استعادة الفلسفة للناس.. كيف نبسط ونقدم الفلسفة؟
رحلة فكرية مع حسام بدراوي: حين يلتقي عمالقة الفلسفة في حوار عابر للأزمنة

كانت الفلسفة من الموضوعات التي لم تأخذ مكانها في حركة النشر العربية، فعلى الرغم من نشر عشرات الكتب في الفلسفة وكل ما يرتبط بها، إلا أنه منذ وفاة الدكتور زكي نجيب محمود غابت الكتابات الفلسفية للناس للجمهور كي يقرأ ويعرف ما هي الفلسفة وكيف تجيب على التساؤلات الكبرى في الحياة، وهذا ما يؤشر عليه أيضا إعادة سلسلة عالم المعرفة في الكويت طباعة كتاب «التفكير العلمي» للدكتور فؤاد زكريا في عدة طبعات، الإشكالية التي واجهت الكتابات الفلسفية في الثلاثة عقود الأخيرة هي أن الفلسفة صارت موضوعا للفلاسفة، فهم يكتبون كتبا للمتخصصين في موضوعات لا تقبل عليها الأجيال الصاعدة، كان زكي نجيب محمود وفؤاد زكريا يكتبون لجيل عربي مهتم بالثقافة ولديه أرضية، ولأن الفلسفة موضوعا وغاية بحاجة إلى من يبسطها ويقربها لهؤلاء صعدت في السنوات الأخيرة في الغرب كتب تبسيط الفلسفة، ومؤخرا في المنطقة العربية بدأت هذه الظاهرة في الحضور، وهذا يعني ضمنا أن هناك إدراك للحاجة لها.
البدء بالترجمة
كانت التجارب الغربية هي الدليل لاتجاهات جديدة في الكتابة بالعربية، وفي سياق الفلسفة قدمت عصير الكتب كتاب (نظرة على الفلسفة.. الفلسفة أكثر خفة) وهو من تأليف دونالد بالمر وترجمة غلاء أنس، صدرت الترجمة 2025، أحسنت الدار اختيار هذا الكتاب فمؤلفه متخصص في تبسيط الفلسفة وتاريخها، انتشرت كتبه وطبعت في عدة طبعات، لكن أيضا المترجمة غلاء أنس وهي مترجمة ومؤلفة من فلسطين، صدر لها ثلاثون كتابا مترجما، قدمت لنا نصا مترجما بصورة مثالية تتدفق عبر لغة النص المعاني إلى العقل فتصيب منه مكانة تحفظ النص، النص حفل برسوم توضيحية تتكامل معه مما جعل الفلسفة مرحة وماتعة ومسلية، الكتاب كغيره من كتب الفلسفة الغربية ينطلق من الفلسفة الغربية في بلاد الإغريق، متجاهلا أصولها في مصر القديمة وبلاد الرافدين، وهذه ثغرة على من يؤلف بالعربية أن يأخذها في حسبانه، كما هو الحال بمروره السريع على الفلسفة الإسلامية، وهنا يحضرني كتاب الدكتور إبراهيم مدكور من مجلدين في (الفلسفة الإسلامية)، يرى المؤلف أن: قصة الفلسفة الغربية تبدأ في اليونان على سواحل الإمبراطورية الفارسية أو فيما يدعى اليوم (تركيا)، ثم يتطرق لأصل كلمة المنطق اليونانية، وهي تنطوي على معنى التحدث أو طرح فكرة ما بصورة واضحة، ومن هنا فهي تشير إلى طريقة فكرية معينة، نوع من التحليل المنطقي يموضع الأشياء في سياق العقل ويشرحها فقط بقوة الفكر المحض، ويفترض بهذا المران الفكري أن يؤدي إلى الحكمة، وهي الفلسفة عند قدماء اليونانيين.
هكذا يأخذنا الكتاب إلى أن نصل إلى الفلسفة المعاصرة ومدارسها، وفي نهاية كل فصل نرى ملخصا يعرض الأفكار الرئيسية في كل فصل، ففي الفصل الثامن والأخير من الكتاب نراه يذكر في الأفكار الرئيسية في الفصل كما يلي: ويليام جيمس: صاحب نظرية المعنى، يتحدد معنى الفكرة عبر تتبع عواقبها العملية، والنتيجة المنطقية: المعنى ذاتي ونسبي. وطرح أيضا نظرية الحقيقة: حقيقة الفكرة أو المعتقد كامنة في إمكانيتهما العملية. تكون القضية صحيحة إن نجمت عنها علاقة كافية ومرضية مع بقية عناصر تجربتنا.
هذا الكتاب يجب أن ننسج على غراره كتبا عن الفلسفة في عصر الفراعنة وفي بلاد الرافدين وفي العصور الإسلامية، حتى نقرب الفلسفة للناس.
نيتشه في الإسكندرية
في واحدة من التجارب الرائدة في تبسيط الفلسفة للناس ما قدمه الدكتور حسام بدراوي وهو شخصية عامة وطبيب مصري مهتم بالثقافة قدم عددا من الكتب المهمة خاصة في التعليم وإصلاحه، لكنه في كتاب (نيتشه في الإسكندرية) الذي صدر عن دار العين في القاهرة، يأخذ الشباب في رحلة مع الفلسفة من داخل مكتبة الإسكندرية القديمة، يمسك بدراوي كما يقول المفكر المغربي الدكتور خالد فتحي بعقل القارئ، ويدلف به، إلى كنوز من المعارف والفلسفات، وقد جمعها تجميعا، والأجمل أنه بسطها بأسلوب علمي فلسفي أدبي ماتع من السهل الممتنع، لا يخل بجزالة اللغة، ولا بعمق الأفكار. يبث بدراوي آراءه عبر الكتاب أيضا، فنيتشه كما يصوره، ليس فيلسوف الهدم، بل صوت النقد الحاد الذي يحتاجه المجتمع يقاوم التغيير. لا يستحضره ليكرس أفكاره، بل ليختبر من خلاله هشاشتنا، وليحرك المياه الراكدة في فكر اعتاد التشبث باليقينيات والتعلق بالأصنام.

يشعل الكتاب جدلا عميقا حول الأخلاق، والحرية، والمعنى، ليقول: إن اللحظة المعاصرة لا ينبغي لها أن تكون استمرارا للماضي، بل فرصة للمساءلة، أجمل ما في هذا الكتاب أنه لا يقدم أجوبة نهائية، بل يزرع أسئلة ويجعل القارئ جزءا من الحوارات مع فلاسفة مثل: سقراط، ابن رشد، ابن خلدون، ابن سينا، جان جاك روسو، وغيرهم، الدكتور حسام بدراوي لم يكتف بنشر الكتاب باللغة العربية بل نشره أيضا باللغة الإنجليزية، وهذا أيضا مطلوب أن نقدم ما لدينا للعالم.
هكذا كتب الفلسفة، وهذا اتجاه يجب البناء عليه، وهو يلبي اتجاهات القراءة لدى الأجيال الصاعدة، ودونما أطروحات مماثلة سيذهب هذا الجيل للقراءة باللغتين الإنجليزية والفرنسية حيث تتوافر مثل هذه المطبوعات.
دكتور خالد عزب
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






