الكتابة الإبداعيَّة في صفوف المتعلِّمين؛ السهل الممتنع

إنَّ أبسط الدراسات حول وضع الكتابة والقراءة في أوساط المتعلِّمين وقياس مدى تمكّنهم من آلياتهما تحيلنا على واقع مقلق يتوسطه شرخ كبير بين المتعلم وأبسط تجليات الثقافة، فمن هم مثقفو الغد إن لم يكونوا تلامذة اليوم؟  في هذا السياق ارتأيت الحديث عن آليات الكتابة الإبداعية على ضوء واقع الصناعات الثقافية في المغرب، لا سيما وأننا اليوم نتحدَّث عن وفرة في الإنتاج في مقابل جودة صناعية ضئيلة شيئا ما، كيف إذن يمكننا أن نكتب الإبداع وهل الرهان الحقيقي لهذا الإبداع يتمثل في إرضاء الذوق العام أم تحقيق متعة فردية خالصة ؟  هل نكتب كي ننسى أو مخافة النسيان؟

كلها أسئلة إبستيمولوجية تبحث عن كينونة العمل الإبداعي وللأمانة، لا أحد من أطراف العملية الإبداعية باستطاعته الإجابة عنها، قارئا كان أم مبدعا ام دارسا وناقدا.  بالتالي فورقتنا هذه لا تروم الإجابة عن الأسئلة بقدر ما هي تأمل في الواقع الإبداعي واستقراء لأهم آلياته ثم تمكين تلامذتنا من وضع اولى خطواتهم الصحيحة في مجال الكتابة.  ولعل أهم الاليات هي : القراءة / الذاكرة / الملكة.

أ.القراءة : إنَّ جدلية التلقي والإبداع، عميقة عمق الكينونة البشرية، خاصَّة وأنّ  السلوكيات الإنسانيَّة نتاج للتلقي، تلقي الإنسان  للطبيعة وللظواهر الإنسانية والكونية عموما، ولم يكن للإنسان حصة إبداع دونما تلقٍ لمظاهر ذلك الإبداع، واذا عرجنا هذه القاعدة على الكتابة الإبداعية فسيكون إذن التلقي، قراءةً لعمل الإنسان فكرا أو شعرا أو نثرا، ولا نقصد بالقراءة ها هنا استهلاكا لما هو كائن في الساحة الإبداعية، فالإنسانية تحكمها فطرة الاقتناص والتمييز  بين ما هو صالح وآخر طالح، وعليه فالقراءة رغم أنها نابعة من فعل إنساني فطري وهو التلقي، إلا أنها ليست فضفاضة وعشوائية بل تحكمها هي الأخرى آليات وأدوات إجرائية على التلميذ معرفتها، أولا وجب معرفة سبب القراءة قبل بداية البحث عن الكتب ذلك إنها – أي القراءة- تجسيد لحاجة بشرية ملحة، ومعرفة طبيعة ومسوغات الحاجة، تقودنا لمعرفة سبل إشباعها. فهل سنقرأ لتحقيق متعة فردية وإشباع حاجاتنا الفكرية، أم أننا سنغرق في دوامة الذوق العام ؟  وهل القراءة تؤتي أكلها دون استخدم ذاكرة تحافظ عليها؟

ونجد في هذا الصدد أن القراءة المنهجية للنصوص في الكتاب المدرسي تستجيب لقدرات المتعلمين الإبداعية حيث تنمي جملة من الكفايات، وتسعف المتعلم في تواصله المباشر مع النصوص خاصة الإبداعية في صنفيها الشعرية والنثرية من خلال الفهم والتحليل أي في مرحلة “أثناء القراءة “.

ب. الذاكرة : لا غرو أن قراءتنا بشكل ناضح وماتع تؤثر إيجابا على ذاكرتنا، لذلك كانت الآلية الثانية من آليات الكتابة الإبداعية تتمثل في الذاكرة بنوعيها، ذاكرة القراءة وذاكرة الكتابة، أما الأولى فهي مخزون معجمي وفكري يساعدك كونك تلميذا على تنمية مهاراتك التواصلية بشتى أنواعها كما يمكنك من تعميق أفكارك وصقل شخصيتك المعرفية، أما الثانية فهي ذاكرة استثمارية، تولد طاقة الكتابة، خاصة الكتابة السردية أو بمعنى أدق ” المحكي “، فتكون بذلك الذاكرة تنقيبا عن آثار لم ولن تنسى لدى المبدع أو الكاتب بوعي منه أو بدون وعي فيضيف تخييلا لإثرائها وإنعاشها، وهذا التيار هو ما يجعل من الكتابة الإبداعية، ثروة إنسانية، القاسم المشترك فيها – على قول دلتاي- هو الخبرة التاريخية لدى الإنسان المحفورة في ذاكرته، فما موقع الذاكرة من الإبداع وكيف يمكن إذكاء هذه الذاكرة؟ب.

إنَّ العمل الإبداعي عامة والمحكي منه خاصة، يتطلب مراوغة للنسيان، وصناعة ورقة واحدة تتطلب استحضار نصوص عدة، حتى تصير الورقة فتات أوراق متناثرة متباينة، وبلورة الذاكرة تتطلب ذكاءً، قسمه الأستاذ محمد طواع في دراسته الفلسفية المعنونة بـ” الكتابة من أجل أن ننسى”[1] كالتالي:

1.الذكاء الاستبطاني: أقصد به قدرة الشخص على إدراك نوعية شخصيته ووجداناته، رغباته

وميولاته،  وأحاسيسه وقدرته على البوح أو على خلق الفرجة على الذات.

2.الذكاء اللغوي المنطقي: ولغز امتلاك هذا الذكاء يكمن في القراءة، في اكتساب هوس القراءة من أجل تلك القدرة على بناء سيرورة الحكي التي ترسم لها الذات لحظاتها رسما.

3.ذكاء التذكر: وهو القدرة على الرجوع بالزمن بشكل مقلوب من الحاضر إلى الماضي العالق بالذات بأمكنته وأزمنته وبعلاقاته البيئية. ذاتية مع الأغيار من أجل بناء تاريخ السيرة الذاتية.

4.ذكاء التخييل: وهو المسؤول عن إنتاج الصورة والرمز، وهو ذكاء يتكامل مع ذكاء التذكر، وهو ما   تقتضيه صناعة الكتابة الإبداعية. خاصة وأن التخييل مادة خام في العمل الإنساني تميز ما هو إبداعي في العمل عما هو فكري موضوعي ودقيق.

  1. الملكة أو الموهبة : نعلم علما يقينا أن للكتابة أو القراءة أدوات إجرائية تساعدنا على تنمية قدراتنا والارتقاء بصناعاتنا الثقافية، إلا أن الموهبة أو الملكة المميزة للإنسان لبنة أساس تلعب ومادة خام، فموهبة الكتابة شأنها شأن مواهب أخرى كالرسم والغناء، تتضمن ما هو فطري وكائن مسبقا رغم قابلية تطورها بفعل الاكتساب. ونحن نتحدث عن الكتابة الإبداعية، نلحظ أن الملكة أو الموهبة فيها قد تكون أحادية، كالشاعر أمل دنقل رحمه الله، الذي امتنع عن كتابة نمط إبداعي آخر غير الشعر طالما حيا، أو ثنائية تجمع بين الإبداع والنقد، كالشاعر أدونيس والقباج رحمه الله…، أو الكتابة في أنواع إبداعية متفرقة كالكاتبة بثينة العيسى التي مزجت رواياتها بأسطر شعرية. كما نجد كتابا ذوو ملكة مرتبطة بشغف قار نوعا ما، كالكاتبة أغاثا كريستي المتميزة بكتاباتها البوليسية، أو البرتغالي خوزيه ساراماغو صاحب الروايات الاجتماعية ذات طابع خيالي.
    من هذا المنطلق يتبين أن أهمية الملكة تقضي التنقيب عنها كأول خطوة نحو الصناعة الإبداعية، على الكاتب أن يدرك ماذا يكتب وماهي المقاعد المرتاحة عليها أنامله، حتى يكون نصه متاهة يضيع فيها القارئ، ومن أجل أن يكون الكاتب أول ناقد لنصوصه يعري عن روحه.

إن الرهان اليوم يكمن في وعينا بأهمية القراءة والكتابة في واقعنا الاقتصادي والسياسي والاجتماعي، ثم إدراكنا لهما كحاجتين إنسانيتين لا محيد عنهما وليس فقط ترفا فكريا، ومنه تعودنا عليهما في حياتنا اليومية واستغلال كل المحطات والمبادرات المؤطرة والمحفزة استغلالا إيجابيا.


[1]  الدراسة مأخوذة من كتاب جماعي بعنوان ( الواقعي والمتخيل في بلاغة السيرة الذاتية )،

جديدنا