إسهامات أوغست كونت في علم الاجتماع الحديث

– تمهيد:

يعتبر كونت (1798-1857) مؤسس علم الاجتماع الحديث، وهو أول من صاغ كلمة ” سوسيولوجيا “. اكتسب علم الاجتماع على يده أبعاده الحقيقية، حينما حدد إطاره العام حيث اسماه ” علم دراسة المجتمع “، وعرفه بأنه ” علم دراسة قوانين ظواهر المجتمع “. سعياً منه لتوضيح العلاقات بين الظواهر الاجتماعية وضعياً بغية تحليلها وتفسيرها واستخلاص قوانينها العامة، فهو الشيء المهم لديه. حاول كونت من خلال مؤلفاته، صياغة أسس علمه الجديد الذي أطلق عليه في بادئ الأمر اسم ” الفيزياء الاجتماعية ” ثم أطلق عليه بعد ذلك اسم ” علم الاجتماع “، وفي هذا الصدد يقول: ” بما أن الفكر البشري الآن قد أسس الفيزياء السماوية، والفيزياء الأرضية سواء الميكانيكية أو الكيماوية والفيزياء العضوية سواء النباتية أو الحيوانية، يبقى عليه أن يتمم نظام علوم الملاحظة ببنائه للفيزياء الاجتماعية. هذا ما يبدو عليه اليوم في ضوء عدة علاقات رئيسية، أكبر وألح حاجة لعقلنا: مثل هذا الشيء، أقولها بجرأة، هو الهدف الأول لهذه المحاضرة، هدفها المميز ([1]). من أهم كتبه، ما يلي:

– “ دروس في الفلسفة الوضعية ” يتألف من ستة مجلدات نشر في الفترة الواقعة ما بين (1830-1842).

– ” أحاديث عن مجمل الوضعية ” (1848)

– ” مذهب السياسة الوضعية ” يتألف من أربعة مجلدات نشر في الفترة الواقعة ما بين (1851-1854)([2]).

يهدف هذا المقال إلى توضيح إسهامات أوغست كونت في تأسيس علم الاجتماع الحديث من خلال العناصر التالية:

أولاً– أثر أحداث السياق الاجتماعي على فكره: عاش كونت فترة عرفت فيها فرنسا أشد الاضطرابات. ولد الفكر السوسيولوجي لكونت في ظروف كان فيها المجتمع الفرنسي ممزقاً بين الثوريين، والتنويريين من ناحية، والمساندين للإمبراطورية والحكم الملكي من ناحية أخرى. بعبارة أخرى، كانت فرنسا في حالة اجتماعية انتقالية. اعتقد كونت أن الثورة الفرنسية فشلت نتيجة للإيمان العقلاني الذي تبناه التنويريون، وهو يرى أن التغيير الاجتماعي يجب أن يستند على التراث الحي لماضي المجتمعات، وعلى فهم مبادئ النظام الاجتماعي. ويؤكد كونت أن المرحلة التي عايشها كانت نقطة تحوّل من عالم ديني وميتافيزيقي إلى عالم علمي.

وهكذا شعر كونت بأنه اكتشف قانوناً يتحكم في العقل البشري سماه قانون المراحل الثلاث ومن ثم، استنتج هذا المفكر أن علم الاجتماع هو آخر العلوم في الظهور في مسيرة الثورة العلمية، لأنه الأكثر تعقيداً وواقعية. وبوصفه علماً لدراسة المجتمع، فهو يهدف إلى كشف الستار عن القوانين العامة التي تتحكم في تنظيم، وتطور مسيرة البشرية. ومنه يهتم هذا العلم بدراسة الثابت والمتغير في المجتمع ([3]).  

انطلقكونت في دراساته من النقاط التالية: يجب إنقاذ الإنسانية من الفوضى والانقسامات والويلات، والتوصل إلى توحيد الأفكار والعقول وتوجيهها وانتظامها، ولكن كيف ؟ في رأيه نتوصل إلى مهمتنا بما يأتي:

1. تأسيس عقيدة مؤلفة من معتقدات عامة تقوم على العلم.

2. تأسيس عقيدة أقل عمومية مؤلفة من حقائق علمية متعلقة بالعلم الاجتماعي.

3. تأسيس عقيدة أخلاقية وسياسية تستمد أصولها من هذا العلم الاجتماعي نفسه.

ويرى كونت أن العقيدة الأولى تنحصر في الفلسفة الوضعية، لكن ما هي الفلسفة الوضعية ([4]).

ثانياً- معنى الفلسفة الوضعية عند كونت: إذا طرحنا السؤال نفسه على كونت ما هي الفلسفة الوضعية ؟ الجواب: ليس هناك تعريفاً موحد الدلالة عند كونت، ولهذا سنحاول فهم لفظ الفلسفة الوضعية وفقاً للسياق النصي، إذ يمكننا الوقوف عند الدلالات التالية:

معنى عام: وهو المشترك بين مختلف استعمالات الفكر البشري، والذي يتجسد بقانون الحالات الثلاث.

معنى نقدي: وهو مناقض للميتافيزيقا (ما وراء الطبيعة)*، والذي يشمل كل التراث الفلسفي للوضعية.

معنى نسقي: هو نسق المعارف العلمية. ” تعني بالظواهر والوقائع القائمة، وتهمل كل تفكير تجريدي، وكذلك أي حديث عن الأسباب المطلقة “([5]).

ولكن على العموم يقوم الإطار الفكري عند كونت على دعائم الفلسفة الوضعية ([6])، التي تعتقدأن الفكر البشري لا يدرك سوى الظواهر الواقعية التي تتمثل في المجال الحسي والإدراكي، وأن مهمة العلم والمعرفة هي إبراز العلاقات والقوانين القائمة بين الأشياء، وأن المنهج التجريبي، أي الطريقة القائمة على تتبع الظواهر واكتشاف ارتباطاتها الواقعية هي المثل الأعلى اليقيني.

تعتبر الفلسفة الوضعية بشكل عام نسقاً معرفياً يستند إلى التجربة والمعرفة الامبيريقية للظواهر الطبيعية، وهي تنظر إلى التفكير الميتافيزيقي بوصفه نسفاً فكرياً عديم الفائدة والجدوى. وتعني الفلسفة الوضعية عند كونت الفلسفة التي تؤمن بالسببية وتستهدف دراستها الوصول إلى قواعد وقوانين أخلاقية ثابتة ونهائية تحكم الظواهر الإنسانية.  

لا تقوم الفلسفة الوضعية على الخيال ولا تتصور ما ينبغي أن يكون، ولا تستند إلى التحليل التجريدي بما يحتويه قلب الإنسان من مشاعر خاصة، بل تستند على العلم وتقوم على ملاحظة الواقع وتنظر إلى الإنسان كما هو كائن بالفعل، كما هو ينبغي أن يكون، كما تقوم على التجارب التي أحرزتها الإنسانية والدوافع التي دفعتها للقيام بهذا النشاط.

بذلك يرى كونت أن علم الاجتماع يجب أن يدرس ويفسر ويفهم، على أساس موضوعي وعلمي بالوقت نفسه، وهذا ما جاء به في نزعته الوضعية التي تعتمد كلياً على التفسير العلمي بصورة أساسية ([7]).

وعلى الرغم من أن كونت هو الذي أعطى اسم العلم المستخدم الآن، فقد كرس جهوده للدعوة للعلم، أكثر من اهتمامه بتحديد موضوع العلم. ويعتبر أن علم الاجتماع يقف بالنسبة لمستقبله بنفس الظروف التي وقفها ذات يوم التنجيم من علم الفلك.

بناءً على تقدم، يرى كونت أن التنظيم الاجتماعي يقوم على التنظيم العقلي، فقد كان المفكرون الذين عاصرهم كونت يحاولون إيجاد حلول للمشاكل الاجتماعية القائمة في المجتمع بطرق مثالية. لكن كونت اقتنع بأن هذه الطريقة عقيمة إذ أن طبيعة المشكلات الاجتماعية وتعقيدها تحول دون حلها بهذه السهولة. فيجب إذن الانصراف إلى البحث قبل الشروع في وضع الاقتراحات العملية، وإذا أغفلنا هذا المبدأ لا نفعل سوى زيادة ما لدينا من الأحلام السياسية أو اليوتوبيا.

وقد لاحظ كونت أن النظم الاجتماعية تتوقف على العادات والعرف، كما تتوقف العادات الخلقية بدورها على المعتقدات، فيجب إذن قبل الشروع في وضع النظم الجديدة أن ننظم طريقة التفكير. وذلك لا يمكن تحقيقه إلا بإيجاد مجموعة من الآراء التي تتقبلها العقول. فالتنظيم الاجتماعي يتوقف في نظر كونت على التنظيم العقلي القائم بطريقة التفكير الوضعي التي يتميز بها التفكير العلمي في العصور الحديثة.

ثالثاً– تصنيف كونت للعلوم: صنف كونت العلوم إلى خمس مجموعات، بدأ ترتيبه لها من الأبسط إلى الأكثر تعقيداً بادئاً بالفيزياء السماوية والأرضية، الفيزياء الميكانيكية والكيميائية ثم الفيزياء العضوية، فالفيزياء النباتية والحيوانية، أخيراً الفيزياء الاجتماعية التي غير اسمها إلى علم الاجتماع ([8]). ذلك العلم الذي يتخذ من الظواهر الاجتماعية موضوعاً للدراسة باعتبار هذه الظواهر من روح الظواهر العلمية والطبيعية والكيميائية والفسيولوجية نفسها من حيث كونها موضوعاً للقوانين الثابتة.

وفي النهاية صنف كونت العلوم إلى ست مجموعات: أولها الرياضيات، ثم الفلك، والفيزياء، والكيمياء، وعلم الحياة، وعلم الاجتماع أو الفيزياء الاجتماعية. وبالتالي، فالرياضيات مفتاح العلوم جميعاً. أما علم الاجتماع، فهو آخرها وتاجها جميعاً، وتلك حقيقة، إذ إن الرياضيات هي أول العلوم، فقد توصل إليها اليونانيون، ثم تلاها علم الفلك الذي ظهر على يد كوبرنيكوس*، وغاليلو**، ثم الفيزياء التي ظهرت في القرن السابع عشر عند نيوتن والكيمياء عند لافوازييه، ثم علم الأحياء في القرن التاسع عشر عند روبرت هوك وداروين، وأخيراً علم الاجتماع في القرن التاسع عشر على يدي أوغست كونت.

رابعاً– موضوع علم الاجتماع عند كونت: قسّم كونت موضوع الدراسة في علم الاجتماع إلى قسمين أساسيين هما: 

أ- الاستاتيكا الاجتماعية: عالج كونت هذا الموضوع في الدرس الخمسين من  ” دروسه الفلسفة الوضعية “، فالاستاتيكا الاجتماعية هي نوع من التشريح الاجتماعي ([9])، وهي تدرس الظواهر المجتمعية في حالتها الساكنة والثابتة والنسبية، كدراسة النظم الاجتماعية الجزئية ( النظام الأسري، والنظام التربوي، والنظام السياسي، والنظام الاقتصادي…)، بالتركيز على العلاقات الترابطية والسببية بين المتغيرات. حيث تعبر عن فكرة النظام والاستقرار

بذلك يمكننا القول إن هذا القسم يهتم بدراسة الظواهر المستقرة والكشف عن قوانين الاستمرار والاستقرار والتعايش والبقاء، وهي قوانين تحكم العلاقات بين الأجزاء والعناصر المكونة للظواهر سواء في الكون كامله، أو في الجسم الإنساني، أو في المجتمع.        

ب- أما الثاني الديناميكيا الاجتماعية: يشرح كونت هذا القسم في سبعة دورس (51- 57) ([10])، وهي تدرس التغير وحركة المجتمع عبر الصيرورة الزمنية، أي الذي يختص بدراسة القوانين الاجتماعية، والسير الآلي للمجتمعات الإنسانية والكشف عن مدى التقدم الذي تخطوه الإنسانية في تطورها. حيث تعبر عن نظرية تطور المجتمعات (قانون الحالات الثلاث) وفكرة التقدم.

بمعنى آخر، ينشغل هذا القسم بدراسة التغير والتطور الذي يطرأ على العلاقة بين الأنظمة الأساسية في مختلف المجتمعات الإنسانية عبر العمليات التاريخية التراكمية، ويعني به التغير الذي يطرأ على الأسرة والدين، وتقسيم العمل، والحكومة وعلى ترابطهما البنائي، وتساندها الوظيفي، والاعتماد المتبادل فيما بينهما في مجتمعات بعينها. إنها دراسة النمو والتطور في ذاته، وهو يأخذ طابعاً تقدمياً بالأساس وبحسبان أن التقدم ظاهرة عامة وملحوظة في كل المجتمعات الإنسانية ([11]).

وفيما يخص فكرة التقدم يرى كونت أن التقدم الاجتماعي لابد أن يكون خاضعاً لقوانين ولعل هذه الفكرة كانت غائبة عن أذهان المفكرين السابقين الذين درسوا الحركات الاجتماعية بوصفها ذبذبات أو اضطرابات وهو يرى أن انتقال الإنسانية من مرحلة إلى أخرى يكون عادة مصحوباً بتقدم أو تحسن يبدو في مظهرين:

1) التقدم المادي.

2) التقدم في الطبيعة الإنسانية. فالتقدم المادي يكون أوضح، وأسرع حركة، وأسهل تحقيقاً، أما التقدم في الطبيعة الإنسانية فيكون واضحاً في الطبيعة البيولوجية والعقلية، وهو يرى ” أن الجانب العقلي من التقدم جانب أساسي وظاهر، فالتاريخ يحكمه ويوجهه نمو الأفكار وتشعبها، وأن النمو العقلي كما يعتقد كونت غالباً ما يؤدي إلى النمو المادي ويثيره ([12]).

ويرى كذلك أن الإنسان يبدو غالباً مشغولاً بإشباع حاجات مادية ولذلك فإن التقدم يكون واضحاً وظاهراً بالفعل في مجال السيطرة على قوى الطبيعة لكن كونت يصر على أن النمو العقلي يؤدي إلى النمو المادي. ولقد دعم كونت نظريته المتفائلة بقبوله النظرية التي تقول أن السمات التي يكتسبها الفرد خلال حياته يمكن أن تنتقل بالوراثة البيولوجية إلى الأبناء، كما اعتقد كونت أن التطور الاجتماعي ما هو إلا استمرار للتقدم العام الذي يبدأ من مملكة النبات، فالسلسلة الاجتماعية الكبرى تتطابق مع سلسلة الكائنات الكبرى وليس مع تتابع المراحل العمرية لكائن عضوي بسيط ويعد هذا الافتراض عنصراً أساسياً في نسق فكري يؤكد التقدم المستمر. وتمثل الديناميكا الاجتماعية ما يعرف الآن في علم الاجتماع باسم التغير الاجتماعي.

كما اتسع نطاق مناقشة الاستاتيكا الاجتماعية – والذي أخذ فيما بعد تسمية جديدة هي ” البناء الاجتماعي ” – وبالأخص بعد ظهور الاتجاه البنائي الوظيفي الذي يقوم في جوهره على تصور المجتمع كبناء مكون من أجزاء متعددة تقوم كل منها بوظيفة محددة، وتترابط الوظائف وتتكامل فيما بينها للمحافظة على هذا البناء.

خامساً– قانون الحالات الثلاث عند كونت: في ضوء دراسته ومنهجه أفاد كونت بأنه توصل إلى ما أسماه “قانون الحالات الثلاث” ومضمون هذا القانون هو أن الحالة الفكرية هي التي توجه وتحدد كل ما عداها من صور الحياة الاجتماعية. وأن جوهر العملية التاريخية هو تطور الفكر. إذ يعتقد أن تطور الأفكار البشرية مر بثلاثة عهود أو ثلاث حالات هي([13]):

1- الحالة الدينية (اللاهوتية): كان الإنسان، في هذه المرحلة، يفكر بطريقة خيالية، وإيحائية، وأسطورية، وخرافية، وسحرية، وغيبية، ودينية، وكان يفسر ظواهر الطبيعة وفق قوى خفية مصدرها الأرواح، والشياطين، والعفاريت، والآلهة. ولم يكن هناك أدنى اعتراف بالحتمية التجريبية أو العلمية، فالقانون الوحيد هو الصدفة فقط. ” هذا هو زمن المعتقدات السحرية، الفتشية، الأرواح، الأديان، عالم يتجه إلى ما هو أبعد من الواقع (أو إلى الآخرة)، نحو عبادة الأسلاف، عالم حيث الموتى يحكمون الأحياء “([14]).

2- الحالة الميتافيزيقية: انتقل الإنسان، في هذه المرحلة، من الميتوس والخيال (الفكر الأسطوري) إلى اللوغوس والفكر المجرد (العقلاني). وبدأ يهتدي بالتأمل الفلسفي، واستخدام العقل والمنطق، والاستدلال البرهاني، والحجاج الجدلي. وتواكب هذه المرحلة الفكر الفلسفي الميتافيزيقي من مرحلة الفلسفة اليونانية حتى القرن التاسع عشر، قرن التجريب والاختبار والوضعية. وكان الفلاسفة يرجعون الطبيعة إلى أصول ومبادئ كامنة في تلك الظواهر، كتفسير ظاهرة النمو في النبات إلى قوة النماء، وظاهرة الاحتراق بإله النار. ” وهذا يعني أن الفكر بقي حبيس تصورات فلسفية مجردة وكونية ويرد الواقع إلى مبادئ أولية. هذا هو منهج الفيلسوف كما يكتب كونت”([15]).

3- الحالة الوضعية: في هذه المرحلة، تجاوز العقل الإنساني مرحلة الخيال والتجريد، وبلغ درجة كبيرة من الوعي العلمي، والنضج التجريبي باعتباره عصر جديد للفكر. إذ أصبح التجريب أو التفسير منهج البحث العلمي الحقيقي، ثم الاعتماد على المعرفة الحسية العينية، وتكرار الاختبارات التجريبية، وربط المتغيرات المستقلة بالمتغيرات التابعة ربطاً سببياً، في ضوء مبدأ الحتمية أو الجبرية العلمية. وتعد هذه المرحلة أفضل مرحلة عند كونت، وهي نهاية تاريخ البشرية. ” بذلك تعني الوضعية السوسيولوجية عند كونت محاولة نقل مناهج العلوم الطبيعية عند دراسة الإنسان والمجتمع والظواهر الاجتماعية، وهذا هو جوهر المذهب الوضعي عند كونت “([16])، الذي يهدف إلى حل مشكلة التنظيم الاجتماعي: ” المعرفة من أجل التنبؤ، التنبؤ من أجل القدرة ” هكذا انهى كونت محاضرته في الفلسفة الوضعية، حيث بقي إنجاز المشروع، وهنا يقع منعطف كبير في حياة كونت ([17]).

توافق – حسب كونت – كل مرحلة من هذه المراحل تطور الإنسان من الطفولة حتى الرجولة، إذ تتوافق المرحلة اللاهوتية مع مرحلة النشأة والطفولة، وتتماثل مرحلة الميتافيزيقا مع مرحلة الشباب والمراهقة، وتتطابق مرحلة الوضعية مع مرحلة النضج والرجولة والاكتمال.

6- منهج البحث والدراسة عند كونت: ” تدعي الوضعية تكوين نظريات اجتماعية عن المجتمع من خلال الملاحظة والتجارب ومن ثم شرح وتفسير القوانين التي تحكم التغير الاجتماعي، لذا يؤمن أنصار المنهج الوضعي بوحدة الوسائل العلمية، وأننا نستطيع أن نوضح بموضوعية كيف تعمل البنى الاجتماعية من خلال نتائج ملموسة “([18])، بناءً عليه يتلخص بالملاحظة والتجربة والمنهج المقارن ثم ما يسميه كونت بالمنهج التاريخي، وهو كما يلي:

1- الملاحظة: المقصود بالملاحظة ليس مجرد الإدراك المباشر للظواهر ولكن هناك وسائل أخرى مثل دراسة العادات والتقاليد والآثار ومظاهر الفنون الأخرى، وتحليل ومقارنة اللغات والوقوف على الوثائق والخبرات التاريخية ودراسة التشريعات والنظم السياسية والاقتصادية وما إليها. والملاحظة الاجتماعية ليست سهلة وذلك لطبيعة تداخلها وكذلك لأن الفرد يشارك فيها بدرجة أو بأخرى، لذا يجب النظر إلى الحقائق الاجتماعية على أنها موضوعات منعزلة عنا وخارجة عن ذاتنا ومنفصلة عن شعورنا حتى نستطيع أن نصل من وراء الملاحظة الاجتماعية إلى نتائج أقرب إلى حقائق الأمور، وهو يرى أن الملاحظة أو استخدام الحواس الفيزيائية يمكن تنفيذها بنجاح إذا وجهت عن طريق نظرية.   

2- التجربة: يقصد بها كونت باستخدام التجربة الاجتماعية غير المباشرة في دراسة الظواهر الاجتماعية، وذلك بالمقارنة بين الحالات الطبيعية والحالات الباثولوجية (المرضية). وهذه الحالات الأخيرة كثيرة في المجتمع كالثورات والقلاقل، والأزمات الاقتصادية والاضطرابات الداخلية ([19]).

3- المنهج المقارن: وهو يرى أن المقارنة الاجتماعية بالمعنى الصحيح تقوم على مقارنة المجتمعات الإنسانية بعضها ببعض للوقوف على أوجه الشبه وأوجه التباين بينها.

4- المنهج التاريخي: ويسميه كونت بالمنهج السامي ويقصد به المنهج الذي يكشف عن القوانين الأساسية التي تحكم التطور الاجتماعي للجنس البشري باعتبار هذا الجنس وحدة واحدة تنتقل من مرحلة إلى أخرى أرقى منها. فجميع الظواهر تتطور في وقت واحد، ويؤثر بعضها على البعض الآخر كما يتأثر به، ولا يستطيع تفسير سير التطور المستمر لإحدى هذه الظواهر دون أن تكون لدينا أولاً فكرة عامة عن تقدم الإنسانية جمعاء. ومعنى ذلك أن يقوم الباحث بملاحظة الظواهر المختلفة والربط بينها ليتكون لديه فكرة عامة عن التقدم الذي أحرزته الإنسانية. ثم يشرع بعد ذلك في تقديم طوائف الظواهر التي قام بملاحظتها وتحديد الفترات والعصور التاريخية تحديداً دقيقاً ليسهل عليه معرفة الاتجاهات العامة لكل مظهر من مظاهر التطور، كالتطور السياسي، أو الديني أو الاقتصادي …. إلخ. والوصول إلى القوانين الخاصة بكل مظهر من هذه المظاهر([20]).

– الخلاصة: ميّز كونت علم الاجتماع عن الفلسفة السياسية بإصراره على أن الاستقصاءات السوسيولوجية لابد وأن تعتمد على المناهج الوضعية أو الموضوعية في الملاحظة والتجريب والمقارنة المميزة للعلوم الطبيعية، كما أن تطبيق المعرفة العلمية في دراسة المجتمع يعتبر أكبر تقدم حدث في تاريخ المجتمعات الإنسانية، وقد جاهد كونت وكتب كثيراً دفاعاً عن الموقف الوضعي بالنسبة لدراسة المجتمع ولذلك أصبحت الوضعية مقترنة بكونت تاريخياً، إلا أنه لم يمارس عملياً ما كان ينادى به، حيث إنه لم يقم بدراسات يستخدم فيها طرق البحث الاجتماعي، لكنه بالمقابل يعتبر أول من عرّف علم الاجتماع وحدد موضوع دراسته، وشجع بنظريته الوضعية علماء الاجتماع الذين أتوا من بعده وخاصةً اميل دوركايم على متابعة  المسيرة في إرساء الطابع الوضعي لعلم الاجتماع وتحقيق استقلاله عن باقي العلوم والمعارف الأخرى. 

وهكذا نجد أن أهمية تصورات كونت النظرية والوضعية تكمن فيما يلي:

1. بأنها تتبنى التركيز على أهمية العوامل الفكرية ومدى تأثيرها في عمليات التغير والتطور والإصلاح والتحديث المستمر في المجتمع الحديث. حيث تعتبر كتاباته بمثابة الشرارة الأولى الممهدة لظهور النزعة البنائية التطبيقية التقليدية والمحدثة، ولا سيما أن كونت رائد فكرتي البناء والوظيفة، التي تعتبر جوهر النظرية الوظيفية العامة.

2. كما تكمن أهمية تصورات كونت من خلال تطويره وتأسيسه لعلم الاجتماع الوضعي، الذي أثر في توجيه الكثير من الدراسات التطبيقية السوسيولوجية، التي تحاول التركيز على التفسيرات الواقعية دون التركيز على القوانين المجردة من خلال محاكاتها لمناهج وطرق وأدوات جمع البيانات في العلوم الطبيعية، التي أحرزت شوطاً كبيراً في مجال البحوث النظرية والميدانية عامةً ([21]).

أما على الصعيد الإيديولوجي، فإن غايات علم الاجتماع ” الكونتي ” تتحدد بشعار السياسة الوضعية التي ترى أن النظام غاية في ذاته ووسيلة لتحقيق التقدم. ولذا كان مسعى كونت من إنشاء علم الاجتماع إصلاح المجتمع الذي هزته الفلسفة النقدية والتحررية. ولهذا اعتقد كونت أن الاتجاهات النقدية اتجاهات هدامة، وبهذا يميل علم الاجتماع لديه إلى أن يكون أداة للمحافظة على النظام ” إنك تدرس لكي تضبط “. ويبدو هذا متمثلاً في المنطوق الأساسي لكلمة الوضعية، التي تعني الوقوف إيجاباً من النظام الاجتماعي القائم ([22]).

وعلى العموم نستنتج، أن كونت جمع أفكار من سبقوه في نظرية منهجية قوية. واعترف بنفسه بأنه تأثر بأرسطو ومونتسكيو وكوندورسي (الذي دعاه بأبيه الروحي) وهوبز وآدم سميث ودومتر (وأمثاله من التقليديين المحافظين)، ولكنه لم يعترف، لحقد في قلبه، لفضل سان سيمون عليه مع أن أثره ظاهر في مؤلفاته. ومهما يكون من أمر، ومهما يكن من مآخذ كثيرة أخذت على أفكاره، كتوحيده بين السوسيولوجيا والفلسفة الوضعية، وخروجه عن النسبية الفكرية التي ألح عليها، والفصل المصطنع بين الديناميكا والاستاتيكا الاجتماعية، وفقدان كل تحليل ديالكتيكي لديه، إلا أن لكونت الفضل، فيما يلي:

– تأسيس السوسيولوجيا وتصنيفها بين العلوم الوضعية، وتعيين طرق البحث فيها.

– إظهار الصفة الاجتماعية الصميمة التي لا يمكن إرجاعها إلى سواها، وقد أقام هذه الصفة على مفهوم المجتمع ككل واقعي ومشخص.

–  لفت النظر إلى إمكان استفادة السوسيولوجيا من الدراسات التاريخية والاثنوغرافية.

– توجيه الأفكار نحو إمكان استفادة السوسيولوجيا من العلوم الطبيعية دون إلحاق تلك بهذه.

– توجيه الانتباه إلى إمكان استفادة السوسيولوجيا من الطرق الرياضية والكمية دون مغالاة في ذلك([23]).


 ([1]) جان ميشال بريتلو: بناء علم الاجتماع، ترجمة: جورجيت الحداد، عويدات للنشر والطباعة، بيروت، ط1، 1999، ص (24).

 ([2]) منير مشابك موسى: المطول في علم الاجتماع (السوسيولوجيا)، الكتاب الأول: في علم الاجتماع العام، مطبعة جامعة دمشق، دمشق، الجزء: الأول، 1959، ص(52).

 ([3]) محمود الذوادي: مختصر الجدال حول النظرية الاجتماعية اليوم، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، أمريكا، ط1، 2014، ص(17).

 ([4]) منير مشابك موسى: المطول في علم الاجتماع (السوسيولوجيا)، مرجع سبق ذكره، ص(52-53).

* الميتافيزيقا أو الماورائيات أو ما وراء الطبيعة هو فرع من الفلسفة يدرس جوهر الأشياء. يشمل ذلك أسئلة الوجود والصيرورة والكينونة والواقع. تشير كلمة الطبيعة هنا إلى طبيعة الأشياء مثل سببها والغرض منها. بعد ذلك تدرس ما وراء الطبيعة أسئلة عن الأشياء بالإضافة إلى طبيعتها، خاصة جوهر الأشياء وجودة كينونتها. تسعى ما وراء الطبيعة – في صورة مجردة عامة- إلى الإجابة على هذه الأسئلة: ماذا هنالك؟ ما صورته؟ تشمل المواضيع التي تبحث ما وراء الطبيعة فيها كلا من الوجود، والأشياء وخواصها، والمكان والزمان، والسبب والنتيجة، والاحتمالية.

 ([5]) ريتشارد أوزبرن وبورن فان لون: أقدم لك.. علم الاجتماع، ترجمة: حمدي الجابري، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، العدد: 548، ط1، 2005، ص (34).

([6]) كلمة الوضعية لا تخص كونت، فقد استخدم سان سيمون (1760- 1825) هذا المصطلح من قبل، إنما يعتبر كونت الأول في الحديث عن ” الفلسفة الوضعية ” إشارةً للحالة النهائية للذكاء الإنساني أو العلوم الوضعية. السمة الأساسية للفلسفة الوضعية هو النظر إلى لكل الظواهر باعتبارها خاضعة لقوانين طبيعية حتمية يحددها الاكتشاف والإسهام في تلخيصها إلى أقل عدد ممكن يشكل الهدف من كل مجهوداتنا، ويعتبر البحث في الأسباب الأولية أو النهائية غير مقبول تماماً وفارغ المعنى. لمزيد من القراءة والاطلاع عن الفيلسوف وعالم الاجتماع سان سيمون انظر- روزنتال ويودين: الموسوعة الفلسفية، ترجمة: سمير كرم، مراجعة: صادق جلال العظم وجورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، 1987، ص (239).

 ([7]) عبد الله محمد عبد الرحمن: النظرية في علم الاجتماع-النظرية الكلاسيكية، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 2006، ص (33).

 ([8]) عبد الباسط عبد المعطي: اتجاهات نظرية في علم الاجتماع، سلسلة عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد:44، 1981، ص (61).

* نيكولاس كوبرنيكوس (باللاتينية: Nicolaus Copernicus) ولد (19 فبراير 1473 – 24 مايو 1543) هو راهب وعالم رياضياتي وفيلسوف وفلكي وقانوني وطبيب وإداري ودبلوماسي وجندي بولندي كان أحد أعظم علماء عصره. يعتبر أول من صاغ نظرية مركزية الشمس وكون الأرض جرماً يدور في فلكها في كتابه “حول دوران الأجرام السماوية “. وهو مطور نظرية دوران الأرض، ويعد مؤسس علم الفلك الحديث. الذي ينتمي لعصر النهضة الأوروبية – 1400 إلى 1600م.

** جاليليو جاليلي أو غاليليو غاليلي (15 فبراير 1564 – 8 يناير 1642)، (بالإنجليزية: Galileo Galilei)‏ عالِم فلكي وفيلسوف وفيزيائي إيطالي، ولد في بيزا في إيطاليا. نشر نظرية كوبرنيكوس ودافع عنها بقوة على أسس فيزيائية، فقام أولاً بإثبات خطأ نظرية أرسطو حول الحركة، وقام بذلك عن طريق الملاحظة والتجربة عن طريق التكنولوجيا الجديدة للتلسكوب. بعد تأسيس الكنيسة – في ذلك الوقت- اعتمدت على نظريات اليونان القديمة والتي وضعت في مرحلة ما قبل المسيحية من قبل بطليموس وأرسطو، التي تعتقد بنموذج مركز الأرض. عندما بدأ جاليليو بالتأكيد على أن الأرض في الواقع تدور حول الشمس، وجد نفسه قد طعن في المؤسسة الكنسيّة حيث ارتبط التسلسل الهرمي للكنيسة مع السلطة الزمنية، وكانت تعيش في صراع وتحدي سياسي متواصل يقابله صعود البروتستانتية. إلا محاكم التفتيش الرومانية سنة 1632 لم تقبل بذلك فاتهم جاليليو بالاشتباه بالهرطقة وحكم عليه بالسجن لإرضاء خصومه الثائرين، وفي اليوم التالي خف الحكم إلى الإقامة الجبرية. وتم منعه من مناقشة تلك الموضوعات، وأعلنت المحكمة بأن كتاباته ممنوعة. ظل جاليليو منفياً في منزله وكان غير قادراً على استقبال الزواز، وعند معانته من الحُمّى وخفقان القلب فارق الحياة عن عمر يناهز77 عاماً في 8 يناير 1642.

 ([9]) منير مشابك موسى: المطول في علم الاجتماع (السوسيولوجيا)، مرجع سبق ذكره، ص (61).

 ([10]) المرجع السابق نفسه، ص (62).

 ([11]) عبد الله شبلي: علم الاجتماع الاتجاهات النظرية وأساليب البحث، دار الشمس للطباعة، القاهرة، 2008، ص (86-87-88)

 ([12]) إحسان محمد الحسن: النظريات الاجتماعية المتقدمة (دراسة تحليلية في النظريات الاجتماعية المعاصرة)، دار الأوائل للنشر، عمان، ط3، 2015، ص (112- 113).

 ([13]) منير مشابك موسى: المطول في علم الاجتماع (السوسيولوجيا)، مرجع سبق ذكره، ص (54-55).

 ([14]) فيليب كابان وجان فرانسوا دوريته: علم الاجتماع من النظريات الكبرى إلى الشؤون اليومية، ترجمة: إياس حسن، دار الفرقد، دمشق، 2010، ص (25).

 ([15]) المرجع السابق نفسه، ص (25).

 ([16]) نبيل السمالوطي: التوجيه الإسلامي في صراع المنطلقات والنظريات في علم الاجتماع – دراسة نقدية في علم اجتماع المعرفة، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1996، ص (22).

 ([17]) فيليب كابان وجان فرانسوا دوريته: علم الاجتماع من النظريات الكبرى إلى الشؤون اليومية، مرجع سبق ذكره، ص (26).

 ([18]) ريتشارد أوزبرن وبورن فان لون: أقدم لك.. علم الاجتماع، ترجمة: حمدي الجابري، المشروع القومي للترجمة، القاهرة، العدد: 548، ط1، 2005، ص (35).

 ([19]) عبد الباسط محمد حسن: أصول البحث الاجتماعي، مكتبة وهبة، القاهرة، ط 11، 1990، ص (82).

 ([20])  المرجع السابق نفسه، ص (82- 83).

 ([21]) عبد الله محمد عبد الرحمن: النظرية في علم الاجتماع-النظرية الكلاسيكية مرجع سبق ذكره، ص (34-35).

 ([22]) عبد الباسط عبد المعطي: اتجاهات نظرية في علم الاجتماع، مرجع سبق ذكره، ص (63).

 ([23]) منير مشابك موسى: المطول في علم الاجتماع (السوسيولوجيا)، مرجع سبق ذكره، ص (64-65).
__________
*د. حسام الدين فياض/ الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة/ قسم علم الاجتماع- كلية الآداب – جامعة ماردين ارتوقلو – حلب سابقا.

وسوم:

اترك رد

جديدنا