حركة النشر في الجزائر .. قراءة تحليليَّة

مع انطلاق صالون الجزائر للكتاب ( معرض الكتاب ) هذا الأسبوع في الجزائر نرى حراكا شبابيا وأكاديميا غير مسبوق يؤشِّر إلى أي مدى المواطن في الجزائر مرتبط بالكتاب ربما بسبب عدم توافر مئات العناوين في الجزائر طوال العام فشبكة توزيع الكتب في الجزائر ليست قويَّة فضلا عن توافر الكتاب العربي بصورة خاصة في الجزائر، لذا فإن الكتاب في الجزائر هو عنوان العديد من الإشكاليات التي تقودنا لمناقشة النشر في هذا البلد الثري بعلمائه ومثقَّفيه، ارتبط النشر في الجزائر باستقلال الجزائر عام 1962م، فمع استقلالها نستطيع أن نقرأ بدايات حراك للنشر، ففي هذا العام وضع أول برنامج وطني لتحفيز نشر الكتب على النحو التالي:

-إنشاء الشركة الوطنيَّة للنشر والتوزيع.

-إلغاء أي رسوم لاستيراد الكتب.

-اعتماد قانون حق المؤلف.

لكن مع العام 1965م نجد جدلا جزائريا حدَّد السياسة الثقافيَّة للدولة، والتي حفَّزت نشر الكتب مع الاهتمام بالثقافة العامة عبر المواد السمعيَّة والبصريَّة، إلى هنا حضور النشر الخاص ما زال خافتا، خاصة أنه في عام 1966م أنشأت الجزائر المؤسسة الوطنيَّة للنشر والإذاعة، المؤسسة الرسميَّة نشرت 175 عنوانا في الفترة من 1966 إلى 1975م، وطبعت منها 200 ألف نسخة، ولم يتجاوز إنتاج SNED “المؤسَّسة الوطنيَّة المختصَّة بالنشر” 50 عنوانا في نفس العام إلى عام 1983 حين أعيد هيكلتها، وكان العام 1962 وما بعده شهد نشأة عدد من دور النشر الخاصة مثل: دحلب ولافوميك ودار النهضة والثعالبيَّة.

في عام 1970م يدخل وافد جديد على حركة النشر في الجزائر هو “ديوان المطبوعات الجامعيَّة” والذي سيعرف اختصارا ب OPU، هذا الوافد جاء ليواكب حركة ونمو التعليم الجامعي في الجزائر.

مطبوعات ديوان المطبوعات الجامعيَّة من 1990 – 2000
السنةعدد الكتب المطبوعة
1990-1991220
1991-1992182
1992-1993139
1993-199474
1994-1995160
1995-1996121
1996-199728
1997-199821
1998-1999123
1999-200072

الجدول منقول عن فنون رشيدة، الممارسات المهنيَّة في توزيع الكتاب في الجزائر، رسالة ماجستير، جامعة وهران، 2016.

ظلت الجزائر لسنوات ذات إنتاج محدود من الكتب، وكانت الدولة والأوساط الثقافيَّة في الجزائر لديهم إدراك تام بذلك، لذا أعيد تنظيم قطاع الثقافة في الدولة عام 1982م، لينتج عن ذلك في مجالنا مؤسَّستين مهمّتين هما:

-المؤسَّسة الوطنيَّة للكتاب.

-المؤسَّسة الوطنيَّة لتوزيع مطبوعات الصحافة.

لم يقدِّم هذا الكثير للإنتاج المعرفي الجزائري بما يوازى حجم بلد لديه العديد من المدن ذات الثقافة العريقة، وتعدُّد الجامعات وزيادة أعدادها مع الزمن كانت أحد العوائق، لكن العائق الأكبر هو نقص الخبرات في مجال الطباعة، والخبرات في مجال النشر، لكن هناك تطور نوعي حدث مع تولي خليدة تومي وزارة الثقافة في الجزائر من 2002 إلى 2014م، حيث دفعت بعدد من البرامج الحكوميَّة لتنشيط النشر، تواكب معها اختيار عدد من المدن الجزائريَّة كعواصم ثقافيَّة، فنشطت حركة النشر في الجزائر نسبيا، لتسجل في 2011م، 1382 عنوانا باللغة العربيَّة و 623 عنوانا بلغات أجنبيَّة، وهو ما يرمز إلى تراجع النشر باللغة الفرنسيَّة في الجزائر مقابل اللغة العربيَّة، وليقفز عدد العناوين المنشورة في الجزائر عام 2012م إلى 4503 عنوان وهو رقم قياسي.

لكن أيضا لا بد أن نثمِّن دور النشر الخاصة في الجزائر، والتي كان صمودها أحد أسباب حراك النشر النسبي في الجزائر، لكن على الجانب الآخر فإن بروز أسماء جزائريَّة منذ وقت مبكر كان عاملا ضاغطا لبناء صناعة نشر جزائريَّة، فكيف لكُتاب مثل يسمينة خضرة، مالك بن نبي، الطاهر وطار، نينا بوراوي، مفدى زكريا، وغيرهم لا تتوفر إبداعاتهم بين يدي القارئ الجزائري، كما أن صعود نجم أُدباء جزائريين على الساحة العربيَّة كان له تأثير مهم في حركة النشر بالجزائر، بل وفى تحفيز أجيال جديدة في الجزائر على الإبداع والكتابة ومنهم واسيني الأعرج وأحلام مستغانمي وكلاهما طبعت رواياته عدَّة طبعات في عدَّة دول عربيَّة.

عدد الناشرين في الجزائر 300 ناشر، هناك على الأقل 40 ناشر منهم فاعل بكثافة في حركة النشر الجزائريَّة، تتركز نسبة كبيرة من الناشرين ومكتبات توزيع الكتب في العاصمة الجزائر، لكن هناك مدن أخرى واعدة في حراك النشر بالجزائر مثل وهران، وإن كان يغلب عليها الكتاب التعليمي مثل: التفاحات الثلاثة، القارئ الصغير، أم الكتاب، وتقود دور نشر أخرى النشر العام مثل: القدس العربي، دار الغرب، دار العزة والكرامة، دار البصائر، الألفيَّة الثالثة، ابن النديم، ونرى دور نشر موزعة على عدد من المدن الجزائريَّة لكنها محدودة العدد مثل: بجاية، يتزى أوزو، قسنطينة، تلمسان، ويلاحظ ارتباط حركة النشر في هذه المدن بالجامعات فيها، وهو ما يعنى أن الجامعات كان لها دور إيجابي وتحفيزي للنشر في الجزائر.

هناك العديد من دور النشر الجزائريَّة التي بدأت تذهب لبناء دار نشر متكاملة لتضمن سلاسة صناعة الكتاب، فدار الشهاب التي تأسَّست عام 1989م في الجزائر العاصمة تمتلك مطبعة، كادر لإعداد الكتاب للنشر، مكتبة للتوزيع، إذ هنا تتَّجه نحو امتلاك كافة أدوات النشر، بدأت الدار بالكتاب الجامعي، لكن حدثت لها نقلة نوعيَّة في عام 2000م، حين دخلت عالم الأدب بنشر القصص القصيرة والروايات، ونشرت منذ إنشائها ما يزيد على 850 عنوانًا.

تأسَّست دار ألفا للوثائق في مدينة قسنطينة عام 2001م، وهي نموذج جيد لحركة النشر خارج العاصمة الجزائر، تتنوَّع إصدارات ألفا، بل تصاعدت وتيرة إصداراتها خلال الخمس سنوات الأخيرة، لكن أهم ما في الإصدارات فضلاً عن تنوّعها، هو تقديمها جيل جديد من الكتاب الجزائريين الذين يتميّزون بتقديم مضمون جيد من ذلك على سبيل المثال لا الحصر:

-أوراق اقتصاديَّة تأليف محبوب مراد.

-جهود محمد عبد الله دراز في التفسير الموضوعي، تأليف عبد الحليم الهادي.

-تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسّطة، تأليف يوسف مصطفى.

-بيولوجيا الخليَّة، تأليف صالح عطا الله.

-تجليات الوصل في الشعر العربي المعاصر، تأليف إيمان سعيد.

-هذا فضلاً عن تقديمها عدد من الروايات لروائيِّين جدد على الساحة الجزائريَّة والعربيَّة والعديد من كتب الأطفال.

إصدارات دار ألفا للوثائق من 2015-2019
السنةعدد الإصداراتعدد الكتب المترجمة
201530
201630
2017270
20181810
20192910
المجموع5050

من الملاحظ تطوّر النشر لدى دار ألفا بصورة متصاعدة تكشف أيضا عن نمو حركة التأليف والنشر في قسنطينة.

تعدّ دار القصبة من أفضل دور النشر الجزائريَّة، إذ أسّست عام 1992م على يد إسماعيل امزيان، وتتنوّع مطبوعاتها بشكل لافت، فهي تنشر في: التاريخ السير الذاتيَّة، الفنون، الأدب، والقواميس، وغيرها، وتنشر الدار لمجموعة من كبار المفكّرين والمثقّفين والأدباء في الجزائر مثل: جيلالي خلاص، مصطفى لشرف، على كافي، مولود عاشور، حسن بن معلم، محند آكلي بن يونس، عبد الحميد بن هدوقة، مريم قماش وغيرهم، كما أن كتب الأطفال لديها مساحة لدى دار القصبة، وكذلك الكتب التعليميَّة.

إن إجراء مسح لحركة النشر الجزائريَّة يجعلنا نقف عند دار الحكمة، التي أخذت على عاتقها نشر رسائل الماجستير والدكتوراة، فهي تذهب بهذا إلى تقديم أجيال جديدة من الباحثين للحركة العلميَّة والثقافيَّة العربيَّة، كما ذهبت أيضا إلى فضاء النشر الرقمي، فضلاً عن تنوُّع إصداراتها في كافة المجالات.

تعدّ دار تلاتنقيت نموذج جيد لدور النشر خارج العاصمة الجزائر، إذ أنها تعمل من بجاية، وهذا ما أتاح لها مساحة مختلفة سواء من القراء أو الكتاب، فقدَّمت أسماء جديدة للساحة الثقافيَّة مثل: زيوى يحيى الكاتب الشاب الذي نشرت له كتابين لقيا اقبالا هما: أجمل القصص، على خطى الأنبياء والصالحين، واهتمت بالكتب التاريخيَّة فنشرت لمولود فرعون كتاب “اليوميات”، كما أعادت نشر العديد من الكتب العربيَّة النافذة مثل كتاب “شارل وعبد الرحمن”، و”عذراء قريش” لجورج زيدان، وعنيت أيضا بالأدب العالمي وكتب التراث.

هناك إشكاليات عديدة في صناعة الكتاب في الجزائر، بدأت ظاهرة خلال عام 2020م مع أزمة كورونا، إن محدوديَّة شبكات التوزيع، تجعل هناك سقفا لحركة النشر، كما أن المطابع ما زالت من حيث العدد والتجهيزات دون المطلوب للارتقاء بالنشر، فضلاً عن فائض في الإنتاج المعرفي والفكري والعلمي بالجزائر، وإن كان النشر الرقمي في الجزائر أخذ يحفز الأجيال الجديدة خاصة مع نجاح بوابة الدوريات العلميَّة في الجزائر، لكن يبقى النشر في الجزائر صناعة واعدة لوجود جمهور يقرأ في حاجة إلى مزيد من المكتبات العامَّة ومحفِّزات القراءة.

الكتب المنشورة في الجزائر
السنةعدد الكتب
20151177
20162924
20173316
20181074
20191504
اتجاهات نشر الكتب في الجزائر
السنةمعارف عامةكتب تربويَّةالتاريخ والجغرافياكتب أدبيَّةكتب العلوم الاجتماعيَّةالكتب الدينيَّةالتدبير المنزليكتاب الطفل
20151371851902451493168149
201659668437929021730191366
2017369510328556543588169253
2018164213872899111213105
20191157875182391291118
النشر بالعربيَّة واللغات الأجنبيَّة في الجزائر
السنةاللغة
العربيَّةأجنبيَّة
2015816361
201617021222
20172409907
2018898176
20191210294
20201030454

يمثل النشر باللغة الفرنسيَّة نسبة كبيرة من حجم النشر باللغات الأجنبيَّة في الجزائر، لكن أيضا من الملاحظ أنه قبل العام 1970 كان النشر باللغة الفرنسيَّة في الجزائر هو الأكبر من حيث عدد العناوين وتدريجيا زاد النشر باللغة العربيَّة، زاد حجم النشر في الجزائر نتيجة لعدد من برامج النشر التي هزت النشر في الجزائر بعد العام 2000م.

  • الصالون الدولي للكتاب بالجزائر

بدأ صالون الجزائر للكتاب في عام 2001م وإلى الآن وهو يتطوَّر عامًا بعد عام، ويمتلك موقعا رقميًّا يقدم خدمات متكاملة لدور النشر والجمهور، ويتوازى مع الصالون أنشطة ثقافيَّة جيدة، وهو يستقطب جمهورا من كافة أنحاء الجزائر، إذ أن ضعف شبكات التوزيع وعدم توافر الكتاب العربي والأجنبي في الجزائر يجعل من الصالون فرصة جيِّدة للقارئ الجزائري للحصول على الكتاب، والجزائر تستطيع مستقبلا أن يقام بها أكثر من معرض دولي للكتاب، خاصة في مدن مثل وهران وقسنطينة.

السنةعدد الدول المشاركةعدد الناشرينالجمعيات والمنظمات والهيئاتعدد الزوارمدة المعرضالتوكيلاتملاحظات
201547910 1.573.000  عدد الناشرين من الجزائر 290 ناشر ومن خارجها 620 ناشر، عدد العناوين المشاركة 250.000عنوان
201650963 1.535.000  عدد الناشرين من الجزائر 298 ومن خارجها 665، عدد العناوين المشاركة 400.000عنوان
201752972 1.700.000  عدد العناوين المشاركة 260.000عنوان
2018471015 2,200,000  عدد الناشرين من الجزائر 276 ومن خارجها 739، عدد العناوين المشاركة 300.000
2019361030 1.265.000  عدد الناشرين من الجزائر 298 ومن خارجها 732، عدد العناوين المشاركة 250.000

هذا يطرح السؤال حول القراءة في الجزائر ، في حقيقة الأمر أنه في الجزائر العديد من المبادرات للقراءة أبرزها الجزائر تقرأ ، فضلا عن العديد من الفاعليات في الجزائر في الفضاء الافتراضي صارت تؤشر على نمو القراءة في هذا البلد العميق العريق حتى أن المجلة الثقافيَّة الجزائريَّة لي شبكة الانترنت صارت هي المكان المفضل لتفاعل المثقفين العرب والجزائرين عبر آلاف المقالات التحليليَّة والنقديَّة، ونري في المجلة صدى الكتاب العربي والجزائري في هذا المجتمع ، نمو الكتاب المستعمل وتجارته وتبادله في الجزائر صار فوق الخيال لدرجة أن رصدها به العديد من المشكلات لكن وسائط التواصل الاجتماعي بها مجموعات تتبادل الكتب أو تهديها لمن يرغب في القراءة، فهل المجتمع الجزائري يقرأ، نعم يقرأ ويكتب لكن حركة النشر في الجزائر لا تستوعب الإنتاج المعرفي الجزائري .

____________________
الدكتور خالد عزب.

وسوم:

اترك رد

جديدنا