حوار مع المفكر المغربي محمد بوجنال | القوى المحتلة للعالم وفلسفة المشترك
المفكر محمد بوجنال يكشف مشروعه الفلسفي في تسليع الجسد والعقل، ويقدّم فلسفة المشترك بديلًا تحرريًا للفكر العربي المعاصر

تقديم:
لد الاستاذ محمد بوجنال بثمرة بضاحية مدينة اسفي عام 1953. وكبعض أطفال عصره التحق بالمسجد حيث تعلم القراءة والكتابة،ثم التحق بالتعليم الابتدائي بالمدرسة المركزية بجمعة سحيم،وبعد حصوله على الشهادة الابتدائية،انتقل الى ثانوية ابن خلدون بمدينة اسفي حيث درس مرحلتي الإعدادي والثانوي،لينتقل بعدها إلى التعليم الجامعي بجامعة محمد الخامس بمدينة الرباط،كلية الاداب تخصص فلسفة، وبعدها التحق بسلك التعليم مدرسا للفلفسة بالثانوي التأهيلي.ويُسجٌَل للأستاذ محمد بوجنال كونه نشيطا على المستوى السياسي والنقابي والحقوقي والثقافي،فعاصر تأسيس الكونفدرالية الديمقراطية للشغل،وكذا تأسيس الجمعية المغربية لحقوق الانسان،ومارس السياسة وما زال،وناصر كذلك تأسيس جمعيات ثقافية وسنمائية دون أن ننسى انه كان مهتما بالرياضة.وقد كان خلال هذه المدة مهتما بالكتابة والتأليف حيث كان ينشر بالملحق الثقافي الاسبوعي للبيان في صيغته الأولى ومنابر ورقية ورقمية مغربية وعربية كثيرة. وبعد تقاعده تفرغ الاستاذ اكثر لمجال الكتابة والتأليف ليغني المكتبة العربية بأكثر من 15 مؤلٌَفا إضافة إلى مقالات في جرائد ومجلات عدة.
من أهم أعماله
- العلم شرط العقلانية مخطوط غير منشور 1988
- في الوضع الدولي الراهن…………….المركز الثقافي العربي (المغرب)…..1995
- مهدي عامل وبعض أنصار التغيير……المركزالثقافي العربي (المغرب) …..1998
- من الدعوة إرهاب الأمركة…………..المركز الثقافي العربي (المغرب)….2004
- النظام التعليمي ومشروع عالمية الصراع…المركز الثقافي العربي (المغرب)..2008
- الفلسفة السياسية للحداثة وما بعد الحداثة…دار التنوير (لبنان)…..2011
- السياسة،السوق،الدموقراطية…………افريقيا الشرق للنشر(المغرب)……..2014
- الوعي بمعنى الوجود……………نشر دار التوحيدي بالرباط (المغرب)…2019
- في تسليع الجسد والعقل…………دار نشر التوحيدي بالرباط (المغرب)…2023
الأعمال الجماعية:
- الفلسفة السياسية المعاصرة…دار نشر ابن النديم والروافد………………2011
- فلسفة التاريخ ،جدل البداية والنهاية…دار نشر ابن النديم والروافد……..2011
- الموسوعة الفلسفية المعاصرة…دار نشر ضفاف والاختلاف والأمان…2014
الأعمال التي تنتظر النور
- نفي الجسد نفي للإنسان العربي
- نفي الحق والقانون
- كرة القدم :الدلالة والمعنى
- 2025…القانون وجدلية الوجود والتأريخ منشورات السلام الجديدة
بصدد الأعمال الجماعية (تصحيح)
- الموسوعة الفلسفية المعاصرة سنة النشر:2014
بصدد الأعمال التي تنتظر النور (التصحيح)
- الفكر الانارشي في أعمال ديريدا وفوكو
- القوى المحتلة للعالم والحرب على غزة: من شرعنة التسليع إلى شرعنة الابادة.
ونتشرف هنا بتقديم هذا الحوار لقراء وقارئات هذا المنبر المتنور.
❖ ❖ ❖
السؤال الأول: مشروعكم تضمن عدة كتب ومحطات بدأت ب:في الوضع الدولي الراهن وحتى آخر كتبك هل يمكن أن تكشف للقراء الخيط الناظم بين هذه الكتب المشكلة لمشروعكم؟
نشكركم على هذا التواصل الفكري الثقافي استاذ لعميري، ونرحب بقراء وقارءات هذا المنبر الثقافي الذي نتمنى له التوفيق في مشروعه الثقافي هذا.
في مختلف أعمالنا حرصنا كثيرا على توضيح تعرض التاريخ البشري لعمليات التحريف والانحراف ليصبح التاريخ والمجتمعات البشرية ،خاصة العربية منها،هي غير ما يجب أن تكون عليه. وقد التقط كارل ماركس الفكرة جيدا بقوله:”انطلق التاريخ،منذ البداية،بشكل خاطيء”؛ ولذلك علله التي تتمثل في الاستحواذ على أدوات ووسائل الإنتاج التي مكنت فئة او طبقة ما من امتلاك القوة والثروة. هكذا،ولضمان استمرار السيطرة تلك،استحوذ على مختلف المجالات المشكٌِلة لها بالاساليب والتصورات التي عمقت جبروتها. هذا الوضع الاحتكاري واللاانساني تعمق اليوم أكثر ، التحكم في شرايين المجتمعات البشرية اليوم تم تبرير مشروعيته باعتماد مجالات عدة كالقوة والديانات والإعلام والأنظمة التعليمية ومؤسسات القوانين وغيرها.وقد سمينا هذه القوى المحرٌٍفة للتاريخ ب:”القوى المحتلة للعالم” التي حرصت وتحرص على سلعنة وتسليع المجتمعات البشرية والأفراد او قل العالم،وبمستويات. فالخيط الرابط بين مكونات مشروعي هو العمل على تبيان تسليع وسلنعة مكونات المجتمعات البشرية على مستويات الفكر والعقل والجسد ،فأصبحنا أمام أناس ومجتمعات هي غير ذاتها او قل نقيض ذاتها.والسؤال الذي يبقى مطروحا هو: كيف يمكن تحرير التاريخ والمجتمعات والأفراد من هذا الانحراف والتسليع؟ لا شك انه سؤال مستفز،ولا بد الا يكون الا كذلك ووفق فلسفة جديدة هي فلسفة المشترك. فمقاربة الموضوع ،وباختصار ،تقتضي العمل على تصحيح وضع التاريخ والمجتمعات وان حصول التصحيح ذاك يوجب التأسيس لفلسفة المشترَك باعتبارها الفلسفة التي تتميز بالقدرة والامكانات والابداع الذي يخلق شروط التحرير من التسليع وكذا التأسيس لبناء الكرامة الإنسانية.
السؤال الثاني: الجهاز المفاهيمي المشكل لمنهجكم ينهل من عدة مرجعيات. فما هي ملامح وأسس المنهج البحثي عندكم؟
لا شك أن كل مفكر يكون متأثرا بعدة مرجعيات؛ وهذا هو المنطق الذي يخضع له الإنسان بصفة عامة في كل المجالات: فهناك التربية،وهناك التدرج العمري،وهناك الاحتكاك ،وهناك التتويج الذي هو الإبداع. فالمفكر – وغيره- يوجد في التاريخ وبالتاريخ او قل انه لا يمكن أن يوجد عقليا سوى في هذا العالم ومن داخله؛ لذلك لا مفر له من التأثر به كمحيط بشري وطبيعي لكن في التاريخ كما سبق القول؛ وكلما كان التأثر ضعيفا معناه ضعف المرحلة التاريخية،بل وأكثر ضعفا كلما كانت المرحلة التاريخية طويلة،ذات بداية دون نهاية،كلما كان الجمود والتقديس ومحاربة النقد والتغيير او قل،وبالكاد، محاربة الإبداع الذي هو محاربة القطيعة بما لها وما عليها؛فلولا حصول القطائع او التجاوز لما حصل الإبداع. وعليه،فالمفكر محكوم عليه بالتأثر لانه موجود من داخل العالم، تأثر اما سلبا او ايجابا،والذي، في كلتا الحالتين،يقوم بترجمته إلى أرض الواقع سلبا ان كان كذلك او ايجابا ان كان كذلك.انه الوضع المؤسف الذي يوجد عليه الفكر،خاصة في عالمنا العربي بفعل العلة المتمثلة في تحريف التاريخ والسيطرة على مجمل مجالات من طرف “القوى المحتلة للعالم”.فالخلل واللاتوازن المخدوم وشرعنة الابادات والسيطرة، سيطرة الطبقة تلك وتهميش نقيضها،هو أساس جمود الفكر والعمل على حماية ونشر مصادره،وبالتالي جمود المفكر فحصل التخلف والعداء للابداع،في حين أن القلة الناجية من التسليع ذاك تبقى قليلة العدد ومحاصرة بفعل منعها،بكافة الاشكال،من التوفر على شروط حصول الإبداع.
وبصف عامة، فالمفكر يبقى دوما متأثرا بالمصادر سلبا او ايجابا وفق ما تريده” القوى المحتلة للعالم”.
تباعا للبديهية السابقة الذكر،لا يمكن أن نخرج عن دائرة الترنسندنتال الذي هو العالم. وفي هذا الاطار، تقاطعنا واختلفنا مع ثلة من المفكرين الذين نعتز بما قدموه لنا من بديهيات ومسلمات وفرضيات ومفاهيم وقواعد ومناهج ونتائج. ومن اهم هؤلاء اليوم،دون الدخول في التفاصيل نذكر الان باديو جيورجيو اغامبن وناتالي زالتزمان وغيرهم بطبيعة الحال؛ أما بعالمنا العربي،فقد تأثرنا في كتاباتنا بمهدي عامل ومطاع صفدي مع استحضار غيرهما.
اما بصدد الشطر الثاني من السؤال المتعلق بملامح وأسس المنهج البحثي كما نراه فهو جزء لا يتجزأ من سؤال الشطر الأول الذي قلنا بتشكله وتسليعه كما أرادت وتريد” القوى المحتلة للعالم”، فجاء ضعيفا وتلفيقيا ومتناقض المكونات دون أن يخرج في كل حالاته عن دائرة الميتافيزيقا وهو الأكثر انتشارا. وعلى العكس من ذلك ،نرى ان المفكر هو هو المنهج الذي لا يمكن فصله عن الواقع او الموضوع.فعندما نتكلم عن المنهج العلمي الفزيائي مثلا فالوضع يقتضي توفر المختبر والتجهيز حيث نكون أمام الواقع التجريبي وفق قواعد الملاحظة والتحليل والتركيب الذي يقوم العقل بصياغته في شكل قوانين،وان مجموع هذه القوانين تعاد صياغتها في شكل نظريات خاصة و التي بدورها تعاد صياغتها في شكل نظرية عامة تسمى النظرية النسبية.هكذا،فالمنهج خلال جدلية هذه العمليات يكون دقيقا ومعقلنا ومنفتحا او قل مبدعا ومنتجا. أما إذا استحضرنا احد مجالات العلوم الإنسانية من فلسفة وسوسيولوجيا وسيكولوجيا واقتصاد وغيره،فالوضع يقتضي الاستفادة من مناهج غيرها من المجالات مع أولوية استحضار خصوصية البناء استجابة لخصوصية الموضوع لاعتبار ذلك شرط اكتشاف القوانين علما بأن ذلك هو هو الانتقال من اللاموجود إلى الموجود او قل هو هو الإبداع. هكذا،فسواء كنا أمام الموضوع الفزيائي او البيولوجي او الإنساني، فحتما نكون أمام ضرورة المنهج باعتباره أداة الاكتشاف والبناء النظري السليم والجلي مع باقي مكونات العالم.
وبالجمل،فالمفكر بنية،إما أن يكون جامدا، عدوا للتغيير، وإما أن يكون نشيطا،عقلانيا،عاشقا للتغيير حسب نوعية مرجعيات بنية فكره: أَمُسَلٌَعَة وفق تصور “القوى المحتلة للعالم” أم معادية ونقيضة للتسليع ذاك.
السؤال الثالث: ما التحديات التي يواجهها الباحث المفكر في مجتمع لا يعترف بالبحث العلمي الرصين؟
لقد سبق أن قلنا أن المفكر يوجد في التاريخ ومن داخل التاريخ،وان هناك طبقة سيطرت وتسيطرعلى التاريخ سميناها ب”القوى المحتلة للعالم”، وان هذه الطبقة سلعنت وتسلعن المجتمعات كما أرادت وكما تريد؛ وبلغة اخرى،ف” القوى المحتلة للعالم” كطبقة، طلعت وتطوعت مجمل المؤسسات خدمة ودفاعا ونشرا وشرعنة لكل امتيازاتها؛ يُحْسَبُ في ذلك،بل ويتم تشجيعه وتدعيمه ماديا ومعنويا،مختلف أشكال الفكر الجامد او قُلْ المعادي للابداع.فمصادر التمويل ودور النشر تبقى حكرا على التطورات المعادية والمحاصرة للفكر البناء.فالمجتمع تحت السيطرة لا يمكن أن يكون الا مجتمعا يكن العداء للنقد والحوار والتغيير. لذا ،يكون هذا المفكر معرضا لتحديات كثيرة هي بمثابة عراقيل لبناء مشروع حقيقي للنمو والتنمية،خاصة عندما نكون أمام مجتمعات مسلٌَعة، من قبيل المجتمع العربي حيث المطلق( الله وممثلوه من سياسيين ورجال الدين ونخب) هو السائد وحامي حمى المنظومة.في هذه المجتمعات،فالترنسندنتال ولا يجب أن يتعايش معه نقيضه لان ذلك يعتبر خروجا عن الدين والملعب وطاعة أولي الامر؛ لذا، يطلقون على المفكر ذاك صفة الإلحاد والزندقة التي تبيح وتشجع وتبرر قتله؛ هذا ناهيك عن نبشه في مواضيع يعتبرها المجتمع ذاك مقدسة وطارقها مأواه بئس المصير؛ إضافة إلى كل هذا يواجه مفكرنا المعضلة المادية باعتبارها محرك البحث والتنقيب والكتابة او قل الإنتاج والابداع؛ أما الدعم والنشر والتوزيع،فتلك ” هبات” تحظى بها النخب لتزكية وتقوية مكانتها.
وبصفة عامة، فالبحث والكتابة في عالمنا العربي مجال غير مرغوب فيه ما دام نقيض ” أشكال الدولة السلبية العربية”‘خادمة ” القوى المحتلة للعالم”.
السؤال الرابع: ما رأيكم في الجامعة المغربية ودورها في البحث العلمي بنوعيه: المتخصص والانساني؟
من الثابت أن الجامعة المغربية مقصرة في المجال العلمي؛ فحسب المعطيات المتوفرة،لا يرقى إنتاج الاستاذ الجامعي إلى مستوى نصف مقال واحد سنويا. وللوضع الجامعي المغربي ذاك اسباب عدة منها ضعف التجهيز إن لم نقل غيابه وشح التمويل والوصاية والمراقبة الدائمة. فالبحث العلمي يتضمن مشاريع تقتضي توفر ميزانية كافية لتغطية كل جوانب البحث سواء في مجال العلوم الطبيعية او الإنسانية. فالميزانية المخصصة على المستويين الخاص والعام تبقى جد ضعيفة لطرح المشاريع وإنجاز ها؛هذا إضافة إلى العراقيل الإدارية والمساطر البيروقراطية وضعف اهتمام الأساتذة بالابحاث والدراسات. ولهذا آثاره السلبية على مستوى التكوين والانتاجية والجودة.فمجتمع او قل نظام تعليمي يفتقر إلى تجهيز وتمويل مراكز البحث والدراسات بالجامعات او خارجها وكذا التشجيع والتحفيز المادي والمعنوي،تبقى جامعاته شكلية لتزيين الواجهة وإنتاج الجمود والدوغمائية او قل الموت المجازي.فمن المعلوم أن من أهم مهام الجامعة طرح ومعالجة القضايا والازمات التي يحياها المجتمع باعتبارها المؤسسة التي من بديهياتها الاستجابة لحاجات المجتمع.لكن،في ظل ضعف كبير من حيث التمويل والدعم والتجهيز والاستقلالية تبقى دون ذلك خاصة وان هياكلها ومجالس إدارتها ومناقشة برامجها وقوانينها تبقى مغلقة وبيروقراطية ولا ترقى قط إلى مستوى الحوار الايجابي والمطلوب؛بل يتميز بكونه تصور وتنفيذ لسياسة تعليمية جامعية محكومة بأولويات تتمثل في الحفاظ على إفراغ الجامعات من الاهتمام بالبحث والدراسات؛ وهذا ما يترجمه شح الميزانية المخصصة لهذا المجال من مجموع الميزانية العامة للدولة؛ وهو ترجمة،بطبيعة الحال، لميزان قِوَى فوقي، يتمثل في السقف والحدود الموصَى بها من طرف صندوقي النقد والبنك الدوليين بهيمنة ” القوى المحتلة للعالم”.
السؤال الخامس: كيف تنظر إلى معضلة وجود مائات من البحوث العلمية الرصينة بدون توظيفها في مواجهة مشاكل قائمة في المجتمع؟
انه تتمة للسؤال السابق.فحتى إن حصلنا على ابحاث رصينة، فهي تكون بفعل مجهود بعض الباحثين وعلى حسابهم المادي الخاص،رغم مختلف العراقيل التي منها ما سبق طرحنا له،و ما لم نطرحه. فمنطق سياسة النظام التعليمي والاجتماعي المغربي توجب دفن البحوث والدراسات العلمية لان هذه الأخيرة تطرح دوما المعنى السليم للنمو والتنمية في مختلف المجالات. وهذا يبين وبوضوح، ويفضح أشكال اللامبالاة والجهل والفساد او قل أن الشخص غير المناسب هو من يوجد في المكان غير المناسب.فكيف يمكن لمن هم من هذا القبيل تشجيع البحوث والانصات اليها واستثمار نتائجها وهي تهدد مصالحهم وتفضح ضعفهم ولا معرفتهم؟ فهناك بحوث ميدانية مثلا في التعليم توصلت إلى نتائج كان بإمكان النظام التعليمي استثمارها دون أن يصل إلى ما وصل اليه من أزمات، لكن ذلك كان مقصودا، وبقيت البحوث،على قلتها،مسجونة فوق الرفوف.هناك حكمة شائعة وذات مصداقية تقول:” فاقد الشيء لا يعطيه”؛ وبلغة اخرى،فالشواهد والمباريات لولوج المناصب وتحمٌُل المسؤوليات غير مفيد لان مصدرها الزبونية والتملق والرشوة،؛ اوبلغة أدق ،يكون معاديا لنتائج البحوث والدراسات المنجزة بشكل جاد ورصين. هذا الوضع وهذا الانحراف يوجد منتشرا،لا في المغرب فقط، بل وفي مختلف المناطق العربية حيث يتم دفن او شيطنة البحوث والدراسات الجادة التي تكون هذه المجتمعات في أشد الحاجة إليها لتصبح محاورا فعالا ومسئولا.فالبناء يكون دوما فوق وانطلاقا من أرض صالحة للبناء.
السؤال السادس: استعمال اللغة في صياغة الاطروحات الفكرية بأسلوب حجاجي إقناعي يستهدف الفهم والافهام. هل يطرح عليكم كمفكر إشكالات ما او صعوبات في إطار اشكالية اللغة والفكر؟
عندما نطرح العلاقة فكر/لغة،تطرح أمامنا العديد من الاشكالات او بلغة اخرى،كيف نوصل الفكر إلى الاخر، أَبِأَسْبَقِيٌَةِ اللغة عن الفكر ام باسبقية الفكر عن اللغة ام بالتكامل بينهما؟ لا شك أن المفكر كائنابشريا ذا جهز مادي ومعنوي.؛ ولا شك أن العلاقة بينهما ضرورية لفهم النص،اي ان النص هو نتاج هذا الوضع او قل إن فيه توجد جدلية المادي والفكري.ففعلا هناك من يسقط في فخ:من الاول: الدجاجة ام البيضة؟ وهناك من يريد تأثير اللغة على الفكر،وهناك من يرى العكس بل هناك من يقول بالتكامل في إنتاج النص.الا اننا نرى عدم سلامة هذه التصورات لعلة استحالة مقاربة المفكر باعتباره كائنا مجزء حيث الاسبقيات والتراتبات بمعنى انه لا يُعتبر فقط كلمة ولا فقط كفكر؛ فالمفكر كُلاٌََ لا يتجزأ، وإلاٌَ ستصبح العلاقة لغة/فكر احادية تعني سيطرة الواحد على الآخر وهو التصور الفلسفي الذي أسست له ” قوى احتلال العالم”. فالأنا علاقة،والعلاقة تحددها البنية المجتمعية باعتباره جزء منها. هذا لا يعني أن العلاقة الجدلية بين الطرفين هي التمكن من التعبير عن كل ما نفكر فيه،بل ذلك يبقى معنى محددا بفعل حدود التاريخ بما فيه من صراعات يكون المفكر منخرطا فيها شعوريا ولاشعوريا، وفي الغالب منهما الاثنين. ففي العلاقة لغة/فكر توجد هذه الدلالة بمختلف مكوناتها. قلنا أن هذه العلاقة تتخللها ثغرات تعني الغموض خاصة وان المفردات تكون غير كافية لترجمة فكر المفكر لعلة أن الأفكار هي نفسها تكون معقدة؛ بل وان صعوبات ترجمة الفكر ترجع كذلك إلى اختلاف اللغات من حيث المفاهيم والمفردات وأساليب ووصف الواقع وإعادة بنائه، وهو ما يعطينا،وباللزوم، الاختلاف في مقاربة وفهم النصوص/العالم او قل الغموض في الفهم وتعدد الدلالات. وهذا يعني أن هناك ثغرات تعجز اللغة/الفكر عن الإحاطة بها بفعل طبيعة وقدرات المفكر/ الإنسان؛ بل وإضافة إلى نوعية تَشَكٌُلِ المرحلة التاريخية، توجد طبيعة اللاموجود والموجود المتمثلة في الإمكان اللانهائي.
هكذا،فالمفكر، وهو يصوغ النص، هو علاقة هي،وبالكاد، العلاقة الجدلية بين الفكر واللغة التي تتحدد قيمتها وفق مكونات المرحلة التاريخية التي صيغ فيها والتي تكون مرحلةََ يشكلها الصراع كما أسست له وتحياه وهو الصراع الذي يميز العلاقة لغة/فكر. فخارج هذه العلاقة الجدلية بين اللغة والفكر يستحيل الفهم العلمي للنص. لذا،فلمفهوم العلاقة الدور الأهم لصيانة وفهم النص دون الوقوع في فخ؛” من الأسبق الدجاجة ام البيضة” الذي هو طرحنا مغلوطا كما أرادت له ” القوى المحتلة للعالم”.
وعموما، قامت القوى تلك بتسليع مجمل المجالات وهو القتل المجازي للانسان لٍتُلْحٍقَ تسليع مجال اللغة/الفكر،فكانت وتكون بذلك متمكنة من إحكام القبضة على المجتمعات البشرية بشكل إجمالي وبمستويات مختلفة.
السؤال السابع: استاذ بوجنال، على هامش قراءاتك الفكر، هل تقرأ الأدب؟ حدثنا قليلا عن ذلك.
باللزوم،رغبة في متابعة الدلالات الذوقية والاجتماعية والخيالية للاموجود وكذا الموجود نجد أنفسنا ملزمين بالاطلاع على الإنتاج في مجمل المجالات بما في ذلك المجال الأدبي من شعر ورواية وقصة وغيرها.ففي الوجود يصطدم الإنسان بصعوبات كثيرة يعجز العلم عن توضيحها في سياق قدراته الراهنة. وفي هذا الاطار ،لا يمكن للانسان الإقرار بعجزه تجاهها؛ فلا بُدٌَ له من سلك مسلك في طرحها؛ وفي الحال هذا، وهو لانهائي،يحصل ذلك بفعل مصاحبةِ العلمِ غَيْرَهُ من المجالات التي هي ،وبالكاد، مجال الدراسات والبحوث الأدبية من شعر ورواية وقصة ومسرح وفن وغيره وهي مجالات تعتمد الخيال وسعة النظر لطرح المعضلات التي تنتقل،بفعل تراكم التاريخ،من العموميات والغموض والخيال إلى مجال العلوم لتصبح مكسبا فعليا من مكاسب الإنسان. هكذا،نقول فلسفيا،إنه يحصل الانتقال من اللاموجود إلى الموجود في احد جزئياته كلما توفرت الشروط. ومن جهة اخرى،فالادب مسلك فيه نتمتع بالذوق، والاستمتاع بعالمنا الداخلي،كما أنه المسلك الذي يعتبر بمثابة المرآة التي تعكس لنا الوضع المجتمعي.انه مؤشر تطور حضارة المجتمع خاصة أن الإنسان، في أي مرحلة كان،هو عبارة عن عالم داخلي يكون في حاجة للتعبير مكنوناته. وهنا أهمية الأدب من شعر وقصة ورواية وفن…الخ للتعبير بأسلوبه عن احساساته وخواطر التي تكون إما لتفجير عالمه الداخلي او لفتح المجال للعلوم في مقاربة ما يصنف في دائرة الممكنات باعتماد وتوظيف اليوتوبيا والخيال والابداع. لهذه الأسباب اجدني مهتما بالادب باعتباره جزءا مهما من حياة الكائن البشري.لذلك ففي هذا المجال انا عاشق.
السؤال الثامن والأخير: كتابكم الاخير… ينبش في وضع عالمي مضطرب، هل يمكن أن تقربنا من اطروحتك في الموضوع؟
كتابنا الاخير: في تسليع الجسد والعقل الصادر عن منشورات دار التوحيدي 2023 يطرح الاضطرابات والازمات التي يعاني منها العالم اليوم والتي لا يمكن فهمها الا بطرح الفلسفة السياسية لنظام “القوى المحتلة للعالم” وكذا “أشكال الأنظمة السلبية العربية” وبالتالي اقتراح الأنظمة الفلسفية البديلة.
من البديهيات المعروفة أن لكل فلسفة انطولوجرتها التي تتشكل من بديهيتها التي هي جوهرها ومسلمتها التي هي أساسها وما يصاحب ذلك من مفاهيم وقواعد بها تبرر مشروعيتها.ففي ظل تجاهل هذه المتغيرات تستحيل الإحاطة بدلالة النظام الرأسمالي الذي هو نظام ” القوى المحتلة للعالم” في كل المراحل التاريخية والتي نطرح منها اليوم في مؤلفنا،المرحلة الراهنة بحروبها وممارسة عدوانها وفبركة أشكال غموضها ومواصفاتها وادعاءاتها المزعومة بحماية الإنسانية وحقوق الإنسان والمرأة والأطفال وكذا البيئة.وكل هذه الممارسات العدوانية يُمارًس اهمها في منطقة الشرق الأوسط لعوامل اقتصادية وجيو-سياسية معروفة دون نسيان الصراع الحاصل في آسيا بين مكونات” القوى المحتلة للعالم” علما بأنها قوى تتقاطع من حيث البدهية، وتختلف بهذه الدرجة او تلك عندما نستحضر المسلمات.
ومن الثابت أن المستوى الانطولوجي ل:”القوى المحتلة للعالم” يتحدد في ثلاث مكونات: الطبيعة واسبقية الفرد على المجتمع والفصل بين الطبيعة والثقافة.فالطبيعة تعتبر بمثابة القانون او قل انها أساس الحرية والمساواة والعدالة والديمقراطية والخالية من الظلم والاستبداد. أما المكون الثاني فهو قول” القوى المحتلة للعالم” تلك أن الفرد سابق على المجتمع،ومصدر التحديد ذاك هو القوانين الطبيعية. فالفرد هو الموجود الطبيعي الاولي وبالتالي فكل فرد او إنتاج فهو فعلا أوليا سابقا على القوى المجتمعية التي ما هي سوى افرازا للقوانين القبلية الطبيعية العادلة والديمقراطية؛ لذا، فمن الواجب حماية هذا الفرد من توحش أفراد الشرق الأوسط لعلة افتقارهم إلى قوانين الطبيعة والإبداع، أفراد ذووا جينات تتميز بالشر والعدوان وأشكال التخريب. أما المكون الثالث،فقد حددته في فصلها بين الطبيعة والثقافة؛ هذا يعني فصلها في الفرد ذاته بين ما هو طبيعي وما هو اجتماعي او ثقافي. فالطبيعة في تصور ” القوى المحتلة للعالم” هي أساس الفصل،حماية في نظرها،لنقاء الجنس البشري الأشقر المتميز عن غيره من الكائنات البشرية؛ فاختلاط الطبيعة بالمجتمع او الثقافة معناه إلحاق الضعف بقدرات الفرد الأشقر وهي قدرات ليست شيئا آخر غير الطبيعة في نقائها وسموها؛ وبلغة اخرى،مصدر التطور والبناء والابداع؛ أما الثانية فهى مصدر الدمار والتوحش والخراب والاقتتال وهو الحاصل في منطقة الشرق الأوسط مع استحضار غيرها. لذا، في نظرها،يجب محاصرة المنطقة وهو ما قامت وتقوم به على المستويات السياسية والعسكرية والامنية والدبلوماسية لاتقاء،كما تدعي، شر وعدوان الجنس البشري العربي الذي هو الكائن الشرير،حامل الفكر الشرير.
تباعا لهذه الفلسفة الرأسمالية،تم تشكيل ما يمكننا تسميته ب”أشكال الأنظمة السلبية العربية” وتكليفها باعتبارها الحارس الاساسي والمشرف على التنفيذ والمسئول عن حماية الاقتصاد السياسي الرأسمالي. فهي كنظام،تعتبر نفسها عصارة الصفوة العربية لأنها مؤهلة بيولوجيا وحاصلة على التفويض الإلهي. إنها ادعاءات تمويهية وماكرة دفاعا عن مصالح ” القوى المحتلة للعالم” وكذا ما يسمح لها به
وعموما،ودون الاطالة نقول ان لكل نظام تصوره الفلسفي،أو قل يستحيل وجود نظام سياسي دون أساس او تصور فلسفي. وعليه،يكون التصور الذي أسست له” القوى المحتلة للعالم” قد حرص،دفاعا عن نظامه وبالتالي مصالحه،قد خلق شروط تسليع الشعوب الذي تكلف بالإشراف على إنجازه بعالمنا العربي ” أشكال الأنظمة السلبية العربية” تفاديا لكل أشكال التدمير.انها الفلسفة التي تقتضي التفكير والتأسيس لفلسفات بديلة،فلسفات تمتلك مشروعا يتمثل في الانتقال من نظام التسليع إلى أنظمة التحرر والتحرير والمتمثلة في تيار نظام دكتاتورية البروليتاريا الذي تبنته الماركسية – اللينينية، وتيار الجمهور الذي اسس له الفيلسوف الايطالي اطونيو نيغري وتيار نظام الشعب الذي نادى به الفيلسوف الفرنسي سيلفيان لازا ريس وكذا كاستورياديس. وهي تيارات يسارية مهمة تعرفنا لها بالتحليل والتوضيح في مؤلفنا السابق الذكر. ومعلوم انها تيارات تتقاطع وتختلف فيما بينها.
❖ ❖ ❖
نتمنى أن نكون قد ساهمنا بما يمكن المساهمة به خدمة لقراء هذا المنبر، وفتحنا نافذة حوار وتواصل وصداقة معهم. كما نشكر الاستاذ عبد الجليل لعميري على ما يقوم من مجهودات على المستويين الثقافي والفكري. كل التحيات والتقدير.
*نشكركم أستاذ محمد على تفضلكم بالمساهمة في هذا التواصل الفكري الرفيع مع قراء وقارئات منبرنا ونتمنى لكم مزيدا من الإبداع لإغناء الثقافة العربية المعاصرة. وإلى لقاء جديد.
*أجرى الحوار عبد الجليل لعميري · ناقد وقاص مغربي
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.





