الإسلام/الرسالة: حضارة العرب والمسلمين والرسالة المتعثِّرة

توطئة:

لنعيد طرح السؤال الاستفهامي الوجيه لموضوع الشريط الوثائقي الذي بث على شاشة الجزيرة الوثائقية، والذي عنون كالتالي : هل تستمر الرسالة؟ الشريط الوثائقي الذي توقف عند محطات  ومخاضات المشروع الفيلمي الضخم للمخرج السوري الراحل مصطفى العقاد، حول ظهور رسالة الإسلام وما عرفه من حيثيات وتجاذبات وتداعيات، بدءا بطرح المشروع إلى نهاية عرضه بدور السينما بالغرب أولا، وقضايا أخرى لها علاقة بما كان يود الراحل أن يشتغل عليه في مشروعه السينمائي الضخم والمتوخى منه تسويق الشخصية العربية / الإسلامية وقضاياها على اختلاف مستوياتها، ليطرح بصدد هذا الشريط عدة أسئلة، في علاقتنا نحن العرب/ المسلمين بإشكالياتنا الثقافية والدينية والتاريخية والحضارية، وبقضايانا السياسية والأيديولوجية والجيوبوليتكية، سواء على المستوى الوطني أو الإقليمي والدولي .

الحقيقة الكاشفة والأسئلة المحرقة

إن الحقيقة الكاشفة من خلال تأملنا لهذا الشريط الوثائقي، عن جوانب كثيرة في كيفية اشتغالنا نحن العرب / المسلمين على مجموع قضايانا ذات الدلالات الشخصانية اللصيقة بشخصية العربي/ المسلم، تجعلنا نقر بافتقار أو أحرى انعدام رؤية حضارية لمجموع مقوماتنا وإمكانياتنا في أبعادها ودلالاتها الدينية والثقافية والسياسية والتاريخية، لنطرح التساؤلات التالية : إلى أي حد نعي ذواتنا من خلال انتمائنا لكل أجناسنا المكونة لهويتنا الحضارية؟  كيف نحدد علاقتنا بالأخر، أكان شرقيا أو غربيا؟ وما هي صور وتجليات كياننا في مخيال الآخر، من خلال تعاطينا مع مقوماتنا في عملية التسويق الذاتي سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي؟ ومن المسؤول الأول عن الصور النمطية المرادفة لنا في لعبة العملية الإعلامية وخاصة بداخل الفضاء الغربي؟  ولماذا لم نستطع لحد الساعة زحزحة وتغيير موازين القوى لصالحنا وفك الارتباط بمقولة ”المغلوب مولع بتقليد الغالب ” الخلدونية؟

طبعا هذه مجرد أسئلة حارقة وأخرى تصيبنا بلهيبها من حين لآخر، تطرح على كل لسان من ذات غيورة على وضعنا الهش والمتآكل، والمفتون بأزماته المتعددة، لعلنا نتطلع إلى واقع آخر بخطوات ثابتة، وهو ما ننتظره من خلال ما يمكن إنجازه من وراء حراكنا الثقافي والفكري والعلمي والإعلامي في  كل قطر من أقطار العالم العربي/ الإسلامي، لأجل خلق مراكز هامة ومشرفة على مستوى ميزان القوى الدولي، وفي كل المحافل الدولية ذات الأبعاد السياسية والثقافية والعلمية والتقنية والفكرية والفنية.

تحامل الغرب:

إن التحامل الأيديولوجي والإعلامي الغربي، له مرجعياته المستوحاة من الجذور اليهودية والمسيحية، وله آلياته التي يشتغل عليها، وله تصورات ومؤسسات تنبني عن رؤية حضارية غربية، تكتمل بوحداتها الدولتية المكونة لها، وتحاول جادة الإبقاء على نظرتها التفوقية الاستعلائية في علاقاتها بالمجموعات والكيانات والكتل الإنسية الأخرى، وذلك في إطار هرمية المركز والأطراف، لنجد أنفسنا نحن العرب/المسلمين في الدرك الأسفل من الهرم الدولي، في وضعية المفعول فيهم وبهم ،عبر مخططات محبوكة، من دون ردود أفعال مبنية عن رؤية حضارية، تعتمل فيها إرادات وتصورات الجماهير العربية الإسلامية، وبنيات ومؤسسات أنظمتها السياسية، عبر ترجمة فعلية لكل ما تم التفكير فيه وتصوره في علاقة جدلية بين التحت/ الجماهيري الشعبي والفوقي/ المؤسساتي النظامي .

الجهل والاستلاب ومحدودية الوعي الجماهيري/ الشعبي المتدنية ومدى فعالية النخب في العالم العربي / الإسلامي.

إن جهل الجماهير العربية/ الإسلامية بمعطيات وإحداثيات وجودها ألكياني، والمتفشي بفعل عدة عوامل متداخلة فيما بينها، الذي يمكنه أن يسبب غبنا وضمورا في حسها التاريخي والديني والحضاري، لهو التيمة الأساسية التي تبقيها على وضعيات المفعول فيها، وما ردود الأفعال الدفاعية عن مفهوم الخصوصية والهوية، وخاصة في زماننا الراهن والمشهود له بالتطور الهائل في وسائل الاتصال السريعة، ناهيك عن الحجم المتدفق من الانتاجات والسلع المادية والرمزية والعلمية، وكذا إنشاء المراكز الثقافية والمعاهد والمدارس المصدرة عبرها ثقافات الشعوب الغربية، في ظل هذه الوضعيات السابقة الذكر، تكون دون جدوى في مواجهة الحملات الإعلامية والثقافية.

فالغرب استطاع منذ عقود أن يتغلغل بثقافته السلوكية والتربوية، وأن يغزو العقلية العربية/ الإسلامية عبر مجموعة من البرامج والمخططات والمناهج على كل الأصعدة، التي فرضت على الواقع العربي/ الإسلامي، سواء باختيارات منهجية من قبل القيمين على الشأن العام أملا في اللحاق بالركب الحضاري الحداثي، أو بتواطؤ وتحامل نخب ما مدينة من جهة الغرب في تبعيتها له استلابا، هذا التغلغل مكنه من الحفاظ على مصالحه عبر عمليات التدجين السياسي والتلقين التربوي، والتكوين النخبوي التقني، في المعاهد والمراكز والمدارس الخصوصية، سواء بداخل البلد المضيف لها أو خارجها، وكذا العمل المنظماتي المدني .

ليطرح التساؤل الآتي: هل حذت أنظمة العالم العربي/ الإسلامي حذو الأنظمة الغربية، في ترجمة تصوراتها الحضارية، في عمليات خلق وإنشاء مدارس ومعاهد ثقافية ومراكز دراسات في قلب جغرافية العالم الغربي، ودعم الأعمال الفنية والثقافية على جميع المستويات، لتكون شخصيتنا الكيانية الند للند في علاقاتها بالآخر المختلف/ الغيري؟ إنها الحلقة المفقودة في إطار العمل الدولتي النظامي  الرسمي، وفي غياب وعي الجماهير بأبعاد الدبلوماسية الثقافية والمدنية، بالرغم من الإمكانيات والمقومات الرمزية والمادية والبشرية الهائلة، التي تزخر بها هذه الشعوب المغبونة في عقر دارها، فكيف بها ألا تغبن من قبل من يعرف حق المعرفة  كيف يتخذ قراراته بإستراتيجية عقلانية، ودهاء سياسي ودبلوماسي فعال وهادف، ودعم المبادرات الفردية والمدنية في مشاريعها، بسخاء كبير، ليلتقي العمل الرسمي بالمدني في عملية التسويق لشخصية نمطية لشعوبنا، في نقطة واحدة، في كونها شخصية همجية وفوضوية وسلبية وعدوانية.

حلقات الشد والجدب في علاقة الغرب بالعرب / المسلمين.

بين الفينة والأخرى يحدث ما يحدث على ساحة جغرافية العالم العربي / الإسلامي أو بإحدى دول الغرب أو غيرها من بقاع العالم، سواء فيما بين العرب / المسلمين أنفسهم، أو إذا ما كان العربي / المسلم طرفا فيه والطرف الآخر في بقعة ما من الكوكب الأرضي، لينضح الخطاب الإعلامي والأيديولوجي بما فيه من رؤية وتصور تجاه الإنسان / العربي / المسلم عبر كل أشكال وصور التنميط القدحية والتشفيرية للكيان العربي / المسلم، فيوصم بالدونية واللاحضارية والهمجية واللاعقلانية .. تلصق به وتتداول على نطاق واسع على وسائل الإعلام والكتابات المغرضة تحت يافطة مفهوم الدراسات والتحليلات لكتاب وباحثين ومثقفين على اختلاف تخصصاتهم.

لقد عايشنا العديد من الأحداث في العقود الأخيرة، كان لها وقع كبير على تنميط وقولبة الشخصية العربية / الإسلامية في ذهنية الرأي العام العالمي، فتشكلت أفكار وآراء وتصورات ومشاعر تجاهها، انتشرت كالنار في الهشيم، وشكلت معها مخاييل ثقافية لدى شعوب وأمم العالم، ترسم البورتريه العربي/ المسلم بشكل سلبي جدا وباللاحضارية والرجعية التاريخية، خاصة مع آليات تسويق الصورة والمعلومة المتطورة، والعمل على تحويرهما بالشكل الذي يخدم أيديولوجيا الطرف الآخر المتحكم بهما.

لنستحضر هنا بعضا من المنتجات الإعلامية والسينمائية بساحة البلدان الغربية، من مثل الرسومات المسيئة للرسول محمد (ص)، وبعضا من الأفلام التي تسيء أيضا  للإسلام وللنبي محمد الكريم (ص)، حيث رافقتها أحداث عنف وغضب عارم واحتجاجات من قبل أتباع الديانة الإسلامية داخل الدول الأوربية وخارجها في كل الدول الإسلامية أو ذات الأقليات المسلمة في العالم.

لنتساءل من جديد :هل لهذه الاحتجاجات وما قد يصاحبها من عنف، التي قام بها أتباع الإسلام والرسول محمد (ص) في كل أقطار العالم الإسلامي وفي العالم بأسره، ضدا على كل ما يسيء  للإسلام وكل رموزه  من “مصداقية حضارية ” في ظل معطيات الغبن والاستلاب القيمي والثقافي الجماهيري العربي/ الإسلامي، من جهة، وتحامل النخب من جهة أخرى؟

إن الإجابة عن هذا السؤال العريض، سواء في إطار ” الحرب الحضارية ” بلغة الراحل المهدي المنجرة أو ” صراع الحضارات” بلغة صامويل هانتغتون أو ” صدام الجهالات” بلغة المفكر الراحل ادوارد سعيد، تتطلب ما يمكن تسميته ب” عملية القلب التاريخي ” بالداخل العربي/ الإسلامي أولا وقبل كل شيء، قلب الوعي الدوغمائي السائد والمسيطر على ذهنية وعقلية الإنسان العربي / المسلم، انطلاقا من الوعي الذاتي الحضاري والتاريخي، وإذكاء روح النقد الثقافي بداخل الأوساط الاجتماعية على اختلاف مستوياتها ومشاربها وتصوراتها، والعمل على بناء مشاريع ذات أبعاد علمية وحضارية هادفة بقيمها المثلى، تسمح بخلق فسحات تقدمية تنويرية مسترسلة في الزمان والمكان، مع الوعي بالآخر كيف ما كان في علاقاتنا به، وخاصة العالم الغربي الذي لا زال يريد فرض هيمنته الأيديولوجية والحضارية، ويعمل عليها بدون كلل ولا فتور، لما له من إمكان وقدرة على ترجمة كل ما يخطط له في علاقاته بالعرب / المسلمين وغيرهم، فيكون بذلك قد عمل على تصدير نماذجه وأنماطه الثقافية والحضارية عبر كل الوسائل، الشيء الذي يسمح له بتفعيل آليات مصالحه الجيوبوليتكية والجيوستراتيجية وأهدافه الأيديولوجية المتعددة القضايا.

في حين نجد في العالم العربي / الإسلامي تختزل ثورته القيمية في المظاهر من دون وعي مسبق، بل بما أعطي جاهزا من قبل الآخر الغالب على أمرنا، وهو عين التخلف بذاته، تترجمها ذوات تعلقت بما يوحي بجانب من الانفتاح في مفهومه الضيق، النفعي الغريزي، التمظهري السطحي، العابر غير المتجذر في رؤية أو تصور محكم أو شبه واع – على الٌأقل – لا يعيد الذات إلى أصولها الاجتماعية والثقافية والحضارية، وليس بقصد حمل قيم التغيير نحو التطلع لما هو ذات قيمة حضارية تتلمس الوعي بالخصوصية والهوية والتميز الحضاري، إنه النزوع الاستلابي بذاته اللاواعي، تشرئب إليه الأعناق وتتطاول وتتزايد به على بعضها البعض في مسرحية هزيلة، مخرجها خارج الدائرة متحكم في مشاهدها بخلفية أيديولوجية لا تمت صلة بالتقدم الحقيقي والتحول القيمي الاجتماعي والحضاري الممكنين من إنتاج فاعلية ذات تكون واعية بما يحصل من متغيرات تحملها على أن تنجز دفتر تحمل قيمي وحضاري، وأن تبدع قيمها بكل حرية بعيدة عن إكراهات الأيديولوجي والحضاري المفروضة من قبل القوى المهيمنة على أنماط القولبة القيمية عالميا، من دون خلق قوى مناوئة ومناهضة للتنميط القيمي والسلوكي، على خلاف ما يمكن أن يستعار من قيم في بعدها الإنساني، ترتفع فيها الحدود بين الخصوصي والعالمي / الكوني، لما فيها من فاعلية تمتد على طول الحركة والفعل بإيجابيتها ومردوديتها في كل أبعاد بناء الشخصية الحضارية العربية / الإسلامية.

ختاما: إن الإشكالية القائمة في علاقة العرب / المسلمين خضوعا وتبعية في السياسة والجيوبوليتيك والاستراتيجيات الغربية، وفي علاقاتهم بالتنميط الغربي للشخصية العربية / الإسلامية، في بعدها التاريخي والحضاري بكل صورها ونماذجها ..  لها أصولها الذاتية قبل أن تكون موضوعية تتعلق بنظرة الآخر وتصوراته ومنتجاته وتيماته، التي يعمل عليها بنظرة حضارية استعلائية تفوقية، بما حققه من تقدم وتطور في كل المجالات، حيث من هنا نستحضر ما صرح به الراحل مصطفى العقاد، مخرج فيلم الرسالة وفيلم عمر المختار : “المرض منا وفينا نحن قبل أن تكون الأسباب قوى أخرى، سواء الإمبريالية أو الصهيونية التي فعلت فعلتها بنا”.

إن أي بناء حضاري يبدأ بالذات والاشتغال عليها، بكل قيمها ومثلها الثقافية والسياسية والفكرية والفلسفية والعلمية والفنية والاجتماعية، قراءة ودراسة ونقدا وإنتاجا وإعادة إنتاج، لا أن تعيش على استنساخ النماذج الأخرى، وتعيش عالة على إنتاجات الحضارات الأخرى، ففي هذا الإطار يمكن فهم وإدراك بعض من جوانب الصراع الدائر بين روسيا الاتحادية وبين العالم الغربي تحديدا، الحاصل الآن، في زمننا هذا، وذلك في نزعتها الأوراسية الجديدة كأيديولوجية قائمة على تصورات ورؤى كما صاغها الفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين، ويدافع عنها بقوة  في إطار ما يصطلح عليه  بـ ” النظرية الرابعة “،  لمواجهة الهيمنة الغربية، الأمريكية خصوصا، ليبقى السؤال عالقا على كاهل العالم العربي/ الإسلامي، متى يحصل له أن يعيد القراءة على جميع المستويات داخليا وخارجيا ويصوغ نظريته الخاصة به في معترك دوائر السياسة والجيوبوليتيك والاستراتيجيات إقليميا ودوليا، بناء على قيمه الثقافية والحضارية الخاصة والمتعددة الجوانب التي تشكل وجوديته المتميزة ؟

______________

*عبد المجيد بن شاوية/كاتب مغربي/مهتم بالقضايا الفكرية والثقافية/باحث في الشؤون المغاربية/فاعل جمعوي.

جديدنا