ماكبث.. الضمير المثقل بالذنب

صدرت أخيراً نسخة سينمائية جديدة مقتبسة من مسرحية “ماكبث” لشكسبير، العمل الأكثر حظا في التناول السينمائي. عندما شاهدت “مأساة ماكبث”2021، من إخراج الأميركي جويل كوين، المعروض أخيرا على منصة “+ “Apple TV (وهو العمل الذي يجمع بين البناء المسرحي والتعبير والتجريد بأدوات السينما). أو فيلم “ماكبث” نسخة 2015 – من إخراج الأسترالي جاستين كارتزل (وهو عمل حافل بالاقتباسات واللغة الشكسبيرية العظيمة والمعبرة)، فكرت في مسألة الخطأ والخطيئة.. “والطريق وسالكي الطريق” مثل ما قال جبران خليل جبران في كتابه “النبي”.

المسرحية التي كتبها وليم شكسبير (وليست أفضل مآسيه) تتحدث عن شهوة السلطة والطمع في المُلك، الطمع الذي يعمي القلوب التي في الصدور، ويجعل ماكبث وزوجته يفكرون ويرتكبون الجرائم في سبيل تحقيق طموحهم وطمعهم، ونبوءة الساحرة الثالثة “سلام، يا ماكبث، يا من ستكون يومًا ملكًا”. لكنهم لا يفلتون، بما تبقى لديهم من ضمير، من عذاب الفكر المستمر والخزي والخذلان.

ومن قبل ماكبث، مبكرا كان يشغلني أوديب الذي فقأ عينه بيده، رغم عدم علمه وقت ارتكاب الجريمة؛ أوديب فقأ عينه بسبب بقايا ضميره. وكذلك انتحرت ليدي ماكبث لتضع حدا لمعاناتها، بعد كل الشر الذي وقع منها. أصاب المَلك المزيف، ماكبث، الجنون؛ فقط لأنه ارتدى ثوبا وتاجا مستعارا وهو لم يكن له. (كذلك لم يكن كلوديوس، سلَّاب تاج أخيه، في مسرحية “هاملت” سوى “ملك مستعار” هو الآخر؛ فهو ليس الملك الحقيقي، وهاملت كان يقصد أن يقول لأمه جيرترود: ولا هو سيدك الحقيقي).

ماذا قال جبران في كتابه النبي؟ إنه يقول لنا جميعا: “كما أن ورقة الشجرة لا تصفر إلا بعلم كامن من الشجرة كلها.. كذلك الآثم لا يأتي الخطيئة إلا بإرادة مستترة. إنكم السبيل وأنتم أيضاً سالكوه”. إن أفعالنا هي التي تشكل طريقنا وتشكلنا. إن التجربة، في هذه المسيرة، هي أحد أهم سبل التعلم. الإنسان يجرب حتى يتعلم، ويخطئ حتى يتعلم. ويكون للتجربة والخطأ معنى حين نتغير ونتعلم منهم ونراكم معرفة؛ لكن الإصرار على الخطأ أو التمادي فيه، وأحيانا الوصول لتدمير أنفسنا بهذا التمادي، فهو حماقة وطفولة وخطأ آخر، أو تطبيع مع الخطأ.. والسير في حالة التطبيع هذه سوف يأخذ من الروح ومن الضمير، وينكسر شيء كبير سوف يحتاج لإرادة حديدية وصبر ومعاناة حتى يمكن تجاوزوها. والخسارة، في هذه الحالة، تكون أكبر دائما في العودة بعد التطبع، نزعة الشر عند ماكبث دفعته للتفكير في القتل والغيلة مضى إلى النهاية في هذا الطريق، ماكبث هي نسخة من “محض الشر في الحياة”. الفرق بين ماكبث وريتشارد الثالث، أن شكسبير كان أكثر نضجا. ريتشارد كان مجرما واعيا، وانتهازي متعمد، لكن ماكبث يظل بطلا مأساوياً، مجرما يتألم، وجريمته قتلته أيضا. لكنه بلغ حدا قال هو نفسه عنه في المسرحية “لقد خطوت في الدم بعيداً، فحتى لو لم أخض المزيد لكان النكوص مرهقاً كما المضيّ”، وهنا يكون العقاب على الجريمة هو الخلاص.

لقد أصبحت أظن -مع العمر والفهم والتعلم- أن تحملك الكامل لمسئولية خطيئة إنسان آخر هو انتقاص من هذا الإنسان الآخر صاحب الإرادة الكاملة. إن فهم الأسباب لارتكاب الخطأ أو الخطيئة؛ تكون لتفسير الأمر لا لتبريره. وهذا لا ينفي أبدا مساعدة هذا المخطئ عندما يطلب هو المساعدة، فلا معنى للقبول بدون رجوع..

كان نجيب محفوظ يقول على لسان كامل رؤبة لاظ، بطل “السراب”، وهو يريد أن يتخلص من كل ألمه وذكرياته وأخطاءه هو وأمه، بالهروب لبداية جديدة! “لشد ما تعاودني تلك الرغبة القديمة في أن أهرب! أين منى بلد بعيد لم يطرق أبوابه طارق، من لي بأن أقطع كل صلة تربطني بماضي البغيض! آه لو يمكنني أن أولد من جديد في عالم جديد لا تطالعني فيه ذكرى من ذكريات هذا العالم.. أروم بعثا جديدا حقا، ويومذاك تصبح آلامي لا شيء، يطويها الفناء إلى الأبد، فيمكنني لقاء أحبائي بقلب صاف ونفس نقية طاهرة”.

اجري واهرب لو كان هذا هو السبيل لتحرير روحك، فكر في التخلص من التاريخ السيء في حياتك، الفشل، الخبرات السيئة، البقع في الثوب، الاختيارات الخاطئة، اليأس والضجر، الكتب التي لا تستحق ثمنها، الوقت الذي ضيعناه دون أثر.. فكرت وأنا أشاهد الفيلم إنه من الممكن أن يجمع الإنسان كل أخطاء الماضي ويضعها في جوال ويروح يلقي بها في النهر.

“بالنسبة للذين يريدون أن يضفوا على حياتهم أحلى وأكمل صورة ممكنة” –يقول فوكو- أنه يمكن للفرد، السيد على نفسه، أن يفهم ذاته ويعيد تشكيل نفسه ويصلحها ويغيرها، وهذه العملية ليست “إحساس بالذات” ولكن تكوين لها. إن الغنائم التي نكسبها من الشر والكذب هي في حقيقتها سلاسل تقيدنا ومع الوقت تخنق أرواحنا، ومع الوقت يصبح “النكوص مرهقا كما المضي”. لنحاول أن نحرر ونكتشف ونكون أنفسنا في أحلى وأكمل صورة ممكنة قبل مرور الوقت وإظلام الروح تماما.

___________
*ماهر عبد الرحمن/ كاتب وروائي مصري. صدرت له رواية “عضو عامل” 2007.

وسوم:

اترك رد

جديدنا