الجـمـــود الفكـــري: تعطيل العقل ورهاب التجديد
الآفة الثامنة | سلسلة: آفات الفهم الخاطئ في العمل الإسلامي

بموجب قانون “غياب الفهم الصحيح الشامل”، يُغيَّب العقل أو يُحارب ويُحاصر، وتُسد أبواب الاجتهاد بحواجز الوهم، فتُصادر الآراء، وتُقمع الأفكار الحية. وفي هذا المناخ الموبوء، يُرفع شعار قاتل للإبداع مفاده: (القديم على ضعفه وعدم ملاءمته للعصر، خيرٌ من الجديد والتجديد على صحته وقوته!).
هذا الجمود ينبع بالأساس من “الخوف”؛ الخوف من الاجتهاد، والخوف من التغيير. ولهذا كثر رهط الواقفين في وجه التجديد، الذين احترفوا اتهام كل من تسول له نفسه أن يواكب ركب التطور، أو ينزل أحكام الشريعة على نوازل العصر، بالتنكر، والانسلاخ، والمصلحية.
لقد كرم الله العقل، وذم في كتابه الكريم أولئك الذين يعطلون آلة التفكير ويجمدون عند قوالب سابقة لا يتحركون قيد أنملة، فقال مستنكراً تعطيل البصيرة: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [محمد: 24]. ودعا سبحانه إلى التجديد المستمر للنظر والفكر قائلاً: {قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ ۖ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَىٰ وَفُرَادَىٰ ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا} [سبأ: 46].
وفي السنة المطهرة، نجد أن التجديد ومواكبة العصر ليس خياراً ترفيهياً، بل هو ضرورة لحياة الأمة وبقائها، فقد بشرنا النبي ﷺ باستمرارية هذا الدين وحيويته قائلاً: «إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا» (رواه أبو داود). والتجديد هنا لا يعني تغيير الثوابت، بل إزالة غبار الجمود عن الفهم، وتنزيل النصوص الحية على الواقع المتغير.
وقد أصل أئمة السلف هذه القاعدة العظيمة لمحاربة الجمود، فها هو الإمام ابن القيم – رحمه الله – يعقد فصلاً كاملاً في كتابه (إعلام الموقعين) بعنوان عظيم الدلالة: “تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد”، مبيناً أن الشريعة مبناها على مصالح العباد، وأن الجمود على المنقولات أبداً “ضلال في الدين وجهل بمقاصد شريعة المسلمين”.
وفي الحقيقة، إن من أهم الأسباب التي تعيق الحركة، وتؤخر تحقيق الأهداف، وإنجاز التطلعات والآمال، هو هذا الخوف غير المسوغ إطلاقاً. الخوف من كل “جديد” مصيبة بلي بها العاملون في الحقل الإسلامي والدعوي؛ فتقدم الكثيرون من الأمم وتأخروا هم، وأضاعوا الفرص السانحة في الوقت الذي اقتنصها غيرهم وأفادوا منها.
الدكتور عبدالله فرج الله
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






