي يتضمن الأفلاك والأرض وجميع الظواهر، وهذا العالم قد انفصل عن اللامتناهي».[22] ويذهب أبيقور إلى القول بإمكانية وجود عدد لا محدود من العوالم. والسبب في ذلك هو أن عدد الذرات المكونة للأشياء لا محدود، وبالتالي لا يستوفيها عالم واحد، بل هي تدخل في تكوين وتركيب عوالم أخرى شبيهة بعالمنا أو مختلفة عنه.

وإذا كان العالم يتكون من ذرات صلبة وغير قابلة للتجزئة والانقسام، فإن نشأته جاءت كنتيجة لتكتل الذرات وارتباط بعضها بالبعض. وفي هذا الصدد نجد أبيقور يقول: «ينشأ عالم ما عندما تتدفق ذرات من نوع خاص من عالم آخر أو من عدة عوالم أو من الفضاء الخلوي الفاصل بين العوالم. فهذه الذرات تتكتل تدريجيا وترتبط ببعضها البعض وتنتقل عند الاقتضاء من مكان إلى آخر، وتتلقى باستمرار تيارات من الذرات تصلها من مناطق أخرى حافلة بها، إلى أن تبلغ مرحلة الاكتمال والاستقرار».[23] ويذهب أبيقور إلى أن الشمس والقمر وباقي الأفلاك والأجرام السماوية لم تنشأ بشكل منعزل عن هذا العالم، بل إنها نشأت معه بشكل متزامن وفي آن واحد. وقد حدثت هذه النشأة كنتيجة لتكتل عدد من الجواهر الدقيقة التي لها طبيعة الماء أو النار أو الاثنين معا.[24]

وقد قدم أبيقور اقتراحاته التفسيرية المتعلقة بنشأة الظواهر الطبيعية وتكونها بالاعتماد على ما ينتج من تفاعل بين عناصرها وذراتها. ولذلك نجده يفسر الطبيعة بالطبيعة، وبالاعتماد على ما يمدنا به الإحساس، مستبعدا في ذلك أية تفسيرات غيبية أو أسطورية. ولذلك نجده يقول: «إن من ينسب جميع هذه الظواهر إلى علة واحدة في حين أنها توحي بعلل كثيرة لهو يعبر عن موقف كله جنون وسفاهة، ألا وهو موقف أولائك الذين يتحمسون لعلم التنجيم العقيم ويتصورون عللا لا معنى لها ويتذرعون بالآلهة عوض أن يتركوها متفرغة تمام التفرغ مثلما تقتضيه طبيعتها الخاصة».[25]

وإذا كان أبيقور يستبعد التفسيرات الأسطورية التي تنسب حدوث الظواهر الطبيعية إلى علل إلهية، فإنه يركز في تفسيراته كما قلنا على علل طبيعية ناتجة عن تفاعل الذرات والعناصر الطبيعية مع بعضها البعض. ونحن نجده في تفسيره لنشأة العديد من الظواهر، مثل الزلازل والبراكين والنيازك وقوس قزح والجليد والرياح والأعاصير والرعد والبرق والصواعق والسحب وتعاقب الليل والنهار ودورات الأفلاك والكسوف ودوران القمر وغيرها، يقدم اقتراحات معينة دون أن يستبعد اقتراحات أخرى يمكنها أن تكون صالحة وممكنة أيضا، لكنه يشدد دائما على ألا تكون تلك التفسيرات أسطورية وخرافية. وهكذا نجده، مثلا، يفسر نشأة النيازك بأسباب متعددة مثل احتكاك السحب ببعضها البعض، أو تجمع ذرات مولدة للنار، أو باحتراق السحب الكثيفة نتيجة ما تخضع له من ضغوط، دون أن يستبعد وجود تفسيراتها أخرى غيرها، إذ يقول: «ويمكن تقديم تفسيرات أخرى كثيرة وغير خرافية لنشأة هذه الظاهرة».[26]

ومن جهة أخرى، نجد أبيقور يفسر التفاعلات التي تحدث بين الذرات والعناصر الطبيعية وتنتج عنها ظواهر طبيعية معينة، بأنها تفاعلات واحتكاكات تحصل بالصدفة فقط وغير ناتجة عن طبيعة ذاتية تخص الأشياء في ذاتها، كما أنها غير ناتجة أيضا عن فعل إلهي خارجي وخارق. ولهذا نجده يقول: «إن التلازم الموجود بين الحالات الجوية من جهة وبين الشمس والبروج من جهة أخرى يقوم على الاتفاق والمصادفة لا غير. فالبروج لا تملك شيئا من ذاتها تقدر من خلاله على إنشاء طقس رديء، كما أنه لا يعقل القول بوجود كائن إلهي متربص لظهور البروج كي ينتج تبدلات الطقس الموافقة لها. إذ لا يوجد كائن حي يتمتع بالذكاء والفهم ويتصرف بمثل هذا الجنون، ولا سيما الكائن الذي ينعم بالسعادة المطلقة».[27] ومن هنا نجد أبيقور يتوجه في آخر هذه الرسالة إلى صديقه فيثوقلاس قائلا: «فلتتذكر، يا فيثوقلاس، كل ما قلته لك كي تصبح قادرا على إقصاء الأساطير وعلى إدراك الأشياء المماثلة لتلك التي حدثتك عنها. وثابر خاصة على التأمل في مبادئ الأشياء وفي لا محدودية الكون وفي المسائل التي من نفس القبيل».[28]

خلاصة

يمكن اختصار تصور المذهب الذري الأبيقوري لنشأة العالم في ما يلي:

– رفض فكرة الخلق من عدم؛ لا يوجد شيء من لا شيء.

– وجد العالم من مادة معينة، هي عبارة عن بذرة ما، وهي بمثابة النواة الأصلية المشكلة للأشياء الموجودة فيه.

– لن يصير العالم إلى عدم، لأنه لو تحولت الأشياء إلى عدم، لانقرضت وأصبحت غير موجودة.

– العدم غير موجود، ولا يوجد أي شيء خارج الكون لكي تنتقل الأشياء إليه. وهذا يعني أن الكون يظل ثابتا هو هو منذ الأزل إلى الأبد، وإذا كان هناك من تغير يحدث فإنه يظل مجرد تغير ظاهري يتم في إطار ثبات الذرات المكونة للعالم.

– يتكون العالم من أجسام صغيرة للغاية، هي عبارة عن ذرات غير قابلة للقسمة وللانحلال، ومن خلاء ضروري لحركة هذه الذرات، التي باصطدامها ببعضها البعض وبتجمعها تكون العالم المادي بمختلف أشكاله.

– الخلاء هو جوهر لا محسوس، وهو الذي يتيح للأشياء أن تحتل حيزا وتتحرك.

– الذرات هي جواهر مادية أساسية تتكون منها الأجسام، وهي عناصر صلبة ومتماسكة وغير قابلة للانحلال والتجزيء.

– الكون لا محدود ولا نهاية له. وهو لا محدود سواء من حيث عدد الأجسام أو من حيث امتداد الخلاء.

– الذرات دائمة الحركة منذ القدم، والخلاء قديم أيضا.

– يقول أبيقور بإمكانية وجود عدد لا محدود من العوالم. والسبب في ذلك هو أن عدد الذرات المكونة للأشياء لا محدود.

– يفسر أبيقور الطبيعة بالطبيعة، عن طريق تفاعل الذرات، ويستبعد أية تفسيرات غيبية أو أسطورية.

– تحدث التفاعلات بين الذرات بالصدفة فقط، وغير ناتجة عن طبيعة ذاتية تخص الأشياء في ذاتها، كما أنها غير ناتجة أيضا عن فعل إلهي خارجي وخارق.

ثالثا؛ نشأة العالم عند لوكريتيوس 

يعد تيتوس لوكريتيوس كاروس[29] من كبار الشعراء والفلاسفة الرومان الذين عاشوا في القرن الأول قبل الميلاد. وقد اشتهر بقصيدته “في طبيعة الأشياء”، وهي ملحمة شعرية عرض من خلالها المذهب الذري لنشأة الكون، متأثرا في ذلك بالفيلسوفين اليونانيين الممثلين لهذا المذهب ديمقريطس وأبيقور. وتنقسم هذه القصيدة إلى ستة كتب يعالج من خلالها لوكريتيوس مجموعة من القضايا من أهمها: نشأة العالم، طبيعة الذرات، طبيعة الروح، وتفسير الظواهر الطبيعية، بالإضافة إلى بعض المسائل المتعلقة بالخوف والموت والمرض وحرية الإرادة. ففي «هذه القصيدة يسبر لوكريتيوس أغوار علوم الفيزياء كما يراها الأبيقوريون […] إنه يتناول مبادئ المذهب الذري، وطبيعة العقل والروح، وشرح المشاعر والأفكار، وتطور العالم ومظاهره الطبيعية؛ ويقدم تفسيرات وشروحا متعددة للظواهر السماوية والأرضية».[30]

وسوف نركز في قراءتنا للقصيدة على بعض المقاطع، التي ستسمح لنا باستخراج التصور الفلسفي الذري لدى لوكريتيوس لنشأة العالم وطبيعة الذرات.

1- لا شيء ينتج عن لا شيء ولا شيء يمكن أن يتحول إلى لا شيء

إن العالم لا ينشأ من عدم حسب لوكريتيوس، كما أنه ليس من صنع الآلهة. ولهذا نجده يقول في هذا الصدد:

«من هنا؛ فإن مبدأ دراستنا الأول سوف يوصلنا إلى حقيقة هي أنه لا شيء أبدا قد وجد بأمر إلهي من عدم…

ولهذه الأسباب، عندما نكون قد لاحظنا أن لا شيء يمكن أن يخلق من عدم، عندئذ سوف ندرك في الحال، وعلى نحو أصوب من هذا المبدأ، ما نبحث عنه، أن كلا من المصدر الذي منه يمكن للشيء أن يخلق، وكذلك كيفية ظهور الأشياء للوجود ليسا من صنع الآلهة».[31]

ومن هنا نجد لوكريتيوس يفسر نشأة العالم تفسيرا ماديا بالاعتماد على الذرات والعناصر الطبيعية، وما يحدث بينها من تفاعلات مستبعدا تماما أي تدخل للآلهة في هذه النشأة. ولهذا «فإن الآلهة – التي لا ينكر لوكريتيوس وجودها – تستمتع أبدا بسلام دائم بعيد كل البعد عن المشاعر والأحاسيس والرغبات والمخاوف التي تقلق قلوب البشر، غير عابئة تماما بما يدور في العالم وما يفعله سكانه، غير متأثرة بما يفعلون من حسنات أو سيئات […] إن هذه القصيدة هي محاولة للدلالة على أن كل شيء في الطبيعة يمكن تفسيره طبقا لقوانين طبيعية دون حاجة إلى تدخل أي من الآلهة».[32]

ويبرر لوكريتيوس عدم صدور الأشياء من عدم بقوله أنه لو كان الأمر كذلك، «فإن كل نوع يمكنه أن يولد من كل الأشياء، ولا شيء في حاجة إلى بذرة».[33] وهذا أمر غير معقول، لأنه سيؤدي إلى الفوضى والاضطراب. ولهذا فأشياء العالم ذات أصل مادي، وتأتي من بذور معينة هي عبارة عن ذرات. فكل شيء ينمو من بذرة معينة ويكبر ويتغذى من مادة خاصة به. ولهذا نجد لوكريتيوس يؤكد من جديد على رفضه لفكرة الإيجاد من عدم وقوله بفكرة الإيجاد من شيء أو مادة، حيث يقول:

«لذلك علينا أن نعترف أن لا شيء يمكن أن يأتي من عدم إذ يجب أن يكون هناك أصل لكل شيء».[34] وإذا كان لوكريتيوس يرفض فكرة وجود الأشياء من العدم، فإنه يرفض أيضا فكرة انتقالها إلى العدم، لأنه لو أصبح كل شيء عدما لأصبحت الأشياء كلها عدما ولم يعد أي شيء. ولهذا نجده يقول:

« أضف إلى ذلك أن الطبيعة تحلل كل شيء مرة أخرى إلى عناصرها، ولا تحول الأشياء إلى العدم. لأنه لو أن أي شيء كان هالكا كلية لهلك كل شيء».[35] ومن هنا فبذرة كل شيء تظل خالدة إلى الأبد، ولا يمكن للأشياء أن تتحول أبدا إلى العدم.[36]

« وعلى ذلك فلا شيء مهما يكن يصير إلى العدم، ولكن كل الأشياء تعود بالانفصال إلى عناصر المادة».[37]

2- أصل العالم

يستبعد لوكريتيوس أن تكون الآلهة هي التي خلقت العالم وأعدته من أجلنا، وبالمقابل يؤكد على أنه داخل الطبيعة نفسها تمت عملية الخلق والإيجاد. وقد تم ذلك عن طريق اتحاد الذرات واصطدام بعضها مع البعض الآخر؛«إذ إن كما هائلا من الذرات تسبح في الفضاء حسب وزنها وتصطدم ببعضها بطرق عديدة، بعد أن أثارها هبوب الرياح، وذلك منذ زمن سحيق إلى يومنا هذا، فهي تتلاقى بطرق شتى، وتحاول كلها الاتحاد، فصار بإمكانها خلق أي شيء باتحاد بعضها ببعض».[38]

ولم يكن اجتماع الذرات وافتراقها ناتجا عن ترتيب مسبق أو خطة مضبوطة، بل تم ذلك عن طريق الصدفة والاتفاق. ومن هنا

«فالذرات بالتأكيد لم تنظم نفسها في أماكنها بحكمة بالغة، أو بخطة تنم عن تدبير حكيم، كما أنها بالتأكيد لم تتفق فيما بينها على كيفية حركة كل منها؛ بل إن ذرات العالم الأولى لكثرتها كانت تتحرك في اتجاهات عديدة جراء اصطدامها ببعضها، وذلك منذ زمن سحيق، وقد اعتادت أن تحمل طبقا لأوزانها وأن تتحد بطرق شتى، وأن تبذل قصارى جهدها وتجرب كل السبل كي تدرك: أي منها يؤدي اتحاده إلى إنجاب مولود ما؛ لذا فإنه بعد هذه الفترة الزمنية الطويلة من انتشار الذرات، التي جرب فيها كل ضروب الحركة والاتحاد، قد جمعت في النهاية الذرات التي التحمت فجأة مع بعضها بعض، وشكلت في الغالب بداية الموجودات الضخمة كالبحر والأرض والسماء وجميع أنواع الكائنات الحية.»[39]

وهكذا فقد نشأ الكون من اصطدام الذرات ببعضها البعض، ووقع بينها اتحاد بأشكال مختلفة بحسب أوزانها وطبيعة التجاذبات التي حصلت بينها. ومن هذا الاتحاد نشأت في البداية الموجودات الضخمة كالأرض والسماء، لكي تتبعها الموجودات الأخرى الأقل حجما بعد ذلك.

وقد كان الكون في البداية أشبه بكتلة واحدة متحدة ومستقرة، ثم حدث بعد ذلك صراع ونزاع بين الذرات الأولى بفعل اختلاف أشكالها وأحجامها، وهو ما أدى إلى انقسام أجزاء الأشياء وانفصالها، وأخذت الذرات المتشابهة تتحد فيما بينها وتشكل الأجسام المختلفة التي يتكون منها العالم. 

3- يتكون العالم من ذرات غير متناهية بينها فراغ أو خلاء

إذا تبين لنا أن العالم بأجسامه وظواهره قد تكون من جراء اصطدام الذرات وتفاعلها، فإننا نجد أبيقور يذهب إلى القول بأن « الذرات الأولى للأشياء لا يمكن أن ترى بالعين».[40] وأن « الطبيعة تعمل من خلال ذرات غير مرئية».[41]

ويوجد بين الذرات الصلبة المتماسكة للأشياء فراغ أو خلاء غير مرئي، يسمح لها بالتحرك والتفاعل في ما بينها. فالأشياء «ليست ممسوكة بطبيعة جسدية، مضغوطة في صلابة في كل أجزائها، حيث إن هناك في الحقيقة فراغا في الأشياء […] هكذا فهناك مساحة غير مدركة هي الفراغ والخلاء».[42] ففي الطبيعة إذن توجد الأجسام ويوجد الفراغ ولا شيء غيرهما، وهذا الفراغ هو الذي يسمح لذرات الأجسام بان تتحرك في اتجاهات مختلفة وتتفاعل فيما بينها، لكي تنتج أجساما وظواهر جديدة.

ومن هنا فإن «الكون ليس ممتلأ تماما وليس فارغا تماما».[43] فهناك ذرات صلبة هي التي تميز الأماكن الفارغة من الأماكن الممتلئة، وهذه الذرات تظل خالدة ومتماسكة ومتجانسة وقائمة بذاتها، ولا تتعرض للتلف والانحلال والانقسام.

فالذرات إذن تظل ثابتة منذ الأزل ولا تتعرض للتغيير، لأنه «إذا كانت الذرات يمكن أن تخضع للتغيير، فلن يكون هناك يقين فيما هو بإمكانه الظهور في الكون وما ليس بإمكانه».[44] فثبات الذرات هو ما يمنح للكون والحياة النظام والانتظام، ويجنبهما الفوضى والعشوائية.

وإذا كانت الأجسام المرئية تتكون من ذرات، فإنه لا بد أن توجد في كل ذرة نقطة صغيرة جدا غير قابلة للإدراك الحسي، وغير قابلة للانقسام، وهي أصغر شيء يمكن تصور وجوده. وهذا الشيء المتناهي في الصغر لا يوجد مستقلا وقائما بذاته، وإنما يوج دائما كجزء مكون من شيء آخر. وتتميز الذرات بالصلابة الشديدة، «ولا تتيح الطبيعة لهذه الذرات أي نقص أو تضاؤل، لكنها تحرسها باعتبارها هي بذور الأشياء».[45] وينبغي الإشارة إلى أنه بالرغم من صلابة الذرات وثباتها، فإن الأجسام التي تتكون منها هي دائمة التغير، وذلك بفعل التفاعلات التي تحدث بين الذرات. فأشياء العالم في تغير مستمر، «لأن الزمن يغير طبيعة العالم كله […] فالطبيعة تحول كل شيء وتجبره على التغيير».[46]

خلاصة

يمكن إجمال أفكار لوكريتيوس حول الذرات ونشأة العالم في عبارات مركزة ومختصرة كما يلي:

– ليس العالم من صنع الآلهة. فكل شيء في الطبيعة يمكن تفسيره طبقا لقوانين طبيعية دون حاجة إلى تدخل الآلهة.

– لا ينشأ العالم من عدم، ولا يصير إلى العدم.

– أشياء العالم ذات أصل مادي، وتأتي من بذور معينة هي عبارة عن ذرات مادية.

– تنشأ الأشياء عن طريق اتحاد الذرات واصطدام بعضها مع البعض الآخر.

– لم يكن اجتماع الذرات وافتراقها ناتجا عن ترتيب مسبق أو خطة مضبوطة، بل تم ذلك عن طريق الصدفة والاتفاق.

– كان الكون في البداية أشبه بكتلة واحدة متحدة ومستقرة، ثم حدث بعد ذلك صراع ونزاع بين الذرات الأولى بفعل اختلاف أشكالها وأحجامها، وهو ما أدى إلى انقسام أجزاء الأشياء وانفصالها، وأخذت الذرات المتشابهة تتحد فيما بينها وتشكل الأجسام المختلفة التي يتكون منها العالم.

– الذرات الأولى للأشياء لا ترى بالعين.

– يوجد بين الذرات الصلبة المتماسكة للأشياء فراغ أو خلاء غير مرئي، يسمح لها بالتحرك والتفاعل في ما بينها.

– في الطبيعة توجد الأجسام ويوجد الفراغ ولا شيء غيرهما.

– تظل الذرات متماسكة وثابتة منذ الأزل، فهي خالدة ولا تتعرض للتغيير.

– الذرات هي بذور الأشياء، وهي متناهية في الصغر وغير مرئية، وغير قابلة للانقسام.

– بالرغم من صلابة الذرات وثباتها، فإن الأجسام التي تتكون منها هي دائمة التغير، وذلك بفعل التفاعلات التي تحدث بين الذرات.

خاتمة

لقد تبين لنا الآن أننا أمام مذهب فلسفي قائم بذاته هو المذهب الذري، والذي قدم أصحابه تصورات وأفكارا حول قضايا متعددة، طبيعية وميتافزيقية وأخلاقية وغيرها. وقد جعلنا هذه الدراسة منصبة حول ثلاثة أعلام بارزة في المذهب الذري القديم، وهي المتعلقة بكل من ديمقريطس وأبيقور ولوكريتيوس، كما ركزنا على أفكارهم المتعلقة بالطبيعيات دون غيرها، وهي أفكار قدموا من خلالها تصوراتهم لنشأة العالم وتكون الأجسام وفسادها، وتفسيرهم لنشأة الظواهر الطبيعية، وأشكال التفاعلات الحاصلة بين الذرات، وطبائعها وأشكالها وأحجامها، وما إلى ذلك.

ويمكن إجمال تصورات هؤلاء في فكرة رئيسية تتمثل في القول بأنه لا شيء يولد من العدم، ولا شيء يفنى ويعود إلى العدم. فلن يصير العالم إلى عدم، لأنه لو تحولت الأشياء إلى عدم، لانقرضت وأصبحت غير موجودة. وإذا كان العالم لم ينشأ من عدم، فإنه وجد من مادة معينة، هي عبارة عن بذرة ما، وهي بمثابة النواة الأصلية المشكلة للأشياء الموجودة فيه. وهذه البذرة تتمثل في الذرات التي هي عبارة عن وحدات مادية متماسكة ومتجانسة ومتناهية في الصغر، وغير قابلة للإدراك الحسي، كما أنها أزلية وغير متناهية العدد. وهي غير قابلة للقسمة، ولها نفس الطبيعة، لكنها مع ذلك تختلف من حيث الشكل والوضع والترتيب. وهي تتحرك في الفراغ منذ الأزل، وتساهم أثناء تشابكها واصطدامها في تشكل الأجسام الموجودة في العالم. فجميع الأجسام مركبة من ذرات هي عبارة عن أجزاء لا تتجزأ، وهي غير متناهية لا في عددها ولا في أشكالها. وإذا كان العدم غير موجود، فإنه لا يوجد أي شيء خارج الكون لكي تنتقل الأشياء إليه. وهذا يعني أن الكون قديم وأنه يظل ثابتا منذ الأزل إلى الأبد، وإذا كان هناك من تغير يحدث فإنه يظل مجرد تغير ظاهري يتم في إطار ثبات الذرات المكونة للعالم. وهذا ما جعل التصور الذري يقول بالتغير داخل الوحدة والثبات؛ إذ لا شيء يمكن أن يضاف إلى العالم، ولا شيء يمكن أن يخرج منه.

وحيث أن أجسام العالم تتكون من ذرات مادية متماسكة وغير قابلة للقسمة والانحلال، فإنها تحتاج في حركتها إلى وجود خلاء، وهو عبارة عن جوهر لا محسوس يتيح للذرات أن تحتل حيزا وتتحرك. وباصطدام بعضها ببعض، تكون العالم المادي بمختلف أشكاله. فمن افتراقها واتحادها يأتي الكون والفساد، ومن ترتيبها ووضعها تأتي الاستحالة. وهي دائمة الحركة منذ الأزل، كما أن الخلاء الذي تحتاجه في حركتها هو قديم أيضا.

هكذا قدم المذهب الذري تصورا ماديا لنشأة العالم، واستبعد أي تفسيرات أسطورية أو غيبية. فليس العالم من صنع الآلهة؛ إذ كل شيء في الطبيعة يمكن تفسيره طبقا لقوانين طبيعية دون حاجة إلى تدخل الآلهة. ولهذا، فالتفاعلات التي تحدث بين الذرات تحدث بالصدفة فقط، وغير ناتجة عن طبيعة ذاتية تخص الأشياء في ذاتها، كما أنها غير ناتجة أيضا عن فعل إلهي خارجي وخارق. فلم يكن اجتماع الذرات وافتراقها ناتجا عن ترتيب مسبق أو خطة مضبوطة، بل تم ذلك عن طريق الصدفة والاتفاق. ويظل الكون عند هؤلاء الذريين لا محدودا ولا نهاية له. وهو لا محدود سواء من حيث عدد الأجسام أو من حيث امتداد الخلاء. كما أنه لا متناه سواء من ناحية الأزل أو من ناحية الأبد؛ فلا بداية ولا نهاية للعالم. كما أن الذرات تظل متماسكة وثابتة منذ الأزل، فهي خالدة ولا تتعرض للتغيير. وما دامت الذرات لا محدودة العدد، فإن هناك إمكانية لوجود عدد لا محدود ولا متناه من العوالم الممكنة.  

المصادر والمراجع:

– أبيقور، الرسائل والحكم، دراسة وترجمة جلال الدين سعيد، الدار العربية للكتاب.

– أرسطو، الكون والفساد، ترجمة أحمد لطفي السيد، الدار القومية للطباعة والنشر.

– حمادة حسين صالح، دراسات في الفلسفة اليونانية، الجزء الأول، دار الهادي، الطبعة الأولى 2005م.

– ديوجينيس اللائرتي، حياة مشاهير الفلاسفة، المجلد الثالث، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مراجعة محمد حمدي إبراهيم، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى 2014.

– لوكريتيوس، في طبيعة الأشياء، ترجمة علي عبد التواب علي وصلاح رمضان السيد وسيد أحمد صادق، مراجعة وتقديم عبد المعطي أحمد شعراوي، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى 2018م.

– النشار علي سامي وعلي عبد المعطي محمد ومحمد عبودي ابراهيم: ديمقريطس؛ فيلسوف الذرة وأثره في الفكر الفلسفي حتى عصورنا الحديثة، الهيئة المصرية العامة للكتاب.

– ولفسون هاري، فلسفة المتكلمين في الإسلام، المجلد الثاني، ترجمة مصطفى لبيب عبد الغني، المركز القومي للترجمة، الطبعة الثانية 2009. 


[1] – علي سامي النشار وعلي عبد المعطي محمد ومحمد عبودي ابراهيم، ديمقريطس؛ فيلسوف الذرة وأثره في الفكر الفلسفي حتى عصورنا الحديثة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص.أ.

[2] – ديوجينيس اللائرتي، حياة مشاهير الفلاسفة، المجلد الثالث، ترجمة إمام عبد الفتاح إمام، مراجعة محمد حمدي إبراهيم، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى 2014، ص.145.

[3] – علي سامي النشار وعلي عبد المعطي محمد ومحمد عبودي ابراهيم، ديمقريطس؛ فيلسوف الذرة وأثره في الفكر الفلسفي حتى عصورنا الحديثة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص.19.

[4] – أرسطو، الكون والفساد، ترجمة أحمد لطفي السيد، الدار القومية للطباعة والنشر، ص.91.

[5] – هاري ولفسون، فلسفة المتكلمين في الإسلام، المجلد الثاني، ترجمة مصطفى لبيب عبد الغني، المركز القومي للترجمة، الطبعة الثانية 2009، ص.636.

[6] – أرسطو، الكون والفساد، ص.96.

[7] – نفس المصدر والصفحة.

[8] – نفس المصدر والصفحة.

[9] – ديوجينيس اللائرتي، حياة مشاهير الفلاسفة، المجلد الثالث، ص.145.

[10] – نفس المصدر السابق والصفحة.

[11] – حسين صالح حمادة، دراسات في الفلسفة اليونانية، الجزء الأول، دار الهادي، الطبعة الأولى 2005م، ص.135-136.

[12] – أبيقور، رسالة إلى هيرودوت، الفقرة 39. موجودة في كتاب: الرسائل والحكم، دراسة وترجمة جلال الدين سعيد، الدار العربية للكتاب، ص.176.

[13] – أبيقور، الرسائل والحكم، دراسة وترجمة جلال الدين سعيد، الدار العربية للكتاب، ص.61.

[14] – أبيقور: رسالة إلى هيرودوت، الفقرة 40. موجودة في كتاب: الرسائل والحكم، دراسة وترجمة جلال الدين سعيد، الدار العربية للكتاب، ص.176.

[15] – أبيقور، رسالة إلى هيرودوت، الفقرة 41،  المصدر السابق، ص.177.

[16] – أبيقور: الرسائل والحكم، دراسة وترجمة جلال الدين سعيد، الدار العربية للكتاب، ص.69-70.

[17] – أبيقور، رسالة إلى هيرودوت، الفقرة 54، المصدر السابق، ص.180.

[18] – أبيقور، رسالة إلى هيرودوت، الفقرة42،  المصدر السابق، ص.177.

[19] – أبيقور، رسالة إلى هيرودوت، الفقرة 43،  المصدر السابق، ص.177.

[20] – المصدر السابق، ص.178.

[21] – نفسه، ص.177.

[22] – أبيقور، رسالة إلى فيثوقلاس، الفقرة 89، المصدر السابق، ص.192.

[23] – أبيقور، رسالة إلى فيثوقلاس، الفقرة 90، المصدر السابق، ص.193.

[24] – نفس المصدر والصفحة.

[25] – أبيقور، رسالة إلى فيثوقلاس، الفقرة 113، المصدر السابق، ص.200.

[26] – أبيقور، رسالة إلى فيثوقلاس، الفقرة 115، المصدر السابق، ص.201.

[27] – أبيقور، رسالة إلى فيثوقلاس، الفقرة 116، المصدر السابق، ص.201.

[28] – المصدر السابق، ص.201-202.  

[29] Titus Lucretius Carus  

[30] – لوكريتيوس، في طبيعة الأشياء، ترجمة علي عبد التواب علي وصلاح رمضان السيد وسيد أحمد صادق، مراجعة وتقديم عبد المعطي أحمد شعراوي، المركز القومي للترجمة، الطبعة الأولى، 2018م، ص.79.

[31] – لوكريتيوس، في طبيعة الأشياء، ص.105.

[32] – لوكريتيوس، في طبيعة الأشياء، ص.79-80.

[33] – نفسه، ص.105.

[34] – نفسه، ص.108.

[35]– نفسه، ص.109.

[36]– نفسه، ص.110.

[37]– نفسه، ص.110.

[38]– نفسه، ص.418.

[39] – نفسه، ص.433-434.

[40] – نفسه، ص.111-112.

[41] – نفسه، ص.115.

[42] – نفسه، ص115.

[43] – نفسه، ص.127.

[44] – نفسه، ص.131.

[45] – نفسه، ص.132.

[46] – نفسه، ص.458.

وسوم:

اترك رد

جديدنا