نساء نوبل  لخالد محمد غازي

image_pdf

كتاب” التفاحة الذهبية نساء نوبل.. الفائزات في الآداب” يتناول فيه الكاتب المصري خالد محمد غازي سير وأعمال الكاتبات والشاعرات اللائي فزن بجائزة نوبل للآداب منذ تأسيسها عام 1901 وحتى عام 2015، صدر عن دار ناشرون وكالة الصحافة العربية بالقاهرة ويقع في 307 صفحة،  قسمه الكاتب إلى قسمين تناول في القسم الأول حياة ومسيرة وأعمال صاحب الجائزة ألفريد نوبل ومضمون الوصية التي تركها وظهور مؤسسة نوبل ومصادر تمويل هذه الجائزة، ومن المعلوم أن جائزة العلوم الاقتصادية مستحدثة ، ثم النقد الذي وجه إلى هذه الجائزة من لدن بعض ممن فازوا بها ،  أولئك الذين وقف نوبل ببابهم مسلما إليهم الميدالية والشهادة والصك فاعتذروا عن قبول المنحة السخية  مثل برنارد شو وجون بول سارتر ،أو من النقاد والمفكرين والمثقفين في العالم  كون الجائزة متحيزة لأوروبا وأمريكا وتتحيز كذلك للبشرة البيضاء والثقافة الأوروأمريكية وتتعاطف مع اليهود والصهيونية على حساب خطاب نوبل نفسه في الوصية الذين كرس المحبة والسلام وخدمة الجنس البشري.

يبحث الكاتب في المقدمة عن القواسم المشتركة بين هؤلاء الفائزات البالغ عددهن 14 امرأة ويقول ( هل ثمة من عوامل وسمات مشتركة تجعل من نساء  نوبل يقفن بدرجة واحدة تحت مظلة واحدة من حيث اصطفافهن وفق معيار تميز الأداء الإبداعي؟ وهل من دوافع أخرى محفزة تجعل من الضروري تناول سيرة وإبداع هؤلاء النسوة؟).

إن الاتهام الأول الذي يمكن أن يطال هذه الجائزة أنها ذكورية الهوى فمعظم الذين فازوا بها في الرواية والقصة والشعر هم رجال ،كما أن المرأة العربية كاتبة أو شاعرة غائبة عن هذه الجائزة وليس ذلك مرده إلى ضحالة الكتابة النسائية العربية بالقياس إلى الكاتبات الغربيات ،فمن الأديبات العربيات من يقفن بندية أمام نظيراتهن الغربيات.

ولا شك كما يرى الكاتب أن السمات المشتركة بين هؤلاء النوبليات هي الإحساس بالاضطهاد والمعاناة وقد كتبت سلمى لاغرلوف وهي أول فائزة بتلك الجائزة (حينما أكتب أعيش في وحدة كبيرة وعلي أن أختار بين عيشي لوحدي ووحدتي ومن ثم انطلاق القلم أو أن  أكون بين الآخرين فلا أسطر شيئا).

والإحساس بالمعاناة والميل إلى الوحدة وعدم الرغبة في الاندماج الاجتماعي سمة تميز المبدعين كافة رجالا كانوا أم نساء  وقد كتب موسيه ذات مرة “لا شيء يجعلنا عظماء غير ألم عظيم”!

يتابع الكاتب أن بيرل باك كسرت  الاحتكار الأوروبي لهذه الجائزة عام 1938 بوصفها أول أمريكية تفوز بهذه الجائزة ، ولاعتبارات يهودية وصهيونية نالت نيلي زاكس الألمانية هذه الجازة مقاسمة مع اليهودي ذي الميول الصهيونية  شموئيل يوسف عجنون كما كانت نادين غورديمير أول إفريقية تفوز بهذه الجائزة من جنوب إفريقيا وتوني موريسون أول زنجية تفوز بها عام 1993 ثم البولندية فيسوافا شيمبورسكا عام1996.

إن تتويج الإبداع النسائي لم يأت من فراغ فقد جاء ذلك نتيجة لمراس طويل من المعاناة والنضال النسائي لنيل الحقوق بالدرجة الأولى .وغني عن البيان أن النظرة التراثية الأوروبية للمرأة  لم تكن إنسانية بالمرة ، فقد نص أرسطو على أن الطبيعة لم تزود المرأة بأي استعداد عقلي يعتد به، كما كتب روسو( إنه من طبيعة المرأة أن تذعن المرأة بالطاعة للرجال)، كما أن النهضة الأوروبية لم تكترث بالمرأة، وفي نهاية القرن الثامن عشر ظهر مقال تسبب في إعدام مؤلفته   أوليمب دو عام 1793 والموسوم بـــ” حقوق المرأة”.

لقد بدأت الحركة النسوية في فرنسا ومنها انتقلت إلى أوروبا فكتبت البريطانية ماري وولستونيكريفن(الدفاع عن حقوق المرأة) عام 1792 كما أن صعود المرأة ارتبط بالحركة الرأسمالية وازدهار الأسواق والحاجة إلى اليد العاملة  فحصلت المرأة على حق التعليم في فرنسا عام 1805 وبعده بـ 130 سنة حصلت على حق التصويت، ولم تتحصل عليه المرأة في روسيا إلا عام 1917 إبان ثورة البلاشفة وفي بريطانيا عام   1918 وفي ألمانيا عام 1919.

وكان عام 1904 حاسما فقد شهد ميلاد الاتحاد النسائي العالمي من أجل حقوق المرأة السياسية  ومن شتوتغارت الألمانية اقترح الثامن من مارس كل عام عيدا للمرأة عام1907.

ويلاحظ الكاتب أن الحركة النسوية التي ظهرت دفاعا عن حقوق المرأة قد انحرفت إلى المطالبة بالمساواة الكاملة مما كان له الضرر الأكبر على المرأة الغربية، وعلى العموم فالحركة النسوية مرت بمراحل ثلاث فكان أولها المطالبة بالحقوق المادية والسياسية والقانونية وفي الثانية بعد الحرب العالمية الثانية أي بعد صدور كتاب بيتي فريدان “القداسة الأنثوية” اتخذت الحركة نمطا صراعيا مع الرجل بطلب المساواة المطلقة والحق في الإجهاض والمساواة في العمل والرواتب وفي المرحلة الثالثة بعد الحداثة توسعت مطالب تلك الحركة بنيل المرأة للمناصب العليا في الدولة وتساوت  في كافة المستويات مع الرجل  إلى المطالبة بتحرير المرأة من كافة القيود الأخلاقية  والدينية والاجتماعية والثقافية والمعنوية.

وبعد هذا العرض الموجز لقضية المرأة الأوروبية عبر التاريخ منذ أرسطو إلى مرحلة ما بعد الحداثة يؤكد الكاتب على أن فوز هؤلاء  الكاتبات لم يكن مصادفة (وبنظرة متعمقة للسير الذاتية لكل فائزة من هؤلاء النوبليات يتضح أنهن يشتركن في وجود معاناة مرت بها كل منهن،     وباستعراض هذه الأزمات واستنطاقها يتضح أن المعاناة الذاتية كان لها أبلغ الأثر               كحافز إبداعي وهو ما نراه واضحا في السير الذاتية والإبداعية للفائزات).

ثم يتناول الكاتب سير حياة وأعمال هؤلاء الفائزات البالغ عددهن 14 فائزة بدءا بسلمى لاغرلوف واختتاما ب سفيتلانا أليكسيفيتش فوردن على الترتيب حسب تاريخ نيل الجائزة جراتسيا ديليدا، سيغريد أندسيت، بيرل باك، جابرييلا ميسترال، نيلي زاكس، نادين  غورديمير، توني موريسون، فيسوافا شيمبورسكا، ألفريدي يلينيك، دوريس ليسينغ،هيرتا مولر،آليس مونرو سفيتلانا أليكيسفيتش.

ولا شك أن سلمى لاغرلوف هي ملكة الأدب السويدي كما  يطلق عليها وقد فازت بالجائزة عام 1909وهي كاتب أساطير وروايات ملحمية ومن أهم أعمالها رحلتها إلى فلسطين ومؤلفها الشهير “الرحلة العجيبة لنيلز هولفيرسون “والذي اشتهر عالميا كرسوم متحركة والتي وجدت في الرحلة إلى فلسطين بلسمة لجراحها ومنفى روحي لها بغية الشفاء والخلاص.

وفي عام 1926 فازت بها الإيطالية جراتسيا ديليدا وهي كاتبة أدب التمرد على الواقع الاجتماعي ثم  سيغريد أندسيت عام 1926 وهي الكاتبة التي  تدخل القارئ إلى عوالم كوامن المرأة ومتطلباتها وإشكالية الذات والآخر والمعاناة وتأنيب الضمير.

وجاء دور الأمريكية بيرل باك لتكسر الاحتكار الأوروبي لهذه الجائزة عام 1938، وافتكت أمريكا اللاتينية مقعدا للفائزات بنوبل بفوز التشيلية جابرييلا ميسترال بالجائزة عام 1945وكان الناقد الفرنسي كلود فيل يقول عنها (إن المقاساة هي عمود الشعر عند حابرييلا ميسترال) تأكيدا لدور المعاناة والألم وأثرهما في نضج إبداع الكاتب ووعيه.

بينما كان فوز الألمانية من أصل يهودي نيلي زاكس مقاسمة مع الصهيوني شموئيل يوسف عجنون مبعثا لاتهام الجائزة بالتحيز للصهيونية خصوصا والشاعرة في قصائدها المستوحاة من الثقافة اليهودية يفيض شعرها بعبارات من العهد القديم وهي تقول(يا شعب الأرض لا تدمروا عالم الكلمات ولا تقطعوا بسيف الحقد الصوت الذي يولد مع الريح).

وكان فوز نادين غورديمير عام 1991تتويجا لنضال المرأة ضد سياسة القهر والتمييز العنصري في جنوب إفريقيا وقد ناضلت نادين غورديمير ضد العنصرية وانتمت إلى حزب المؤتمر الوطني الإفريقي الذي أسسه نيلسون مانديلا وربطتها علاقة صداقة معه وصرح هو أنه كان شغوفا بقراءة كتبها ،وكانت نادين تقول عن نفسها أنها إفريقية بيضاء البشرة وليست بيضاء من جنوب إفريقيا.

ويأتي عام 1993 ليشهد تتويج أمريكية أخرى بنوبل وهي توني موريسون وهي الزنجية التي توصف بأنها صانعة رأي والشعبية جدا وأنها تصنع الرؤساء نظرا لتأثيرها في الرأي العام الأمريكي وقد أجلسها أوباما على كرسيه في المكتب البيضاوي ووقف إلى جانبها وقد حاربت العنصرية في أدبها وتتبعت النضال في أمريكا منذ شحن العبيد إلى السواحل الأمريكية إلى مرحلة ما بعد الحداثة.

ثم البولندية فيسوافا شيمبورسكا وقد فازت بنوبل عام 1995  وهي التي بدأت شيوعية مغالية في مدح لينين ثم انفصلت عن الحزب الشيوعي وانتقدت الحجر على الحريات في أشعارها التي تعبر عن واقع الإنسان المتشرذم.

في 2004 فازت النمساوية الفريدي يلينيك وهي يهودية من جهة الأب وكاثوليكية من جهة الأم وهي من أهم المدافعات عن المرأة.

وفي عام 2007 فازت دوريس ليسنغ البريطانية وكانت المعاناة واضحة في حياتها وفي أدبها الذي يعبر عن الصدام بين الثقافات والظلم الفادح الناجم عن التفرقة والصراع بين عناصر متناقضة والانقسام بين ضمير الفرد ومصلحة الجماعة.

بينما كان فوز هيرتا مولر الروائية وهي من الأقليات الألمانية في رومانيا المدافعة عن هويتها الألمانية وعن أقليتها هناك والمناضلة ضد ديكتاتورية تشاوشيسكو.

وكان فوز آليس مونرو عام 2013بنوبل للآداب تقديرا آخر لآداب أمريكا الشمالية وكسرا للاحتكار الأوروبي لهذه الجائزة ومونرو كاتبة قصص قصيرة وهي تناول معاناة الفتاة مع العائلة والبلدة الصغيرة التي تحد من أحلامها ومعظم أعمالها عن النساء ربات البيوت ولم تكن تقصد في نضالها لصالح المرأة والدفاع عن حقوقها وتعمقها لأزماتها النفسية والوجودية إلى معاداة الرجل والمصادمة معه ،وهي تقول(لم أكن أعرف مصطلح النسوية ولكن بالطبع كنت نسوية).

وفي 2015 فازت البلاروسية سفيتلاتا أليكسيفتش بنوبل للآداب وهي كاتبة قصص قصيرة وصاحبة العمل المشهور (وجه الحرب غير الأنثوي) عام 1985 وهو عبارة عن مقابلات مع مئات النساء من الاتحاد السوفيتي سابقا اللائي جندن  في الحرب العالمية الثانية وهو شكل جديد من الإبداع القصصي كما تتحدث في قصصها عن مشاكل الاتحاد السوفيتي وحرب أفغانستان وكارثة تشيرنوبل وكرست في أدبها هوية الأدب البيلاروسي في مقابل دغمائية النظام الشمولي  المتجاوز لتلك الخصوصيات الإثنية والقومية التي تميز هوية الشعوب وتناغم الثقافات الإنسانية في اختلافها وتعددها. كتاب جدير بالقراءة ينضاف إلى المكتبة العربية بتناوله سير وأعمال مبدعات من بنات حواء  في نضالهن من أجل تكريس الأدب النسوي في تميزه وخصوصيته فليس كالمرأة عارفا بخبايا المرأة حتى لا يكون القلم ذكوريا كله.
____
*المقالة نشرت سابقًا في القدس العربي، وأعيد نشرها في التنويري بناء على رغبة الكاتب.

وسوم:

اترك رد

جديدنا