الوهن الأكاديمي داخل النسق الجامعي

image_pdf

جدليَّة العلاقة بين المظاهر والأسباب

مقدمة:

يعد الأستاذ الجامعي صلب المجتمع الجامعي ومحركه الأساس نظراً لأهمية دوره في إثراء الحياة الأكاديمية سواء كان على مستوى التدريس أو التطوير أو التجديد، ونظراً لحساسية فعله في أبعادها حيث (البعد البيدغوجي، البحثي، خدمة المجتمع). وبما يمتلكه من المقدرة على تعويض النقص في الإمكانات المادية للمؤسسة الجامعية من خلال ما يمتلكه من خبرات يستطيع إكسابها لطلابه عبر ممارسات وأداءات تدريسية فعالة وعلاقات تواصلية تتسم بالإنسانية؛ الأمر الذي أدى إلى اعتبار قوة المؤسسة الجامعية مرهون بمستوى أداء أساتذتها.

لذا، ووفقا لتصورات علماء الاجتماع والإدارة فإن أي خلل يصيب المؤسسة الجامعية يؤثر ويتأثر بالأستاذ الجامعي من حيث نتائج الاضطراب أو الفوضى التي تتخلل الأداء، أو فيما يعرف بــ(الوهن الأكاديمي) على اعتبار أن الوهن الأكاديمي أو الأدائي أو الوظيفي للأستاذ الجامعي يشير إلى حالة من الاضطراب التي تتخلل النسق الجامعي نتيجة دخول وحدات بنائية غير نظامية أو تنظيمية جعلت الأستاذ يتفاعل معها بسلبية بعد ولوجه حالة من فقدان الرغبة أو الشغف أو الانتماء لواقعه المؤسسي (سبع،2017)

يقول(جورج برناردشو): “العقل الرديء يحول الفلسفة إلى حمق، والعلم إلى خرافة، والفن إلى تعليمات” ولعله بهذه المقولة يصف الواقع في التعليم الجامعي، فعلى الرغم من أن التعليم الأكاديمي يتطلب الانفتاح والتجديد والإبداع، الذي يتطلب الجد والعقل دائم التفكير، إلا أن معظم أساتذة الجامعات انغمسوا في التقليدية والنمطية، وذابوا في الانصياع لقرارات الرجل الواحد التي تبدو إصلاحية، فتحولوا إلى مجرد موظفين حرصاً على مصدر الرزق في ظل اتساع دائرة العرض من حملة الشهادات العليا وكثافتهم، وهو ما أكدته التجارب الواقعية من حيث إن معظم الأكاديميين الذين كان يعوّل على علمهم وحكمتهم ورجاحة عقولهم في الأزمات وفي المنعطفات التاريخية الحاسمة، قد أبدوا جهلا أكاديميّا مريعا، وأن كثيرًا منهم قد انحدر إلى الدرك الأسفل من السلوك الغرائزي الحزبي والعرقيّ والمذهبي الأرعن، وانضموا إلى القطيع الذي ينوء تحت أثقال التخلّف والجهل، متناسين أنهم صناع الثقافة والتنمية، لاهثين وراء مصالحهم الضيقة، متمترسين وراء تكتلات مماثلة بهدف إخفاء عيوبهم.

مظاهر الوهن الأكاديمي للأستاذ الجامعي

يرتبط مستوى أثر التعليم العالي، بقدرة مؤسساته على إحداث التغيير باعتبارها أدوات المجتمع للخروج من دائرة التخلف إلى مستوى التقدم والرقي بتركيبة وبنية المجتمع سياسياً وأخلاقياً واجتماعياً، فإن لم يحدث الحراك نحو الأفضل من داخلها كان الدليل على الخلل  في رؤيتها ورسالتها وممارسات العاملين فيها، وإن ارتضت الحيادية والسلبية تجاه قضايا المجتمع، ظهرت العديد من الممارسات التي يمكن أن تندرج  تحت قائمة الفساد، مما ينذر بانعكاسات سلبية على المجتمع على المدى البعيد .

فقد تخفي القداسة أو الهالة التي فرضتها الحياة على الهيكل التنظيمي للجامعة الكثير من مظاهر الوهن الأكاديمي للأستاذ الجامعي، والتي لو ظهرت بشكل ملفت حاولت الجامعة كمؤسسة وتنظيم إخفائها حفاظاً على سمعتها السوقية وموقعها التنافسي، لكن مهما كانت جهود المؤسسات لإخفاء مظاهر الوهن الأكاديمي إلا أنها قد تظهر في واحدة مما يلي:-

  1. النفور من بيئة المؤسسة:

التي تعبر عن حالة من الرفض أو الاشمئزاز تجاه بيئة المؤسسة، والتي تتحول إلى ممارسات يومية (روتين) تقتل التجديد، وتضعف الروح المعنوية وتفقده الرغبة في الإبداع والابتكار في حده الأدنى، فيصبح الأستاذ الجامعي يقدم ما هو مطلوب منه دون إضافات أو اجتهادات، ويسعى جاهدا لإنهاء محاضراته اليومية دون إبداء أي مظهر من مظاهر الاهتمام أو المبادرة.

كما يظهر في حالات المنافسة السلبية بين جمهور الأساتذة، والتي قد تتطور إلى حياكة المؤامرات، وتشويه الصورة الذهنية لبعضهم أمام الطلبة أو القياداة العليا، وهم منقسمين إلى فئتين، الأولى الموالية للنظام أو الإدارة الجامعية أو الحزب الحاكم، وهي فئة ذات طموح إداري ونفوذ وهمي باسم الانتماء، والثانية التعليمية الجادة في البحث العلمي والعمل البيداغوجي والذين يحملون فوق طاقتهم تحت بند (هذا هو المتاح والموجود)، مما يجعل البيئة التنظيمية مشحونة بالمظاهر غير التنظيمية التي تدفع المجتهد والنبيل إلى الانسحاب بهدوء من الواقع الأكاديمي.(عمري،2022).

  • فقدان الشغف الوظيفي:

بعد الانسحاب والفتور يصل الأستاذ الجامعي إلى فقدان الشغف الذي يكشف عن الانفصال العاطفي بينه وبين الجامعة، الأمر الذي يترتب عليه الشعور بالتوتر أو الغضب عند أدنى موقف تفاعلي يتحول إلى مصدر للطاقة السلبية عنده وينعكس على الطلبة، ويدفعه للتفكير في الهجرة، خاصة إذا ما تراجع راتبه، وتشكلت التكتلات بين الأساتذة الآخرين الذين يخصون بعضهم في الإشراف والمناقشة على الرسائل العلمية أو المشاركات الخارجية أو التدريب المدفوع الأجر.

  • الشعور بالاكتئاب:

الشعور بالاكتئاب يولد الكسل وفقدان الاهتمام بالعمل الأكاديمي والبحثي حتى وإن كان الأستاذ يحبه أو يستمتع به، ويجعله في حالة صراع مع النفس للتركيز في مكان العمل وتحقيق أي إنجاز على المستوى البيداغوجي أو البحثي أو حتى خدمة المجتمع، وهو غالبا ما ينجم عن الشعور بالقهر والظلم أو الإقصاء. فيترتب على الشعور بالاكتئاب، الانزعاج لأقل الأسباب وعدم التوافق مع زملاء العمل الأمر الذي يؤدي إلى اختلال توازن البيئة التنظيمية للمؤسسة، وكثرة الخلافات الشخصية مع الإدارة، والصراعات التنظيمية.

إن ظاهرة الوهن الأكاديمي، ظاهرة ذات أبعاد مختلفة، فمنها ما هو متعلق بالمؤسسة ككل ومنها ما هو متعلق بأداء عضو هيئة التدريس (الأستاذ)، وفي كلا الحالتين، يكون المتضرر هو الطالب الذي ينعكس ضعفه على المجتمع وثقافته، ويصبح الهدف لديه مجرد الحصول على الشهادة فقط. وهنا تجدر الإشارة إلى عملية صناعة الوهن الأكاديمي، والتي هي غالبا ما تكون عملية مقصودة قائمة على أدلجة وتشويه الرموز الأكاديمية وأنماط الفكر العميق الذي يستحق الإشادة أو أن يتصدر المشهد من قبل زمرة من الضعفاء والفاسدين أو الذين خدمهم الحظ وعامل الندرة-أحياناً- أو الانتماء السياسي غالباً لدخول أسوار الجامعة، وذلك من خلال إظهار محاسن النسق السياسي وإخفاء تعثره، والتسلق على حساب إخفاء عيوبه إلى المراكز التقدمة، ومحاولة إقصاء أي جهد يحقق هدف التعليم المعرفي والنهوض به، وتسطيح جهود المخلصين في البحث العلمي، أو التشكيك في انتاجهم العلمي.

أهم أسباب الوهن الأكاديمي:

سعى الكثير من المنتمين إلى الجامعات وظيفياً إلى تصدير الصراعات الأيدولوجية، من أجل إقصاء الآخرين أو إثبات انشقاقهم، وذلك في سبيل التعتيم على جهودهم، وتشويه صورتهم الذهنية، الأمر الذي يبقى على مصالحهم على حساب مصلحة المجتمع، واستطاعوا مع الوقت ومن خلال إضفاء صفة القدسية على العمل الجامعي تكوين تكتلات من الشخصيات المتشابهة في الضعف الأدائي أو العلمي، وعليه، تتحدد الأسباب التي تؤدي إلى الوهن الأكاديمي المتعلقة بسمعة المؤسسة، في:

  1. تسليع التعليم الأكاديمي أو تبضيعه:

يستمد التسليع معناه وحقيقته من خلال قناعة الجامعات وممارسات بعض العاملين فيها، والتي تعتمده كأسلوب ممنهج يجاري آليات السوق من حيث التسويق والاستقطاب على حساب المخرج الحقيقي والمعرفي (بلوم، 2022)، إن إدراك التعليم كسلعة بهدف تشجيع القدرة التنافسية بين الجامعات الخاصة والحكومية، وإظهار التعليم كخدمة مربحة يمكن أن تباع في السوق العالمي بدأ يطغى على الأهداف الاجتماعية والثقافية للتعليم العالي، ويحول الجامعة إلى مراكز تجارية تباع فيها أرخص أنواع المعرفة أو الحصول من خلالها على مؤهل يمثل ترفاً اجتماعياً وذلك كنتيجة للمد اليبرالي الجديد الذي حمل مشروعاً معرفياً يهدف إلى تجسيد المجتمع كنظام اقتصادي للشركات، الأمر الذي أفقد الجامعات مهمتها الأيديولوجية، ورسخت لدى الطلبة فكرة أنهم(زبائن/عملاء) بدلاً من أن يكونوا مشاريع تنمية. (أبو حطب، 2021)

لقد ألغى تسليع التعليم العالي والبحث العلمي خلال السنوات العشر السابقة الحرية النقدية والثراء الأكاديمي لدى الأستاذ الجامعي، وأسس للدجل الأكاديمي على حساب الجودة، الأمر الذي فرض ازدواجية  واضحة بين الشكل والمضمون للجامعة، التي أصبحت تمتلئ بأشكال التي تعبر عن مظهرية مزيفة تحجب النظر إلى قبح المضمون وفساده، واعتمدت على فرض هالة باسم الحرم الجامعي على ممارسات الفاسدين، فما عاد الطلبة ينظرون للجامعة على أنها مصنع الخبرات، وإنما أصبحوا هو أنفسهم سلعاً.

  • الأمية الأكاديمية:

يطلق المفكر عبدالله السعودي صفة الجهل المقنع على الأمية الأكاديمية، إذ يقول: (ذلك الذي يحمل صاحبه شهادة دراسية عليا، وقد يتجاوز إلى أعلى درجة في السلم الأكاديمي، لكنه مع ذلك لا يقارب مستوى الوعي في مفهومه المعرفي الإثرائي، بل يعيش في غيبوبة من الجهل محاولاً إظهار أن ما لديه يفقده الآخرين) (السعودي، 2004)، وبهذا الشأن يرى أ.د. علي وطفة أن الأمية الأكاديمية تعني في جوهرها أن يتحول الأكاديمي مع دورة الزمن إلى كائن جاهل بقضايا الثقافة والحياة، وعلى هذا النحو يأخذ الجهل صورة العلم، ويلبس الجاهل لبوس العام، الأمر الذي يشكل خطراً داهماً على الحضارة والمجتمع.(وطفة، 2021)

لقد أفضى الوهن الأكاديمي الناجم عن الأمية الأكاديمية إلى أن امتلأت الجامعات بالكثير ممن لا يعملون ولا يبحثون، ولا يكتبون لا بالمعنى السقراطي المتحرر من قيود الجامعة وأسوارها، ولا بالمعنى الأفلاطوني المنضبط، وهؤلاء من يؤذيهم أن يعمل أو يبحث أو يكتب غيرهم. كما عمت السطحية، وسدت روح الإدعاء الأجوف وتدهورت الحياة الجامعية، حتى أصبح العلم اليوم صوراً أو ألقاباً، وأفرغ من جوهره ومحتواه، فترى الرجل يحمل مؤهلاً أكاديمياً عالباً يسرده لك في سطرين، أما جوهر العلم والفكر فتصدمك هشاشته. (أبو هاشم،2005)

  • الدجل الأكاديمي:

يعبر الدجل الأكاديمي عن سلوك يمارسه فئة من الأكاديميين وحملة الشهادات لعليا للوصول إلى أعلى مراتب الإدارة الجامعية وذلك باستغلال أساليب ووسائل دنيئة مثل التملق للمسئولين واستغلال الموقع أو استغلال الطلبة وبعض الأكاديميين للقيام بأبحاث ينسبوها لأنفسهم، أو اضافة اسمه على بحث هنا وبحث هناك، وما أن يحقق النقاط المطلوبة للترقية فإذا به يتقدم لها ويصبح استاذا بجهد غيره. وفوق كل هذا يدعي العلم، ويقضي معظم وقت المحاضرة في الحديث عن أمجاد وهمية غرضها التعظيم من شأنه، وإضفاء هالة تستر عورة قصوره المعرفي. وحيث إن المناصب العليا في أغلب الجامعات لا ‏‎تعطى على أساس الكفاءة والمهنية، بل تتدخل فيها قوى كثيرة منها جهوية ومناطقيه والحزبية، فإن هذا الأكاديمي الدجال قد يصبح صاحب قرار في جامعة أو في إحدى مؤسسات التعليم العالي، ما أن يغادر منصبه ‏‎الإداري حتى يظهر الخراب، ويبدأ البحث عن منصب جديد مستخدما نفس الأساليب التي أوصلته من قبل، وكأنه لا يوجد مثله في البلاد وبين العباد ولا غنى عنه.

ويندرج الدجل الأكاديمي تحت بند الفساد لما يترتب عليه من ضياع للاستحقاقات وإسناد الأمر إلى غير أهله، خاصة إذا ما تمكن أولئك الأشخاص من المناصب العليا في الجامعات.

  • تسييس الجامعات:

أظهرت تقارير التنمية الإنسانية أن التعليم العالي العربي مسييس وغارق في مستنقعات الأيديولوجيا بطريقة مباشرة (الجامعات الحكومية) أو غير المباشرة (موالية) كما في الجامعات الخاصة والأهلية، الأمر الذي حول الكثير من الجامعات إلى ساحات للصراع السياسي والأيديولوجي وأثر على الحريات الأكاديمية، ودفع الكثير من الجامعات إلى الوهن الأكاديمي مرغمين لا مخيرين، خاصة إذا تعلق الأمر بالتعيين السياسي أو الحزبي للقيادات الجامعية.

وفي هذا الجانب يرى أ.د علي وطفة أن تسيييس الجامعات قد أضعف من قدرتها على تطوير نفسها، كما أفرغ العملية التربوية من مضمونها، وسحبها نحو الهيمنة الحزبية على محتوى المناهج، وإلى ممارسة أفعال مشينة لا تليق بالمجتمع النخبوي، مثل الاغتيال المعنوي لأعلام الفكر الحر، وإقصاء المعارضين أصحاب البصمة البحثية الكبيرة من ساحة الجامعة.

وعليه، لا يختلف عاقلان على أنه لا يمكن أن تنمو الثقافة أو العلم في أجواء الفساد والاستبداد وفي غياب الحرية الأكاديمية التي في غيابها ستتكرس الأمية الأكاديمية.

  • الفساد الأكاديمي:

أصل الفساد الأكاديمي هو انعدام قدرة الأكاديمي على الإنتاج العلمي الرصين، وضعف قدرته على الوصول للمنصب الذي يطمح إليه بجهده وبما يستحقه، الأمر الذي يجره إلى الوقوع في براثن المحسوبية والتملق والنفاق وفساد الذمة، والانتحال وتكوين (الشلة الأكاديمية) في الإشراف والمناقشة على الرسائل العلمية ليكونوا شهداء زور على ضعفه وفساده.

وقد لا نبالغ إن قلنا أن الفاسدين في الجامعات والمفسدين من خارجها استطاعوا أن يشكلوا قوة أكاديمية ضاربة، واستطاعوا أن يحتاطوا من الوقوع تحت طائقة القانون باسم الدرجة العلمية أو الانتماء السياسي، حيث أصبحوا يقومون بالتساند الوظيفي والأكاديمي، وقد تجاوزوا مواقع الدفاع عن مصالحهم إلى وضعيات الهجوم (البطش بكل من يعكر صفوهم). لقد أصبحوا قوة في المجتمع، يجيرون الفائدة بكل أشكالها لصالحهم، ضاربين بعرض الحائط المصلحة المجتمعية العليا، وهو ما يمكن التعبير عنه بأقصى درجات الانحطاط الأكاديمي .

وعلى أثر هذا الفساد انتشرت ظاهرة الشهادات الوهمية التي يمكن أن يشتريها البعض لتثبيت موقعه أو تسريع الوصول له موظفاً في ذلك مجموعة من الطبالين الذين تنحصر مهمتهم في الترويج والتعظيم والتفخيم للإنجازات الوهمية. كما انتشرت ظاهرة السرقات العلمية، والانتحال الجزئي أو الكلي لأفكار الآخرين أو كتاباتهم وذلك من باب استسهال الترقية، والمصيبة الكبرى أن يصبح من يبحث عن سرقات الآخرين لإضعافهم هو نفسه قد مارس الانتحال والسرقة من قبل. إنها الوقاحة الأكاديمية يا سادة.

في 30 آذار 2016 وضع المجلس الأمريكي لاعتماد التعليم العالي (CIQG) ومعهد اليونسكو الدولي للتخطيط التربوي (IIEF) تقريراً استرشادياً يناقش قضايا الفساد الأكاديمي على مختلف المستويات لكن ما لفت انتباهي، ما أشار إليه من الفساد على مستوى الدور التربوي والمتمثل في الميول التجارية لبعض المؤسسات والتحيز في تعيين هيئات التدريس، وهو ما نلاحظه الآن في بعض جامعاتنا من خلال آليات التسويق التجارية لاستقطاب الطلبة، واستخدام النفوذ والعلاقات في إسناد العبء التدريسي للأساتذة، ناهيك عن استخدام النمط الإداري الذي أطلقت عليه (الإدارة بالخواطر) في التعامل مع مختلف مكونات منظومة التعليم العالي.

وعلى مستوى تطوير أداء الهيئة التدريسية ومستوى قدراتهم الإبداعية أشار التقرير إلى مفهوم (الانتحال المنمق) وهو ما يتطابق مع بعض الحالات المرتبطة باستسهال بعض أعضاء هيئة التدريس الإنتاج  العلمي بمشاركة بعض الباحثين إنتاجهم مقابل إسناد لهم بعض الساعات التدريسية وهو ما يدخل ضمن دائرة (الصفقات).

وفي مجال الدراسات العليا، نوه التقرير إلى مصطلح (مردود الرتبة الأكاديمية) التي لم يعتبرها مؤشراً على كفاءة عضو هيئة التدريس وأنها لا تعطيه الحق في الإشراف والمناقشة على الأطروحات، وهو ما ينطبق على صورة معاناة طلبة الدراسات العليا في جامعاتنا، وإقصاء وتهميش أعضاء هيئة التدريس الذين تتمتع سمعتهم البحثية بالكفاءة بحجة (الرتبة الأكاديمية) وما هي إلا ذريعة لتحقيق مصالح ضعيفة لصاحب الحل والعقد في هذا الأمر، إضافة إلى أن اختيار لجان المناقشة تكون قائمة على قرب العلاقة بين المشرف والمناقش لضمان تصدير القرار دون معوقات تذكر.

ومن مظاهر الفساد الجامعي، أن تظهر الجامعات عكس ما تبطنه، فتضلل المستفيد الذي يتفاجأ بعد الالتحاق بعكس ما وعد به، وكأن العملية لا تعدو (استقطاب) وتثبيت قيد .
وأما عن المؤتمرات العلمية، التي أرى فيها حراكاً وضرورة لتشجيع حركة البحث العلمي والتبادل الفكري، فتبدو مظاهر الفساد واضحة في مضامين بعض الأوراق العلمية المقدمة، أو الشراكات في تقديمها، والتي تصاب بالذهول  عند قراءتك  لمضمونها، لتكتشف في النهاية أنها قبلت بحكم العلاقات الشخصية أو المصالح المتبادلة .ومن أبرز مظاهر الفساد الأكاديمي  في مؤسسات الجامعات، ضرب احتياجات ومطالب الطلبة بعرض الحائط، خاصة فيما يخص الاعتراضات المقدمة بشأن أعضاء هيئة التدريس أو أسلوب وطريقة التدريس، إلى الحد الذي أصبح فيه الخنوع أسلم الطرق لدى الطلبة لاختيار المساق،  وهو ما ينعكس على جودة المخرج التعليمي في المستقبل .وآخر ما أشار إليه التقرير الذي ذكرناه، إساءة استخدام النفوذ الإداري والأكاديمي والخشية من التصدي للباطل حفاظاً على المنصب، ناهيك عن تطبيق القانون حسب الأهواء  بدهاء من قبل المتنفذين  يحسدهم عليه أغلب العاملين في الميدان .

لقد قضم الفساد أحلام الكثير ممن يستحقون، وجعل من يستحق أن يكون خارج الجامعة في داخلها، كما عطل عملية النمو الطبيعي للجامعات التي ما أنشأها المجتمع إلا لخدمته وحل مشكلاته.

واهم من ظن أن آثار الوهن الأكاديمي تنعكس على الجامعة أو الأستاذ فقط أو حتى الطالب، وإنما يمتد هذه الآثار لتطال المجتمع بأسره  وتشويه مؤشرات التنمية فيه. فعلى مستوى الجامعة سيؤثر الوهن الأكاديمي على كيانها التنظيمي، وعلى سمعتها السوقية وموقعها التنافسي بين الجامعات، وعلى مستوى الأستاذ فسيقلل من انتمائه للمؤسسة على الأقل، ويجعله يرى الظلم فيها، ويتهكم عليها لأقل الأسباب .

المراجع:

أبو حطب، سان(2021). التعليم العالي بين اللبرة والاستبعاد الاجتماعي، متاح على الرابط https://2u.pw/HbtQ8d5

أبو هاشم، عبد اللطيف (2005). ماذا جنى علينا الدكاترة العلاقة بين أمية الأكاديمي وعدم أكاديمية المثقف،  متاح على الرابط https://pulpit.alwatanvoice.com/content/print/26021.html

بلوم، اسمهان(2022). سلعنة الفكر الأكاديمي، المركز الديمقراطي العربي، ألمانيا.

سبع، هاجيرة (2017). مميزات الأستاذ الجامعي من وجهة نظر الطالب، مجلة روافد، 1(2)، 245-254.

السعودي، عبد الله (2004). الجهل المقنع، رؤية من الداخل، الجزيرة للصحافة والطباعة، العدد 12631، متاح على الرابط  https://www.al-jazirah.com/2007/20070429/ar2.htm 

عمري ، مليكة (2022). الوهن الوظيفي للأستاذ الجامعي الجزائري، المركز الديمقراطي العربي، ألمانيا.

عساف، محمود (2018).التعليم الجامعي.. معرفة حقيقية أم استعراض فارغ؟، موقع الجزيرة، متاح على الرابط https://2u.pw/628o6CF

وطفة، علي(2021). الأمية الأكاديمية في الفضاء الجامعي العربي، مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية،جامعة الكويت، الكويت.

_________

*د.محمود عبد المجيد عساف / وزارة التربية والتعليم – فلسطين.

جديدنا