الفضيحة الدائمة؛ دانيال بنسعيد في نقده للديمقراطية الليبرالية

دانيال بنسعيد/ ترجمة وحيد الهنودي

مسرح الضِّلال

نهاية الموجة الهائلة والواسعة لما بعد الحرب وانكشاف حجم الغولاغ ثم التمزّق الكمبودي وبعد ذلك الثورة الإيرانية وبداية التفاعل النيوليبرالي: حوالي منتصف 1970، لقد بدأ الرّكح العالمي يتأرجح. فأنصار الحرب الباردة –الرأسمالية ضد الشيوعية والإمبريالية ضد التحرر الوطني- تركوا المجال ليافطة جديدة تعلن تحت ضجة عارمة صراع القرن بين الديمقراطية والكليانية. كما هو الحال في ظل تأسيس المونارشيات من المفترض أن تعطي الديمقراطية ودون أحكام نوعا من الشرعية حسنة النية لنتيجة تيرميدور اللامتناهية. رغم ذلك اليوم كما بالأمس، كان لدى الليبراليين المنتصرين شك خفي في شبح السيادة الشعبية الذي كان يحوم تحت السطح الأملس للشكلانية الديمقراطية. “لديّ معزّة خاصة للمؤسسات الديمقراطية، يؤكد توكفيل، حتى وإن كنت أرستقراطي بالغريزة، بمعنى أنني أبغض الحشد وأتخوّف منه،أهيم بالحرية واحترام القوانين وليس الديمقراطية”.[1] إن الخوف من الحشود والشغف بالنظام هو عمق الأيديولجيا الليبرالية، فبالنسبة إليهم مصطلح الديمقراطية هو الوجه الزّائف للاستبداد التجاري ومنافسه غير المشوّه.

على مسرح الضِّلال للعصر الذي يوشك على الانقضاء، ثمة ضدّين – الديمقراطية والكليانية- كان يفترض أن يخوضا معركة من أجل قمع التناقضات خلف كل حرف مشدد.[2] وبأكثر حذر شدّدت حنة آرندت بأن ” الاختلاف جوهريّ، أيا كانت التشابهات”. ووصف تروتسكي كل من هتلر وستالين بـ”النجمين التوأمين”، واعتبر تأميم المجتمع كشكل كلياني بيروقراطي حيث تكون القسمة “المجتمع هو أنا.”[3] لكنه لم يجهل إطلاقا الاختلافات الاجتماعية والتاريخية التي بدونها لا يمكن أن توجد سياسة ملموسة ممكنة.

انطلاقا من المهازل التي يسير من خلالها التاريخ يبدو أن الديمقراطية تنتصر على شَرَّيْها في الوقت الذي كانت فيه الظروف القادرة على تحرير الحريات العامة والمشاريع الحرة التي بدأت في الانهيار، وخلال الثلاثين سنة المجيدة، كانت زيجة النظام الليبرالي والديمقراطية البرلمانية و”الاقتصاد الاجتماعي للسوق” قد وعدت بمستقبل من الازدهار والتقدّم اللامحدود، مستحضرة في نفس الوقت عودة الشبح والذي لم يتوقف منذ 1848 إطلاقا عن ملاحقة العالم. لكن وبعد أزمة 1973-1974 كانت عودة الموجة التوسعية التي أعقبت الحرب قد قوّضت ما يسمّيه البعض التسوية الفوردية fordiste (أو الكينزية keynésien) والدولة الاجتماعية (أو “دولة العناية).

مع كارثة الاستبداد البيروقراطي والاشتراكية غير الموجودة حقيقة، أصبح لفظ العالم الديمقراطي رديفا للغرب وللولايات المتحدة الأمريكية المنتصرين، في نفس الوقت فإن هجوما منظّما ضد التضامن والحقوق الاجتماعية واكتساح غير مسبوق لخوصصة العالم قد قلّص مساحة الفضاء العمومي، وهكذا أكّد الموقف الذي أعربت عنه ذات مرّة حنة آرندت برؤية السياسة عينها، كتعددية وصراع، تختفي كليّا من العالم لصالح إدارة مبتذلة للأشياء والكائنات.

عودة القساوسة الطيّبين

لم يستغرق انتصار الديمقراطية المعلن عنه بصوت عال وقتا طويلا مثلما هو الأمر عند توكفيل ليكشف عن كراهية مكبوتة بشدة لها. فالديمقراطية ليست فقط التجارة الحرة وحرية حركة رؤوس الأموال. إنها أيضا التعبير القلق عن المبدأ المساواتي. نستمع من جديد -عند فانكيلكروت Finkielkraut وميلنر Milner وآخرين –  للخطاب النخبوي عن دائرة ضيقة منشغلة بالإفراط ووفرة العدد.

سمعنا مرة أخرى من يتفاخر بالتراتب الجنيالوجي ونبل الاصطفاء الإلهي ضد تساوي المواطنين المُقَام فوق أرض مشتركة. وسمعنا من جديد مديحا للحكم المرجِّح لحكومة رعوية معارضة للفوضى و”للنزعات الإجرامية للديمقراطية” نحن نحيا لنقف ليس باسم الديمقراطية، بل باسم الجمهورية الوضعية والتقدم في النظام. كل أنصار النظام المدرسي والعائلي والاجتماعي اجتمعوا فجأة “لدرء الشعور بأن الديمقراطية التي لا توصف لا تكون شكل المجتمع المقاوم للحكومة الجيدة والمتكيّف مع السيئ، بل مبدأ السياسة ذاته، المبدأ الذي يؤسس السياسة بإقامة الحكومة الجيدة فوق الغياب الخاص للأساس.”[4]

بيان مدهش لهذا الاجتماع المقدس “للجمهوريات الديمقراطية” (كذا) ظهر في لوموندLe Monde يوم 4 سبتمبر 1998 تحت عنوان مرعب “دعونا لا نخاف بعد الآن !” يا إلهي ممن ومما ؟ من “الأداء التعاوني” ومن “المجموعات الاجتماعية” الذين “يعربون عن غضبهم” المتهمين بخرق القانون، أيها؟ – من التطبيق. من أجل تحاشي خوفهم من الشبح الاجتماعي، تتوحّد هذه الجمهوريات الديمقراطية كرجل واحد، بمناشدة “احترام السلف”. لقد تذرّعوا بـ”سلطات السلف، والكفاءة والشرعية”. لقد أعربوا عن أسفهم عن “الأسرة المحطمة” ووجوه “الأب” و”الملازم”. إن حقدهم على الديمقراطية يفضح دُوَارَهُم أمام الشرعية المشكوك فيها لأي سلطة، والقلق من كون كل قانون جديد يكون دائما معارض لقانون معمول به.

قلق في ديمقراطية السوق    

بعد الجمهوريين الفاضلين، حان الوقت ليقلق أبطال ديمقراطية السوق. لقد شخّص بيير روسانفالون Pierre Rosanvallon قلقا ديمقراطيا والذي من شأنه أن يتجلى بـ”نزع قدسية وظيفة الانتخاب” و”فقدان السلطة الإدارية  مركزيتها” و”بخس الموظف”. باختصار لم يكن انتصار الديمقراطية إلا تمهيدا لسقوطها :”لم تكن الحدود بين أشكال التطوّر الإيجابي للمثال الديمقراطي وبين شروط انحرافها واهية”[5] إن “المشتقات المهددة للمضاد السياسي ولنزع السياسة لا يمكن استحضارها إلا “إذا تأكّد البعد السياسي الخالص للديمقراطية.”

لنلاحظ أن “الاجتماعي بدأ يتشكّل بشكل متزايد من جماعات التجارب  والتشابهات والمواقف وتوازي التواريخ”،  يصر روزانفالون على الأهمية المتزايدة للتعاطف والضحية. في هذه القائمات اختفت الطبقات الاجتماعية من المعجم، كما لو كان محوها بمثابة موت اجتماعي لا رجعة فيه وليس مجرّد نتيجة لعمل سياسي – من الترويج الايديولوجي والتشريعي للفردانية التنافسية- على الاجتماعي. من هنا اللغز غير القابل للحل، وبالشروط التي يطرحها لديمقراطيّة غثّة لأناس سيئين: ما العمل كي لا تكون سياسة بلا طبقات، سياسة بلا سياسة؟ إن انهيار آفاق الانتظار لحاضر ملتف حول نفسه تجرّ في نفس الوقت لإبادة السياسة كمطلق استراتيجي، من أجل فائدة وحيدة للعقل الأداتي والإداري. ليس من الغريب منذ الآن أن يبحث روزنفالون في تمديد الأعباء الإسمية على حساب الأعباء الانتخابية وفي مضاعفة “السلطات المستقلّة” وأعمدة من أجل دعم الشرعية الفاشلة للاقتراع.

شبح “الديمقراطية الحقة”

عدم تحديد لفظ “الديمقراطية” يفسح المجال لتعريفات مختلفة ومتعارضة دوما، بما في ذلك تلك التي، وفي الحد الأدنى والبرغماتي، لريمون آرون : الديمقراطية كـ”تنظيم للتنافس السلمي على ممارسة السلطة” والتي تفترض “حريات سياسية” والتي بدونها يكون “التنافس مشوّها”.[6] نعثر هنا، وقبل وقت طويل من البيان الذي أصبح مشهورا للمعاداة الدستورية الأوروبية، معنى “التنافس غير المشوّه” المشترك بين اللّعبة الديمقراطية البرلمانية والسوق الحر. ويضيف كلود لوفور Claude Lefort من سيجادل “بأن الديمقراطية مرتبطة بالرأسمالية، وفي نفس الوقت تتمايز عنها”؟ لا أحد دون شك، فالمشكلة برمّتها هي تحديد كيفية ارتباطها بها تاريخيا (إعلان المواطنة الإقليمية وعلمنة السلطة والقوانين والمرور من السيادة الإلهية نحو السيادة الشعبية ومن الرعية إلى الشعب إلخ… وفي ما تتمايز عنها تنقدها وتتجاوزها.

إن حلها والذي بدأ مع ماركس منذ 1843 في نقده الذي أسيء فهمه في كثير من الأحيان للفلسفة الهيغلية للحق والدولة. في مخطوطة كروزناش  Kreuznach، “يبدو أن التفكير في السياسة والتفكير في الديمقراطية شديدي الارتباط.”[7] في حين أن توكفيل يربط الديمقراطية بالدولة (بـ”الدولة الديمقراطية”) لفصلها وبشكل أفضل عن الثورة، يؤكّد ماركس الشاب انه “في الديمقراطية الحقيقية تختفي الدولة السياسية.” ويطفو بعد ذلك وبشكل مبكّر موضوع الغاء أو انتفاء الدولة. ويؤكد أنه وفي “الديمقراطية الحقة” لا يعني اضمحلال الدولة تحلّل السياسي في الاجتماعي، ولا إقنوم اللحظة السياسية في شكل يحمل الكوني “في الديمقراطية لا تكتسب أي لحظة دلالة لا تعود إليها: كل لحظة في الحقيقة هي لحظة للشعب demos في إجماله.” وتنكشف السياسة عندئذ كفنّ استراتيجي في التواصل.

عند ماركس حدوسات الشباب هذه ليست نزوة نتخلى عنها فورا من أجل رؤية مبسّطة للعلاقة المتضاربة بين الهيمنة والعبودية. لم تُنْسَ “الديمقراطية الحقة” أبدا. يؤكد ميغال أبنصور Miguel Abensour أنها مستمرة كـ”بعد خفي كامن” كخيط وصل يربط مؤلفات الشباب بمؤلفات كومونة باريس أو نقد برنامج غوته La Critique du programme de Gotha.

ندرة السياسة وتقطّع الديمقراطية

لقد أصبح تناقض وتضارب الادعاءات الديمقراطية صارخا في مواجهة العولمة الليبرالية. فليس مفاجئا أن يكون نقد وهم الديمقراطية والنقد الذي وجهه كارل شميدت Carl Schmidt للعجز البرلماني المتزايد وهم ينتقمون من الأخلاق الإنسانوية بالأمس.[8] هذه النقودات الجذرية لديها الكثير من المشترك ويبدو أنها أحيانا تختلط. ومع ذلك فهي تسير في اتجاهات مختلفة بل ومتناقضة.

إن النقد الأفلاطوني لـ”استبداد الكثرة” ومبدأ الأغلبية قد قاد ألان باديو لمعارضة السياسة “لمواجهة دون حقيقة مع تعدد الآراء”. عند رانسيير Ranciére الديمقراطية كحركة تتوسع باستمرار تتعارض مع الديمقراطية كما تفهمها العلوم السياسية، كمؤسسة أو كنظام. يبدو أن الاثنين يتقاسمان فكرة أن السياسة كترتيب استثنائي ونهائي ولَيٌّ للتاريخ أو المدينة نادرة ومتقطّعة فقد كتب رانسيير أنه “ثمة منها القليل” وهي “دائما محلية ومناسبتية”. والاثنين يتقاسمان نقدا للانتخاب كاختزال للشعب في شكله الستاتستيكي. في هذه الأزمان فإن التقييمات من كل الأنواع حيث يجب أن يكون الكل مكمم وقابل للقيس وحيث يكون للعدد فقط قوة القانون وحيث تعتبر الأغلبية صادقة فإن هذا النقودات ضرورية. ولكن هل هي كافية؟

الفيلسوف الملك  

“ينبغي أن أقول لكم أني لا أكنّ أي احترام للاقتراع الكوني في ذاته فهذا يتوقّف على ما يقوم به. إن الاقتراع الكوني هو الشيء الوحيد الذي علينا احترامه بغض النظر عما ينتجه. لماذا إذا؟”[9] هذا التحدي لقانون العدد وللاقتراع يذكّرنا بأن الأغلبية العددية ليست حجة على الحقيقة أو العدالة مطلقا. ولكن لا تقول شيئا عن التوافق الاجتماعي والشكلانية القضائية والتي بدونها يُرَدُّ القانون باستمرار إلى القوة والأكثرية وتحت رحمة تعسف الجميع.

يستند النقد الراديكالي للديمقراطية عند باديو Badiou على تماهيها الخالص والبسيط مع الرأسمالية وتكافؤها مع السوق والذي بحسبه يكون لكل شيء قيمة وتساوٍ:”إذا كانت الديمقراطية تمثيل، فإن ذلك يعود بداية إلى النظام العام الذي تأخذه الأشكال، بمعنى آخر فإن الديمقراطية الانتخابية لا تكون تمثيلية إلا بالقدر الذي تكون فيه  تمثيل توافقي للرأسمالية والذي نسميه اليوم “اقتصاد السوق”، هذا هو فسادها من المبدأ، وليس من قبيل الصدفة أن ماركس اعتقد أنه لا يمكن معارضة مثل هذه الديمقراطية إلا بدكتاتورية انتقالية سمّاها دكتاتورية البروليتاريا. العبارة كانت شديدة لكنها تنير نزاعات الديالكتيكا بين التمثيل والفساد.”[10] فبالنسبة لماركس لا تُنَاقِضُ الدكتاتورية الديمقراطية، وبالنسبة للينين “الدكتاتورية الديمقراطية ليست إلا أكسيوما. إن تسلسل الأحداث التاريخية يكشف عند باديو عن معاينة، أنه وكما لو كان تطوّر كل حدث ونتائجه، وهي مدعومة بالإخلاص للحدث التاريخي، غير مبال بتوجهات وقرارات الفاعلين :” لم يكن استبداد الحزب الواحد عدوا للديمقراطية (الشر المسمى الكليانية) إلا بالقدر الذي استكمل فيه هذا الاستبداد نهاية الحدث الأول للفكرة  الشيوعية.” إن المشكلة الحقيقية الأولى تتمثل في فتح حدث ثان لهذه الفكرة يجعلها تسود على لعبة المصالح بوسائل أخرى غير الإرهاب البيروقراطي. باختصار ثمة تعريف جديد وممارسة جديدة لما سُمِّيَ “ديكتاتورية البروليتاريا.” فبسبب غياب التفكير النقدي والتاريخي والاجتماعي في الأحداث الماضية، فإن هذه الجدة غير المحددة تدور فارغة. إنها تحيلنا وببساطة إلى تجربة قادمة، رغم ذلك فإنه “لا شيء يمكن فعله دون انضباط” بيد أن “المثال العسكري لذلك ينبغي تجاوزه.”[11] يستحضر باديو في نفس المسألة مرحلة ثالثة من الشيوعيّة “متمركزة حول نهاية الانقسامات الاجتماعية ونبذ ادّعاء الأنانية ونقد فكرة الهوية وفرض انضباط ليس عسكريّا” فعلى ما يقوم هذا الانضباط غير العسكري؟ إنه لغز، ففي حالة غياب اتفاق متفق عليه ديمقراطيا بهدف مشروع قانون مشترك، لا يمكن إلا أن يكون على سلطة قائمة على إيمان ديني أو معرفة فلسفية وقولهم للحقيقة.    

على خلاف ماركس لا يأخذ باديو موقعا من قلب التناقض الفعّال لمبحث الديمقراطية بهدف تفجيره من الداخل، ببساطة هو يستبعده برفضه :”هذه النقطة أساسية فمنذ البداية لا تتناقض الفرضية الشيوعية مع الفرضية الديمقراطية التي تعود إلى البرلمانية المعاصرة. إنها تستوعب قصة أخرى وأهداف أخرى.” فما يبدو، مستنيرا بالفرضية الشيوعية، مهما وخلاّقا ومن طبيعة مختلفة عما ينتقيه التاريخ الديمقراطي البورجوازي. لذلك فإن ماركس يتسافى عن كل سياسوية ديمقراطية من خلال التأكيد في كومونة باريس بأن الدولة البورجوازية إذا كانت ديمقراطية وكما نريد فإنه ينبغي تدميرها”[12] :”لكن ماذا بعد الهدم؟” هل الطاولة الجرداء أم الشاطئ النظيف والبدء المطلق في نقاء حافل بالأحداث؟ كما لو أن الثورة لم تقم بحياكة التاريخ والثورة معا، الفعل والمسار المتصل والمنفصل كما لو أننا لا نبدأ دوما من الوسط. إن المشكل الذي لم يسوّى مع باديو هو مشكل الستالينية والماوية – دون خلطهما-. “في زمن ستالين، كان قد كتب في كتيّبه ضد ساركوزي، يجب أن نحسن القول بأن المنظمات السياسية العمالية والشعبية، كانت تقوم بعمل جد أفضل، وأن الرأسمالية كانت أقل إدعاء، بل ليس ثمة مقارنة.” أخذت الصياغة طبعا طابع الاستفزاز، وإن كانت الأحزاب والنقابات العمالية وبلا جدال أقوى “في زمن ستالين”، فإن هذه الملاحظة البسيطة لا تسمح بالقول بأن ذلك كان بفضله أو رغما عنه، ولا أن سياسته كانت وقبل كل شيء مُكْلِفَة لحركة التحرر. وفي الحوار الذي أجراه مع الليبراسيون Libération كان أكثر حذرا :”إن إكباري الوحيد لستالين يعود لكونه قد أرعب الرأسماليين.” وهو إكبار أشد. هل أن ستالين هو الذي أرعب الرأسماليين أم شيء آخر: المقاومة العمالية لسنوات 1930 والمليشيات العمالية من آستوري Asturies وكتالونيا Catalogne ومظاهرات الجبهة الشعبية؟ باختصار خوف الجماهير. ففي كثير من الظروف لم يكن ستالين يرعب الراسماليين فقط وفي ماي 1937 ببرشلونة في الاتفاقية الألمانية السوفياتية لاقتسام يالطا ونزع السلاح عن المقاومة اليونانية كان مساعدا لهم.”[13]    

إن نقد الستالينية عند باديو يردّ إلى مشكلة منهج :”فلا نستطيع أن نوجّه الفلاحة أو الصناعة بطرق عسكرية، ولا نستطيع تهدئة المجتمع بعنف الدولة فما يجب أن نقدّمه للمحاكمة هو خيار التنظيم في حزب، أو ما يمكن أن ندعوه شكل الحزب.” وهكذا ينتهي به الأمر إلى الالتحاق بالنقد السطحي للشيوعيين الأوربيين اليائسين والذين بعد أن تخلوا عن أخذ معايير الجدّة التاريخية وجعلوا مآسي القرن تنبع من شكل حزبي وأسلوب تنظيمي فهل يكفي إذن أن نتخلى عن “الشكل-الحزب”؟ كما لو أن حدثا لا يقل أهمية عن ثورة ديمقراطية مضادة أسفرت عن ملايين الموتى والمبعدين لم تطرح أسئلة مختلفة عن القوى الاجتماعية للعمل، وعلى علاقتهم بالسوق العالمي وعلى تأثيرات الانقسام الاجتماعي للعمل وعلى الأشكال الاقتصادية للانتقال وعلى المؤسسات السياسية وإذا ما لم يكن الحزب هو المشكل وليس عنصر حل؟

“الفائض الديمقراطيى” غير القابل للاختزال

إن الصحفيين الجهلة و/أو الكسالى وهم معرّضون لخطر التفسير الخاطئ قد خلطوا بين ولع رانسيير بـ”فائض الديمقراطية” والديمقراطية التشاركية المحصورة بصلصة سيغولين رويال sauce Ségoléne Royal. على نقيض “النظام العادل” فإن الديمقراطية بالنسبة إليه ليست شكل الدولة، إنها إبداعية هذه الوضعية المفارقية للسياسة، هذه النقطة التي تواجه فيها كل شرعية افتقادها للشرعية الأخيرة، مع الاحتمال المساواتي الذي يدعم الاحتمال اللامتكافئ نفسه.” إنها “الفعل الذي ينتزع من الحكومات الأوليغارشية ودون هوادة احتكار الحياة العامة، ومن الثروة كل سلطة على الحياة”[14] إنها “ليست شكل حكم ولا طريقة حياة اجتماعية” بل “طريقة الموضعة التي بفضلها توجد الذوات السياسية” و”التي تفترض فك السياسة عن فكر السلطة”[15] إنها ” ليست نظاما سياسيا” بل”مؤسسة السياسة ذاتها”

في مؤتمر سيريزي Cerisy  أجاب رانسيير عن المتدخلين الذين عاتبوه على عدم توفّر أجوبة عملية على الأسئلة الاستراتيجية للتنظيم والحزب :”لأنه لم يشعر مطلقا باهتمام بمسألة أشكال تنظيم الجماعات السياسية”[16] فالأهم بالنسبة إليه وعلى مسافة من كل يساروية تأمليّة:”أن يفكّر في السياسة أولا بوصفها إنتاج لتأثير ما” وكـ”تأكيد لقدرة” و”إعادة تشكيل لإقليم المرئي واللامفكّر فيه وللممكن”. ومع ذلك ففي حوار لاحق أهّل موقفه” لا يتعلّق الأمر بتشويه مبدأ التنظيم لصالح تثمين حصري للمشاهد المتفجّرة، إن بحثى خارج كل سياسة أو منظمة معارضة ضد العفوية”[17] إنه يهدف قبل كل شيء إلى الإجابة عما تعنيه سياسة:”السياسة في معناها البحت فوضوية” بمعنى أنها بدون أساس أوّل.

اضمحلال الدولة و/أو السياسة

متغذّين بتجربة الثورة المجرية لسنة 1956 وبالاستبداد البيروقراطي في أوربا الشرقية  رفض أغنيز ميللر Agnése Heller وفرانك فيشر Ferenc Fecher اللذين مارسا باستمرار هلام الدولة “الرؤية الطوباوية لإلغاء الدولة والمؤسسات تماما.” لا  يتعلق الأمر هنا فقط بعمل مستحيل، ولكن بطوباوية تمنع التفكير في “نماذج بديلة للدولة والمؤسسات حيث يتناقص الاغتراب” فـ”إذا ما ابتلعت الدولة المجتمع” فإن الحريات الديمقراطية محكوم عليها بالتلاشي، “وإذا كان لا يمكننا تخيل مجتمع يعبّر عن إرادة متجانسة، لأنه ينبغي أن نأخذ في الاعتبار نظام تعاقد يضمن مراعاة إرادة ومصالح الجميع. ينبغي أن ننظر في الشكل الملموس الذي تأخذه ممارسة الديمقراطية.”[18]

إننا نعرف أن هذا النقد للكليانية البيروقراطية قد قدم للأحزاب “الأوروشيوعية” لسنوات 1980 التبرير النظري لخضوعهم غير المشروط لأوامر رأس المال المستكرش، ومع ذلك كشف عن الغموض والمخاطر المرتبطة بالصياغة الماركسية المترددة لـ”اضمحلال الدولة” إن سلطة الدولة “اضمحلت الآن” كما كتب ماركس في الأسابيع الستة للحرية الجماعية في ربيع 1871. اضمحلت؟ الكلمة شديدة ، يبدو انه يتناقض مع الجدل ضد برودون وباكونين حيث عارض ماركس فكرة إصدار مرسوم لإلغاء العمل المأجور أو الدولة. يتعلق الأمر إذا بمسار حيث يكمن شرط الإمكان في التقليص في ساعات العمل وبتحويل علاقات الملكية وبتغيير فوري لتنظيم العمل. من هنا كانت الشروط الإجرائية لاختفاء أو اضمحلال (الدولة) و التي تؤكد و مثل “الثروة المستمرة” الارتباط بين الفعل والزمن.

لا يتعلق الأمر بتأويل اضمحلال الدولة كامتصاص لكل وظائفها في التصرف الذاتي الاجتماعي أو في مجرد “إدارة الأشياء”، فبعض”الوظائف المركزية ينبغي أن تستمر في البقاء، لكن كمهام عمومية تحت مراقبة شعبية. إن اضمحلال الدولة لا يعني اضمحلال السياسة أو تحللها في التصرف العقلاني البسيط للاجتماعي. يمكن أن نشير أيضا إلى اختفاء مجال المقاومة السياسية بفعل نزوع بيروقراطية المؤسسات والمداولة الدائمة للشؤون العامة. هذا التأويل نجد تأكيده في مقدمة إنجلز في طبعة 1891 :فقد كتب “أن البروليتاريا لا تستطيع أن تتحاشى شذب الجوانب الضارة للدولة إلى حين يكبر فيها جيل في شروط اجتماعية جديدة وحرة ويكون قادرا على التخلص من الشروط التي تسمح بتجاوز زوائدها البيروقراطية. ليس الاستيلاء على السلطة إلا خطوة أولى لبداية ومنطلق المسار وليس نهايته.

أَخَطَأُ روسو؟

إن التناقضات الفاعلة للديمقراطية (و ليس “مفارقاتها” كما كتب ذات مرة نوربيرتو بوبيو Norberto Bobbio ) مدوّنة في بنود العقد الاجتماعي. إذ حالما يتم الاتفاق، حسب روسو “أن القوة لا تصنع الحق” وأننا “لا نخضع إلا للقوى الشرعية” يُطْرَحُ مشكل أسس الشرعية والتوتر غير المحتمل بين الشرعية والمشروعية. من هذه إلى تلك “الدعوة مفتوحة دائما، الدعوة إلى التمرد مدوّنة في الدستور في البند الثاني هي الترجمة القانونية المستحيلة.

إذا كانت الحرية هي” الخضوع للقانون الذي دونّاه سابقا “فإنها تتضمن نفيها الخاص، فهي “الاغتراب الكلي” لكل شريك وجميع حقوقه وللجماعة” إذ أن “كل واحد يهب نفسه للجميع لا يهب نفسه لأحد” وكل واحد حين يضع شخصه تحت التوجيه الأعلى للإرادة العامة” وكل فرد يصبح “جزء غير قابل للانقسام عن الكل يكوّن شخصا عموميا أو “جسما سياسيا”  يسمى دولة حين يكون سلبيا وصاحب سيادة عندما يكون فاعلا. إن الخضوع الطوعي للقانون اللّاشخصي الساري على الجميع يحل محل التبعية الشخصية وعسف النظام القديم، ولكن هذا على حساب العشائرية المتفاقمة والتي تتعارض فورا مع المفترضات الليبرالية للعقد والفردانية التملكية.

هذا التناقض يوجد داخل تصوّر للـ”ملكية العامة” ويتعارض مع الحق غير المحدود للملكية الخاصة. فإذا كانت الدولة سيّدة على كل خيرات أفرادها بفضل العقد الاجتماعي فإنه ينتج عن ذلك أن كل إنسان “له حق طبيعي في امتلاك ما هو ضروري بالنسبة إليه” وأن “الحق الذي كان للجميع” أو أيضا وكما هو الحال عند هيغل “حق الكفاف” le droit de détresse تصبح له الأسبقية على حق الملكية. إن الاتفاق الاجتماعي يحدد إذا بين المواطنين “المتساوين” بموجب المواضعة والقانون” مساواة أخلاقية وشرعية. إن لروسو إذن، وهو في ذلك من الأوائل، ذكاء نظري في ربط المشكل الديمقراطي بمشكل الملكية.

إن فعل الارتباط هو “التزام متبادل” بين العام والخاص، يفترض أن كل متعاقد يتعاقد مع نفسه بوصفه عضوا من الدولة وبوصفه عضوا سياديا، وبالتالي فإنه يُلْزِمُ نفسه بكل ما هو جزء منه. بيد أن طبيعة “الجسم السياسي” تتضمّن استحالة أن يقترح صاحب السيادة القانون الذي لا يستطيع هو ذاته اختراقه. “فلا يمكنه أن يمتلك أي نوع من القانون الأساسي المُلْزِمٌ لجسم الشعب، ولا حتى العقد الاجتماعي، بمعنى آخر “العقد يقبل دوما المراجعة والسلطة التأسيسية غير قبالة للتصرّف. ومن ثمة فإن التمرّد يملك قوة القانون.

ينتج عن ذلك استحالة التمثيل، بما أن “صاحب السيادة هو دائما ما يجب أن يكون عليه” فإذا لم تكن السيادة إلا “ممارسة الإرادة العامة” فلا يمكنه أن يتنازل عنها. يستطيع تفويض السلطة وليس الإرادة، إذ يمكن لصاحب السيادة أن يرغب “الآن وفي الوقت الحاضر لكن ليس غدا”. إنه لأمر سخيف أن تعطي الإرادة العامة نفسها سلاسل في المستقبل” هذا أساس “الديمقراطية المباشرة” والتي بحسبها يكون صاحب السيادة غير ممثل إلا بعين ذاته ” وهذا ما يرفضه روزانفالون Rosanvallon .

معجزة غير محتملة

إن الإرادة العامة دوما “مستقيمة” وتميل دوما إلى النفع العام، ولكن لا ينتج عن ذلك “أن تكون لمداولات الشعب دائما نفس الاستقامة” :”فالشعب لا يخطأ أبدا بل يتم تغليطه” فلا يتم إفسادُ الشعب أبدا بل مغالطته وتوجيهه وغسل دماغه هذه هي النسخة الأصلية للنظرية المعاصرة للمؤامرة. وهذا ما ينقص الفكرة الحاسمة للإيديولوجيا.[19] يترتب عن ذلك منطقيا أنه إذا كان يمكن أن تخطأ الإرادة العامة فإن ذلك يكون بسبب الأطماع والأوهام ومؤامرات أعداء الشعب أو”الجمعيات الجزئية على حساب العظماء”. ينبغي أن يتم حظر كل”مجتمع جزئي (حزب) من الدولة حتى يتمكن كل “مواطن من النظر برأيه الخاص”. المعادلة ترمز إلى الثقة في الذات التي يُفْتَرَضُ أنها حرة وعقلانية فنعود بيسر إلى الثقة في حقيقة أن مجموع المصالح تبلغ ذروتها في مصلحة يتحول لاحقا إلى مصلحة عليا.

عند روسو يتم لاحقا تخفيف هذه الثقة بفكرة أن “الإرادة العامة مستقيمة دائما” بيد أن “الحكم الذي يقودها ليس مستنيرا دوما” إنه يبحث عن إجابة لهذه المعاينة المقلقة من جهة البيداغوجيا والتربية أكثر من جهة التجربة المتضاربة. فعندما “يرغب الجمهور في الخير ولا يراه” فإنه في “حاجة إلى قيادة” تستطيع أن ” تبين له الطريق !

تفشل الإرادة العامة إذا في طريق ديمقراطي مسدود، من أجل إصدار القواعد الفضلى للحياة الاجتماعية. “إن الأمر يتطلّب ذكاء أعلى يحيي كل عواطف الناس دون أن يبرر أحدها” نوع من التوأم القانوني الأخلاقي لشيطان لابلاس. وجهة النظر هذه التي يتعذّر الوصول إليها من شأنها أن تجعل المشرّع ومن كل النواحي رجل خارق في الدولة “إذ أن الذي يأمر القانون لا ينبغي أن يأمر الناس”، هذا المشرّع ينبغي أن يهرول إلى سلطة من نوع آخر. تحتمل أن تقود دون عنف وأن تقنع دون تبرير. وللخروج ممّا تسميه حنة آرندت “الحلقة الدستورية المغلقة” وهكذا أُجْبِر روسو على الالتجاء إلى التعالي التوافقي والدين المدني الذي من المفترض أن يسد الفجوة بين التجانس المثالي للناس وانقسامهم الواقعي الذي يتجسّد في الصراع الطبقي. ولأنه “ليس بإمكان كل إنسان أن يجعل الآلهة تتكلّم” يلوح في الأفق الالتجاء لمهرّج الاستبداد المستنير :”الروح العظمى للمشرّع هي المعجزة التي ينبغي أن تثبت رسالته.”[20]

أن نتفكّر المؤسسة

يبدأ سؤال القديس جوست  Saint -Justحيث يتوقف تفكير روسو، عند عشيّة ثيرميدور Thermidor ، حول أهمية المؤسسات الجمهورية، فالمؤسسات ضمانة للحرية العامة، وهي تُأَخْلِقُ الحكم والدولة المدنية، و”تُقِيمُ الحكم العادل”. “إذ دون مؤسسات تقوم قوة الجمهورية على جدارة البشر أو على الوسائل المحفوفة بالمخاطر.”[21] بعد أيام قليلة من البناء يستحضر القديس جوست الخاسرين الكبار في النضال من أجل التحرر، والذين “لسوء حظهم، ولكونهم وُجِدُوا في بلدان دون مؤسسات، فقد دعموا أنفسهم عبثا بكل قوى البطولة وانكسار الانتصارات التي ألقتهم دفعة واحدة في ليل دائم رغم سنوات الفضيلة” بالنسبة إليهم وكما سيكون الأمر بالنسبة لتشي غيفارا لاحقا، فإن “قوة البطولة” وفضيلة المثال لا تكفي لردم الهوة التراجيدية بين السلطة المُؤَسِّسَة وبين الديمقراطية المؤسساتية.

إن تجربة “الحقائق المحزنة” للثورة جعلتني أدرك، وكما كتب القديس جوست في النص الوصية، فكرة تسلسل الجريمة عبر المؤسسات” في الواقع الغاية من المؤسسات           هو إنشاء كل الضمانات الاجتماعية والفردية لتجنب الخلافات والعنف واستبدال هيمنة الأخلاق عن هيمنة الناس” [22] ويصر أنه وكما لو كانت رسالته الأخيرة قبل أن ينغمس في صمت ليلته الأخيرة “من الضروري استبدال القوة بالمؤسسات والتأثير الشخصي بالعدالة اللامرئية للقوانين.” لا هو ولا حتى تشي غيفارا ولوممبا ولا أي شخص آخر كان لهم الوقت لحل هذه المعادلة للديمقراطية الغريبة وأورثونا لغزها.

يؤكد كاستورياديس Castoriadis أن “التاريخية الاجتماعية” وحدة المجتمع المتمأسس والمجتمع المؤَسَّس وتوترهما، للتاريخ المُنِجَز والتاريخ الذي هو بصدد الانجاز.”[23] فبأي معنى يمكن أن يكون المجتمع مؤسس ذاتيا وأن يتفصّى من الاستدامة الذاتية للمؤسسة؟ هنا تتكوّن “أسئلة أو سؤال الثورة والذي لم بتجاوز حدود المُنَظِّر لكنه يقيم فوق ارض أخرى، هي أرض إبداع التاريخ”[24]  ولنضف :فوق ارض الممارسة السياسية حيث تُمَارَس هذه الإبداعية وفي تاريخ دنيوي مفتوح على لايقين المقاومة.

في اختبار اللايقين

يسمّي كلود ليفور ديمقراطيّة “شكل المجتمع الذي يتفق فيه الناس على العيش في اختبار  اللايقين” و”أين تصطدم الأنشطة السياسية بحدّ، إنها وبالتحديد معرّضة لمفارقة النسبية الريبية التي تشك في كل شيء عدا شكّها. إلى الحد الذي تصبح شكا دغمائيّا أو نظرية شك. مع وعيه بهذا الخطر فإن ليفور يقبل بـ”أن تبلغ النسبوية درجة عليا عندما نصل إلى السؤال عن قيمة الديمقراطية.”[25] لكن كيف نفلت من هذا اللايقين المرسوم في مبدأ الديمقراطيّة عينه؟

يتعلّق الأمر بـ”علمنة الديمقراطية” وتتبّع تحوّل الأنشطة التيولوجية إلى أسئلة دنيوية والكف، من أجل ذلك، على الرغبة في اختزال السياسي إلى الاجتماعي، وإلى البحث عن وحدة أسطورية مفقودة. إن هدف إقامة “مجتمع عظيم” أسطوري وتواصل اجتماعي أصيل Gemeinschaft، هذا الاستيعاب التام للسياسي من قبل الاجتماعي يفترض في الحقيقة مجتمعا متجانسا والذي يتعارض مع عدم تجانس المجتمع غير القابل للاختزال. إن تجربة الأنظمة الكليانية تعلّمنا، كما يؤكد ليفور استحالة معرفة “نقطة انجاز الاجتماعي حيث تكون العلاقات مرئية ومنقالة.”

من وجهة نظر مناقضة تقريبا يعتبر رانسيير أيضا أن الاختزال المثالي للسياسي إلى الاجتماعي” “مثل النهاية السوسيولوجية للسياسي وكاختزال للديمقراطية في “التنظيم الذاتي السياسي للاجتماعي.” العود القوي في السبعينات تحت غطاء الانتقام ” للفلسفة السياسية” و”السياسة المحضة” ولأيديولوجياتها يخفي حقيقة أن “الاجتماعي ليس فضاء للوجود الخالص، ولكن موضوعا متنازعا عليه للسياسة” سيكون ثمّة مأسسة سياسية (وخيالية أو رمزية) للاجتماعي. و”الحوار بين الفلاسفة وعلماء الاجتماع حول عود السياسة وحول نهايتها” لم يكن إلا حوارا مزيّفا “حول النظام الذي يجب أن نفقد فيه المفترضات المسبقة للفلسفة السياسية من أجل تأويل الممارسة التوافقية لإلغاء السياسة.”

أعَلْمَنَةُ الديمقراطيّة؟

لا تُجسّدوا المجتمع، لا تعتقدوا أنه يمكن أن يكون جسدا، ذلك هو الهم البرغماتي لوالتر ليبمان Walter Lipmann في فترة ما بين الحربين بإعادة الفضاء السياسي وإلغاء الصراع الطبقي لصالح دولة شعبية أو “دولة كل الشعب” فـ”لا وجود للمجتمع” وانتهى به الأمر إلى عرض تحدِّ، بالنسبة إليه كما هو الأمر بالنسبة لجون ديوي John Dewey تشير علمنة الديمقراطية إلى إلغاء كل تعالٍ وكل مفارق وكل “عالم خلفي وكل أساس قَصِيٍّ واحترام اللايقين غير المُتَجاوَز للحكم السياسي. فبالإجابة عن تروتسكي والذي، وعلى نقيض الأخلاق النفعية حيث تبرر الغاية الوسائل، يسأل عن مبررات الغاية ذاتها، غير أنه انتهى إلى توسّل المعيار النهائي للصراع الطبقي، وقد وبّخه ديوي لكونه لجأ إلى ملاذ رائع لمتعالي مُعَدَّلٍ، إن دائرة التفاعل بين الغايات والوسائل لا تسمح في الواقع بأي تسرّب والقرار السياسي محكوم عليه وفي جزء غير قابل للاختزال من اللايقين. نحن على محمل مجازفة وعلينا أن نراهن.

لقد وقف ليبمان ضد تصوّر ملتبس  للمجتمع والذي كان “سيمنع الديمقراطية من الوصول إلى فكرة واضحة عن حدودها الخاصة ولأهداف في متناولها.”[26]عليها أن تحلّ وبشكل بسيط ودون مدوّنة أخلاقية كونية تضارب المصالح البسيط. ليس لليبمان أوهام حول التعبير الانتخابي لإرادة شعبية مستقيمة، لأن الناخبين “لا يستطيعون العودة للمشاكل” بسبب ضيق الوقت. بحسب الفرضية المغامرة فإن السياسة لم تكن مهنة، فإن مجموع المهارات الفردية تكوّن في الديمقراطية مهارة مشتركة، إنه يناقض وضوحا مضلّلا :”لا يوجد ضل لمبرر للفكر، وكما يفعل الديمقراطيون المتصوّفون، أن مجموع الجهل الفردي يمكن أن ينتج قوة مستمرة باستطاعتها أن تسيّر الشؤون العامة.” إذا ما دام لا يمكن لكل واحد أن يهتم بالجميع، فإنه من المثالي في النزاع أن تجد الأجزاء المعنيّة مباشرة توافقا، إن تجربة “الشخص الذي هو جزء من اللعبة مختلفة تماما عن تلك التي للشخص الذي هو ليس جزء منها. إن الخلاصة التي فرضت نفسها على ليبمان هي أن المثال الديمقراطي لا يمكن أن يؤدّي من خلال الإفراط في الطموح إلى خيبة أمل وانجرار نحو أشكال من التسلّط الاستبداد. ينبغي إذا “إعادة وضع الجمهور في مكانه” في معنيي العبارة أن نذكّره بواجب التواضع وأن نجلسه في المدرّجات.[27]          

  تناقض الأزمنة والأمكنة

بالنسبة لرانسيير فإن التمثيل هو “بحقّ شكل أوليغارشي”. إنه ومن الأصل، “المناقض الفعلي للديمقراطيّة”.[28] بالنسبة لكاستورياديس وكما هو الأمر بالنسبة لليفور فإن “فصل السلطة” يتضمّن على العكس “مسرحا للتمثيل”. إن الديمقراطية التمثيلية ليس فقط النظام، الذي يكون فيه الممثلين المشاركين في السلطة السياسية مكان المواطنين الذين عيّنوهم ويعطي للمجتمع “رؤية نسبية” على حساب تشويه كبير في كثير من الأحيان. إنها تحدّ بخاصة فضاء المجادلة وتسمح بانبثاق مصلحة عامة غير قطاعية. إن مبدأها الدينامي يصبح “الاعتراف التام بالصراع الاجتماعي وتميّز الفضاءات السياسية والاقتصادية والقضائية والاستيطيقية وتنافر الأخلاق والسلوكات.”[29]     

تبدو التمثيلية إذا كنتيجة، ليس فقط لتنافر المجتمع الذي لا يمكن اختزاله، ولكن أيضا لكثرة انشقاق الأزمنة والأمكنة الاجتماعية والتي تؤسس كثرة والاستقلال الذاتي الضروري للحركات الاجتماعية تجاه الأحزاب وتجاه الدولة. تعمل كعلبة سرعة للأزمنة المتنافرة وكسلّم متحرّك للفضاءات المنفصلة، فإن المقاومة السياسية تحدّد وحدتها، التي تكون دوما وقتية، من وجهة نظر الكل.

إن توسّع الحريات الفردية تصبح إذا غير منفصلة عن تجلّي القضاء العام. عندما يضمحل هذا الفضاء العام، فإن التمثيلية السياسية تصبح تهريجا وهزء. في ما بين الحربين تحوّلت هكذا إلى “أوبيرات” كما لاحظت حنة آرندت أو إلى كوميديا سوداء.

ديمقراطية مباشرة أم قطاعية؟

ما لم نتخيّل الشروط المكانية والزمانية لديمقراطية مباشرة بالمعنى الدقيق للكلمة –دون وسائط- والتي تسمح للشعب أن يكون في اجتماع دائم، أو أيضا مسار للقرعة والتي بحسبها يؤدّي المُنْتَخَب وظيفة دون تفويض لمدة نيابية ولا تمثيل لأحد،  فالتفويض والتمثيل محتّمين. هذا صحيح في مدينة وفي إضراب وفي حزب. فأفضل من إنكار المشكل علينا أن نتعامل معه وجها لوجه وأن نبحث عن طرق التمثيل الذي يضمن أفضل مراقبة من المُفَوِّضِين على المُفَوَّضين وبحدّ من احتراف السلطة.

إن حوار 1921 بين لينين والمعارضة العماليّة في هذا الصدد منير. ألكسندرا كولونتاي Alexandra Kollontai التي وبّخت قادة الحزب على التكيّف مع “تطلّعات غير متجانسة”، والالتجاء إلى مختصّين، ومحترفي سلطة، والالتجاء بسهولة إلى “الاتجاه الوحيد، وتجسيد تصوّر فرداني خاص بالبورجوازية”. لقد كان لها جدارة أن تدرك وقبل الكثيرين مخاطر احتراف السلطة واجتناب ردة الفعل للبيروقراطية الناشئة. بيد أن نقدها، الذي تنطلق فيه هذه الانحرافات من التنازلات لعدم التجانس الاجتماعي، والتي تفترض مسبقا خيال مجتمع متجانس :ألغى دفعة واحدة امتيازات الملكية والولادة، فالبروليتاريا لن تكون إلا جسدا واحدا. فمن يضمن إبداع دكتاتورية البروليتاريا في المجال الاقتصادي؟ تساءلت كولونتاي :”الأعضاء البروليتارية الأساسية التي هي النقابات” أو “على الضد إدارات الدولة بلا علاقات حيّة مع النشاط المنتج، علاوة على ذلك لمحتوى اجتماعي مختلط”؟ وأضافت أنه “هنا تكمن عقدة المشكل.”[30]            

 في الواقع هنا تكمن العقدة. فإرادة حذف التمثيل الاقليمي (فالسوفيات كانت في الأصل أدوات إقليمية[31]) فنميل من ناحية إلى تحويل النقابات إلى أدوات إدارية أو حكومية، ومن ناحية أخرى إعاقة انبثاق إرادة عامة بالإبقاء على انقسام قطاعوي.  إن التشهير بالـ خليط” أو بـ”التركيب الاجتماعي المختلط” يعود في الواقع عدّة مرّات من قلم كولونتاي ومن قلم رفيقها شليابيكوف Chliapikov للتنديد بالامتيازات وبإطارات للنظام السابق. (هذه “المقولات غبر المتجانسة التي يتعيّن على حزبها التنقّل بينها”) هذا الرّهاب من الاختلاط ومن الامتزاج يكشف عن حلم بثورة عمالية نقيّة اجتماعية لا تستهدف الهيمنة. إن نتيجتها المفارقية هي تلك التي للحزب الواحد، تجسيد طبقة واحدة وموحّدة.

إن ما صارعه لينين من خلال المعارضة العمالية كان في الحقيقة تصوّر قطاعوي للديمقراطية الاجتماعية والتي تضع جنبا لجنب دون تأليف المصالح الجزئية للمنطقة، للأعمال والمهن ودون أن تنجح في بلورة مصلحة عامة. عندها يصبح مما لا مفر منه أن  بيروقراطية ستشذب سلطات غير متمركزة وديمقراطية اقتصادية محليّة، غير قادرة على اقتراح مشروع هيمني لكل المجتمع. لذلك لم يكن الجدل حول صلاحية التجارب الجزئية المسجّلة في الحركة الحقيقية التي تهدف لتقويض النظام الحالي، بل حول حدودها.

حول نسبوية العدد

لا علاقة للرقم بالحقيقة، فلم يكن له أبدا قيمة الحجة. إن حقيقة الأغلبية، تستطيع أن تغلق جدلا. غير أن الدعوة تظل مفتوحة. فمن أقلية اليوم إلى أكثرية اليوم، ومن المستقبل ضد الحاضر ومن المشروعية ضد الشرعية ومن الأخلاق ضد القانون.

فمن البديل الجذري لمبدأ الأغلبية الذي هو الملاذ الأخير لا غير، تكون القرعة. ليس من الغريب أن تظهر من جديد حتى في شكل أسطوري كعَرَضٍ لأزمة المؤسسات الديمقراطية الراهنة.[32] لقد منحنا رانسيير الحجة الأشد صرامة. إن غياب عنوان الحكم كما دوّن “هنا يكمن المشكل الأعمق الذي تدل عليه كلمة ديمقراطية لأن الديمقراطية هي “من دواعي سرور اله الصدفة”. إن فضيحة أغلبية ليست قائمة إلا على مبدأ التفوّق. فالقرعة هي الخلاصة المنطقية. لها حتما سلبيات، غير أنها ستكون أقل على كل حال من الحكم عن طريق المنافسة. بالمؤامرة والدسيسة “إن الحكم الرشيد هو حكم الأنداد الذين لا يرغبون في السلطة” والديمقراطية ليست “مجتمعا بحكم، ولا حكما للمجتمع، إنها الفعل هذا الذي لا يقبل الحكم والذي يجب على الحكومة في الأخير أن تقوم على أساسه”[33] إن التعويض الخالص والبسيط للتمثيل بالقرعة لا يدلّ فقط على إلغاء الدولة ولكن أيضا السياسة مداولة حيث تنبثق فرضيات ومشاريع ينبغي إتمامها.

على النقيض من تقليد يريد أن يجعل من الأغلبية مظهرا جوهريا لحكمة ربانية. يدعم ليبمان من جانبه فكرة اقتراع غير متبلورة وبسيطة للاقتراع. فالتصويت ليس تعبيرا عن رأي، بل وعد بسيط بدعم مرشّح. وبالتناسق مع فكرة أن الناخب ليس كفؤا إلا على ما يعنيه شخصيّا. إن ليبمان يجذّر إذا مبدأ التفويض إلى حدّ القبول النظري بالاحتراف الشديد -والاحتكار- للسلطة السياسية. بمعنى العودة الحقيقية للتصور الأوليغارشي.

الوساطة الحزبية

بالنسبة لرانسيير إن “التعب هو ما يفرض أن يتم تمثيل الأشخاص بالحزب”[34]. إن رفض كل تمثيل يتضمّن رفضا قاطعا لفكرة الحزب باعتباره مظهرا من مظاهر التواجد بعين نفسه. لقد رأى ليفور سنة 1975 في الحزب المثال عينه للاقطاعية. وعلى النقيض من كاستورياديس الذي رفض من جهة المبدأ كل بيان أو برنامج يميل إلى رؤية شمولية. في سنة 1993 وبعد أن تجسّد اندفاعه للمعارضة الثنائية بين الكليانية والديمقراطية بدعم ثابت لحرب أوتان بالبلقان وللاستعمار الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية وأعرب أن نقده للأحزاب مهما كان ذا صلة لا يمكن أن “يجعلنا ننسى المقتضى التأسيسي للديمقراطية الليبرالية لنظام تمثيلي”. مع تخصيص دور لا غنى عنه لشبكة منظمات المجتمع المدني، وقد حافظ على أن “عداء الأحزاب هو فقط الذي أظهر طموحات مختلف المجموعات الاجتماعية في شموليتها.”[35] لقد كان من سخريّة التاريخ الوصول عبر طريق ملتف إلى الفكرة اللينينية التي بمقتضاها تكون السياسة والتي هي ضرورية للمجتمع، وتحديدها في الحالة الأخير بالعلاقات بين الطبقات التي تجري من خلال نضال الأحزاب.

بالنسبة لبورديو إن إلقاء الإيمان الديمقراطي في صدق الحاصل الرياضي للآراء الفردية يؤدي منطقيا إلى استعادة أهمية الفعل المشترك، غير أن الحزب ليس الطبقة، والطبقة دوما في إفراط مقارنة بالأحزاب التي تتجه نحو التمثيل. ثمة إذا “تناقض متأصل في السياسة “: الخطر من الترسّب في الاغتراب بالتفويض والتمثيل تحت عنوان التفصّي من الاغتراب في العمل.” لأنه لا توجد كمجموعة (إن لم يكن إحصائيا) قبل عملية التمثيل، فالمهيمن عليهم في حاجة رغم كل شيء للتمثيل. ومن ثمة تكون حلقة مفرغة للهيمنة مكتملة تقريبا، و”السؤال الأساسي شبه الميتافيزيقي ماذا يعني أن نتحدث لأشخاص لا يتكلمون إن لم يتحدثوا من أجل أنفسهم.”[36]    

في الواقع سؤال ميتافيزيقي أو مشكل زائف. يتبع ذلك حتما افتراض عناد يكون بمقتضاه الخاضعون غير قادرين على تحطيم الحلقة المفرغة للإنتاج والتكلم من أجل أنفسهم. رغم ذلك فإن الخاضعين يتكلمون –ويحلمون- وبطرق عدّة. وعكس ما يؤكّده برديو توجد طرق مختلفة بما في ذلك كمجموعات، قبل “عملية التمثيل” وآلاف الأحاديث للعمال والنساء والعبيد شاهدة على هذا الوجود. المشكل المخصوص هو ذاك الذي لكلامهم السياسي. وكما بيّن لينين أن اللغة ليست انعكاسا أمينا للاجتماعي، ولا الترجمة للمصالح القطاعية. لها إنزياحها وكثافتها الرمزية، وأماكنها ومستمعيها المخصوصين. 

في الإبادة اللاهوتية للأحزاب السياسية

يصاحب اليوم إلغاء “شكل-الحزب” عموما دعوة لتحالفات دقيقة، أشكال سائلة وشبكيّة، متقطّعة ومتقاربة ومتشابهة مع الخطاب الليبرالي لحرية التنقل وللمجتمع السائل. هذا الخطاب ليس جديدا تماما. في ملاحظة حول حذف الأحزاب السياسية[37] لم تكتفي سيمون وايل Simone Weil بإيجاد ملجئ في تلك الأثناء في “الفصل العنصري”. لقد ذهبت إلى حد المطالبة بـ “حذف الأحزاب السياسية”. تنبع مطالبتها منطقيا من التشخيص الذي بمقتضاه “تكون بنية كل حزب سياسي” حاملة لـ”شذوذ معوِّقٍ” :”إن حزبا سياسيا هو آلة لصنع انفعال مشترك، لممارسة ضغط مشترك على تفكير كل فرد” فكل حزب يكون إذن “شمولي في جذوره ومطامحه.”[38] من وجهة نظر نقابية ثورية  تكمن هنا التعبيرة النقدية الرائجة اليوم للأحزاب السياسية. فبعد التجربة المعيشة للحرب الأهلية الإسبانية وللمعاهدة الجرمانية السوفياتية و”للكذبة الكبرى” للستالينية نستطيع فهم المصدر: الرعب الذي حدث في مواجهة نماء الآلة الحزبية الكبرى ما بين الحربين وخنق التعددية السياسية. لها في المقابل مديح هائل لـ”اللاإنتماء” ( والذي يحسب بسذاجة كما لو كان تعهّد للحرية الفردية) و”رغبة غير مشروطة للحقيقة” والتي تحيل منطقيا إلى تصوّر ديني للحقيقة يوحي بالنعمة “الحقيقة واحدة !” ” والخير وحده غاية!” لكن من يعلن هذه الحقيقة المطلقة ومن الذي يقرر هذه المصلحة السيادية؟

عندما نلغي السياسة تبقى التيولوجيا :”فالنور الداخلي يمنح دوما من يستشيره الجواب الشافي.” لكن “كيف يمكن أن نرغب في الحقيقة دون أن نعرف عنها شيئا؟” هنا تقبل سيمون وايل بـ”لغز الألغاز” حيث يكون التوضيح حشوا. تولد الحقيقة من الرغبة في الحقيقة :”الحقيقة هي الأفكار التي تطفو في فكر الكائن المفكّر، والذي وحده وبشكل كلي وحصري يرغب في الحقيقة. إنه وبالرغبة في حقيقة خاوية ودون محاولة أن يكون محتواها مقدّما نتلقّى النور”. هذا الانكشاف بالنعمة وهذا البحث عن الصفاء يقود حتما إلى مفارقة فردانية تسلطيّة –لكل واحد حقيقته. برفض كل سلطة مشتركة ينتهي وبطريقة اعتباطية إلى فرض سلطته الخاصة. وهكذا “فإن إلغاء الأحزاب يكون خيرا خالصا تقريبا”[39]؟ لكن بماذا سيتم تعويضها؟ تتخيّل سيمون وايل نظاما انتخابيا بدل أن يقوم المترشحون بعرض برنامج يكتفون بالتعبير عن رأي ذاتي:”أفكر في هذا الشيء أو ذاك فيما يتعلّق بهذا المشكل الكبير أو ذاك” لا أحزاب إذا ولا يسار ولا يمين. غبار وسحابة أفكار متغيّرة :الناخبون يتّحدون ويتفرّقون حسب “اللعبة الطبيعية وحركات التقارب””. من أجل تجنّب أن تتبلور هذه التقاربات السائلة والمتقطّعة أو أن تتخثّر، يجب الذهاب إلى حد منع انتظام قرّاء المجلاّت أحيانا في مجتمع أو جماعة من الأصدقاء :”في كل مرة يتجه فيها وسط إلى التبلور بإعطاء خاصية نهائية لنوعية العدد، ثمة قمع جنائي عند ثبوت الحقيقة”[40] وهو ما يعيدنا إلى  السؤال من يشرّع القانون، وباسم من تمارس هذه العدالة الجنائية.

إن رفض السياسة الدنيوية وشوائبها وعدم يقينها وتوافقاتها الساذجة  يعيد التيولوجيا من باب النِّعَم والمعجزات والوحي والتوبة والاستغفار. إن الفرار الوهمي للتخلّص من العبودية يديم العجز. وبدلا من التظاهر بالفرار إلى التناقض بين لامشروطية المبادئ ومشروطية الممارسات، إن السياسة استقرار وللعمل عليها من أجل تجاوزها وليس مطلقا إلغاءها. إذن ألغوا وساطة الأحزاب وستحصلون على الحزب الواحد –هو الدولة- و”بلاأحزاب” ! لن نخرج.

عدم الثقة في المنطق الحزبي غير أن نسبته إلى نموذج ما محدودة بعض الشيء-الشكل-الحزب- المسؤولية الحصرية عن مخاطر البيروقراطية ومآسي العصر. التوجّه الكبير نحو البيروقراطية مسجّلة في تعقّد المجتمعات الحديثة وفي منطق التقسيم الاجتماعي للعمل. إنها تطارد كل أشكال التنظّم. إن إلغاء الأحزاب الذي تطالب به سيمون وايل تكشف عن وثنية معكوسة، عن حتمية تنظيمية مسطّحة والتي تطبع التنظيم عوض أن تؤرخنه. بدل أن تفكّر في تطوّره وتنوّعه تبعا للتغيرات في العلاقات الاجتماعية وفي وسائل الاتصال.

الثورة الديمقراطية المستمرّة

خلافا للفكرة الشائعة فإن ماركس لم يحتقر إطلاقا الحريات الديمقراطية والتي وصفها بالشكلية. ضليع في قانون المعلومة أدرك جيدا أن الأشكال ليست خاوية وأن لها نجاعتها الخاصة. وقد رسم فقط الحدود التاريخية :”التحرر السياسي (لحقوق المواطن) هو تقدّم عظيم، وهو ليس حتما الشكل الأقصى للتحرر الإنساني بصورة عامة، لكن الشكل الأخير للتحرر الإنساني ضمن نظام العالم كما يوجد لحد الآن.[41] كان عليه أن يستبدل “مشكل علاقات التحرر السياسي من الدين” بـ”بعلاقات التحرر السياسي بالتحرر الإنساني” أو الديمقراطية السياسية بالديمقراطية الاجتماعية. هذه المهمة لتثوير الديمقراطية أصبحت عملية مع ثورة 1848، ويبقى استكمالها حتى لا يميل نقد الديمقراطية البرلمانية نحو حلول سلطوية ونحو جماعات أسطورية.

يتحدّث رانسيير عن “فضيحة ديمقراطية” فكيف يمكن أن تكون الديمقراطية فضائحية؟ لأنها وبدقة ومن أجل أن تحي عليها الذهاب إلى بعيد تخرق باستمرار أشكالها المؤسسة وتهز أفق الكوني تضع المساواة على محك الحرية. ولأنها تطمس بلا هوادة الانقسام غير المؤكد بين السياسي والاجتماعي وتطمس الاعتداءات خطوة خطوة الهجمات على الملكية الخاصة وتعدّي الدولة على الفضاء العام والخير العام. ولأنها يجب أن تسعى في الأخير  وفي كل المجالات إلى توسيع مسارات الوصول إلى المساواة والمواطنية. لذلك فإنها عين ذاتها فقط إذا كانت فضائحية.
_____________   

الهوامش

[1] New York Daily Tribune, 25 juin 1853.

2 Enzo Traverso, Le Totalitarisme. Le XXe siècle en débat, Paris, Point, Seuil, 2001.

3 Trotski, Staline, Paris, Grasset, 1948.

4 Jacques Ranciére, La Haine de la Démocratie, Paris, La Fabrique, 2005 , p44.

5 Pierre Rosanvallon, La légitimité Démocratique, Paris, Seuil, 2008, p.3

 بالنسبة لإيمانويل تود Emmanuel Todd ((Après la démocratie, Paris, Gallimard, 200 لا يمثل ساركوزي المشكل الحقيقي، ولكنه من أعرض “الاهتزاز العام للديمقراطية” الناتجة عن “تلاشي الاعتقادات المشتركة القوية والمستقرّة، من أصل ديني، المتجذّرة في الأقاليم. بالنسبة له : إن الوقت قد حان لإعادة التجذّر، والمخاطرة بتنشيط الأساطير القومية والهويات الثقافية. ففي عالم حركة الأموال دون حدود والملاجئ الضريبية، أين نريد أن تتجذّر الديمقراطية؟ وما العمل حتى نمنع هذا البحث في الأصول والجذور من الانحطاط إلى عبادة الدم والموتى؟

6 Raymond Aron, Introduction à la philosophie politique ; Démocratie et Révolution, Livre de poche, 1997, p.63.

7 Miguel Abensour, Parlementarisme et démocratie, Paris, Seuil, 1988.

8 Carl Schmitt, Parlementarisme et démocratie, Paris, Seuil, 1988.

9 Alain Badiou, De quoi Sarkozi est-il le nom ?, Paris, Edition, Ligne, 2007,p.42.

10 نفس المصدر ص 122.

11 Alain Badiou, « Mai 68 puissance 4 » à Bâbord !avril 2008.

12 Alain Badiou, de quoi Sarkozy… op cit, p134.

13 أنظر Luciano Canfora, La Démocratie, histoire d’une idéologie, Paris, Seuil, 2007.

14 j. Ranciére, La Haine de la démocratie, op, cit, p.103-105.

15 J. Ranciére, Au bord du politique, Paris, La Fabrique, 1988, p.13.

16 La Philosophie déplacée, colloque de Cerisy, Horlieu Editions, 2006.

17 Repris dans Politiquement incorrects, Entretiens pour le XXIe siécle, Daniel Bensaid (ed), Paris, Textuel, 2008.

18 Agnés Heller et Fernc Fecher, Marxisme et démocratie, Petite Collection Maspero, 1981, pp. 127 et 237, Ibid, p301.

19 أنظر: Isabelle Garo, L’idéologie ou la pensée embarquée, Pais, La Fabrique, 2009.

20 Jean-Jacques Rousseau, le Contrat social, Paris, Aubiers, 1943,

21 Saint Just, « Institution républicaines », in Œuvres complètes, Paris, Folio Gallimard, 2004, p.1087.

22 نفس المصدر ص 1091.

23 Cornelius Castoriadis, L’Institution imaginaire de la société, Paris, Point, Seuil, 1999, p.161.

24 نفس المصدر ص 319.

25 Claude Lefort ? Le temps présent, Paris, Belin, 2007, p635.

26 Walter Lipmann, le fantôme du public, Paris, Demopolis, 2003, p.39.

27 المصدر السابق ص. 143.

28 La  Haine de la démocratie, op cit, p60.

29 Le Temps présent , op, cit, p478.

30 Alexandre Kollontai, L’Opposition ouvrière, Paris, Le Seuil, 1974,p50

31 أنظر Oskar Anweilher, Serge Bricianer, Pierre Broué, Les Soveits en Russie, 1905-1921. Paris, Gallimard, 1972.  

32 أنظر Luciano Canfora, op, cit.

33 La  Haine de la démocratie, op cit, p57.

34 J. Ranciére, La Philosophie et ses pauvres , Paris, Champs Flammarion, 2006, p204

35 Le Temps du présent, op cit, p941.

36 Pierre Bourdiou, Propos sur le champ politique, Lyon, Presses universitaires de lyon, 2000, p71.61.

37 Simone Weil, Note sur la suppression générale des partis politiques, publiée en 1950, sept mois après sa mort, aux éditions de la Table ronde, rééditée en 2006 aux éditions Climats avec une préface d’André Breton.

38  نفس المصدر ص 35.

39 نفس المصدر ص 61. في مقدمته يسعى أندريه بريتون André Breton جاهدا لإحداث فارق بسيط في البيان من خلال استبدال “الإلغاء” بـ”النفي” الذي لا يعدّ إجراء تشريعيا مباشرا، بل مسار تاريخي، ونتيجة “لعمل كبير لخيبة الأمل المشتركة”، دون استبعاد فرضية اضمحلال الدولة والسياسة والقانون. لكن وفي الانتظار ما الذي نفعله؟     

40 نفس المصدر ص 65.

41 Karl Marx, Sur La question juive, Paris, La Fabrique, 2006,p44.


 

وسوم:

اترك رد

جديدنا