القابلية للتكذيب: مبدأ منهجي لقراءة النص الفلسفي
تطبيق معيار بوبر الديداكتيكي لاختبار التأويل وبناء الفهم النقدي: من النظرية إلى نص شونجو

١- الشق النظري
يمكن أن نطور تحليلنا للنص الفلسفي من خلال قراءة مزدوجة. وبيان ذلك أنه لا ينبغي أن تتوقف قراءتنا للنص عند استخراج ما يبدو أنه أطروحته ومفاهيمه وحججه، لأن هذه العناصر نفسها تمثل في البداية فرضية عن معنى النص تحتاج إلى اختبار. لذلك تقوم القراءة وفق مبدأ القابلية للتكذيب على مستويين مترابطين: قراءة أولى للنص، ثم قراءة لهذه القراءة. في المستوى الأول، يقرأ المتعلم(ة) النص ويستخرج أطروحته ومفاهيمه وحججه والعلاقات بينها، فيبني فهما أوليا. وفي المستوى الثاني، يعود إلى النص لاختبار مدى صلاحية هذا الفهم، فإذا كان تأويله صحيحا، وجب أن يكون قادرا على تفسير عباراته ومفاهيمه وحججه الأساسية؛ لذلك يبحث عن الشواهد التي تؤيده، وفي المقابل عن كل ما قد يقاومه أو يناقضه أو يعجز عن تفسيره. فإذا ظهر ما يكشف قصور القراءة الأولى، عُدِّلت وأُعيد اختبارها.
ويتم هذا الاختبار على مستويات مترابطة، وهي كالآتي: اختبار الأطروحة، بالسؤال عما إذا كان الفهم الذي نسبناه إلى صاحب النص يفسر مواقفه الأساسية؛ واختبار المفاهيم، بالسؤال عما إذا كان المعنى الذي نسبناه إلى المفاهيم ينسجم مع طريقة توظيفها داخل النص؛ واختبار الحجج، بالسؤال عما إذا كانت العلاقات التي أقمناها بين الأفكار والمقدمات والنتائج تفسر فعلا المسار الذي اعتمده الكاتب في بناء موقفه. وهكذا تصبح قراءة النص عملية: ١- بناء، و٢- اختبار، و٣- تعديل، ويصبح السؤال المركزي للمتعلم(ة): ما الذي يمكن أن يكشف قصور فهمي لهذا النص؟ ولا يعني استعمال مفهوم القابلية للتكذيب هنا نقل المعيار البوبري من العلم إلى قراءة النص نقلا حرفيا؛ فتكذيب النظرية العلمية يتم في إطار اختبار تجريبي، بينما يتعلق الأمر في قراءة النص باختبار صلاحية تأويل من خلال مدى قدرته على تفسير معطيات النص والانسجام معها. لذلك فالقابلية للتكذيب – هنا – مبدأ ديداكتيكي إجرائي يستثمر لتدريب المتعلم(ة) على بناء فهم قابل للمراجعة، لا معيارا تجريبيا للحكم على صحة التأويل.
وقمين بالذكر والملاحظة أنه لا يلزم أن تظل هذه القابلية للتكذيب محصورة في لحظة محددة من التحليل، بل يمكن أن تكون حاضرة في قلب الدرس من أوله إلى نهايته، بوصفها آلية مستمرة لمراقبة ما نقوم به أثناء بناء التحليل. أي أن كل خطوة تحليلية يمكن أن تعامل باعتبارها فرضية قابلة للمراجعة؛ فعندما نقترح أطروحة نسأل: ما الذي يؤيدها، وما الذي قد يكشف قصورها؟ وعندما نحدد مفهوما نراقب ما إذا كان المعنى الذي أسندناه إليه ينسجم مع استعماله في النص؛ وعندما نحدد حجة أو علاقة بين الأفكار نختبر ما إذا كانت تفسر فعلا المسار الحجاجي للنص. وبذلك لا تكون القابلية للتكذيب تقنية نطبقها بعد الانتهاء من التحليل، وإنما تصبح ممارسة مستمرة لـ«المراقبة الذاتية» تضبط عملية الفهم والتحليل نفسها. فالتحليل لا يسير في خط مستقيم من الفهم إلى النتيجة، بل يتقدم عبر اقتراحات واختبارات ومراجعات متتالية، بحيث يظل المتعلم(ة) مراقبا لما يفعل، وقادرا على اكتشاف حدود فهمه وتعديله كلما ظهرت في النص معطيات لا يفسرها…
٢- الشق التطبيقي: نموذج نص «ج. ب. شونجو»[*]
في القراءة الأولى، نبني فهما أوليا للنص على ثلاثة مستويات مترابطة: فعلى مستوى الأطروحة، نفهم أن شونجو يرد النشاط العقلي، بما فيه الشعور والوعي والوعي بالذات، إلى نشاط عصبي وفيزيولوجي للدماغ؛ وعلى مستوى المفاهيم، نفهم مفاهيم مثل النشاط العقلي، والنشاط العصبي، والتمثل، والصور العقلية باعتبارها تشير إلى أشكال من النشاط المرتبطة بالبنية المادية للدماغ؛ وعلى مستوى الحجاج، نفهم أن شونجو ينطلق من استجابة الخلايا العصبية للمنبهات، لينتهي إلى أن النشاط العقلي والتمثلات والصور الذهنية تقوم بدورها على نشاط عصبي. إلا أن هذه القراءة تظل فرضية تحتاج إلى اختبار. لذلك نسأل: هل فهمنا الأطروحة والمفاهيم والحجاج فهما يفسر فعلا ما يقوله النص؟ فإذا كانت الأطروحة هي أن النشاط العقلي مجرد استجابة مباشرة للمثيرات الخارجية، فهل تستطيع هذه القراءة تفسير حديث شونجو عن تخيل وضعيات غير حاضرة واستباق نتائج الأفعال؟ وإذا كنا نفهم «الصورة العقلية» باعتبارها مجرد نسخة مباشرة عن معطى حسي حاضر، فهل ينسجم ذلك مع قدرة الإنسان على تصور ما هو غير حاضر أو مستقبلي؟ وإذا كنا نفهم الحجاج على أنه انتقال مباشر من المنبه الخارجي إلى الاستجابة العقلية، فهل يفسر ذلك حديث النص عن التمثل والتخيل وتهيئة الفعل؟ هنا تظهر عناصر تقاوم قراءتنا الأولى، وتكشف أن بعض ما فهمناه عن الأطروحة أو المفاهيم أو الحجاج يحتاج إلى مراجعة…
لذلك نعدل القراءة الأولى ونعيد بناءها بصورة أدق. فعلى مستوى الأطروحة، لا يقول شونجو إن النشاط العقلي مجرد استجابة سلبية ومباشرة للمثيرات الخارجية، وإنما يرى أن مختلف أشكال النشاط العقلي لها أساس عصبي وفيزيولوجي ومادي، حتى عندما تتجاوز المعطى الحسي المباشر. وعلى مستوى المفاهيم، لا ينبغي فهم التمثل والصورة العقلية باعتبارهما مجرد انعكاس لما هو حاضر أمام الحواس، بل باعتبارهما نشاطا عقليا يمكن أن يتجه أيضا إلى ما هو غائب أو متخيل أو مستقبلي، مع بقائه قائما على نشاط عصبي. وعلى مستوى الحجاج، لا يكون المسار مجرد: منبه خارجي ← استجابة عقلية، بل يصبح أكثر تعقيدا: نشاط عصبي يتفاعل مع المنبهات ويؤسس للتمثل والصور العقلية، بما يسمح باستباق الأفعال وبنائها. وهكذا لا تكون القابلية للتكذيب بحثا عن خطأ في نص شونجو، وإنما اختبارا متكررا لمدى صلاحية قراءتنا للأطروحة والمفاهيم والحجاج؛ فإذا عجزت القراءة عن تفسير عنصر من عناصر النص، عدلناها وأعدنا اختبارها…
رحو اليوسفي
[*] انظر الكتاب المدرسي «في رحاب الفلسفة» الخاص بمستوى الأولى بكالوريا، الشعبة العلمية، المحور الأول: الإدراك الحسي والشعور (المغرب).
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






