قراءة في رواية ” الإله الجديد”

لطالما اعتبرت أن العنوان نافذة الكتاب ونفسه الذي يبوح بنظرة المؤلف للحياة. نظرة تختلف معاييرها التي تتأرجح ملامحها بين المعاناة والجبر، الانكسار والانشراح، دلالات جمعت في رواية الإله الجديد للكاتب” جعفر لعزيز” الذي خالف معتقد وثقافة بلد إسلامي يُحرّم فيه إسناد لفظة الإله وإردافها لمعنى آخر غير المعنى المتفق عليه من لدن الجماعة. مجتمع يتهافت بعلو صوته في وجه كل من أراد قول الحق أو حاول تغيير عادات فاسدة أو معالجتها أو تعرية واقع هش كهشاشة من يسهرون على سرقته، فيكون سلاحكم التكفير والترهيب وتغطية الشمس بالغربال كما يقول المثل المغربي أو كما يؤمن دارسو الشريعة الإسلامية الذين يعتنقون هذا الاتجاه هروبا لا طاعة، فيتكور فكرهم بين ثنائية الحلال والحرام دون تأويل النص وفهمه رغم أن صاحبنا أهدى عمله الإبداعي منذ الوهلة الأولى إلى القارئ النهم الناقد الذي يسعى للوصول إلى روح النص دون غيره حينما قال” إلى القارئ الذي ينتظر أول بذرة من إبداعاتي”[1].

جاءت رواية الإله الجديد في ثمانية عشر فصلا، متباينة العناوين وموحدة الموضوع، الذي يكشف عن فراغ ذات نديم من محبة الأقرباء الذين جعلوا حياته بائسة بأس المرارة والهم والكدر الذي أثقلوا به والدته… ومنذ تلك اللحظة فقد نديم شغفه إزاء الحب بشتى مفاهيمه وأصبحت مشاعر الفرحة والألم هي نفسها حتى وإن كانت نجاحاته التي يشهد عليها المارة والعابرون والمقربون إنجازات تفوق شابا يقارب الخامسة والعشرين من عمره، سنوات عجاف تسمها زاوية شيخه  رحمه الله  الذي أكسبه حكما لا تقدر الحياة ولا المدرسة على تعليمها له، فهي ليست مقررا مر على أياد الله أعلم بما في قلوبها من خير أو شر؛ لكنها عبر ولدت في مسكن تحيطه نفحات الذكر الحكيم والقلوب الصالحة التي تطالك عند التعب… وتنجيك من غدر رفقاء السوء الذي آمن لهم نديم وقربهم منه فشاركهم المأوى والمأكل والمشرب، قاضيا الليالي يحصل العلم تحت ضوء النجوم …تاركا إياهم يتقلبون يمنة ويسرة ، يسهرون ويرقصون تحت ضوء الشمس.

فكيف لنديم ألا يفقد شغفه تجاه الإنسانية التي أعلن موتها، وهو يرى أن المكر يحيطه من كل زاوية يسند عليها رأسه المثقل بالأفكار والمسبات وهجاء طال وطنا خين من أولاده الذين يسيرونه، أحفاد غضوا أعينهم عن الحلال فأمسى الحرام عندهم واجب وسنة، صنعوا إلها جديدا يتقربون منه بكرة وعشية … إله الملذات… إله الحياة… إله المال، وفي زحام هؤلاء الجماهير الذين ينبشون عن هذا الإله ليعبدوه، يسبح نديم في وحل كتب الجاحظ والجرجاني والسكاكي وأبو العلاء المعري وميلان كونديرا.. علماء تركوا وراءهم جيلا لا يعلم عنهم شيئا إلا من رحم ربك.  فما جدوى هذه الحياة التي نولد فيها لنشقى؛ موت ما قبل الموت، عذاب الدنيا قبل الآخرة، كل هذا جراء” لحظة حميمة وسعيدة يجتمع فيها الزوجان فينجبان من خلالها مأساة إنسانية”.[2]

إن حقد نديم على الإنسانية والحياة لا علاقة له بماهيتهما فجوهر الأشياء شيء ومادته شيء آخر، فلا تزر وازرة وزر أخرى، فموت المبادئ والأخلاق رهين بموت الأستاذية التي جعلت من التعليم سلطة وسوطا ومهنة الجنس مقابل النقط للطالبات اللواتي تجامل عليهن الكاتب في مؤلفه وأظهرهن في صورة الشيطان الموسوس لبني آدم. سلاحهن قوام الجسد الجميل والرشيق والسوالف المموجة. دون أن ينظر للموضوع من كافة جوانبه فمثلما أن هناك فتيات تسعين لتحصيل النقط مقابل دقائق معدودة لا تزيد من ثقافتها مثقال ذرة واحدة، فهناك شباب يحصلون النقط بنفس الطريقة وأحيانا عن طريق اللواط الذي غدا حرية شخصية في زمن العجائب والغرائب وفي قانون يدعو بممارسة ما شئت في الخفاء دون التصريح به..

أصبح الأستاذ اليوم في خبر كان بعدما فقد قيمه وأخلاقه وأضحى يتاجر ببعض الكلمات التي يكتبها من أجل الربح عن طريق دفع الطالب إلى شرائها مؤكدا أنها أساس الاختبار النهائي، بل ويحثهم عن البحث والتنقيب في معارف مختلفة ليتخذ منها مقالا يتفاخر به أمام زملائه وطلبته الجدد مدعيا أن شبابه دفن في الخزانات والمكتبات والسهر والسهاد الذي يتبرأ منه أمام الله ويرسم ملامحه فوق شفاه الطلبة وهم يهزون برأسهم كإشارة على صدق قوله والحقيقة أنهم يمقتونه في دواخلهم…

الرجال أكثر الناس طمعا وخبثا، فكيد النساء سلاح يدافعن به عن أنفسهن بعد خيبات تراكمت وحولتهن إلى أفاع تلدغن دون سابق إنذار. في حين أن مكر الرجال صفة تلتصق بهم وتوجه في وجه المراهقات اللواتي يهمن في كلمات الغزل وادعاءات الحب التي يتفنن فيها الشباب بكل الأساليب والأشكال حتى يتمكن من شرف ضحاياهم اللواتي تنكسر في وجههن كل النوافذ ولا تبقى غير الدعارة قشا يتمسكن به لمساعدة أسرهن الفقيرة التي دمرها الفقر وقتلها وطن رضي أن تجاور المنية آلاف الرعية التي توفت قهرا وبردا وتشردا وأمراضا رفضت المستشفيات رعايتها لأنها لا تملك درهما واحدا…. الذكريات هي الماضي الأسود التي يتشاركه نديم وسعيد هذا الأخير الذي كان مفعما بالحياة ومحبا لشرفائها وحالما باللون الوردي الذي سيبزغ ذات، لم يحسب أبدا أن الحلم الوردي سيتحول لفجر أسود لا نهاية له فالأم التي تضيء عتباته أخذها الرحمان إلى جواره بفعل فاعل حسبته زوجا وحبيبا وصديقا وأبا، ولم تفكر أنه وحش فتك بشبابها وسلبها جمالها وطمأنينتها…فلما اشتد عودها وابتغت مساعدة أمها وإعانة أختها على الزواج بنصبها في الإرث هددها بالقتل…. لم تمت أم سعيد عندما رفعت روحها إلى السماء. ماتت عندما وخزها الألم والحسرة وجفت عيناها من الدموع وتجمد قلبها على زنديق حسبته رجلا وحقيقته لا نقدر على مقارنتها حتى بالحيوان لأنه ألطف بذويه منه…وكما يقول نيتشه الذي يحبه نديم:” نحن لا نراقص عملاقا دون أن يدوس على أقدامنا”.

أسوأ ما يمكن أن يصيب الشخص، هو أن يشيب قلبه قبل أوانه، يشيخ عندما يفقد عزيزا، فكيف إن كان هذا العزيز قلبك النابض والمحطم في آن… حاولت إلهام التي تهوى سعيدا من طرف واحد أن تبادر بكل الطرق لتتقرب منه وتداوي ما به من جروح غير أننا عندما نتألم نتخذ من الكتابة والقراءة والظلام ركنا ننزوي به هروبا من الواقع الضبابي، نشك في كل شيء وتتغير قيمنا حسب ما كابدناه من معاناة تدفعنا لجني الكثير من المال لفراقها وإن كان شبح النكبات يطاردنا.

وداخل كوكب الفقد وببرود المشاعر تظهر ندى الظل الخفي الذي يلازم نديم في خياله ويروي عقله بقصة يأمل أن يعيشها في واقع الفقر والبؤس اللذان يرددهما على آذان صديقه سعيد كلما فاتحه في الموضوع يقول: ” لا حب لبئيس مثلي ولا وله ولا عشق”[3] تذكرني قصة نديم بندى بقصيدة نزار قباني ” محاولات لقتل امرأة لا تقتل” ويقول في مطلعها:

وعدتُكِ..
أن أتجاهَلَ عَيْنَيكِ ، مهما دعاني الحنينْ
وحينَ رأيتُهُما تُمطرانِ نجوماً…
شَهَقْتْ…
وعدتُكِ..
أنْ لا أوجِّهَ أيَّ رسالة حبٍ إليكِ..
ولكنني – رغم أنفي – كتبتْ
وعَدْتُكِ..
أن لا أكونَ بأيِ مكانٍ تكونينَ فيهِ..
وحين عرفتُ بأنكِ مدعوةٌ للعشاءِ..
ذهبتْ..

وهذا ما حصل مع صاحبنا، تكبر وتجبر وادعى أن لا شغل يجمعه بالفتيات إلا أنه وقع في حب فتاة تمكنت منه بجمالها ودلالها وحسنها وطلتها الحسنة التي حبست أنفاسه وتركته أسيرا يعد نفحات الوله الذي يتبرأ منه…. ما شده نحوها شغفها بالقراءة التي كانت صلة وصل بينهما وإن كانت لا تجابهه في عديد من الأمور إلا أن أسلوبها في سرد الأحداث يقع في النفس فيصنع موضعه بعمق ما تكاد تفكر في أسبابه حتى تختفي كل الأسباب فيضحك كالأحمق الذي طار عقله وما عاد.

صنع الحب معجزته بنديم فرد إليه الأمل والثقة والحياة علمه أن في اقتراب أحدهم اهتمام ليس بالضرورة أن يكون طمعا في تحصيل النقط أو شيء من هذا القبيل، الحب وكما أقول دوما وأبدا صوتنا الخفي الذي تترجمه العبرات وكما يقول ابن القيم “العيون نافذة الروح” التي تبوح بأسرارها وتفضح أمرها. وكما يقول أبو فراس الحمداني في إحدى رومياته:

إذا الليل اضواني بسطت يد الهوى……..وأذللت دمعا من خلائقه الكبر

تكاد تضيء النار بين جوانحي………… إذا هي أذكرتها الصبابة والفكر


[1] جعفر لعزيز، ص 3

[2] نفسه، ح 14

[3]  نفسه، ص 69
______
*الأستاذة خولة هشام.

وسوم:

التعليقات:

  1. زادك الله علما ونوراً.. اناقة في الكتابه كما عودتنا في كل شيء … الى الامام تألقاً بمشيءة الله وتوفيقه 🙏🙏🙏🙏🙏💌

Comments are closed.

جديدنا