
تقديم
لقد سبقت الإشارة في مقالات سابقة أن البيداغوجيات الجديدة هي تلك البيداغوجيات التي استفادت من التحولات الكبرى التي وقعت في العلوم الإنسانية وحتى في العلوم الحقة.
والبيداغوجيات الجديدة هي مقاربة مفتوحة للتعديل والإضافة والتكيف مع المواقف والحاجيات التي يمر منها المتعلم.
والبيداغوجيات الجديدة من خصائصها أنها ترفض النموذج الواحد وتصادر النمطية في التعامل مع النماذج التربوية التقليدية، وهي تقوم على احترام الإيقاعات والفضاءات التي تنجز فيها التعلمات.
فالفضاء له حضوره ووقعه في بناء التعلمات. وبشكل أخص في مرحلة تدبير أنشطة التعليم والتعلم في جميع المراحل التي تقطعها العملية التعليمية وهي تمارس وتمرر في الفصول الدراسية.
بهذا الاعتبار فقد ظلت المرونة مطلبا جوهريا من المطالب التي تدعو اليها البيداغوجيات الجديدة، وهذا من شأنه أن يحقق التجاوب ويقرب المسافات في المواقف والإكراهات التي تمر منها العملية التعليمية.
والبيداغوجيات الجديدة تسعى الى تحقيق الانسجام مع المتعلم حسب طبيعته، وهي تراعي إيقاعه في التعلم والتحصيل، ولا تقلل من المرجعيات السيكولوجية والاجتماعية في تأثيرها المباشر على المتعلم.
المشترك في البيداغوجيات الجديدة
تنطلق البيداغوجيات الجديدة من مقدمات وأسس ورهانات، منها تجاوزها للطبيعة المشكلة للمنظومة التربوية التقليدية القائمة على النظرة الاختزالية للذكاء، فهي تقر بالسيادة للذكاء الواحد وتخص الذكاء الرياضي بمفرده.
ومن الخصوصية المميزة للبيداغوجيات الجديدة هو الانفتاح على النظريات العلمية والعلوم المعاصرة، منها علم النفس عامة وعلم النفس المعرفي خاصة، حيث أصبح المتعلم هو مركز العملية التربوية، وهو المبادر في البناء والمبادرة.
بيداغوجيا الخطأ
تنسب هذه البيداغوجيا الجديدة إلى الفيزيائي غاستون باشلار – Gaston Bachelard – 1884–1962 – الذي اشتهر بأبحاثه في الإبستمولوجيا ونقد المعرفة.
ومن كتبه المشهورة:
- تكوين العقل العلمي
- لغة العلم الحديث
- فلسفة النفي
- الإبستمولوجيا العلمية الجديدة
فأعماله العلمية والإبستمولوجيا تعد إطارا علميا مرجعا وسندا في بيداغوجية الخطأ وهي تدرج في البيداغوجيات الجديدة التي جاءت نتيجة تفاعلها مع العلوم الإنسانية.
وقد عرف غاستون باشلار في بادئ أمره باشتغاله على الفيزياء، والإبستمولوجيا، وتاريخ العلوم، وهو المنظر الأول لبيداغوجية الخطأ، وتنطلق هذه البيداغوجية من أهمية الخطأ وأثره في بناء التعلمات، لأن المبدأ التي تقوم عليه هذه البيداغوجية إن الخطأ هو الطريق في بناء التعلم.
وكان شعار هذه البيداغوجية: أن الخطأ طريق إلى التعليم: le rôle de l’erreur dans l’apprentissage، وقد نالت هذه البيداغوجية شهرة كبيرة في الفترة المعاصرة.
وهذه البيداغوجية تجعل من الخطأ لحظة هامة وحاسمة في بناء التعلمات وتقويم التعثرات، فبيداغوجيا الخطأ تعترف بحق المتعلم في التعلم بالخطأ، بل تعتبره لحظة أساسية في تلقي المعارف والموارد وفي علاج الصعوبات.
إن الكشف عن أخطاء المتعلمين في وقت مبكر، والتعاطي معها باعتبارها مؤشرا على وجود صعوبات في التعلم من شأنه أن يقلص من نسبة التعثر عند المتعلم وهذا هو الشعار الذي تنطلق منه هذه البيداغوجيا.
محمد بنعمر
______________________________
– ASTOLFI, Jean–Pierre (1997). L’erreur un outil pour enseigner. Coll. Pratiques et enjeux pédagogiques –. Paris. 55
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






