التنويريسلايدرسياسة واجتماع

المهاجرون وحرب إيران: ضحايا غير مرئيين

التداعيات الاقتصادية والاجتماعية للنزاع على العمالة الوافدة في الخليج: من سواعد للتنمية إلى ضحايا منسيين

تصاعدت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة مرة أخرى بعد أن ظن البعض أن الحرب قد وضعت أوزارها. وتثير تلك الحرب تساؤلات حول آثارها الاجتماعية والاقتصادية، وفي القلب من ذلك يقع التساؤل حول أوضاع آلاف المهاجرين في دول الخليج التي تعد من أهم وجهات الهجرة في العالم حيث يعتمد سوق العمل داخلها على أغلبية من العاملين الوافدين.  

أزمة اقتصادية ومحاولات للتعافي

أثرت الحرب على اقتصاد دول الخليج بشكل كبير، وإن كان بدرجات متفاوتة. ولم تفلح أدوات التجميل السياسية في إخفاء ملامح الإعياء التي ظهرت على الاقتصاد المتهاوي في ظل دعايات الازدهار الحكومية التي لم تعد معبرة عن واقع الحال، ففي الإمارات تضرر قطاع السياحة بشكل كبير، وحدث انخفاض حاد في أسعار الغرف الفندقية الفاخرة حتى وصلت تكلفة الإقامة في فندق هيلتون إلى أقل من 50 دولار، وفي المقابل ارتفعت أسعار تذاكر الطيران إلى مستوى غير مسبوق نتيجة لسعي أعداد كبيرة من المواطنين والوافدين إلى مغادرة البلاد. ورفعت بعض الفنادق لافتات “مغلق للتحسينات” إلى أجل غير مسمى. وآثر كثيرون السلامة فقاموا بالحد من انتقالاتهم حتى اقتصرت على الذهاب إلى العمل والعودة منه وهو ما أثر بوضوح في حركة المرور فأصبحت مدينة مثل دبي شبه خالية من المارة والسيارات في مشهد استدعى الذكريات القريبة لأيام التباعد الاجتماعي أثناء جائحة كورونا. كما تأثرت الأنشطة الاقتصادية في قطاعات أخرى مثل شركات النظافة، والشحن، والقطاع المصرفي حيث وضعت البنوك قيودا غير مسبوقة على القروض. 

وركزت قطر على مسألة الأمن الغذائي حيث استفادت من الدرس القاسي الذي تلقته في عام 2017 عندما قطعت مصر وكبريات الدول الخليجية العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع الحكومة مما أدى إلى عجز بنسبة 80% في المواد الغذائية، وهو ما تم تداركه من خلال استراتيجية الأمن الغذائي 2030. وقد نجحت الاستراتيجية في تدارك الآثار السلبية للحرب على الأمن الغذائي حيث أعلنت الحكومة القطرية في مارس 2026 أن المخزون الاستراتيجي من السلع الغذائية يكفي 18 شهر. وقد اتخذت الحكومة قرارا في بداية الحرب بتحويل الدراسة في كافة المراحل التعليمية إلى نظام التدريس عن بعد حتى عادت الجامعة تدريجيا منذ منتصف مارس. وعلى الرغم من ادعاءات الإدارة الرشيدة للأزمة، إلا أن مطار حمد الدولي قد شهد فوضى كبيرة بسبب تكدس الآلاف ممن يريدون المغادرة حيث نفدت التذاكر الإليكترونية فتوجه كثيرون بأنفسهم إلى المطار في ظل ارتفاع جنوني في أسعار تذاكر الطيران حتى وصل سعر التذكرة من الدوحة إلى اسطنبول لحوالي2000 ريال قطري.      

وخلافا للحالة الإماراتية، فإن اقتصاد الكويت لا يعتمد على السياحة ولكن قطاعات أخرى تأثرت وعلى رأسها قطاع النفط وهو ما دفع بعض الشركات لفرض استقطاعات على مرتبات العاملين، وعاني بعض الموظفين من تأخر صرف مرتباتهم. وأدى استهداف المسيرات الإيرانية للمؤسسة العامة للتأمينات إلى إغلاق مقرات رئيسية لبنوك كبرى بالإضافة إلى سحب بعض الاستثمارات الأجنبية من السوق. 

المهاجرون: سواعد التنمية وقرابين الحرب

لم تضرب الحرب الجميع على قدم المساواة حيث كان المهاجرون والفئات المهمشة هم الأكثر معاناة من آثارها. إن المتأمل لتجربة التنمية في الخليج لابد أن يدرك أهمية الدور الذي لعبته العمالة الوافدة التي شكلت الوقود البشري لسوق العمل ففي المملكة العربية السعودية شكلت العمالة الوافدة نحو 70% من العاملين في القطاع ، وفقا لإحصاءات عام 2025، كما يشكلون النسبة الأكبر من قطاعات التعليم، والتشييد، ومجالات الضيافة والسياحة. وترتفع نسبة الوافدين في دولة الإمارات إلى نحو 80% من إجمالي القوى العاملة في الدولة، كما يشكلون وأسرهم نحو 66% من إجمالي عدد السكان.        

وعندما اندلعت الحرب كان المهاجرون أول الضحايا حيث فاق عدد الضحايا المصابين بصواريخ إيران في دول الخليج عدد الضحايا في إسرائيل. وفي الكويت كانت أول ضحية طفلة لأسرة من الوافدين، سقطت ضحية شظايا صاروخ إيراني. وكان المهندس المصري حسام صادق أول الضحايا في الإمارات. وأثرت التداعيات الاقتصادية على العمالة الوافدة بشكل كبير حيث تم تسريح أعداد من العمالة الوافدة في قطاع المدارس بالكويت. وتم الاستغناء عن أعداد من العمالة الأفريقية في أزمة غير مسبوقة منذ أزمة الحرب الأهلية في ليبيا التي شهدت تسريحا جماعيا للعمالة الأفريقية. وأعلنت بنجلاديش في مارس 2026 عن عودة 500 مهاجرا عائدا من الخليج، بينما أعلنت حكومة الفلبين في 5 ابريل 2026 أنها استقبلت 4120 مهاجرا عائدا، وقدرت الأعداد في الهند بنحو ثلالثة اضعاف هذا الرقم. كما عانى بعض المهاجرين من الطرد على الهوية حيث تم إجلاء كثيرون من الإيرانيين والباكستانيين الشيعة. 

ومع انقطاع التحويلات وتحول المهاجرين العائدين إلى عبء على الاقتصاد تفاقمت المأساة في بعض الدول التي تعتمد بشكل كبير على التحويلات المالية مثل الصومال والفلبين. أحدثت تلك الظاهرة قلقا كبيرا في دول المنشأ من التبعات الاقتصادية والاجتماعية لعودة المهاجرين إلى الحد الذي دفع بعض الحكومات للسعي في محاولة الوصول لأسواق عمل جديدة في دول مهجر بديلة حيث لا يمكن لأسواق العمل المحلية استيعاب المهاجرين العائدين. ويثير ذلك عدة أسئلة حول طبيعة المهارات الجديدة التي يجب على هؤلاء المهاجرين اكتسابها للحصول على فرص بديلة في دول أخرى؟ وكم ستبلغ تكلفة ذلك؟ وما هو الوقت المطلوب لتنفيذه؟ وهل سيتمكنون من الاندماج في مجتمعات المهجر البديلة بسهولة؟ 

أما أولئك الذين قرروا عدم المغادرة، فقد علقوا في ظروف صعبة حيث يعمل أغلبهم في القطاعات الأكثر تضررا. فقد كثيرون من سائقي سيارات التاكسي وتطبيقات التنقل، ومندوبي التوصيل في شركات الشحن وظائفهم، وعانى الآخرون من استقطاعات من مرتباتهم أو تأخير في صرفها. كما أن المغادرة مرهونة بدفع فواتير الخدمات والإيجار وهو ما لم يعد في وسع كثيرين. وانقطعت التحويلات المالية التي يرسلها بعض المهاجرين إلى ذويهم في بلدان المنشأ، بينما صعدت ظاهرة التحويلات العكسية reverse remittances حيث أصبحت أسر المهاجرين عائلا لهم في مهجرهم. 

وبين العائدين والعالقين في الداخل، هناك عالقون في الخارج كانوا في أجازات في بلدان المنشأ وقت اندلاع الحرب ومنعهم الإغلاق الجوي من العودة إلى وظائفهم في الخليج. وفي سبيل تدارك تبعات ذلك الوضع، قامت حكومات الخليج بإجراءات متفاوتة كان أبرزها قرار الحكومة الكويتية بتعديل نظام الكفالة لمد مدة العودة إلى 90 يوما وإلغاء بعض العقوبات، بالإضافة إلى إصدار تأشيرات عمل تسمح للمهاجر أن يكفل نفسه. وعلى الرغم من ذلك، مازال مصير العالقين في الخارج مجهولا فبعضهم سيواجه قيمة فواتير متراكمة عن شهور لم يتقاضوا فيها أجر، وربما سيواجه بعضهم عقوبات قانونية بسبب التأخر في العودة.    

ميادة مدحت


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

ميادة مدحت

مرشحة لنيل درجة الدكتوراه في الدراسات الأورومتوسطية. باحثة متعددة التخصصات، ومتخصصة في التواصل الثقافي، ومساهمة في رؤية مصر 2030. تتمتع بخبرة في البحث الأكاديمي، والتواصل المؤسسي، والدبلوماسية الثقافية ضمن السياقات الحكومية والإقليمية. تتركز اهتماماتها البحثية على العلاقات الأورومتوسطية، وحوكمة الهجرة العابرة للحدود، والشعبوية اليمينية في أوروبا، وسياسات الهوية. مؤلفة ومشاركة في المؤتمرات بخبرة في البرامج الدولية الأكاديمية والموجهة نحو السياسات. تعمل حالياً مترجمة ورئيسة للمكتب الإعلامي في دار الكتب والوثائق القومية المصرية.

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى