العقل الراديكالي ومتلازمة أكياس القمح
قراءة نقدية في تحويل الخلاف الفقهي حول زكاة الفطر إلى معركة أيديولوجية، وتغييب مقاصد الشريعة والاحتياجات الحقيقية للفقراء

في كل عام مع اقتراب عيد الفطر، يتكرر المشهد نفسه مع تكرار نفس الخطاب والنزاع، وأقصد ذلك الجدل الصاخب حول زكاة الفطر هل تُخرج طعامًا أم مالًا ؟ وكيف تتحوّل هذه الجزئية الفقهية الصغيرة إلى معركة هوية دينية بين أفراد المجتمع الواحد، خاصة مع ظهور التيار الراديكالي بمظهر حارس العقيدة والمدافع الشرس عن الشريعة، وكأن مصير الدين الإسلامي مرتبط بكيس قمح أو حفنة تمر.
صحيح يوجد اختلاف فقهي حول كيفية إخراج زكاة الفطر، إلا أنّ استغلال هذا الاختلاف لخلق التوتر داخل المجتمع ليس بريئاً، بل من أجل تحقيق التعبئة الشعبية، فالصورة الرمزية لأكياس السميد وهي تُوزع في المساجد والأحياء الفقيرة تمنح الخطاب الراديكالي فرصة مثالية لعرض نفسه بوصفه المدافع الصارم عن تطبيق السنة الصحيحة، في مقابل بقية المسلمين الذين يُصوّرون كأصحاب بدع وأهواء حين أجازوا إخراجها نقدًا، ورغم أنّ الفقه الإسلامي أكثر مرونة مما يقدمه هذا الخطاب المتشدد، إذ عدد معتبر من الفقهاء الكبار أجازوا إخراج هذه الزكاة نقدًا إذا كان ذلك في مصلحة الفقير، ولكن من المؤسف كيف يتّم مُصادرة هذا التراث الفقهي المتنوع، واختزاله في رأي واحد تحت شعار تطبيق الشريعة، بينما يُتهّم المختلفون بالتفريط والابتداع.
ظاهرة التركيز على المسائل الصغيرة وتصويرها على أنها من ضروريات الإصلاح الديني والاجتماعي من طرف الأصوليين يجعلهم في صورة من يمتلكون الحقيقة لدى العوام من الناس، خاصة مع استخدامهم شعارات ومصطلحات مؤثرة عاطفياً وإن كانت في واقع دلالاتها فارغة جداً إلى درجة يمكن لأي شخص أن يملأها بما يشاء (إتباع منهاج السلف، إجماع الأمة، اتفاق العلماء …)، وفي هذا السياق، يتعطّل التفكير الجمعي عن مواجهة الأسئلة العميقة التي تتعلق بالعدالة الاجتماعية، والحرية، والسياسة، وأمور الصحة والتعليم، فبدل الانشغال بتحديات الفقر أو بفقه الاقتصاد المعاصر، يتّم تحويل النقاش إلى شكل الزكاة لا إلى أثرها، وبدل الدفاع عن الحريات والتعايش السلمي بين الجميع في ظل وطن واحد، نجد الهجوم على المرجعية الدينية للبلد، وعلى الأقليات، وعلى الأدباء والفنانين والمفكرين، وبدل الحديث عن دور المرأة في التنمية، وعن كيفية معالجة النقائص الملموسة في قطاعي الصحة والتعليم، نجد الحديث عن شعر المرأة، وعن اللحية والقميص والإسدال، وعن الرقية والحجامة والسحر والشعوذة … وهكذا يقع الناس ضحية استهلاك وهم وسراب متشبّع بالروحانيات كحلّ لتعقيدات الواقع وصعوباته (لا برنامج علمي ولا هم يحزنون، بل فقط كلام وكلمات).
نعود إلى موضوع زكاة الفطر والتي محورها المواطن الفقير، ويكفي أن نتساءل هل المقصد منها تمكينه من تلبية حاجاته الحقيقية والتي لا تتحقق إلا بالمال كشراء ألبسة، دفع إيجار السكن، مصاريف تدريس الأبناء، قضاء دين … الخ، أم أنّ من مقاصدها تحويل الفقير نفسه إلى مجرد أداة لإثبات الالتزام الحرفي بالنص ؟ والإجابة بصراحة أننا صرنا أمام فقه يهتم بالمشهد أكثر مما يهتم بالمقصد، وبالصورة أكثر مما يهتم بالمصلحة، أو بتعبير آخر، ليس الهدف من هذه الضجة والبلبلة إطعام الفقير، وإنما إقناع ناس لناس آخرين بأنهم أكثر منهم التزامًا بالشريعة.
الاستاذ العفيفي فيصل
اكتشاف المزيد من التنويري
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.






