التنويريسلايدرسياسة واجتماع

جدلية الانكسار والنهوض في رحلة السوسيولوجيا بالمغرب

قراءة في كتاب "سوسيولوجيا المغرب" لنور الدين الزاهي

تقديم

بادئ ذي بدء، وقبل بسط أهم مضامين الكتاب، لا بد من الإدلاء بملاحظتين أساسيتين:

الملاحظة الأولى هي أن كتاب “سوسيولوجيا المغرب” لـ نور الدين الزاهي، الصادر سنة 2023، هو طبعة ثانية منقحة لكتاب «المدخل إلى علم الاجتماع المغربي» الصادر سنة 2011، لكن مع بعض التغييرات التي طالت العنوان المركزي، ثم عناوين الفهرس وترتيبها، مع حذف بعضها وإضافة مواد أخرى.

الملاحظة الثانية هي أننا لن نستعرض مكونات الكتاب بالتفصيل، بل سنحاول الوقوف عند الأهمية الاستكشافية والقيمة الإبستيمولوجية لهذا العمل، باعتباره لبنة أساسية في مسار البناء المعماري للسوسيولوجيا في المغرب على الأصعدة النظرية والمنهجية، ومحاولة جادة لوضع بيبليوغرافيا هذا الفرع من العلوم الاجتماعية والإنسانية من منظور استفهامي ونقدي، وفي الوقت نفسه ممارساتي (من خلال انخراط نور الدين الزاهي ومواكبته للبحث السوسيولوجي لأزيد من 20 سنة). وكذلك على مستوى التشابك مع قضايا وتحولات المجتمع المغربي، من داخل جدلية الاعتراف والإنكار في علاقة صناع القرار السياسي والمؤسساتي بالفعل السوسيولوجي تحديدًا، ثم درجة الاقتراب من قضايا مسكوت عنها في المجتمع أو تُصنَّف ضمن دائرة «الطابوهات»، خاصة علاقة السلطة والدين والجنس والمعرفة.

تاريخ السوسيولوجيا في المغرب: الإشكالات والمسارات

كيف يتصور نور الدين الزاهي، من خلال هذا الكتاب، مسارات تشكّل المغرب كموضوع سوسيولوجي؟

منذ البداية، يُقِرّ الزاهي بثلاث صعوبات تواجه أي مجهود نظري و بيبليوغرافي في هذا الشأن:

أولًا، صعوبة إنجاز بيبليوغرافيا نقدية للسوسيولوجيا في المغرب، لأن هذا المجهود يظلّ فرديًا ويصطدم بإكراهات نقص المعلومة. كما أن «رصد حصيلة سوسيولوجية متوازنة كمًّا وكيفًا يتطلب شروطًا مؤسساتية وعلمية تمكّن من الحصول على المعطيات الكمية المنظمة المتعلقة بالبحث العلمي السوسيولوجي، إضافة إلى موارد بشرية متخصصة ومؤهلة لقراءة الإنتاج السوسيولوجي وتقييم هويته وحصيلته.

ثانيًا، تعدد وتنوع مسارات تطور البحث السوسيولوجي في المغرب، من حيث الأجيال، والأسئلة النظرية والمنهجية، والأهداف، في سياق محاولة الجواب عن سؤال الجدوى: ما الفائدة من السوسيولوجيا؟

ثالثًا، غياب منطق التراكم الكمي والكيفي، مقابل هيمنة انقطاعات طالت المستويات المؤسساتية، من خلال علاقة السلطة بالمعرفة السوسيولوجية النقدية (إغلاق معهد السوسيولوجيا)، ثم انقطاعات على المستوى اللسني (التعريب)، بالإضافة إلى تقليص الرقعة المؤسساتية للفلسفة والسوسيولوجيا، قبل انبثاق لحظة الاعتراف والنهوض.

  1. المسارُ السوسيولوجي الكولونيالي، الذي ارتبطت ولادته ونشأته بحدثين أساسيين، هما: تأسيس البعثة العلمية من جهة، وسياسة ليوطي الإسلامية من جهة ثانية، والتي شكّلت سندًا وتوجيهًا للبحث السوسيولوجي بالمغرب، من خلال مدير التعليم آنذاك (1920) جورج هاردي، ودوره في تأسيس «المعهد العالي للدراسات المغربية»، الذي كلّف روبير مونتاني بإدارة كتابته العامة. وقد مثّل هذا التحول انتصارًا رمزيًا لمدرسة الحزب الكولونيالي في المتروبول (السياسة البحثية واستكشاف خصوصيات المجتمع المحلي المادية والرمزية) على مدرسة الجزائر التي كانت تدعو إلى احتلال المغرب بأيّة طريقة. وتوزّعت انشغالات أعلام السوسيولوجيا الكولونيالية بين الإثنوغرافيا، والتاريخ الاجتماعي، والأنثروبولوجيا، والسوسيولوجيا.

وفي سياق التعرّف إلى «المغرب المجهول» من خلال الرحلات الاستكشافية وبعثات البحث العلمي، يسلّط نور الدين الزاهي الضوء على عدد من الأسماء البارزة؛ من بينهم إدمون دوتي ورصده لمعتقدات المغاربة، وروبير مونتاني وانشغاله بتحولات المجتمع المغربي وبشروط ولادة البروليتاريا المغربية، مما أسهم في تجدد الموضوعات والقضايا، وبالتالي بداية ظهور سوسيولوجيا جديدة لا تستقي موضوعها من مغرب الزاوية والقبيلة والمخزن، بل من ظواهر راهنة وحديثة.

كما شكّل «مغرب الزوايا والصلحاء» موضوعًا أساسيًا لدى كل من جورج دراغ وأرنسْت غلنر، فيما ركّز جون واتربوري على دراسة النسق السياسي المغربي وعناصر التغيّر من داخل الاستمرارية. وبينما اهتم ديل إيكلمان بدراسة العلاقة بين المعرفة والسلطة في البوادي المغربية، اتجه شارل لوكور، من خلال كتابه «الطقس والأداة»، إلى البحث عن تفسير لسلوك المغاربة، انطلاقًا من اعتبار أن مهمة السوسيولوجيا المغربية هي أن تشرح لغير المغاربة ما يستطيع المغاربة وحدهم فهمه.

وفي السياق نفسه، انشغل الأنثروبولوجي الأمريكي بول رابنو بقبائل الأطلس المتوسط، وتحديدًا بمدينة صفرو، خاصة في كتابه «إثنولوجي بالمغرب»، الذي قدّم له بيير بورديو، حيث عرض فيه تجربته الميدانية باعتبارها شكلًا من أشكال التأمل الانعكاسي في مجتمع الملاحظة الإثنوغرافية والأنثروبولوجية. في حين ركّز كليفورد غيرتز على سوق صفرو باعتباره مؤسسةً تساعد على فهم المجتمع المغربي، عبر مقاربة منهجية تجمع بين الأنثروبولوجيا الرمزية، والسوسيولوجيا الفينومينولوجية، والإثنوميثودولوجيا.

  1. المسار السوسيولوجي الوطني، ارتبطت ولادة هذا المسار أيضًا بتأسيس معهد السوسيولوجيا. ففي مواجهة الفراغ الإداري والمؤسساتي والبحثي الذي خلّفه الاستعمار الفرنسي، سعت مجهودات باحثين فرنسيين مناهضين للظاهرة الاستعمارية، من قبيل جاك برك، أندري آدم، وبول باسكون ، إلى تأسيس معهد للعلوم الاجتماعية يتكفل بإنتاج أطر علمية مغربية، قصد القطع مع التبعية لفرنسا. وهكذا أُسّس معهد السوسيولوجيا سنة 1960، وقد عاش مرحلة انتقالية صعبة على مستوى التأطير الإداري والبشري ومسالك البحث.

غير أن إدارة المعهد من طرف عبد الكبير الخطيبي بين سنتي 1966 و1970، إلى جانب حضور باسكون، منحت المعهد نفسًا أقوى من خلال مهام متعددة ومتكاملة، تمثلت في إتاحة الفرصة التاريخية للمغرب لتملّك تاريخه وزمانه ومكانه ومعرفته الذاتية بمتغيراته وبنياته، مما أسهم في إرساء أسس سوسيولوجيا نقدية مناهِضة للمستعمِر ولسيادة المخزن التقليدي. وقد شكّل رصد تحولات العالم القروي المختبر الفعلي لممارسة هذا النقد.

وفي هذا الإطار، يستعرض نور الدين الزاهي مساهمات عميد السوسيولوجيين المغاربة ورائد السوسيولوجيا القروية، بول باسكون، حيث شكّلت إعادة قراءته للمجتمع المغربي أطروحته الأساسية، والتي ما تزال تُستثمر، علنًا وخفية، من طرف عدد من الباحثين. فالمجتمع المغربي، في تصوره، ليس مجتمعًا انقساميًا أو فيوداليًا أو قايديا، بل هو مجتمع مركّب من هذه النماذج المجتمعية؛ إنه ليس مجتمعًا انتقاليًا، بل مجتمع مركب.

ثم ينتقل الزاهي إلى عبد الكبير الخطيبي، الذي سعى إلى تفكيك ثقافة المغربي وسلوكاته من خلال ما يسميه الزاهي بـ«الصناعة السوسيولوجية الثقيلة»، كما تجلّت في مؤلفيه الاسم العربي الجريح والنقد المزدوج. فقد نقل الخطيبي القراءة النقدية للإرث الكولونيالي من النقد الأحادي الجانب إلى النقد المزدوج، مؤكدًا أن المهمة الأساسية للسوسيولوجيا في العالم الثالث تتمثل في إنجاز عمل نقدي مزدوج:
من جهة أولى، تفكيك المفاهيم والمعرفة والكتابة السوسيولوجية اللتين كانتا تتكلمان باسم العالم العربي، وغلب عليهما الطابع الغربي وأيديولوجيا التمركز حول الذات؛ ومن جهة ثانية، نقد المعرفة والكتابة السوسيولوجية اللتين أنجزتهما مجتمعات العالم العربي حول حول ذاتها.

وفي مكان آخر من الكتاب، يسلط “الزاهي” الضوء على أدبيات كل من ” فاطمة المرنيسي التي قاربت الجنس كهندسة اجتماعية والحريم باعتباره نتاج لهذه الهندسة، ثم سقراط السوسيولوجيين المغاربة “محمد جسوس” كما نعته “نورالدين الزاهي” بالنظر الى محاوراته وحواراته الشفهية المتدفقة بالمقارنة مع الأثر المكتوب، وقد انكبت اهتمامات “جسوس” حول تفكيك طبيعة المجتمع المغربي على ضوء المشاريع المجتمعية السائدة حيث خلص الى فكرة مركزية تتجلى في هيمنة  المشروع المخزني باعتباره مشروعا تاريخيا قديما يتسم بحضور قوي للسلطة المركزية وتحكمها في كافة مجالات الحياة والمجتمع، وكذا بخدمة المجتمع للدولة عوض العكس، وهو مشروع تستوجب زحزحته الى جانب البحث السوسيولوجي، فعلا مدنيا وسياسيا قويا. وفي ثنايا رحلة السوسويولوجيا الوطنية، توقف  “الزاهي” بنبرة نقدية عند مساهمات الأنثروبولوجي “عبد الله حمودي” وقراءته للنسق السياسي المغربي انطلاقا من الخطاطة الثقافية المستمدة من الحقل الصوفي وتوظيفها داخل الحقل السياسي، وهي خطاطة الشيخ والمريد، ثم أطروحة عبد الله العروي أو إكليل الصناعة الثقيلة في الفكر المغربي خاصة أطروحته حول الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية والتي لا يمكن لأي باحث في السوسيولوجيا أن يتغافلها، هذا بالإضافة الى عبد الجليل حليم من الجيل الثاني للسوسيولوجيين المغاربة واهتمامه بسوسيولوجيا التبعية واستمرار السؤال حول طبيعة المجتمع المغربي وطبيعة نمط الإنتاج السائد؟، الباحث حسن رشيق الذي يتقاطع في أعماله حول سلطان الجن والطقس، البعدين السوسيولوجي والأنثروبولوجي، ثم جاك بيرك ورصده للعلاقة بين تحولات البادية المغربية وميلاد الأعيان الجدد، إدريس بنسعيد وسوسيولوجيا الحركات الإسلامية والتعبيرات الدينية والأبعاد السوسيو-ثقافية والرمزية للحجاب من منظور الشباب المغاربة وكيفية تصور جسد المرأة.

يختم نور الدين الزاهي هذه الرحلة البيبليوغرافية «النقدية» بالوقوف عند مساهمات محمد الطوزي واشتغاله على الملكية والإسلام السياسي في ضوء أطروحة الحقل والحقل الديني-السياسي المضاد، ثم الباحثة الإثنولوجية خديجة النعومي التي نشرت أطروحتها لنيل دكتوراه الدولة سنة 1995 حول «بويا عمر، الولي وفريسته» باللغة الفرنسية، فضلًا عن سوسيولوجي من الجيل الثاني هو عبد الصمد الديالمي، الذي رحل بالسوسيولوجيا الوطنية بعيدًا عن إشكالات المؤسسين، مركزًا اهتمامه على الجنسانية المغربية. وما تزال عطاءات الديالمي حاضرة، كما لا تزال أطروحة الحرمان والجوع الجنسيين تُستثمر في تفسير النزوعات المتشددة فكرًا وسلوكًا.

غير أن الزاهي يكشف عن بعض حدود هذه الأطروحة، بقوله إن «إطلالة قصيرة على التحليل النفسي تكشف أن الحرمان، والجوع الجنسي منه بشكل خاص، ليس مؤداه الوحيد والضروري هو الأصولية وتفجير الذات، بل قد يكون، رغم محيط الفقر الذي يحيط به، منطلقًا للتسامي المبدع، لا الزاهد والصوفي فقط. أي بقدر ما يكون الحرمان الجنسي مؤداه إنتاج الإرهابي، بقدر ما قد يكون مؤداه إنتاج الأديب، والرسام، والمسرحي، والعالِم، والتقني الماهر، والعاشق الشاعر.   

ولعل من الضروري الإشارة إلى أن كتاب «سوسيولوجيا المغرب» تضمن مقالًا لصاحبه بعنوان «السوسيولوجيا والتوجه نحو المجتمع في غليانه»، سعى من خلاله إلى استشراف بعض آفاق السوسيولوجيا، أو بلغة أخرى، إلى الدفاع عن «المتخيل» كأفق للبحث السوسيولوجي في المغرب. وينطلق في ذلك من فكرة مفادها أن المجتمع، بقدر ما تسوده علاقات القوة المبنية على أنماط إدارة وتوجيه المصالح الاقتصادية، تسوده كذلك، وبالقوة نفسها، علاقات المعنى. ومن ثم تبرز ضرورة الكشف، أثناء التفكير في المجتمع، عن الدور الكبير الذي تلعبه الثقافة عمومًا، والممارسات الرمزية والتخييلية خصوصًا، في بلورة وتشكيل أنماط الصراع والدينامية داخل المجتمعات المعاصرة، وليس العتيقة فقط.

تأسيسًا على ما سبق، وفي سياق تقاسم الشغف والقلق السوسيولوجيين الكامنين وراء هذا العمل، باعتبارهما رهانًا معرفيًا أساسيًا حتى وإن لم يُصرَّح به صراحة، نود طرح السؤالين التاليين:
ما أهم تحولات الحقل السوسيولوجي المغربي؟ وأي مستقبل لممارسة، أو لممارسات، سوسيولوجية تبحث لنفسها عن الاعتراف العلمي والاجتماعي؟

من الانكسار إلى الاعتراف: تحولات الحقل السوسيولوجي المغربي

لعلّه من المناسب، قبل الإشارة إلى ظروف وتداعيات مرحلة الانكسار وبواعث النهوض، تسجيلُ القيمة الاستكشافية المتميزة للكتاب في مختلف محتوياته، ولا سيما تسليطه الضوء على جوانب غير معروفة مما نعته نور الدين الزاهي بـ«حكاية معهد السوسيولوجيا»، وذلك من حيث شروط النشأة، والتدبير الإداري والبيداغوجي، وطبيعة التخصصات والشهادات، ثم ملابسات قرار الإغلاق ونتائجه.

لقد شكّل إغلاق معهد السوسيولوجيا سنة 1970، في ظل مناخ سياسي ساخن، والرحيل المفاجئ و”الغامض” لبول باسكون، عاملين أساسيين في إضعاف البنية التحتية للسوسيولوجيا المغربية، التي دخلت في وضعية أزمة مفتوحة وتطور معاق. ومما عزّز هذا الواقع «المحجوز» تعريبُ الفلسفة والعلوم الاجتماعية، وما ترتب عنه من انقطاع الصلة بين الأجيال الصاعدة. وقد تميزت هذه المرحلة بما يمكن وصفه بعزلة السوسيولوجيين وانغلاقهم على أنفسهم، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الإنتاج العلمي وتراجع حضور السوسيولوجيا في النقاش العمومي والمؤسسات الأكاديمية.

وفي هذا السياق، يرى نور الدين الزاهي أنه بعد هذا الانكسار المؤسساتي انقسمت جماعة السوسيولوجيين المغاربة، وانتقلت إلى الاشتغال الفردي، بما قاد إلى هجرة السؤال التأسيسي الذي شكّل أرضية اشتغال الرواد الأوائل، خاصة بول باسكون وعبد الكبير الخطيبي ومحمد جسوس، وهو: ما طبيعة المجتمع المغربي؟ وهو السؤال الذي كان من الممكن أن يشكّل لبنة مركزية في صيرورة البناء العلمي للسوسيولوجيا في المغرب.

وخلال عقد الثمانينيات، انتعشت عطاءات السوسيولوجيين المغاربة بفعل احتداد الجدل الإبستمولوجي حول كيفية التعامل مع المعرفة الكولونيالية المنتَجة داخل الزمن الاستعماري، واتساع الرقعة المؤسساتية للسوسيولوجيا، فضلًا عن دعم الجمعية المغربية لعلم الاجتماع لذلك الجدل. غير أن عقد التسعينيات رسم صورة أخرى أكثر قتامة، حيث تعمّقت انكسارات السوسيولوجي المغربي. ومن أبرز تجليات ذلك ترسّخ اللغة العربية بوصفها الأداة الأساسية للبحث، وتراجع البحث في مجال العلوم الاجتماعية مقابل تنامي الاهتمام بالدراسات الإسلامية.

ومع مطلع الألفية الثالثة، شهد الحقل الجامعي تحولات جديدة بفعل إصلاحات بيداغوجية متعاقبة، اتجهت نحو ربط الجامعة بمحيطها السوسيو-اقتصادي، وتصورها كمقاولة، مع سيادة الجانب التطبيقي، في ظل ضعف الطلب المؤسساتي على السوسيولوجيا والحط من قيمة المنتوج الجامعي. وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة في طرح سؤال عريض ومقلق حول هوية العلوم الاجتماعية ووظيفتها وقيمتها الاجتماعية، بل وحول جدوى السوسيولوجيا داخل مجتمع هو في أمسّ الحاجة إلى خدماتها الإبستمولوجية والنظرية والعملية.

غير أن رأيًا آخر يذهب إلى أن الاعتراف الفعلي بالسوسيولوجيا المغربية لم يتحقق إلا مع بداية تسعينيات القرن الماضي، حين بدأت الدولة والسلطات العمومية تنظر إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية — والسوسيولوجيا في مقدمتها — بوصفها رافعة أساسية في مسار تحديث المجتمع المغربي، وأداة لفهم تحولاته العميقة ومواكبة مشاريعه التنموية. وهكذا برز انخراط جديد للسوسيولوجيين المغاربة بوصفهم خبراء ومستشارين في الميدان الاجتماعي، من خلال استكشاف مواضيع وإشكاليات جديدة مرتبطة بالتحولات المعاصرة، من قبيل: الفقر، والهجرة، والأسرة، والدين وغيرها من الظواهر الراهنة.

وقد عرف الطلب على الخبرة والاستشارة السوسيولوجية والأنثروبولوجية تزايدًا ملحوظًا منذ تلك الفترة، إلى درجة يمكن معها، على حد تعبير حسن رشيق، القول إن «الطلاق الإيديولوجي» بين الدولة والعلوم الاجتماعية بات في طريقه إلى الزوال، بفعل تنامي الحاجة إلى الخبراء السوسيولوجيين في تحليل التحولات الاجتماعية ومواكبة السياسات العمومية.

إلا أنه، على الرغم من مظاهر “التصالح” بين السوسيولوجيا والمؤسسة الرسمية بمختلف مستوياتها، ظلت الممارسة السوسيولوجية تواجه إشكالية الهوية والجدوى، بالإضافة إلى تحدي بناء الذات العلمية ورصد تحولات المجتمع المغربي، بهدف الإسهام في إنضاج ملامح مدرسة سوسيولوجية مغربية مستقلة ومتميزة.

سؤال الحاضر وآفاق بناء مدرسة سوسيولوجية مغربية

إجمالًا، وفي ضوء ما سبق، تتعدد ملامح تطوّر البحث السوسيولوجي في المغرب، سواء من منظور الموضوعات التي تناولها الباحثون أو من حيث الاشتغال النظري والمنهجي. غير أن ما يبدو مستعصيًا على التفكيك والتجاوز هو أن الباحثين السوسيولوجيين المغاربة لا زالوا رهينة طموح التحرّر المزدوج: من جهة أولى، الانعتاق من ثِقل سوسيولوجيا الآخر؛ ومن جهة ثانية، بناء الذات العلمية وتشييد مدرسة سوسيولوجية مغربية، في ظل بيئة سياسية ومؤسساتية تحكمها أحيانًا منطق التوتّر مع الفعل السوسيولوجي، وأحيانًا أخرى منطق الطلب الاجتماعي على المعرفة السوسيولوجية تبعًا لمتطلّبات السياق وإكراهاته.

وإذا كان الأستاذ نور الدين الزاهي في كتابه “سوسيولوجيا المغرب” قد سعى إلى الإمساك بمختلف مراحل ومنعرجات وانكسارات السوسيولوجيا في المغرب منذ الفترة الكولونيالية إلى حدود نهاية التسعينيات، وذلك من منظور بيبليوغرافي نقدي يتجاوز الطابع الاستعراضي، فإن السؤال العريض والمستفز الذي يفرضه هذا الكتاب هو:  ما هو حال السوسيولوجيا المغربية هنا والآن؟

هذا السؤال يستفز الخيال السوسيولوجي للأجيال اللاحقة من ممارسي الدرس الأكاديمي والبحث السوسيولوجي، الذين لم يتمكنوا حتى الآن من تجميع مجهوداتهم وتشبيك أعمالهم في اتجاه بناء جماعة علمية تتأسس عليها مدرسة سوسيولوجية مغربية تمتلك مقومات السلطة الرمزية على مستوى التنظير والإنتاج النظري، ورصد وتحليل تحولات المجتمع المغربي، ومواكبة ونقد السياسات العمومية.

في مقاربة هذا السؤال المشروع والمستفز، يظل الأثر حاضرًا لكل من عبد الله العروي “إكليل الصناعة الثقيلة” في الفكر المغربي، وعبد الكبير الخطيبي، رائد السوسيولوجيا المغربية. فإذا كان من المتوقع، بحسب العروي، أن تترسخ العلوم الاجتماعية مع تصاعد الحركة الوطنية في علاقة جدلية تغذي فيها السوسيولوجيا مشروع الإصلاح ويغذيها الإصلاح بدوره، فإن ما حدث كان العكس تمامًا؛ إذ أصبحت علوم المجتمع بعد الاستقلال محاصَرة، ومتهمَة، ومبعثرة بين مؤسسات متعددة تفتقر إلى التنسيق والتكامل، مما أدى إلى نتائج واضحة اليوم على مستوى ضعف التراكم والميداني للسوسيولوجيا المغربية. 

والحال أنه لن نجانب الصواب إذا قلنا إن هذه الوضعية ما زالت مستمرة وتحمل اختلالات عدة. ومن الممكن افتراض أن الطموح إلى تجاوز هذه الاختلالات البنيوية والتنظيمية يفسّر التحول في تفكير عبد الكبير الخطيبي، الذي انتقل من سؤال طرحه سنة 1983: “إلى أين تسير السوسيولوجيا؟”، والذي توقف فيه عند ضعف التقعيد النظري للسوسيولوجيا المغربية وافتقادها لحضور معرفي متين في الحقل النظري، وتساؤله في الآن نفسه عن كيفية التمفصل بين المعياري والتحليلي، وبين الأخلاق والعلم، إلى توجيه نداء إلى المشتغلين بعلم الاجتماع في المغرب سنة 2001، أي بعد نحو عقدين عن السؤال الأول، تحت شعار: “يا علماء الاجتماع اتحدوا!” .

وقد تضمن هذا النداء رؤية استراتيجية واضحة، مفادها أن المهمة الراهنة للسوسيولوجيا المغربية هي إدراك التحولات الجارية في المجتمع وفكّ رموزها على مستويات متعددة. وفي هذا الإطار، اقترح الخطيبي ما يشبه «برنامجًا سوسيولوجيًا» يقوم على قاعدة ما سماه الخطيبي “التفاؤل النقدي والتحليلي”، الذي يجمع بين الطموح الفكري والالتزام العلمي.

ولا نبالغ إذا قلنا إن هذا البرنامج السوسيولوجي يمتلك من الوجاهة والراهنية ما يجعل منه خريطة طريق تستوجب إعادة الانتباه والتحيين والتفعيل، في ارتباط مباشر بتحولات المجتمع والدولة.

على سبيل الختم

تأسيسًا على ما سبق، تبقى مهام إعادة التفكير في حال السوسيولوجيا، سواء كبحث أو درس أكاديمي، والانتقال من الإنتاج الأكاديمي إلى الأثر المجتمعي والسياسي، من الرهانات المركزية أمام مشروع بناء مدرسة سوسيولوجية مغربية قادرة على الجمع بين البناء العلمي، والتحليل النقدي، والمساهمة الفاعلة في قضايا التنمية والديمقراطية.

وبهذا المعنى، فإن كتاب “سوسيولوجيا المغرب” ليس مجرد توثيق لمسار علمي، بل هو أيضًا دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في موقع السوسيولوجيا المغربية داخل حاضرها ومستقبلها.

بيبليوغرافيا :

باللغة العربية

  •   عبد الكبير الخطيبي ” إلى أين تسير السوسيولوجيا “. ترجمة عمر بنعياش، يومية الاتحاد الاشتراكي، العدد 7، الأحد والاثنين 11 و12 دجنبر 1983
  • عبد الكبير الخطيبي ” يا علماء الاجتماع اتحدوا”. يومية الاتحاد الاشتراكي، العدد 6481، الأربعاء 9 ماي 2001
  • عبد الله العروي. تأصيل علوم المجتمع: المقارنة والتأويل. سلسلة الدروس الافتتاحية. الدرس الأول. جامعة القاضي عياض. كلية الآداب والعلوم الإنسانية. مراكش. 200.
  • محمد مادوي, السوسيولوجيا المغربية : من الرفض الى إعادة الاعتبار. ترجمة رشيد بن بيه. مجلة إضافات، العددان 31 و32، خريف 2015، تصدر عن الجمعية العربية لعلم الاجتماع بالتعاون مع مركز دراسات الوحدة العربية
  • نور الدين الزاهي. المدخل لعلم الاجتماع المغربي، منشورات دفاتر وجهة نظر،  مطبعة النجاح الجديدة، 2011.
  • نور الدين الزاهي. سوسيولوجيا المغرب. منشورات الخيام. المضيق. دجنبر 2023.

باللغة الفرنسية :

دكتور محمد امباركي


اكتشاف المزيد من التنويري

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

محمد امباركي

الدكتور محمد امباركي، باحث في علم الاجتماع ، حاصل على الدكتوراه بجامعة ابن طفيل القنيطرة، المغرب، صدرت له كتب حول الحركات الاحتجاجية في المغرب، عن العلمانية والإسلام السياسي، ونشر العديد من المقالات المحكمة والترجمات حول قضايا متعددة من قبيل : الحركات الاجتماعية، سوسيولوجيا التربية وتكافؤ الفرص التعليمية والاجتماعية

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى