البعد الأخلاقي في القيادة

image_pdf

تناول المؤرخون والباحثون من علماء الإدارة موضوع القيادة منذ القدم، واستمرت الدراسات والأبحاث حولها حتى يومنا هذا، وكانت القيادة من بين المواضيع التي شكلت جزءًا من اهتمامات الإنسان، حتى أصبحت ذات بعد بالغ الأهميَّة في وقتنا الحاضر، خاصَّة في ظلِّ التقدُّم العلمي الهائل والانفجار المعرفي والتغيُّر في المفاهيم والقيم وتعدُّد الحاجات وتغيُّر الرغبات والميول، والتطوُّر في مختلف مجالات الحياة.

 ولقد اختلفت وتعدَّدت الاتجاهات في دراسة وتعريف القيادة، ومع تعدُّد الرؤى والنظريَّات التي تصف مفهوم القيادة، تظهر الحاجة إلى أهميَّة التذكير بالقيادة كمفهوم ودلالة، وتسليط الضوء على البعد الأخلاقي في القيادة، وهو ما سيتطرَّق إليه الكاتب في هذا المقال الموجز، على النحو الآتي:

أولا: مفهوم القيادة:

 تواجه العلوم الاجتماعيَّة العديد من المشكلات المنهجيَّة، لعلَّ من أهمها: صعوبة وضع تعريف محدَّد للمفاهيم المستخدمة، فعادةً ما يصعب تقديم تعريف شامل جامع مانع لأي مفهوم، ومن ثم، فإنَّ مفهوم القيادة، باعتباره من المفاهيم التي تنتمي للعلوم الاجتماعيَّة، يعاني من هذه المشكلة، حيث تشير الأدبيات والدراسات إلى وجود العديد من التعريفات لهذا المفهوم.

   وتزخر مؤلفات الإدارة بتعريفات كثيرة للقيادة، وكثيرون هم الذين تطرَّقوا إلى تعريف القيادة سواء كانوا علماء أم قادة ظهروا في التاريخ، ولم تكن القيادة في كل تلك التعاريف موضوعاً قابلاً للجدل؛ بقدر ما كانت موضوعاً يستدعى الرصد المستمر والدراسة والمناقشة والتفسير والتحليل، وفيما يلي بعض التعاريف المهمَّة لمفهوم القيادة:

  • القيادة تعني فنون ومهارات إدارة الإنسان من خلال مشاعره ومصالحه وفكره (هلال، 2002، 18).
  • القدرة والتصميم على توجيه الأفراد نحو الهدف المشترك. وتعني أيضاً المقدرة الدائمة للتأثير على الأفراد نحو الاتجاهات المرغوب فيها حالياً وفي المستقبل. وهو الإجراء الذي يتمّ بموجبه التأثير على نشاطات الجماعة نحو تحقيق الغايات والأهداف (ضرار، 2003، 372).

ومن الباحثين من أشار إلى أن كلمة قائد (Leader)، وتعني ذلك الشخص أو الفرد الذي يوجه أو يرشد أو يهدي الآخرين، وقد يكون الفرد قائدًا في موقف ما، وتابعًا في موقف آخر، والقيادة تعني القدرة على التأثير في سلوك أو مشاعر أو أفكار الجماعة في موقف معين بذاته، فالقادة يجسمون مثل وفلسفات الجماعات التي يقودونها، أو العصور التي يعيشونها، فضلا عن ذلك فإنَّ القيادة مسألة نسبيَّة، وتختلف وفقًا لطبيعة ووظائف المجموعة التي يتمُّ قيادتها (حسن، 2004، 85- 89).

ويعرّفها أحد الباحثين بأنها عمليَّة التأثير، وإلهاب الحماس في الأفراد، للقيام بعملهم بحماس وطواعية، دون حاجة إلى استخدام السلطة الرسميَّة، فالقيادة الحقيقيَّة هي التي تستمد سلطتها الفعليَّة من شخصيَّة القائد وخبرته وقدرته على التعامل مع الأفراد بطريقة تشكِّل الدافع الداخلي للقيام بالعمل من اجل تحقيق أهداف المنظمة (عياصرة، 2006، 34).

ويُعرف “القائد” ببساطة بأنه الشخص الذي يكون في المقدمة، والذي يتبعه الآخرون بدورهم (نايت وتراولز، 2007، 47).

والقيادة هي مجموعة من الصفات التي تجعل القائد متزعمًا لغيره، مؤثرًا فيهم، متميزًاعنهم، يجعلهم مطيعين له، والقائد هو ذلك الشخص الذي يملك القدرة على التأثير وإحداث تغيير ما، أو إيجاد قناعة ما تؤثر بالآخرين، لتحقيق أهداف معينة (المدني، 2009، 11).

ويمكن تعريف القيادة بالجسر الذي يستعمله المسؤولون ليؤثروا على سلوك وتوجيهات المرؤوسين، ليربطوا بين تحقيق أهداف المنظمة وأهداف الأفراد، وهي ذلك السلوك الذي يقوم به شاغل مركز السلطة أثناء تفاعله مع غيره من أفراد المجموعة، وهي في مجملها تحمل المسؤوليَّة تجاه المجموعة.

والقيادة هي عمليَّة تحريك مجموعة من الناس باتجاه محدد ومخطط له، على أن يكون هذا التحريك باختيارهم الذاتي (في كثير من الأحيان). وتعني فن القائد وقدرته الذاتيَّة على بسط نفوذه على مرؤوسيه، والتأثير الاختياري عليهم، لتحقيق أهداف التنظيم الذي يقوده واللجوء للسلطة الرسميَّة عند الضرورة فقط.

وباستخلاص ما تقدم؛ يمكن تعريف القيادة بأنها عمليَّة تأثير متبادلة لتوجيه النشاط الإنساني في سبيل تحقيق هدف مشترك، وهي القدرة على توجيه سلوك الجماعة في موقف معين لتحقيقه، أو هي استمالة أفراد الجماعة للتعاون على تحقيق هدف مشترك يتفقون عليه، ويقتنعون بأهميته، فيتفاعلون معًا بطريقة تضمن تماسك الجماعة في علاقاتها وسيرها في الاتجاه الذي يؤدي إلى تحقيق الهدف.

ثانيا: البعد الأخلاقي في القيادة:

اهتم البشر منذ القدم بأخلاق القادة، وهناك الكثير من الروايات والكتب التي تحكي عن صفات القادة وأخلاقهم، إلا أن الدراسات والأبحاث العلميَّة التي نشرت عن أخلاقيات القادة والأسس النظريَّة لها ما تزال قليلة للغاية على حد علم الكاتب، وهناك شبه إجماع بين الباحثين والمهتمين بدراسة القيادة، على ضرورة التزام القيادات بالأخلاق، وجعلوا الأخلاق من المعايير والقدرات اللازمة للقيادة الناجحة، والقائد الفعال ترتبط فعاليته – وإلى حد كبير-  بأخلاقه، بل وقد أصبحت الأخلاق من المعايير القياسيَّة لاختيار الإداري الأول إلى جانب بعض المعايير الأخرى، كالمهارات الإنسانيَّة والفنيَّة والإدراكيَّة وغيرها.

ومما ينبغي التأكيد عليه ضرورة إحياء الجانب الروحي في القيادة، بمعنى أن يكون القادة قادرين على جعل الأفراد والجماعات يتمثلون فيما بينهم إحساسا مشتركا عميقا بعظمة الترابط الداخلي في العمل، وأن يجدوا لحياتهم معنى من خلال العمل الجماعي لتحقيق أهداف المؤسسة في إطار من الصدق والوفاء والتضحية والإنصاف، وهناك حاجة ماسة في المؤسسات المعاصرة لتبني معايير أدبيَّة وأخلاقيَّة لتوجيه الممارسات القياديَّة، بحيث تعزز الأمانة والصدق والثقة والروح الجماعيَّة ووحدة الهدف وحب العمل وزيادة الانتماء والرضاء الوظيفي، بما يكفل نجاح المنظمات وتحقيق الرفاهيَّة للأفراد والشعوب.

وفيما يتعلق بالقيادة فللأخلاق علاقة بما يفعله القادة، فالقيادة تهتم بطبيعة سلوك القادة ومناقبهم، وفي أي موقف يتطلب اتخاذ القرار، تكون القضايا الأخلاقيَّة حاضرةً بشكل مباشر أو ضمني. فالخيارات التي يتخذها القادة وكيفيَّة استجابتهم في ظرف معين، تتشكل أو يتم توجيهها من خلال أخلاقهم. وليس أدل على ذلك من اشتراط المناصب القياديَّة العليا والوسطى على من يتقدم لها، أن يكون حسن السيرة والسلوك، ولم يسبق أن صدر في حقه أحكاما قضائيَّة. (الخطيب، 2012، 98).

وهناك مجموعة من أوراق عمل قامت بجمعها مؤسسة (و.ك.كيلوج). ونشرت عام (1998)، في كتاب بعنوان (الأخلاق: قلب القيادة)، وهناك مجموعة من المبادئ الأساسيَّة للقيادة الأخلاقيَّة وان كانت غير شاملة إلا أنها تمثل أساسا لتطوير القيادة الأخلاقيَّة السليمة، ومن أهم تلك المبادئ كما ورد في (بيترج،2006، 333-348)، يوجزها الكاتب في أن القادة الأخلاقيون عادلون وصادقون ويخدمون الآخرين ويحترمونهم ويبنون المجتمع.

ويحاول الكاتب أن يتجنب الإسهاب في بعض السمات القياديَّة، كالعدل والصدق والصبر والتضحية والإخلاص والأمانة…الخ. وذلك لإيمان الكاتب بأن تلك الصفات يجب أن تتوفر في كل فرد سواء كان رئيساً أم مرؤوساً، وحيثما كان موقعه، وأياً كان جنسه أو عرقه أو دينه، وهي ليست صفات خاصة ينفرد بها القادة دون غيرهم، ولكنها صفات إنسانيَّة يجب أن يتحلى بها كل من يسمى إنسان.

ومما ينبغي التأكيد عليه أن القادة يساعدون في إرساء وتعزيز القيم التنظيميَّة، ولكل قائد فلسفة ووجهة نظر مميزة، وجميع القادة لديهم برامج وسلسلة من الأفكار والقيم التي يتأثر بها الأتباع، وبالأحرى فإنهم – أي القادة – وبما لديهم من تأثير فإنهم يقومون بدور رئيس في إرساء المناخ الأخلاقي في منظماتهم. كونهم يتحملون مسؤوليَّة أخلاقيَّة بان يتعاملوا مع الأتباع بكرامة واحترام. وبما أن القيادة أساسا هي عمليَّة تأثير في الآخرين، فانه ينبغي أن ينطلق هذا التأثير من شخص يتمتع بنوايا حسنة ومزايا حميدة، وأخلاق كريمة، كي يستجيب له الآخرون بسرعة وصدق، وقد يتطلب الموقف أحيانا استعداد الأتباع لتقديم أغلى ما يملكون، تنفيذا لتعليمات قائدهم الذي يمكن أن يوصف بأنه قائد أخلاقي.

وعند إمعان النظر في صفات القادة المتميزين والناجحين في أعمالهم، يجد الكاتب أن للأخلاق بعداً مركزياً في القيادة، وكانت معظم الصفات تركز على الجوانب الإنسانيَّة في القيادة، من خلال تلبية احتياجات الأفراد، وتقديم الخدمات والعون والمساندة والمساعدة للآخرين، وتقدير جهودهم وأعمالهم، والثناء عليهم عند الانجاز، وإشراكهم في الحوار، والتشاور معهم تمهيداً لاتخاذ القرار المناسب.

والقائد الناجح يحمس الأفراد للمشاركة في أنشطة تطوعيَّة إضافيَّة، دون ضغط منه أو إكراه، معترفاً بفضل جهودهم، وأهميَّة أفكارهم، والقائد الفعال قريب من الأفراد ويمكن مشاهدته دائماً، ويسهم في إعداد القادة الجدد ويعمل على تدريبهم وتأهيلهم باستمرار، وللقادة رغبة في التعلم مدى الحياة والتدريب المستمر، والاستفادة من خبرات الآخرين، ولديهم ثقة عاليَّة بأنفسهم وبمرؤوسيهم، ويتعلمون باستمرار ويدربون أنفسهم على تجديد الذات، وهم متكاملون مع غيرهم، لتحقيق أمالهم وتطلعاتهم المشتركة.

وتظهر القيادة الفذة في المواقف الحرجة، وفي أوقات المحن والأزمات، وفي حالات الصراع والنزاعات، وعند الأوبئة والكوارث، حيث يتجلى البعد الأخلاقي في القيادة، أيا كانت، حكوميَّة أو خاصة، رسميَّة أو شعبيَّة، منظماتيَّة أو مجتمعيَّة، فعندما تشتد الأزمات تزداد حاجة المنظمات والمجتمعات والشعوب للقادة الأخلاقيون، من خلال حرصهم على تجاوز تلك الأزمات بأقل ما يمكن من التضحيات التي تطال الأرواح، فتقوم الحكومات بأدوارها تجاه المجتمعات، وتقدم لهم الخدمات اللازمة، وتعينهم على تجاوز التحديات، ماديا ومعنويا، وتجبر بخواطر المكسورين منهم، وتعالج المصابين والمرضى، وتقدم العون للمنكوبين من آثار الكوارث، كالزلازل والسيول والأمطار والحروب والصراعات المسلحة، وتولي قدرا كبيرا من الاهتمام بفئات النازحين والمهجرين قسرا من بيوتهم، والأطفال والشيوخ والنساء، والأرامل والأيتام، والفقراء والطبقات الكادحة التي تتأثر بموجات الغلاء وارتفاع الأسعار وغيرها من التحديات التي تمر بها البشريَّة في العصر الراهن.

وخلاصة القول يمكن القول؛ بأن متعة القيادة تكمن في مدى إحساس القائد بقدرته على خدمة الناس وإسعادهم، وبقدر وصول الخدمات للعامة بدون تمييز بين البشر وبني الإنسانيَّة بصورة عامة، وليس بمقدار متعته الشخصيَّة ومكاسبه الذاتيَّة وتحقيق مصالحه ومصالح أقاربه ومحبيه، وإذا لم تتحقق هذه الصفة فليست قيادة أخلاقيَّة، وليست من الإنسانيَّة في شيء.

المراجع:

  • بيترج، نورث هاوس (2006). القيادة الإداريَّة-النظريَّة والتطبيق. ترجمة: صلاح المعيوف، مركز البحوث، جده، السعوديَّة.
  • حسن، ماهر محمد صالح (2004). القيادة أساسيات ونظريات ومفاهيم. ط 1، دار الكندي، إربد الأردن.
  • الخطيب، خليل محمد مطهر (2012). واقع التنميَّة المهنيَّة للقيادات الأكاديميَّة بجامعة صنعاء في ضوء مدخل إدارة الجودة الشاملة في التعليم الجامعي. ط 2، منشورات دار جامعة صنعاء للطباعة والنشر صنعاء، اليمن.
  • ضرار، قاسم محمد (2003). تنميَّة المهارات الإداريَّة والقياديَّة وأثرها في تفعيل القطاع الخاص. مطابع سمحة، الرياض، السعوديَّة.
  • عياصرة، علي احمد عبد الرحمن (2006). القيادة والدافعيَّة في الإدارة التربويَّة. ط1، دار الحامد للنشر والتوزيع، عمان الأردن.
  • المدني، خالد (2009). التميز القيادي. منشورات منظمة أكسفورد للتدريب القيادي، الفيحاء دمشق، سوريا.
  • نايت، بيتر وتراولز، بول (2007). تطوير التعليم الجامعي فن قيادة رئاسة القسم بالجامعة. ترجمة خالد العامري، الطبعة العربيَّة الأولى، دار الفاروق للنشر والتوزيع، القاهرة. 
  • هلال، محمد عبد الغني (2002). مهارات قيادة الآخرين. منشورات مركز تطوير الأداء والتنميَّة، ط 3، القاهرة.
    _________
    *الدكتور خليل الخطيب: أستاذ إدارة التعليم العالي المساعد بجامعة صنعاء – اليمن.

جديدنا