اللغة العربيَّة؛ من مواضعات التأسيس إلى الشهود الحضاري

مُواضَعَةُ اللُّغَةِ:

اللُّغة كَكُرَةٍ، أصلها لَغو، من باب دَعا وسَعى ورضى، ووزنها فُعَة، حُذِفَت لامها، وعوض عنها هاء التأنيث، وتجمع على لغى، ولغات، ولغون، وهي الصَّوت مطلقاً، واللهج (الوُلوع) بالشَّئ والخَطأ والسَّقط (ما لا يعتد به) والنطق والهذيان، والباطل، ولم ترد لفظة لُغَة في القرآن الكريم، وإنما ورد مكانها اللسان، بينما وردت لفظة (اللغو) في غير معنى اللُّغة. أما بالنسبة إلى مفهوم اللُّغة اصطلاحاً فإن إيجاد تعريف ملائم للغة أمر في غاية من الصعوبة، وقد أمضى علماء اللُّغة والفلاسفة القُرون العَديدة في محاولة إيجاد تَعريفٍ ملائمٍ للمُصطلح، والتَّعريف ما هو في حقيقة الأمر إلا نظرية مركزة، والنظرية ببساطة ما هي إلا تعريف موسع.

وقد اهتم القُدَمَاء والمحدثون من اللُغَويين بتقديم تعريف للُّغَةِ يوضح معناها، ويبين المَقْصُود بها، وقد نال التَّعريف الذي قال به ابن جِنِّي شُهرة واسِعَة لدى المحدثين من اللُّغويين العَرَبِ، واهتم الكثيرون بِشَرحِه وبيان مَقْصَدِه، ويرى العالم اللُّغوي ابن جني اللغة على أنها ” أصوات يعبر بها كل قَوم عن أغْراضهم”. وهذا التَّعريف دقيقٌ في جَوهَره مع عَناصر تَعرِيف اللُّغة عند البَاحثين المعاصرين، فهو يؤكد على جانب الطبيعة الصوتية للرموز اللغوية، ويبين أيضا ًأن وظيفتها الاجْتِماعيَّة هي التعبير ونَقل الأفْكار في إطار البِيئة اللغويَّة.

وقد تعددت تعريفات اللغة بتعدد المذاهب والاتجاهات المختلفة التي تنظر إلى اللغة سواء باعتبارها أداة يتبادل أفراد المجتمع الواحد بواسطتها الأفكار، والمعارف، أو باعتبارها وسيط يسهل عملية الاتصال بين أفراد المجتمع، وفي ضوء هذين الاتجاهين تعددت التعريفات واختلفت فيما بينها.  ويرى ميللر Miller اللغة على أنها “استعمال رموز صوتيّة مقطعيّة يعبر بمقتضاها عن الفكر”، ويعرفها جون كارول John Carroll بأنها  النِّظام  المتشَكِّل من الأصْوات اللَّفظية الاتفاقية وتتابعات هذه الأصوات التي تستخدم أو يمكن أن تستخدم في الاتصال المتبادل بين جماعة من النَّاس، والتي يمكن أن تصفَ بشكلٍ عام الأشياء والأحداث والعمليَّات في البيئة الإنسانية.  بينما يرى موريس  MORRISاللغة بأنها “مجموعة من علامات ذات دلالة جمعية مشتركة ممكنة النطق بين أفراد المجتمع المتكلم بها كافة”، وهي ذات ثبات نسبي في كل موقف تظهر فيه، ويكون لها نظام محدد تتآلف بموجبه حسب أصول معينة وذلك لتركيب علامات أكثر تعقيداً.

وتعرف دائرة المَعارفِ الأمريكيَّة اللُّغة بأنها ” نظامٌ من العلاماتِ الصوتيّة الاصطلاحية”، ويعرفها سابير بأنها ” وسيلة تفاهم خاصة بالإنسان تمكنه من تبادل الأفكار والعواطف والرغبات بواسطة رموز صوتية اصطلاحية على وجه التغليب والتعميم يصدرها أعضاء النطق إرادياً”.وتعرف الموسوعة الفرنسية اللغة بأنها ” علامات مركبة تولد في الشعور إحساسات متباينة، إما مستثارة أو مباشرة، أو مخمنة عن طريق الارتباط”. ويعرف ماكس موللر اللغة بأنها ” تستعمل رموزاً صوتية مقطعية، يعبر بمقتضاها عن الفكر.

وعرّف علماء النفس اللغة، فرأوا أنها مجموعة إشارات تصلح للتعبير عن حالات الشعور، أي عن حالات الإنسان الفكرية و العاطفية و الإرادية، أو أنها الوسيلة التي يمكن بواسطتها تحليل أية صورة ٍ أو فكرةٍ ذهنيةٍ إلى أجزائها أو خصائصها، و التي بها يمكن تركيب هذه الصورة مرّة أخرى بأذهاننا و أذهان غيرنا، و ذلك بتأليف كلماتٍ و وضعها في ترتيبٍ خاصٍ.

وهناك تعريفات عديدة أخرى، تتفق حيناً و تختلف حيناً آخر. و لعلّ مصدر التباين في هذه التعريفات ناشئٌ عن منطلقات أصحابها الفكرية. فمن تعريف وصفي ٍ خارجيٍ، إلى تعريف نفسيٍ داخليٍ، إلى آخر يمثل نظرة فلسفيةً معينةً لواقع الإنسان و وجوده و نشأته. علماً أن الناظر إلى واقع اللغة الإنسانية – وصفاً و تقريراً – يجد أنها أصوات و ألفاظ و تركيب منسقة في نظامٍ خاصٍ بها، لها دلالاتٌ و مضامين معينة، يعبّر بها كل قومٍ عن حاجاتهم الجسدية و حالاتهم النفسية و نشاطاتهم الفكرية.

ولاشك أنه في ضوء المواضعات السابقة للغة أنها مجموعة إشارات تصلح للتعبير عن حالات الشعور المختلفة، أي عن حالات الإنسان الفكرية والعاطفية والإرادية، وهي الوسيلة التي يمكن بواسطتها تحليل أية صورة أو فكرة ذهنية إلى أجزائها أو خصائصه المميزة، والتي يمكن بها تركيب هذه الصورة مرة أخرى في أذهاننا، وأذهان غيرنا من أفراد المجتمع الواحد، وذلك بوضعها في ترتيب وتنظيم خاص.

كما أن اللغة قدرة ذهنية تتكون من مجموع من المعرف اللغوية، بما فيها المعاني و المفردات والأصوات والقواعد التي تنظمها جميعاً. كما أنها نظام من الرموز الصوتية يتألف من أصوات تنجم عن جهاز النطق البشري، وإنساني فهو نتاج للجهد الجماعي البشري، ونظامي لأنه يخضع لقواعد تقرر تركيبه. وعندما نحاول التوفيق بين المواضعات المختلفة للغة نستطيع أن نخرج بمجموعة من السمات الخاصة التي تصف اللغة  وهي:

1ـ اللُّغة لها طبيعة منظمة وتوليدية.

2ـ اللغة مجموعة من الرموز العشوائية.

3ـ هذه الرموز صوتية ولكنها قد تكون مرئيَّة.

4ـ الرُموز تستعمل للاتِّصال بين الجَماعات.

5ـ اللغة توجد في مجتمع وثقافة.

6ـ الأفراد يكتسبون اللغة بنفس الطريقة تقريباً، أي أن اللغة والتعليم اللغوي لهما جميعاً صفات عامة متماثلة.

7 اللُغة أداة للفكر، وتعبير عن العاطفة.

8 اللُّغة جزء من كيان الإنسان الروحي.

9ـ اللُّغة عملية فيزيائية اجتماعية على غاية من التعقيد.

ولقد تناول علماء اللغة، وعلماء النفس قضية اكتساب اللُّغة، في محاولة ـ قد تَكون جادة ـ لتفسير كيفية اكتساب الفرد للغة. وقد اختلفت الآراء بشأن تلك القضية أو الظاهرة، بحسب فلسفتهم وإطارهم المرجعي. ولم تعد اهتمامات علم اللغة الحديث مقتصرة على الجوانب النظرية والتحليلية في دراسة اللغة فقط، بل أضيفت إليها اهتمامات، ومَهام جديدة – بخاصة بعد ظهور علم اللُّغة التطبيقي- تهدف إلى خدمة المجتمع، ومن هذه المهام: الاهتمام بدراسة عيوب النطق ومشكلات التخاطب والكلام، وعلاجها إن أمكن، ومنها أيضاً الاهتمام بدراسة نمو الطفل اللغوي، ومنها أيضاً الاهتمام بدراسة ظاهرة اكتساب اللغة، بالإضافة إلى دراسة مهارات الاتصال اللُّغوي، وغير ذلك من الموضوعات التي لها علاقة وثيقة باللُّغة والمجتَمع.

وظائف اللغة:

للُّغة بصفة عامة وظائف مهمة رصدها العلماء واللغويون والباحثون دون التفرقة بين اللغة المكتوبة، أو المسْمُوعة، أو المنطوقة، حيث إن هذه الاعتبارات الثلاثة تؤدي وظيفة واحدة هي التفاهم بين أفراد المجتمع الواحد. ولا ريب  في أن وجود عدة لغات وقت التنزيل بدا لنا فضل العربية، وشرفها على سائر اللغات، وتكريم الله بالاختيار كلغة لكتابه الأخير ] إنَّا أنزلناه قُرْآَناً عَرَبِيَّاً لَعَلَّكُم تَعْقلون[.(يوسف:2).

وإذا كانت الأدبيات اللغوية أسهبت في الحديث عن أهمية ووظيفة اللغة وتعدد مناحي استخداماتها، فيمكن أن نحدد أهمية ووظيفة اللغة في مظهرين اثنين؛ الفردي والاجتماعي،ولعل هذا التقسيم يتفق مع ما يسمى بالكفاءة اللغوية.

فأما على المستوى الفردي،فاللغة تسهم في إخراج الفكرة من ذهن صاحبها إلى عالم الإدراك الخارجي، فتترجمها إلى صورة بارزة ذات كيان ومعالم. فالإنسان تجول في خاطره مجموعة من الأفكار والمعاني تظل كامنة إلى أن يقدمها في صورة مكتوبة، أو منطوقة، ويستطيع أن يصور ويجسد بذلك مشاعره واتجاهاته المختلفة. واللغة بذلك تعد أداة للفكر ووسيلة للتعبير عما يدور في خاطر الإنسان من أفكار، وما في وجدانه من مشاعر وأحاسيس.

ويرى أصحاب النَّظرة الفِكريَّة للُّغة أن اللغة نظام لاكتسابِ العادات، ويكتسب الفرد من خلالها الخبرة عن طريق التجربة،وأن آليّات الذّهن اللُّغوية تعتبر مدخلاً عاماً لفهم طبيعة عمل الآليات الأخرى كالإدراك البصري والحدث.  ويرى (فندريس) أن اللغة في بعض الأحيان تستطيع أن تعدل من العقلية وتنظمها، فعادة وضع العقل في مكان بعينه دائماً يمكن أن تؤدي إلى صورة خاصة في التفكير، وأن يكون لها أثر في طرق الاستدلال. ويؤكد فندريس أن اللغة إذا كانت مرنة وخفيفة ومقتصرة على الحد الأدنى من القواعد النحوية سمحت للفكرة بالظهور في وضوح تام وأتاحت لها حرية الحركة.

وتبرز أهمية اللُّغة في علاقتها بالفكر والتفكير، حيث إن هناك علاقة وطيدة ومباشرة بين اللغة والفكر تتضح لنا ما أن نربط بين تجريدية الفكر وحقيقة أن اللغة نظام يعمل على مستوى المفاهيم والمجردات من مقولات وعلاقات وسمات، كما أن اللغة وسيلة لإدراك ظواهر ثنائية مثل الزمان والمكان ؛حيث إنها تعبر عن الماضي والحاضر والمستقبل، والتوقف والاستئناف والاستمرار.  وفي إطار العلاقة التبادلية بين اللغة والفكر تبدو العلاقة التبادلية  في أوضح صورها، فكما يسمو الفكر بلغته، يمكن للغة أن تسمو بفكر صاحبها، ويشهد تاريخ الفكر الإنساني أن اللغة كانت أشد الأسلحة الأيديولوجية ضراوة،وهي الوسيلة والأداة القوية في السيطرة على الفكر.

وعن طريق اللغة يقوم الإنسان بالعمليات التفكيرية من تفسير وتحليل وموازنة وإدراك للعلاقات، واستخراج للنتائج وتجريد وتعميم، ثم يصب ناتج كل هذه العمليات عندما تمده اللغة بالرموز التي تحدد له المعاني وتحمل له الأفكار.  لذا أصبح من الواضح لنا بشكل مطرد أن الحديث عن التفكير مع تجاهل اللغة يفتقد كثيراً إلى التوازن نظراً لأن الألفاظ  ليست فقط ذات أهمية قصوى في تعلم المفاهيم ولكنها أيضاً الوسط أو القناة الموصلة لجميع أنواع التفكير.

وقد قدم عالم النفس فيجوتسكي Vygotsky     أفضل تحليل مستنير للتفاعل بين اللغة والتفكير  في كتابه (التفكير واللغة ) عام 1962م،  حيث يرى أن للغة وظيفتين لهما نفس المستوى من الأهمية،أولهما الاتصال الخارجي، والثانية التحكم الداخلي بأفكاره الداخلية.  ولقد بسط العلماء العلاقة بين اللغة والتفكير مثل سابير و هكتر هامرلي و بارلي ماكلافن، حيث إن المعاني غير محددة وغير ثابتة وفي حالة تشكل دائماً تكون مبهمة مختلطة بغيرها حتى إذا جاء اللفظ عمد إلى تحليل المعاني وتصنيفها، ومن ثم تحديدها وتثبيتها.  ونقرب لهذا مثلاً من اللغة العربية، فالإيمان معنى كامن في النفس نحس به ونستشعره دون أن نقوى على تحديده، فإذا عبرنا عنه بالألفاظ ميزنا الإيمان عن الإسلام عن التقوى عن الإحسان، وقلنا أن الإيمان ما اعتقده القلب وصدقته الجوارح.

أما على المستوى الجمعي فإن اللغة هي المستودع التعليمي للمعارف والمعايير الثقافية والتاريخ الاجتماعي المتوارث عن طريق العملية التعليمية، وتعمل اللغة ” كالغراء الاجتماعي الذي يتم بموجبه الشعور بالماضي والحاضر والمستقبل. واللغة بهذا المنظور الاجتماعي يلاشك أبرز ملامح ثقافتنا العربية، وهي أكثر اللغات الإنسانية ارتباطاً بالهوية، وهي اللغة التي مازالت سجلاً أميناً لحضارة أمتها في ازدهارها وانتكاسها، لذا فاللغة اجتماعياً سلاح قوي في مواجهة تفتيت التكتل الإسلامي في ظل العولمة. وتزداد يوماً بعد يوم مساهمة اللغة  في تحديد الأداء الكلي للمجتمع الحديث، فهي تساعد في تدعيم العلاقات التي تربط المجتمع، وأهم العوامل التي تحدد ثقله الاستراتيجي.

وإذا نظرنا للغة باعتبار مهاراتها الأربع، نرى الدور المهم لها في حياة المجتمع، حيث إنها سلاح الفرد في مواجهة كثير من المواقف التي تتطلب الكلام أو الاستماع أو القراءة أو الكتابة، وهذه المهارات أدوات مهمة في إحداث عملية التفاهم في جميع نواحيها، ولاشك أن من أهم الوظائف الاجتماعية للغة ما تبرزه الخطب السياسية والمقالات وأساليب الدعاية.

واللغة ليست أداة صناعية خارجة عن علاقاتها  بالمجتمع الذي تعيش فيه، بل هي صورة له، نابضة بالحياة، فإذا كان المجتمع متخلفاً ظهرت آثار التخلف في لغته، متخلفة معه، وإذا كان مجتمعاً راقياً بدا الرقي في لغته، كذلك فالشعوب البدائية يتكلمون لغة مادية لا تعرف الفكر أو المعاني الكلية، أما الشعوب الراقية ذوات الثقافة والفكر  فتحمل لغاتها سمات حياتها العامة والخاصة التي تستطيع أن تعبر في صور متعددة، وعبارات لا تحتاج إلى الإشارات، واللغة العربية تجنح إلى العقلية والخيال والتعبير عن الشئ منظوراً إليه من جهات متعددة.

ولم تعد اللغة مجرد أداة اتصال نعبر بواسطتها عن المفاهيم والأفكار والقيم ونحفظ بها التراث الثقافي والعلمي فحسب، وإنما أخذت تلعب دوراً رئيساً في عملية التنمية الروحية والاجتماعية والعلمية والتكنولوجية، وأصبحت وسيلة أساسية لتوحيد الأمة سياسياً، لما في اللغة من قوة تتجاوز أهميتها من التعبير إلى التغيير.

الشهود الحضاري لألفاظ اللغة العربية:

تدل اللغة العربية على الحياة العقلية من ناحية إن لغة كل أمة في كل عصرمظهر من مظاهر عقلها وتفكيرها، ولم تخلق اللغة دفعة واحدة، ولم يأخذها الخلف من السلف الصالح كاملة، إنما تخلق أو يخلق الناس في أول أمرهم ألفاظاً على قدر حاجاتهم، فإذا ظهرت أشياء جديدة خلقوا لها ألفاظاً جديدة، وإذا اندثرت أشياء قد تندثر ألفاظها معها، وهكذا نرى اللغة في حياة وموت مستمرين.  وهذا ما أشار إليه ” أوليري ” في كتابه ” العربية قبل محمد ”  Arabia before Mohammed  من حيث إن الاشتقاقات والتعبيرات اللغوية فهي أيضاً تنمو وترقى تبعاً لرقي الأمة، ويقول أوليري: ” ولما كان هذا أمكننا إذا أحضرنا معجم اللغة الذي تستعمله الأمة في عصر من العصور أن نعرف الأشياء المادية التي كانت تعرفها والتي لا تعرفها “.

ولقد درج النحاة واللغويون القدماء على استعمال كلمة ” لفظ ” استعمالاً غير محدد، وهذا ما أشار إليه المفكر اللغوي الدكتور تمام حسان، حيث إن كلمة ” لفظ ” العربية تشير تارة إلى الكلمة، وتارة أخرى إلى الكلام، رغم الفارق البيِّن بين كليهما في الإفراد والتركيب، ولكن هذا يعكس ما للفظة العربية والواحدة على التعبير عن معانٍ وتعابير طويلة بكلمة واحدة قصيرة.وما يؤكد كلامنا هذا قول ابن مالك: ” كلامنا لفظ مفيد “. وقول الجزولي: ” الكلام هو اللفظ المركب المفيد بالوضع “، إذا نحا كلاهما باللفظ منحى التركيب في مقابل ما شاع من جعل اللفظ مرادفاً للكلمة على ألسنة الدارسين. وهذا يجعلنا نقر بامتلاك اللفظة الواحدة صورة ذهنية ثابتة نسبياً إذا عالجناها من المنظور المعجمي، وبصور ذهنية متعددة إذا خرجت هذه اللفظة من ضيق المعنى المعجمي إلى آفاق أرحب وأوسع.

وحينما نقترب لرصد المشهد الحضاري لألفاظ اللغة العربية نستبين أن هناك ألفاظاً تغيرت معانيها في الإسلام، حيث كان المعنى لها في الجاهلية عاماً وخصص في الإسلام، مثل الصلاة، والزكاة، والحج، والبيع، والمزارعة، بل إن اللفظ الواحد قد تغير مدلوله في عقل السامع بانتقاله من طور البداوة إلى المشهد الحضاري، مثل لذلك لفظة الكرسي التي كانت تعني لدى البدوي المقعد الخشبي أو الحجري فقط الذي يجلس عليه المرء، ولكن بعد نزول القرآن استطاعت اللغة العربية أن تخلق لها مشهداً حضارياً ليعادل هذه المعجزة اللغوية السماوية، فانتقل مدلول الكرسي من معناه الضيق ليشير مرة إلى العرش، ومرة إلى المنصب، ومرة إلى المنزلة وهكذا. والإمام جلال الدين السيوطي في كتابه المزهر يقول: ” إن لفظ الجاهلية اسم حدث في الإسلام للزمن الذي كان قبل البعثة، والمنافق اسم إسلامي لم يعرف في الجاهلية “.

وأوضح علماء اللغة المتقدمون أن أهل التحقيق أشاروا إلى أن الألفاظ العربية تابعة للمعاني، كون المعاني أصلاً للألفاظ، حيث إن المعاني منها ما يكون معنى واحداً، ثم توضع له ألفاظ كثيرة تدل عليه وتشعر به، ولو كانت المعاني تابعة للألفاظ لكان يلزم إذا كانت الألفاظ مختلفة أن تكون المعاني مختلفة أيضاً.  ويؤكد قولنا هذا ما أشار إليه البلاغي العربي يحيى العلوي في كتابه الطراز، حيث يقول إن المعاني لو كانت تابعة للألفاظ للزم في في كل معنى أن يكون له لفظ يدل عليه، فإن المعاني لا نهاية لها، والألفاظ متناهية، وما يكون بغير نهاية لا يكون تابعاً لما له نهاية، ويقول البلاغي يحيى العلوي ما نصه: ” وإنما كانت الألفاظ متناهية، لأنها داخلة في الوجود، وكل ما دخله الوجود من المكونات فله نهاية لاستحالة وجود ما لانهاية له، وموضعه الكتب العقلية “.

وثمة عوامل جعلت اللغة وألفاظها تخرج من كونها مجرد وسيلة اتصال ووسيط للتواصل الإنساني إلى اعتبارها مشهد من مشاهد الحضارة الإنسانية، منها عوامل تطور الوظيفة اللغوية، وتنوع الخطاب اللغوي من خطاب لا يخرج عن المراسلات الإخوانية أو الرسمية إلى خطاب إبداعي مثل الشعر والقصة والرواية، وخطاب سياسي، وعوامل وافدة مثل نظريات علوم اللغة التي أطلقت على اللفظ اللغوي مفهوم الدال وعلى ما يتضمنه اللفظ من معنى ومضمون مفهوم المدلول.

واللغة العربية التي نحرص أن يلتزم بها متحدثو الضاد نطقاً وكتابةً بصورة وظيفية أو إبداعية، هي لغة كتب لها الشهود الحضاري منذ أن نزل القرآن الكريم بها، فأعطى لها حق الحياة، ومنحها تجدداً مستداماً لا ينقطع. ولا ينكر جاحد أن القرآن الكريم دستور المسلمين في شتى بقاع الأرض قد حَقَنَ اللفظة العربية بعقار منحه النشاط الزائد، وخير دليل على نشاط المفردة العربية أن حركة التقدم العلمي المستمرة كل يوم قد صحبها تجديد البحث في النشاط اللغوي ومن خلال تقعيد مفردات لغوية جديدة تناسب هذا التقدم العلمي.

بل إن اللغة العربية ذاتها أصبحت في السنوات الأخيرة من إحدى وسائل الشحذ الحضاري، عن طريق دور الترجمة اللغوية الصائبة لكل المؤلفات العلمية، وهذا ما أشرنا إليه ونحن نتحدث عن تغير وظيفة اللغة من كونها وسيلة اتصال ووسيط تواصل إلى وسيلة ضرورية لتنمية الفكر البشري عن طريق الترجمة.

ولاشك أن اللغة استطاعت أن تلعب دوراً سياسياً بالغ الخطورة والأهمية على السواء في المشهد السياسي في الدول التي شهدت ربيع الثورات في العام الماضي، فاللغة الإشارية التي كان الشباب يصر على إقحامها في تواصلهم الاجتماعي اختفت واندثرت بفعل التماس الثائرين للغة ومفرداتها النشطة للتعبير عن مطالبهم ومطامحهم، وهذا ملمح آخر جديد على الشهود الحضاري المعاصر لألفاظ اللغة العربية التي لم تكن غائبة عن الحراك السياسي.

ورغم أن اللغة العربية وبلاغتها المميزة لطبيعتها تتعرض لمحاولات تشويه مقصودة ومستمرة من قبل بعض الأشخاص الذي يطلقون على أنفسهم لفظ مبدعين وكذلك بعض المنظمات الأجنبية التي تعمل جاهدة ليل نهار على تقويض دعائم اللغة عن طريق المناداة بدعاوى مشبوهة لغوياً مثل التخلي التدريجي عن الخاصية الإعرابية للغة، وعن طريق تهميش دور القواعد العروضية التي تمثل طقس الشعر وشرائطه الضابطة، وأخيراً ضرورة الدمج بين اللغة الفصيحة واللهجات العامية تحت ظن أن الأخيرة أقرب في التواصل بين المتحدثين باللغة ذاتها.

وهذا لغط شديد وخطأ بيِّن، لأن الألفاظ العربية الفصيحة تمتلك قدرة هائلة بفضل اللفظ القرآني على الثراء والامتلاء اللغوي بمعنى القدرة على التعبير التام عن جميع المشاعر والمظان والحقائق، بالإضافة إلى تمتع اللفظة العربية بالحضور عن طريق تنوع المعنى ودقة التوصيف.وتتميز اللغة العربية بمزية فريدة لا تشترك معها فيها لغات أخرى وهي مزية الانفراد اللغوي، أي أن هناك كلمات تعد نشيطة أي قابليتها للاشتقاق والنحت اللغوي من مفردة واحدة مع الحفاظ على قدر مقبول من التمايز، مثل مشتقات كلمة عَلِمَ، والتي يمكن اشتقاق ونحت عدة كلمات منها مثل: عِلم ( بكسر العين وتسكين اللام) ومعلم ومعْلم ( بفتح العين وتسكين العين) وعليم، وعلاَّم، وإعلام، وتعليم، واستعلام.وهذه الزوائد والسوابق واللواحق والدواخل التي تضاف إلى الكلمة تعد مورفيمات (أصغر وحدة لغوية ذات معنى ) لأن هذه الزوائد مورفيمات لها معانيها ولأنها وحدات يكثر تواجدها في كلمات اللغة.

وعملية النحت اللغوي تلك تمنح اللفظ العربي القدرة على الشهود الحضاري، والقدرة على التكيف المقبول والمناسب لكافة المتغيرات المعاصرة، والتعبير عن حالات اجتماعية متباينة. ثمة ظاهرة أخرى تتمتع بها الألفاظ العربية لتحقق الشهود الحضاري للغة ذاتها، وهي ظاهرة الحوار بين الكلمات، وهو ما اتفق على تسميته بين المنظرين اللغويين بالسياق اللغوي، حيث إن المفردة اللغوية لا تتمتع بنوع من التمايز المستقل أو الاستعلاء اللغوي عن بقية الكلمات الواردة بنص لغوي معين، ومفاد هذا أن اللفظة الواحدة تمثل الشكل الظاهري المجرد لنص معين، وبتراص الألفاظ بصورة متناسبة ومترابطة تحت موضوع محدد تمنح للنص نفسه شكلاً باطنياً آخر بغير خلل.

ملمح آخر يؤكد على الشهود الحضاري لألفاظ اللغة العربية، وهو تقسيم الكلمات العربية إلى كلمات نشيطة، وكلمات خاملة، ويقصد بالكلمات النشيطة تلك الكلمات التي تعلم ليستخدمها المرء في كلامه وكتابته، أما الكلمات الخاملة فيقصد بها تلك الكلمات التي يتوقع من الإنسان أن يفهمها إذا سمعها أو قرأها، ولكن لا يتوقع منه أن يستخدمها إذا تكلم أو كتب. ورغم هذا التقسيم إلا أنه ليس ثابتاً، فالحدود بين هذين النوعين حدود مرنة متحركة، فالكلمات الخاملة في نشاط لغوي ( خطاب لغوي ) معين قد تكون نشطة في خطاب لغوي آخر، أي أن الكلمات والألفاظ العربية في انتقال مستدام من دائرة الخمول إلى دائرة النشاط، ذلك لأن لكل حقل وميدان لغوي من ميادين المعرفة مفرداته ومواضعاته اللغوية المحددة.

في الأسْلُوْبِ القُرْآنِي:

يُعرِّف منَّاع القطَّان الإعْجازَ بقوله: ” الإعجاز: إثبات العجز، والعَجْزُ في التَّعارف: اسمٌ للقُصُورِ عن فِعل الشَّئ، وهو ضِدُّ القُدْرة، وإذا ثَبُتَ الإعجاز ظهرت قدرة المعجز.والُمَرادُ بالإعْجَازِ هُنا إِظْهَار صِدْقِ النَّبي (صلى الله عليه وسلم) في دَعْوى الرِّسَالةِ بإظهار عَجْز العَربِ عن معارضته في مُعجِزته الخَالِدة وهي القُرآن الكريم، وعَجز الأجيال بعدهم، والمعجزةُ هي أمرٌ خارِقٌ للعَادَةِ مَقْرونٌ بالتَّحَدِّي سالمٌ عن الُمعارضَةِ.

و المُسْتقرئُ بتدبر لآياتِ الذِّكْرِ الحَكِيْم يُدرك على الفورِ ما لها من أسلوب فريد ونظام منحها خصوصية عن الأساليب البيانية واللغوية الأخرى وحفظها من الدخيل والاختلاف واللحن،وللقرآن الكريم  روعة تهتز لها النفوس والقلوب والألباب، وله وقْعٌ عجيب تخشع له القلوب،   وهذا ليس بغريب على كتاب أنزله ربُّ السموات والأرض، ومما يحفظه القرآن الكريم والتاريخ الإسلامي لنا من أثر هذا الوقع هو ما استشعر به مشركو مكة وهم أهل البلاغة والبيان والإفصاح حينما استمعوا إلى آيات القرآن الكريم، وحينئذ عرفوا عظمته وإعجازه اللغوي والبياني، لكن الكبر والغرور هو الذي منعهم من الإيمان به وبما جاء فيه.  

وقد استطاع الوليد بن المغيرة يوم سماعه القرآن، أن يصف بدقة بالغة أثره في النفوس، حيث قال: (والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وما هو بكلام بشر). وكل منصف للحقيقة يُقرُّ أن الأسلوب الذي جاء عليه القرآن الكريم، والنسق الذي صيغت عليه آياته، أمر في غاية الروعة والبيان، ولا عجب في ذلك، فهو كلام رب العالمين، وهو ]أحسن الحديث[ (الزمر:23)،ويقول تعالى: ]ومن أصدق من الله حديثا[ (النساء:87).وكما يذكر الأستاذ سيد قطب في كتابه ” التصوير الفني في القرآن الكريم” أن القرآن الكريم سحر العرب منذ اللحظة الأولى، سواء من شرح الله صدره للإسلام، ومن جعل على بصره منهم غشاوة، وقصة إيمان عمر بن الخطاب ( رضي اله عنه ) وقصة تولي الوليد بن المغيرة نموذجان من قصص كثيرة متعددة للإيمان والتولي وكلتاهما تكشفان عن هذا السحر القرآني الذي أخذ العرب منذ تلك اللحظة الأولى.

ومن المتكلمين من أشار إلى الصِِّرفة كمبررٍ للإعجاز القرآني، والصِّرفة في نظر أهل الكلام والمتكلمين هي أن الله صَرف العرب عن معارضة القرآم مع قدرتهم عليها، فكان هذا الصرف خرقاً للعادة. والمرتضي يرى الصِّرفة أن الله سَلب العربَ العلومَ التي يحتاجون إليها في  المعارضة ليجيئوا بمثل القرآن. وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: ” ومما يبطل القول بالصرفة، أنه لو كانت المعارضة ممكنة، وإنما منع منها الصرفة، لم يكن الكلام معجزاً وإنما يكون المنع معجزاً، فلا يتضمن الكلام فضلاً على غيره في نفسه”.

والقول بالصرفة قول فاسد يرد عليه القرآن الكريم في قوله تعالى: ]قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (88) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً [ (سورة الإسراء:88 ـ 89).

ولقد تحدى الله ( عز وجل ) العرب بالقرآن الكريم، وهم كانوا في قمة البلاغة والفصاحة والبيان، ورغم ذلك التفوق اللغوي نزل القرآن الكريم يتحداهم فيما برعوا فيه فسجلوا عجزهم أمامه مما يدل على أن العجز بغيرهم ألصق، ولقد تحداهم الله ( عز وجل ) أن يأتوا بمثله، يقول تعالى: ] أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لا يُؤْمِنُونَ (33) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ[ (سورة الطور:33ـ34)، ويقول تعالى: ] أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنْ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ[ (هود:13).

ويشير الدكتور زين شحاتة في كتابه ” في نور القرآن الكريم ” إلى أن أحد أسباب إعجاز القرآن الكريم هو نزوله ” سابق البنيان عليُّ الأركان، غزير المعاني، بليغ النغم، معجز النظم،، يأسر اللب، ويسحر العقل، ويدخل شغاف القلب فيه حلاوة وروعة ومهابة”.

والحديث عن فضل القرآن الكريم على لغة العرب لا يحتاج إلى دليل، فقد علم ولا يزال يعلم أهل الأرض كافة أن اللغة العربية تبوأت مكانتها تلك بسبب كونها وعاءً لكلام الله تعالى، ولأجل ذلك قامت العلوم المختلفة لخدمتها ثم صارت اللغة العربية لغة العلم والحضارة، بجانب كونها لغة العبادة والتعبد، ولعل من أسباب هذا السحر البياني الذي تمتعت به آيات القرآن الكريم التناسق والتكامل في اللفظ والمعنى.

وفي هذا الصدد يشير الدكتور السيد تقي الدين إلى أن القرآن الكريم يقدم إلينا لوحات فنية أدبية وقد حدد لنا مثلاً أعلى في الحياة والفن، ورسم للفكر خريطة تستمد خيوطها من تلك الينابيع والمناهل الفياضة. وهذا ما أكده أيضاً الدكتور محمد دراز من أن القرآن الكريم كتاب أدبي وعقيدي في نفس الوقت ونفس الدرجة.

ويشير الباحث السيد سبيط إلى وجه من وجوه الإعجاز القرآني حيث إن في القرآن نظاماً محكماً شديد الصرامة، منتشراً في جميع أجزائه، بحيث ان اللفظ – مفردة كان أو حرفاً- والترتيب والتسلسل المعيَّن للألفاظ في كل تركيب هو جزء من هذا النظام، والخطأ في تصوّر شيء منه في أي موضع يؤدي إلى الخطأ في تصور فروع كثيرة متصلة بذلك الموضع. وخلص مصطفى صادق الرافعي إلى نتيجة السحر القرآني البياني ومدى تأثيره في الودان والألباب من حيث نظمه وأسلوبه، وطرائق نظمه، ووجوه تراكيبه، ونسق حروفه في كلماته في جمله، ونسق هذه الجمل،و هو وجه الكمال اللغوي. والحرف الواحد من حروف القرآن في موضعه من الإعجاز الذي لا يغني عنه غيره في تماسك الكلمة، والكلمة في موضعها من الإعجاز في تماسك الجملة، والجملة في موضعها من الإعجاز في تماسك الآية.

ومن وجوه الإعجاز القرآني اتساقه وائتلاف حركاته وسكناته، ومدّاته وغنّاته… وهذا هو (ما) استرعى  الأسماع واستهوى الأفئدة بصورة لا يمكن أن يصل إليها أي كلام آخر سواء أكان شعراً أم نثراً. فكان ذلك الاتساق الفريد كالسور المنيع لحفظ القرآن الكريم بحيث لو داخله شيء من كلام الناس لاعتلّ مذاقه، واختلَّ نظامه. فالقرآن الكريم كله وحدة مترابطة ؛ من حيث قوة الموسيقى في حروفه وتآخيها في كلماته، وتلاقي الكلمات في عباراته ونظمه المحكم في رنينه… وكأنَّ المعاني مؤامنة للألفاظ، وكأنَّ الألفاظ قطِعتْ لها وسويت حسبها.

ومن معجزات القرآن أنه يخاطب العقل والقلب معاً، فتجد له وقعاً على كليهما، وجعله الله شفاء للقلوب ورحمة ونور، قال تعالى:  ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ [  (يونس: 57 )، وقال:تبارك وتعالى:   ]وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَاراً [ (الإسراء:82)، كما أن معظم القرآن إنما يخاطب العقل ويحثه على التفكر في خلق الله كالسماوات والأرض وإمعان النظر في الكون وفي الأنفس والآفاق وجعل ذلك وسيلة للوصول إلى الإيمان بالله، قال تعالى: ]أَوَلَمْ يَنظُرُواْ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللّهُ مِن شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَن يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [   (الأعراف:185).

وقد جعله الله تعالى مصدراً لتثبيت النفس وعونها على الصبر ومصدر هداية وتبشير للمؤمنين كما ثبت به الله تعالى فؤاد النبي (صلى الله عليه وسلم)، قال تعالى: ]قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ [  (النحل: 102)،كما جعله مصدر راحة وإطمئنان للمؤمن، قال تعالى: ]الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ [  (الرعد: 28)، وكم أسعد هذا القرآن قلوباً مولعة ومشتاقة للرحمن ومتعطشة للقاءه، فتجد كلامه تعالى خير دواء وسكن ينزل برداً وسلاماً على القلب والروح فتسعد النفس بترتيله فما أعظمها نعمة هي نعمة القرآن،وهذا إنما يفهمه ويشعر به المؤمن كامل الإيمان الذي يتوق للقاء الرفيق الأعلى.

وسيبقى هذا القرآن معجزاً بلفظه ومعناه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: ]أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا[ ( سورة النساء:82).إن هؤلاء المنافقين والذين فى قلوبهم مرض قد خيب الله سعيهم، وكشف خباياهم، ورأوا بأعينهم سوء عاقبة الكافرين وحسن عاقبة المؤمنين، فهلا دفعهم ذلك إلى الإِيمان وإلى تدبر القرآن وما اشتمل عليه من هدايات وإرشادات وأخبار صادقة، وأحكام حكيمة، تشهد بأنه من عند الله، ولو كان هذا القرآن من عند غير الله أى من إنشاء البشر لوجدوا فى أخباره، وفى نظمه، وفى أسلوبه، وفى معانيه اختلافاً كثيراً فضلا عن الاختلاف القليل، ولكن القرآن لأنه من عند الله وحده قد تنزه عن كل ذلك وخلا من كل اختلاف سواء أكان كثيراً أم قليلا.

فالمراد بالاختلاف هنا هو تباين النظم، وتناقض الحقائق، وتعارض الأخبار وتضارب المعانى، وغير ذلك مما خلا منه القرآن الكريم لأنه يتنافى مع بلاغته وصدقه. وفى ذلك يقول صاحب الكشاف: قوله تعالى: ] لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [ أى: لكان الكثير منه مختلفا متناقضا قد تفاوت نظمه وبلاغته ومعانيه فكان بعضه بالغا حد الإِعجاز. وبعضه قاصراً عنه تمكن معارضته، وبعضه إخباراً يغيب قد وافق المخبر عنه، وبعضه إخباراً مخالفا للمخبر عنه، وبعضه دالاً على معنى صحيح عند علماء المعانى، وبعضه دالاً على معنى فاسد غير ملتئم.فلما تجاوب كله بلاغة معجزة فائقة لقوى البلغاء، وتناصر معان، وصدق أخبار دل على أنه ليس إلا من عند قادر على ما لم يقدر عليه غيره، عالم بما لا يعلمه أحد سواه.

فالآية الكريمة تدعو الناس فى كل زمان ومكان إلى تدبر القرآن الكريم وتأمل أحكامه، والانقياد لما اشتمل عليه من توجيهات وإرشادات وأوامر ونواه، ليسعدوا فى دنياهم وآخرتهم. فالتناسق المطلق الشامل الكامل هو الظاهرة التي لا يخطئها من يتدبر هذا القرآن أبدا، ومستوياتها ومجالاتها , مما تختلف العقول والأجيال في إدراك مداها. ولكن كل عقل وكل جيل يجد منها – بحسب قدرته وثقافته وتجربته وتقواه – ما يملك إدراكه , في محيط يتكيف بمدى القدرة والثقافة والتجربة والتقوى. ومن ثم فإن كل أحد , وكل جيل , مخاطب بهذه الآية. ومستطيع – عند التدبر وفق منهج مستقيم – أن يدرك من هذه الظاهرة – ظاهرة عدم الاختلاف , أو ظاهرة التناسق – ما تهيئه له قدرته وثقافته وتجربته وتقواه.

القَرَائِنُ اللَّفْظِيَّةُ:

من أبرز معالم إعجاز القرآن الكريم ظاهرة القرائن اللفظية، وهي ذات التأثير الخاص على الوضع اللغوي والتي تسبب صرف اللفظ عن معناه الحقيقي، وهذا هو الشيء الذي يحصل في الاستعمالات المجازية بما للمجاز من مدلول عام يشمل الاستعارة والكناية وغيرهما.وقبل الخوض في الحديث عن القرائن اللفظية في القرآن الكريم يجدر بنا أن نلقي نظرة سريعة بغير إخلال أو تفريط عن مصلح القرينة وما يرتبط بها من مواضعات ومصطلحات أخرى.

القرينة لغة:

القرينة في اللغة مأخوذة من المقارنة، وهي المصاحبة، ويعرفها اللغوي ابن فارس في كتابه “معجم مقاييس اللغة” بأنها: ” يقال فلان قرين فلان، أي مصاحب، ويقال قرنت الشئ بالشئ وصلته به، وتطلق القرينة على نفس الإنسان لاقترانا به، كما تطلق على الزوجة، فيقال فلانة قرينة فلان أي زوجته”.

القرينة شرعاً:

يؤكد الشيخ صالح السدلان (1416هـ) على أنه لم يتعرض لتعريف القرينة في الاصطلاح الشرعي إلا المحدثون، ولم يعرفها الفقهاء القدامى ولكن استعملوها بألفاظ مترادفة مثل: القرائن والعلامات والأمارات. ويرجع الشيخ السدلال السبب في ذلك إلى ظهور معناها ووضوح دلالتها على المراد بها.

وممن تعرض لمواضعة القرينة من الجهة الشرعية الشريف الجرجاني في كتابه التعريفات فقال عنها: ” إنها أمر يشير إلى المطلوب “. أما مصطفى الزرقاء فيعرفها بأنها: ” كل أمارة ظاهرة تقارن شيئاً خفياً وتدل عليه، وهي مأخوذة من المقارنة بمعنى الموافقة والمصاحبة”. أما الشيخ عبد العال عطوة فيعرفها بأنها: ” الأمارة التي تدل على أمر خفي مصاحب لها بواسطة نص أو عرف أو سنة أو غيرها”.  وتنقسم القرينة في الشريعة الإسلامية إلى ثلاثة أقسام رئيسة وهذا ما أشار إليه الشيخ صالح بن غانم السدلال، حيث حدد هذه الأقسام فيما يلي:

  • القرينة باعتبارمصدرها.
  • القرينة باعتبار علاقتها بمدلولها.
  • تقسيمها باعتبار قوة دلالتها.

القرينة قانوناً:

أما رجال القضاء والقانون فيرون القرينة أنها ما يستنبطه المشرع أو القاضي من أمر معلوم للدلالة على أمر مجهول. وهذا ما قضت به محكمة النقض المصرية في تعريفها لمفهوم القرينة بأنها استنباط أمر مجهول من واقعة ثابتة، بحيث إذا كانت هذه الواقعة محتملة وغير ثابتة بيقين، فإنها لا تصلح مصدراً للاستنباط.

وقد أشار أستاذنا الدكتور تمام حسان في كتابه الماتع ” البيان في روائع القرآن ” إلى القرينة اللفظية بأنها عنصر من عناصر الكلام يستدل به على الوظائف النحوية ” فيمكن الاسترشاد بها أن نقول هذا اللفظ فاعل، وذلك مفعول به “. ويذكر أن مثل هذه القرائن كمثل معالم الطريق التي يهتدى بها المرء إلى المكان الذي يقصده. وتختلف القرائن باختلاف اللغات، ومن القرائن اللفظية  في اللغة العربية قرينة البنية والإعراب والربط  والرتبة والتضام، والسياق.

قرينة البنية:

قرينة البنية هي دلالة صورة الكلمة على المعنى النحوي، بمعنى آخر القرينة هي الدليل، أما البنية فهي كما يعرفها الدكتور تمام حسان إطار ذهني مجرد للكلمة المفردة وليست الكلمة ذات المعنى المفرد.

قرينة الرتبة:

هي قرينة نحوية ووسيلة أسلوبية، أي أنها في النحو قرينة على المعنى وفي الأسلوب مؤشر أسلوبي ووسيلة إبداع وتقليب عبارة واستجلاب معنى أدبي.

قرينة السِّياقِ:

يشير الدكتور أنس وكاك في دراسته المعنونة بـ ” السياق وأهميته في سلامة الاستدلال” إلى قرينة السياق بقوله: ” المتعلق والبعد والمجرى الذي يأتي الكلام منصبا فيه، فسياق الكلام أسلوبه ومجراه الذي يجري فيه. والسياق من حيث هو قرينة كبرى أو مجموعة قرائن صغرى ينقسم قسمين: سياق لغوي (مقالي) يعتمد على القرائن اللغوية التي يتضمنها الدليل و يستدل بها على مدلوله من جهة اللفظ والمعنى لتحديد المعنى اللغوي، أو ما يعبر عنه البعض بالمعنى النحوي أو الوظيفي للجملة.

وسياق غير لغوي (مقامي) يعتمد على سائر القرائن الأخرى المرتبطة بالـدليل والمدلول لتحديد مراد المتكلم بحسب مقتضى الحال،و هذا المعنى المقصود في خطاب المتكلم هو ما يعبر عنه البعض بالمعنى الوظيفي المراد من الخِطاب،ومقتضى الحال يشمل عناصر كثيرة تتصل بالمخاطِب والمخاطَب وسائر الظروف التي تحيط بالخِطاب، وهذا قدر زائد على مجرد فهم وضع اللفظ في اللغة، ألا ترى إلى اختلاف الغاية التي تساق من أجلها القصة في القرآن، فتذكر بعض معانيها الوافية بالغرض في مقام، وتبرز معان أخرى في سائر المقامات حسب اختلاف مقتضيات الأحوال.

ويؤكد الدكتور تمام حسَّان على اعتبار قرينة السياق في تحديد المعنى المراد من النَّص، وبيان اعتماد هذه القرينة على مختلف القرائن من داخل النص وخارجه، بقوله: “وهكذا تمتد قرينة السياق على مساحة واسعة من الركائز، تبدأ باللغة من حيث مبانيها الصرفية وعلاقاتها النحوية ومفرداتها المعجمية، وتشمل الدلالات بأنواعها من عرفية إلى عقلية إلى طبيعية، كما تشتمل على المقام بما فيه من عناصر حسية ونفسية واجتماعية كالعادات والتقاليد ومأثورات التراث، وكذلك العناصر الجغرافية والتاريخية، مما يجعل قرينة السياق كبرى القرائن بحق؛ لأن الفرق بين الاستدلال بها على المعنى، وبين الاستدلال بالقرائن اللفظية النحوية كالبنية والإعراب والربط والرتبة والتضام، هو فرق ما بين الاعتداد بحرفية النَّص والاعتداد بروح النص، وقرينة السياق هي التي يحكم بواسطتها على ما إذا كان المعنى المقصود هو الأصلي أو المجازي، وهي التي تقضي بأن في الكلام كناية أو تورية أو جناسا، وهي التي تدل عند غياب القرينة اللفظية على أن المقصود هذا المعنى دون ذاك؛ إذ يكون كلاهما محتملا”.

المشْتَركُ اللَّفظِي:

يعرف ابن فارس المشترك اللفظي في كتابه معجم مقاييس اللغة بأنه: ” اللَّفظ الواحد الدال على معنيين مختلفين فأكثر دلالة على السواء عند أهل اللغة”. وظاهرة الاشتراك اللفظي من بين أهم الظواهر التي تمتاز بها اللغة العربية.

وقد بحث عُلَماءُ اللُّغة القدماء في هذه الظاهرة كما اختلفوا في وجودها وفوائدها وتفرقوا فريقين، فريق منكر وفريق قائل بالظاهرة مدافع عنها،كما احتج كل منهما بعلل واستدلالات بغية إثبات صحَّة مذهبِه ودَحض مذْهَب معارضه.

ويعد سيبويه (ت 180 هـ) هو أوّل من أشار إلى المشْترك اللَّفظي حيث ذكره في تقسِيمات الكلامِ في كتابهِ قائلا: “أعلم أنّ من كلامهم اختلاف اللفظين لاختلاف المعنيين واختلاف اللَّفظين والمعنى واحد واتفاق اللَّفظين واخْتلافِ المعنيين، واتفاق اللفظين والمعنى مختلف، قولك: وجدت عليه من الموجدة ووجدت إذا أردت وجدان الضالّة “وأشباه هذا كثير”.

أما الإمام الشَّوكَاني فيرى المشترك اللَّفظي أنه: “اللَّفظةُ الموضوعةُ لحقيقتين مختلفتين، أو أكثر، وضعا أولا، من حيث هما كذلك. فخرج بالوضعِ، ما يدل على الشَّيء بالحقيقة، وعلى غيره بالمجاز، وخرج بقيد الحيثيَّة، المتواطئ. فإنه يتناول الماهيات المختلفة، لكن لا من حيث هي كذلك، بل من حيث إنها مشتركة في معنى واحد”. بينما يذهب تاج الدين السبكي إلى أنه “اللفظ الواحد، الدال على معنيين مختلفين، أو أكثر، دلالة على السواء، عند أهل تلك اللغة. سواء كانت الدلالتان مستفادتين من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال، أو كانت إحداهما مستفادة من الوضع الأول، أو من كثرة الاستعمال. أو كانت إحداهما مُستفادة من الوضع، والأخرى من كثرة الاستعمال.

ومن قولنا الواحد، احتراز عن الأسماء المتباينةِ والمترادفة، فإنه يتناول الماهيّة، وهي معنى واحد، وإن اختلفت محالها.  وقولنا عند أهل تلك اللغة إلى آخره، إشارة إلى أن المشترك، قد يكون بين حقيقتين لغويتين، أو عرفيتين، أو عرفية ولغوية.

الفِرَاسَةُ:

يُعرِّف ابن العَربي الفِراسَةَ بكسر الفَاء بأنها هي التَّوسُّمُ ـ تَفَعُّلٌ من الوسم ـ وهي العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها. وهناك ثمة فوارق بين القرينة والفريسة وأضا نقاط اتفاق، منها أن كلا من القرينة والفراسة متفقتان في أن كلا منهما علامة، ولكن القرينة علامة ظاهرة محسوسة، أما الفراسة فإنها تعتمد على حجج وأمور غيبية خفية لا يدركها إلا المتفرس. والقرينة قابلة للإثبات، أما الفراسة فلا يمكن إثباتها بطريق الشهادة.

قَرِيْنَةُ السِّيَاقِ:

السِّياقُ في مجال تفسيرِ القُرآن لا يمكن الحديث فيه بمعزلٍ عن علمِ المناسبة أو التَّناسبِ؛ لأنه قد ينظر إليه نظرةً أعم، فيتجاوز المفسِّر النظر في لُحمة المقاطع المتَّصلة إلى ما هو أشمل من ذلك، وهو النظر في سياق السورة كلها، وكيف انتظمت معاني يأخذ بعضها بحجز بعض، وهو في ذلك يوضح المناسبات الخاصة بين آية وأخرى داخل السورة موضع الدرس، أي: دون أن يطغى الاهتمام بالسياق الأعم على السياق الأخص.

بل منهم من عُني بدرس التنــاسب والمشاكلة في القرآن كله كما فعـل الإمام أبو جعفر ابن الزبير شيخ أبي حيان، وبرهان الدين البقاعي في كتاب سماه: “نظم الدرر في تناسب الآي والسور”، والسيوطي في كتابه: “تناسق الدرر في تناسب السور”. وممن عُني به من المفسرين الإمام الفخر الرازي في “مفاتيح الغيب”، وأبو حيان في “البحر المحيط”، وهو علم غزير جدا قلت عناية العلماء به.

وممن عُني به –أيضا– من المعاصرين صاحب الظِّلال؛ فإنه نظر إلى السياقات العامة لكل سورة على حدة، وبين أن كل سورة سيقت لخدمة هدف معين، وأن جميع عناصر السورة وإن بدا بينها – أحيانا- في الظاهر شيء من عدم التناسب، فهي كلها في خدمة السياق العام للسورة. وقال القاضي أبو بكر ابن العربي في “سراج المريدين”: “ارتباط آي القرآن بعضها ببعض حتى تكون كالكلمة الواحدة، متسقة المعاني، منتظمة المباني علم عظيم، لم يتعرض له إلا عالم واحد عمل فيه سورة البقرة،ثم فتح الله ـ عزَّ وجل ـ لنا فيه، فلما لم نجد له حَمَلة،و رأينا الخلق بأوصاف البطالة،ختمنا عليه،و جعلناه بيننا و بين الله،و رددنـاه إليه”.

أقْسامُ السِّياقِ اللَّفْظِي:

النظم القرآني معجز ليس له نظير، وكثيراً ما يمكن الوصول الى معانيه من خلاله، فينظر إلى السياق وما به من قرائن تدل على المعنى بدقة، فيكون الإستدلال بها على الحقائق في التفسير. ويقسم السياق اللفظي على أساس  قرب او بعدها فيه على قسمين: سياق لفظي متصل وهو (البسيط). وسياق لفظي منفصل، وهو (المركب).

أولاً ـ  – السِّياقُ اللَّفظِي المُتّّّصِل (البسيط):

إن القَرينةَ الدَّلاليّةَ السِّياقيّةَ، هي التي تكون في مجرى الكلام ونسقهِ، ويُراد بها ما يُصاحِب النص من دلالاتٍ وإشاراتٍ كاشفةٍ عن معناه، إذ إن هذه القرائن هي السبيل الرَّئيس للوصول إلى المعنى الحقيقي المراد للنص – أي نص – ولا سيما إذا كان هذا النص على مستوى عال من البلاغة كنص القرآن الكريم، فيكون الاحتكام إلى النص القرآني نفسه من خلال سياقه للكشف عن المعنى المراد في الآيات الكريمة كالإيجاز بالحذف، والتقديم والتأخير والتكرار. فصارت هذه القرائن منارَ المفسرين للوصول إلى المراد وحجتهم في خلافاتهم، ومناظراتهم في إثبات ما يعتقدون.

وقد نبَّه الإمام علي (رضي الله عنه) على هذا النوع من القرائن في (نهج البلاغة)، في ضوء وصفه القرآن الكريم، إذ يقول: (( كتاب الله، تبصرون به، وتنطقون به، وتسمعون به، وينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض)، فهو (رضي الله عنه) يتحدث عن تفسير القرآن بالقرآن، في ضوء قول الله U: ]إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ _ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ _ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ[ (القيامة: 17-19)، وهو أسلُوبٌ تبنَّاه كثيرٌ من المفسرين، من القدماء والمحدثين، ويحصل بالقرائن السياقيّة للكشف باللَّفظ المفردِ أو المركبِ عن معنى لفظ مفرد أو مركب، قريب منه في الكلام غير بعيد عنه، وهو فيما تبيّن بعد البحث أنه ثلاثة أنواع: متقدم، ومتأخر، ومكتنف.

ويُعَد هذا الأسْلُوبُ أفضل أسَاليب تفسيرِ القرآن ؛لأنه ينبع من داخلِ النَّص المعجز الكريم لا من خارجه، إذ إن كلام الله – تعالى – إذا كان شَاهداً لكلامِ الله، فهو خيرُ شَاهدٍ، ودونه كل الشَّواهد . والقَرينة الدَّلاليّة السِّياقيَّة في القُرآنِ الكَريم لها ثلاثة رتبٍ أو مواضع: متقدمة على اللَّفظة التي تفسرها، أو متأخرة عنها، أو مكتنفة لها من جانبيها السّابق لها واللاحق بها، وجميعها من داخل النص القرآني.

 ( أ ) القَريْنَةُ المُتَقدّمةُ:

وهي القرينة اللفظية السياقية التي تسبق ما تفسره وتدل عليه، إذ تتقدم في صورة من الصور، بأن تكون قريبة منه، وغير تالية له. ومن أمثلة هذه القرينة السياقية، ما ورد في القرآن الكريم في قوله تعالى، يصف المشركين حين يُدعون إلى الإيمان وسماع القرآن: ] كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ * فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ[ (المدثر: 50-51)، فشُبِّه المشركون من حيث حالهم في الإعراض عن سماع القرآن بالحُمر الوحشية المستنفرة، وهي التي فرت خوفاً وهلعاً من شيء يطاردها.

ومثال القرينة المتقدمة أيضاً قوله تعالى:]ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ[ (فصلت: 34)، فقد فُسِّرت الآية تفسيرات عِدّة، منها: أن الله U أمر المؤمنين بالصبر عند الغضب والحلم والعفو عند الإساءة. وقيل: إنه خطاب للنبي محمد r في أن يدفع بحقهِ باطلهم وبحلمه جهلهم وبعفوه إساءتهم. فإذا دفع خصومه بلين ورفق ومداراة صار، عدوه في الدين كأنه وليه القريب في دينه وحميمه في النسب.  وقيل معناه: لا تستوي الملة الحسنة التي هي الإسلام، والملة السيئة التي هي الكفر، وفُسّرت أيضاً بأن شعارها: ادفع بالسلام على من أساء إليك.

ومن القرائن السياقية المتقدمة أيضاً، قوله تعالى: ]ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَداً[ (الكهف:12).  ففي الآية الكريمة وردت لفظة (البعث)، والبعثُ لغةً، هو: الإرسالُ، كبعثِ الله U من في القُبورِ . ولفظُ البعثِ تختلف دلالته بحسبِ اختلاف ما عُلِّق به، ففي الآية السابقة البعث يعني: إحياء الموتى الذي خصّ به الله U بعض أوليائه .

وفُسِّر البعث في الآية الكريمةِ بالإيقاظِ من النَّوم، بالقرينة المتقدمة، وهي قوله تعالى: ] فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً[ (الكهف: 11)، أي: أنمناهم سنين ذات عدد وسددنا آذانهم بالنوم الغالب على نفوذ الأصوات إليها سنين كثيرة ؛ لأن القائم إنما ينتبه بسماع الصوت ودل سبحانه بذلك على أنهم لم يموتوا وكانوا نياماً في أمن وراحة، وجمام نفس، وهذا من فصيح لغات القرآن التي لايمكن أن يترجم بمعنىً يوافق اللفظ، فبذلك أثبتت القرينة المتقدمة كون البعث كان الإيقاظ من النوم لا الإحياء، والدليل على أنهم كانوا نياماً، قوله تعالى في موضع آخر: ]وَتَحْسَبهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ[ (الكهف: 18)، أي تظنهم يقظين، مع أنهم في واقع الحال نيام بقدرة الله.

( ب)  القرينة السياقية المتأخرة:

وهي القَرينَة التي تأتي بعد اللفظة المبهمة، مفسرة وموضحة لها، فتحدد معناها في السياق اللفظي. وهناك كثير من القرائن المتأخرة في التعبير القرآني، منها ما ورد في قوله تعالى: ] فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكَافِرِينَ[ (الزمر: 32).

ومن القرائن السياقية المتأخرة أيضاً، حمل (التين والزيتون)، في قسم الله U بهما في قوله تعالى: ] وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ [ (التين: 1)، على أنهما منابت التين والزيتون، وهي بلاد الشام، وليس الفاكهتين المعروفتين أقسم الله بهما لما فيهما من الفوائد الجمّة والخواص النافعة ، بل قيل: إن المراد بالتين، الجبل الذي عليه مدينة دمشق، وبالزيتون، الجبل الذي عليه بيت المقدس. ولعل اطلاق اسم الفاكهتين على الجبلين لكونهما مننبتيهما، ولكونهما مبعثي جمّ غفير من الأنبياء. وهذا هو الرأي الراجح، بقرينة السياق بعدها، في قوله تعالى:]وَطُورِ سِينِينَ _  وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ [ (التين: 2-3)، وهما أيضاً أماكن مهبط للأنبياء والرسل، و(طور سينين) أيضاً جبل، وهو الذي كلم الله U فيه موسى بن عمران u ويسمى طور سيناء. وقد ورد في سياق آخر بهذه الصيغة ] وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلآكِلِينَ[ (المؤمنون: 20). والمراد بـ(البلد الأمين)، مكة المشرفة، وهي مكان مقدس، ومبعث الأنبياء ومهبطهم من أمثال: إبراهيم واسماعيل (عليهما السلام) ، ومحمدr  .

فبذلك تكون القرينة السياقية من المحاور الأساسية التي اعتمدها المفسرون في الوصول إلى الدلالة الصحيحة للنصوص القرآنية، فضلاً عن معنى المفردة، وقرينة الحال، والقرينة العقلية، وتكون القرينة الفيصل فيه، في ترجيح دلالة دون أخرى من خلال النظر إلى القرائن التي فيه، سواء أكانت محيطة بالنص مكتنفة إياه، أم كانت متقدمة عليه، أو متأخرة عنه. ولولا وجود القرائن السياقية لم نتوصل إلى المقصود في كثير من النصوص القرآنية.

 (ج ) القَرائِنُ السِّياقيَّةُ المُكْتَنفة:

وهي القَرائِنُ التي تَكون محيطةً بالنص من جانبيه، مفسرة له وموضحة  إيَّاه، ومؤكدة لمعناه، وهي كثيرة في القرآن الكريم، منها: قوله تعالى في آية التطهير: ] إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً[ (الأحزاب: 33).

فقد نزلت هذه الآية خاصة برسول الله محمد r وأهل بيته وهم: علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)،، عندما ألقى النبي محمد r عليهم الكساء، وقال: هؤلاء أهل بيتي . واختلف المفسرون في كون هذه الآية نزلت بهم (أهل البيت) الخمسة فقط، أم يُقصد بـ(أهل البيت) أزواج النبي، وحجتهم في ذلك أن آية التطهير كان يكتنفها آيات نزلت في نساء النبي r، فالآية بذلك تكون لأجلهن أيضاً، وهذا ما ذهب إليه عدد من المفسرين مثل  البيضاوي، إذ يقول: “الاحتجاج بذلك على عصمتهم وكون اجماعهم حجة ضعيفة لأن التخصيص بهم لايناسب ما قبل الآية وما بعدها. والحديث يقتضي أنهم أهل البيت لا أنه ليس غيرهم” .

ثانياً ـ  القرائن المنفصلة (المركبة):

وهي قرائن لفظية غير سياقية منفصلة عن النص بعيدة عنه، متقدمة عليه أو متأخرة عنه، أو مكتنفة له من جانبيه، إلا أنها في غير مجرى الكلام، بل هي في كثير من الأحيان في موضع آخر من النص الكريم، أو سورة أخرى، لكنها مرتبطة به دَلالياً.

وكان هذا اللون من القرائن معروفاً ومتداولاً في بيت النُّبوةِ والرِّسَالةِ، وكانت هذه الطريقة هي المستأثرة لديهم في تفسير القرآن، وتأويله. فالنَّبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أول من اتخذ القرآن قرينة دلالية للقرآن، منها قوله حين فسَّر (الظُّلم)، في قوله تعالى: ] الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ[ (الأنعام: 82) ، فظنَّ فريق من الصحابة y أن الظلم هنا “بخس الحق، وهضم حقوق الناس، فقالوا: يا رسول الله: وأينا لم يظلم نفسه”؟، فبيّن (صلى الله عليه وسلم)  أن الظلم هنا ليس الذي يذهبون إليه، بل هو الشرك، واحتج له بقوله تعالى في وصية لقمان لابنه وهو يعظه:  ]إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ[ (لقمان: 13). ففسر r القرآن بالقرآن – وهو أبلغ وأقوى – فهو أول مفسر في الإسلام للقرآن بالقرآن.

وقد أطلق على هذا النوع من التفسير، اسم تفسير القرآن بالقرآن ، وهو أحسن الطرق، فقد ذكر العلماء: أنه  من أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولاً من القرآن ؛ فما أجمل منه في مكان فقد فُسر في موضع آخر، وما اختصر في مكان فقد بُسط في موضع آخر منه، والقرينة على ذلك قوله تعالى:]إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ_فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ_ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ[(القيامة:17-19).

ومن القرائن المنفصلة في القرآن الكريم، الواردة لتفسير قوله تعالى، في حديثه عن وجوب أو جواز قصر الصلاة في حالة السفر أو الخوف: ] وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا[ (النساء: 101)، فكان التشريع لهذه الحالة في هذه الاية وجوب التقصير في السفر، لقوله تعالى: ]فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ  [ بقرينة قوله تعالى في الصفا والمروة: ] فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [ (البقرة: 158)، فنلحظ أن الطواف بهما واجب مفروض ؛ لأن الله تعالى ذكره في كتابه ، و(الجناح): هو الميل عن الحق، فكانت القرينة اللفظية المنفصلة متقدمة على الآية المذكورة.

ومن القرينة اللفظية المنفصلة، قوله تعالى: ] لاَ يَحْزُنُهُمْ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمْ الْمَلاَئِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمْ الَّذِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ [ (الأنبياء: 103)، فالفزع الأكبر، هو الخوف الأعظم، وقد فسّر على أربعة أقوال:

الأول: إنه عذاب النار إذا طبقت على أهلها. والثاني: حين يذبح الموت على صورة كبش أملح، وينادي: يا أهل الجنة خلود ولا موت. ويا أهل النار خلود ولا موت. والثالث: حين يؤمر بالعبد إلى النار. أما الرابع: وهو مروي عن ابن عباس، أنه النفخة الأخيرة، واحتج لذلك بالقرينة المنفصلة المتأخرة، في قوله تعالى: ] وَيَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ [ (النمل: 87).
__________
*الدُّكْتُورُ بَلِيغ حَمْدِي إسْمَاعِيل/ أسْتَاذ المناهج وطرائق تدريس اللغة العربية(م) جامعة المنيا.

جديدنا