التنويريفكر وفلسفة

نداء الأزل وصناعة الممكن أو الإنسان كفاعل بالمثال

مقاربة فلسفية وروحية حول سعي الإنسان المستمر نحو الكمال، وكيف يتحول من خلال "المثال الأعلى" إلى صانع للممكنات

نسيم الأزل وذاكرة الروح

حجاب بيني وبينه ومع ذلك استجاب لي بركلة وحركة لطيفة، وحين خرج إلى ساح الوجود واحتضنته عرفني بصوتي. صوتي كان بصمة وهو قد تعرف إليها ونزلت عليه السكينة، وكأن بيننا معرفة قديمة وطول خبرة وتجربة. حتى وبيننا حجاب مادي، الباب، يعرفني ويُسرع إليّ مقبلًا بكل فرح وشوق؛ ذلك هو ابني. كل هذا أوحى إليّ، بل ذكّرني بشيء ديني وروحي، إنه لحظة مخاطبة رب الناس للناس؛ في عالم الذرّ. ذلك الخطاب ظل في ذاكرة الروح، وحين خرجنا إلى العالم، ونكتشف الأشياء ونتأثر بها، نكون حينئذٍ إنما نتذكر دون وعي شيئًا من ذلك الخطاب الأزلي. فالمنظر الطبيعي جمال، ومنظر السماء المرصعة بالنجوم جلال… النغمة، الـجُـملة، العناق، المعرفة، اللوحة… كلها ألوان مُذكِّرة بنسيم الأزل وهو يداعب وجه الروح. وكأن العالم بثرائه تذكرة مستمرة بالوصل الإلهي للبشر.

الإنسان باحث عن المثال الأعلى

ولست أريد أن أقول إننا نتذكر كل شيء، وإنما وكدِّي وقصدي أن الإنسان في العالم هو باحث عن الله وكلماته وصوته الأزلي؛ سواء أراد ذلك أم لم يرد. إن الله هو ذلك الكمال/المثال الأعلى/المطلق الذي يجذب نحوه كل شيء. ومُثُل البشر اقتراب من الكمال، أو بتعبير أستاذنا الطيب بوعزة: اقتراب من المثال الآفاقي. ولأن الله سرٌّ، ستبقى مسيرة البشرية في ترقٍّ وتطور مستمرين.

التاريخ المفتوح والسعي المستمر

لعل مشكلة بعض المُثُل البشرية أنها نهائية، فبمجرد تحققها يظهر التاريخ كأنه نهاية. إن ما يضفي المعنى على حياة الإنسان هو السعي المستمر، لأننا أمام كمالٍ لا يُبلغ ولا يُنتهى إليه. فحين يصبح التاريخ مفتوحًا على ممكنات عديدة، يغدو الفعل الإنساني غنيًا ومتجددًا. والممكن كما كان يقول أستاذنا عبد المجيد باعكريم مفهوم دقيق وثري حين نتتبعه؛ من اليونان (أرسطو) مرورًا بالعصر الوسيط (ابن سينا) وصولًا إلى العصر الحديث. ما يؤكد أن ثمة إسهامًا قويًا في الفلسفة الإسلامية، وأن الغرب قد طور ما طورناه أيضًا.

لعل مشكلة بعض المُثُل البشرية أنها نهائية، فبمجرد تحققها يظهر التاريخ كأنه نهاية. إن ما يضفي المعنى على حياة الإنسان هو السعي المستمر، لأننا أمام كمالٍ لا يُبلغ ولا يُنتهى إليه. فحين يصبح التاريخ مفتوحًا على ممكنات عديدة، يغدو الفعل الإنساني غنيًا ومتجددًا. والممكن كما كان يقول أستاذنا عبد المجيد باعكريم مفهوم دقيق وثري حين نتتبعه؛ من اليونان (أرسطو) مرورًا بالعصر الوسيط (ابن سينا) وصولًا إلى العصر الحديث. ما يؤكد أن ثمة إسهامًا قويًا في الفلسفة الإسلامية، وأن الغرب قد طور ما طورناه أيضًا.

الثالوث المفهومي: الإمكان والمثال والممكن

إذا أردنا أن نفهم المنجز الإنساني وكيف يجب أن ننظر إلى المستقبل، قلنا: إنه يجب أن نميز بين ثالوث مفهومي؛ الإمكان، المثال والممكن. فالإمكان هو احتمالات لا نهائية، والمثال هو تعيُّن لإمكان محدد، وجعله بوصلة موجهة لنا؛ كأن نقول مثال العدل، مثال الإنسان الكامل، مثال التعايش… أما الممكن فهو ما تحقق نسبيًا من ذلك المثال، كأن نجعل المرء أكثر أخلاقية وفاعلية… المنجز الإنساني في التقنية والعلم والفلسفة والتدين… هي ممكنات قابلة للتطوير والتحسين. وهذا ما يجعل التاريخ مفتوحًا دائمًا، ومن ثم فالإنسان مشروع، والمعنى متجدد.

المعجزة نموذج تربوي مُلهم

إن الدين الإسلامي في روحه دين الإبداع والتجديد؛ فـالمعجزة مثلًا هي تشجيع وتحفيز للعقل ودفع إلى البحث والإبداع، وليست تعطيلًا له أبدًا. فكما ذهب سعيد النورسي إنها فعل يخاطب الإنسان بأنه في قدرته فعل ما يشبه ذلك في المستقبل. وبتعبير ثانٍ: إنها نموذج موجَّه ومُلهم، بل إن المعجزة نموذج تربوي بامتياز. فالبشرية اليوم لها عصا موسى، التي تستخرج بها ما لا يخطر على البال. إن المعجزة فعل استباقي، إنها مسرع للوعي بأن هناك ممكنات تنتظر التحقق. المعجزة مثال مجسَّد يقول لنا: إنكم تستطيعون، وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وهنا العطاء الربوبي؛ فلأن الله ربٌّ للعالمين، هناك عطاء للعالمين أيضًا؛ وفهم قوانين المادة والاجتماع والتاريخ والنفس… هو اقترابٌ من إنزال الممكن من رتبة المستحيل إلى الواقع. الطب هو إمكان إلهي في الإنسان، ولأن الإنسان نفخة إلهية، فإن طِبَّهُ تجلٍّ لاسم الشافي، والهندسة تجلٍّ لاسم الـمُقدِّر… وحين قال الله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾، فلعله يريد من وراء ذلك أن يؤكد أن في قدرة الإنسان إمكانات لا نهائية. وبتعبير النورسي، في الكلمات، مرة أخرى: «أما معجزة سيدنا آدم عليه السلام فهي تشير إلى فهرس خوارق العلوم والفنون والكمالات، وتشوق إليها جميعًا…».

التربية والتعليم: مهاجمة المثالية رميٌ في عماية

ويمكننا الانفتاح على مجال التربية والتعليم لنقول: إن اليأس من المنظومة التعليمية ومن واقع المتعلم(ة) واستعباد التقنية له… هو مخالفة لبنية الوجود؛ العطاء والخلق المستمر. ولو صحَّ أن نخضع للمعطى والناجز والجاهز، لكنا حينها، كأساتذة ومعلمين، قد فقدنا جوهرنا؛ ككائنات مثالية مستخلَفة ومبدعة. وعليه، فمهاجمة المثالية بدعوى الواقعية هو رميٌ في عماية؛ إذ لولا المثال ما كانت الممكنات الحالية (ممكنات كثيرة جدًا بصور لا حصر لها)، ولكنا الآن كما قال روسو في أصل التفاوت بين البشر: «يشبع تحت بلوطة، ويرتوي من أول جدول، ويجد فراشه تحت ذات الشجرة التي أمدته بطعامه، وهكذا تكون حاجاته قد قضيت»، ونضيف: وهكذا يكون قد جعل الممكن محدودًا ونهائيًا، وحكم على نفسه بأن يبقى حيوانًا.

الإنسان كائن ميتافيزيقي خالق للممكنات

ولكن لما كانت شعلة الروح من مجال الإمكان، فالإنسان سيظل خالقًا للممكنات وساعيًا نحو المُثُل؛ لأنه كائن ميتافيزيقي. ألم يقل ألبير كامو نفسه: «إن مجرد الصراع من أجل بلوغ الذرى لهو الكفيل وحده بأن يملأ قلب الإنسان، فلا بد لنا من أن نتصور سيزيف سعيدًا»؟

أفلاطون والمثال: إنقاذ الإنسان بالتربية

يبدو أن وايتهد حين قال إن «التوصيف العام الأكثر أمانًا للتقليد الفلسفي الأوروبي هو أنه يتألف من سلسلة من الحواشي (على) أفلاطون»، قد فطن إلى أن المثال هو روح الفلسفة، بل حتى الفلسفات المادية هي مُثُل. قال أفلاطون قديمًا، مخاطبًا علماء الفلك في عصره: «أنقذوا الظواهر»، لأن السماء تبدو فوضوية، والعلم الفلكي سينظمها. وبالمثل، إنه يجب أن ننقذ الإنسان؛ إنسان الاستهلاك والفرجة، بتنظيمه وبنائه ـ تربويًا ـ بالمثال. والمثال قد يكون أخلاقيًا أو دينيًا أو فنيًا أو فلسفيًا… وهذا دفع إلى الإبداع في الحلول؛ وانفتاح على كل الثقافات؛ قديمها وحديثها. إن ابن آدم، إذن، هو ابن المثال ومخرج الممكنات من الظلمات إلى النور.

رحو اليوسفي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

رحو اليوسفي

باحث مغربي وأستاذ للفلسفة بسلك التعـليم الثانوي التأهيلي.

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى