أصالة “النومينولوجيا”.. عَرَضيَّة “الفينومينولوجيا”

نَدَر أن سُئِلت الفلسفةُ عن الدّوافع التي جعلتها تميلُ إلى الاعتناء بظواهر الموجودات والإعراض عن الأصل الذي هو علّة إظهارها. قد تكون هذه الندرة عائدةً في الغالب إلى أنّ الفينومينولوجيا لم تكن سوى مركَّبٍ ميتافيزيقيٍّ اتّخذ مكانةً حاكمةً في تاريخ الميتافيزيقا. ابتدأت الملحمة مع السوفسطائيّة وما تلاها، ثمّ مع الانعطافة الأرسطيّة عبر المقولات العشر، ثم امتدَّت إلى عهود الحداثة بأطوارها المتعاقبة. ولقد تخالفت التنظيرات أو تقاطعت، بصدد ماهيّة الفينومينولوجيا، وهويّتها المعرفيّة، وطرائقها في التعرُّف إلى موضوعاتها. ولسوف نرى كيف امتلأ المعجم الفلسفيّ الحديث بما لا حصر له من التعاريف. منها من مضى إلى أنّ المعنى البَدئيّ لكلمة ظاهرة (Phainomenon) مشتقّة من فعل (Phainesthai) بمعنى «ظهر». ومنها من رأى أنّ الظاهرة هي ما يظهر من تلقاء ذاته، أو ما هو بادٍ للعيان، بقطع النّظر عن السبب الكامن وراء إبدائه.

لم تكن الفينومينولوجيا كمصطلح ومقصد حديثة العهد. فقد ظهرت في مستهلَّات العهد الفلسفيّ اليونانيّ مع المدرسة الشكِّيّة (في القرن الرابع ق.م). كان بيرون (Pyroon) المأخوذ حدّ الشغف بـ “التريُّب واللَّاأدريّة”، هو أوّل من استخدمه ليشير إليه بمفردة “الأبوخي”، التي تعني “تعليق الحكم”. أي التريُّب حيال، والإعراض (عن) كلّ ما ينتمي إلى عالم المغيَّبات بذريعة استحالة الأدلّة على إثباته. من ثمّة دعا أرقيسلاوس (Arcesilious) إلى إيقاف الحكم في قضايا الاعتقاد على نحوٍ كليٍّ. ثمّ لينتهي الأمر إلى ضربٍ من قطيعةٍ ابستمولوجيّةٍ بين الظواهر وبواعثها الأصليّة. في أزمنة الحداثة بدا “الظواهريون” كأنّهم استورثوا المقولة الإغريقيّة عن ظهر قلب. الفيلسوف الألمانيّ يوهان هاينريش لامبرت (1728 ـ 1777 م) في كتابه (الأورغانون الجديد)، هو أوّل من استعمل الفينومينولوجيا كمصطلح، وكان مراده منها درس الخصائص الوهميّة للإدراك الإنسانيّ، ثم انبرى إلى نعت الظاهراتيّة بـ “نظريّة التوهّم”. بعد ذلك سيذهب كانط (1724 ـ 1804 م) خطوةً أبعد؛ ليميِّز بين الأشياء كما تظهر في الإدراك، والأشياء كما هي في نفسها وبشكل مستقلّ عن قوانا المعرفيّة. ثم ليخلص إلى أنّ “النومين” غير قابل للتعريف أبدًا، وأنّ الظاهر -“الفينومين”- هو وحده القابل للتعريف؛ وبذلك صارت المعرفة الكانطيّة معادلةً في معناها ودلالاتها للعلم بالظاهريّات.

*     *     *

مع أنّ كثيرين من “ظواهريي الغرب” سيعمد إلى استعمال الفينومينولوجيا كمرادف للواقعيّة، أو كإعراب عن الحقيقة الخارجيّة، سينبري جمعٌ من متأخِّري القرنين التاسع عشر والعشرين إلى تعريف المفهوم بأنّه “تحقيق توصيفيّ يشمل كلّ ما يرد على الذهن، سواء كان ذلك أمراً حقيقياً، أو مجرّد تداعيات وهمية…

ربّما لهذا السبب، سيُقال إنّ الفينومينولوجيا لا تقدِّم نفسها كعلمٍ قائمٍ بذاته، وإنّما كرؤيةٍ وصفيّةٍ تحكي ما هو ظاهر، وتستحكي ما هو مستتر؛ لتستدلّ على واقعيّته أو إمكان ظهوره. فأنْ تكون الفينومينولوجيا وصفيّةً، إنّما هو تحصيلٌ حاصل.. إلّا أنّ ذلك لا يعني – كما يُبيِّن القائلون – أن تكون غايتها بناء المعنى، أو إعادة بنائه من منطلقِ ذاتٍ مفكِّرةٍ تجعلُ من ذاتها مركز كلّ دلالة.

إنّ تعريف الفينومينولوجيا على هذا النحو، يعني بصورةٍ أو بأخرى، تبرئتها من تَبِعات إصدار الأحكام. غير أنّ ادعاءً كهذا لا يلبث أن ينحدر إلى حقل التناقض حالما يتّخذ الفينومينولوجيّ سبيله إلى مختبر التجربة. في هذه الحال، لن يكون لأيّ منهج أن يزعم الحياد بذريعة أنّه يؤدّي مهمّةً توصيفيّةً. ذلك بأنّ كلّ توصيف يُجريه الفينومينولوجيّ حيال ظاهرة ما، هو في الناتج ضربٌ من حكمٍ شخصيٍّ يُصدرُه على الحالة الموصوفة، أنَّى كانت نسبة الموضوعيّة في حكمه. ولقد دلَّت أعمال الفينومينولوجيين على أنّ التحقيق التوصيفيّ للظواهر لا يتوقّف عند سطوح الظاهرة، لكونه يحظى بمفهوم أوسع مما جيء به في القاموس الفلسفيّ الحديث. فالتوصيف ليس مجرّد بيان الأوصاف، بما في ذلك الأوصاف الذاتية؛ بل يمتد إلى ما هو أعم من ذلك، أي إلى مجرّد تبيين النسبة بين أمرين متغيِّرين. فالسؤال عن الآثار والعلامات ونسبة ظاهراتيّة ظاهرة معيّنة إلى الظاهراتيات الأخرى، إنّما يُعدّ في الواقع حرثاً معرفيّاً في أرض التوصيف. وهذا يُحيلنا بداهةً إلى ما ذهب إليه نقّاد المسلك الفينومينولوجيّ لمّا رأوا أنّ التعريف الحقيقيّ لكلّ مفهوم يروم الوصول إلى حقيقة الشيء والتعرُّف على ماهيّته وهويّته. وهو -أي المفهوم- إلى جانب سيرته التاريخيّة -التي تدخل في خصائص كل المفاهيم- له أيضاً خصوصيّة الكشف واستيلاد المعرفة. أمّا حاصل هذا التنظير فمؤدَّاه: أنّ التعاريف الحقيقيّة وإن جاءت في مقام التوصيف، فإنّها تختزن خاصيّة الكشف عن حقيقة الشيء. ومن هنا تطرح مسألة الخطأ في التعريف، وإمكان التنازع في صحّته أو عدم صحّته. فالتعريف الذي يُذكر في الجواب على مطلب “ما”، ينبغي أن يكون مطابقاً لواقع هذا المطلب، وإلا وقع النزاع فيه وعُدَّ خاطئاً.

*     *     *

حين وقفت المدارس الفينومينولوجيّة الحديثة بانذهال أمام “النومين”، كباعث خفيٍّ لـ “الفينومين”، دأبت على تعريفه باللَّا مشعور به، أو بالشيء المصموت عنه والمغفول عن سيرته. غير أنّ هذا “التسقيط المفهومي” لـ “الشيء في ذاته” لم يكن بداعي النّظر إليه كأمرٍ بديهيٍ، وإنّما لكونه السرَّ الذي اسْتَتَر عن النّظر، وعزَّ فهمُه على طبائع العقول المشغولة بدنيا المظاهر. ولمّا تنبَّه أدموند هوسرل إلى مشكلة تقديم الفينومينولوجيا كعلمٍ ومنهجٍ بينما هي مفصولة عن أصلها، طَفَقَ يرتِّب نظاماً للتفكير المفارق  يُقصدُ منه إخراج مشروعه الفلسفيّ مما ينطوي عليــه من إغماضٍ، وما قد يُسفر عنه من عثرات فـي بنيتــه التكوينيّــة. لذا سيطلــق شعاره الأثير بضرورة “الرجوع إلى الأشياء ذاتها” (To The Things Themselves). أما ديناميات الرجوع إلى الأشياء في ذاتها واستبطان ماهياتها، فهذا ما لم نشهد له بيِّنة لدى هوسرل. حصل ذلك على الرّغم من تميُّزه عمّا ذهب إليه الإغريق حين استعملوا “الأبوخي” للإشارة إلى إستحالة معرفة الشيء في ذاته. لقد أراد تأويل هذا المصطلح في إطار منهجيّته الجديدة التي تقول بالتقييد لا “الاستحالة”. أي بلزوم التعليق المؤقت للحكم على المدركات الماديّة، وذلك من أجل التوجّه نحو مقام متعالٍ (ترانسندنتالي) تُدركُ فيه الصور العقليّة الحقيقية للأشياء تبعاً لتلازم “القصدية” و”الشعور”، اللذين يشكّلان جوهر منهجه الفينومينولوجي. الفينومينولوجيون من نظرائه، وكذلك الذين جاؤوا من بعده، سيواجهون هذه المعضلة، فضلاً عن معضلة التوفيق بين توصيف الظواهر وتعليق الحكم عليها. بسببٍ من هذا التعقيد المعرفيّ، سوف تنمو التباينات وتتضاعف حيال تعريف ماهيّة وهويّة ومهمّة المنهج الفينومينولوجيّ ومقاصده. من أبرز تداعيات هذه القضية أنّ جمعاً من هؤلاء ذهبوا شوطاً أبعد ليقرّروا أنّ الفينومينولوجيا هي علم الماهيات الذي يُدرَك بواسطة الحدس، بوصفه المرحلة القصوى من إدراك معنى الظواهر. والحدس -كما يقرّر المشتغلون بعلم الشيء في ذاته- هو المقدرة على التوغّل عبر الحاجز الفاصل بين الوعي والوعي الباطني (اللَّاوعي). ولأنّ هذا الأخير متّصلٌ بالوعي الكليّ، فإنّه يستطيع العثور على مَنفذٍ إلى مصدر لمعرفةٍ مفارقةٍ لأعراض الأشياء ومظاهرها.

*     *     *

المُحقَّقُ عن هوسرل أنّه حاول فهم الشّيء في حضوره الأوّليّ البَدئيّ في العالم. وأنّ هذا الشّيء سيكون عنده موضوع الإدراك الحسّيّ، والجوهر الحامل للمقولات، واستطراداً، هو ما يُقابل الذات العارفة على مستوى نظريّة المعرفة. لكنّ مشكلة فهم حقيقة الأشياء لدى رائد التنظير الفينومينولوجي، هي تلك التي ستظهر بصيغة الاستفهام الذي يحتاج إلى جواب: كيف يمكن لذات واحدة، من دون أن تتعرَّف إلى تاريخ الفكر البشريّ أن تعود إلى العلاقة الأوّليّة مع الأشياء المحضة، لتعيد تحديد حقيقتها من جديد؟

حيال هذا الاستفهام، دأب هوسرل في مسعاه المنهجيّ على عدم الفصل بين “النومين” و”الفينومين”، بل جعلهما كينونةً واحدةً، يُمكن التعرُّف إليها حضورياً من دون توسُّط المفاهيم. اعتَقَدَ أنّ ذات الأشياء (النومين) هي نفسها التي تحضر، فيُدركها الفاعل المعرفيّ -أي الإنسان- حيث يحصل التطابق بين الذهن والعين من بعد أن كانا منفصلين. وهذا الاعتقاد جاء نتيجة فرضيّته التي تقول إنّ ذات الأشياء هي ماهيتها. أي هي نفسها الخصائص التي تميّزها والعناصر التي تكوِّنها وتبدو من خلالها للعيان. وبهذا المعنى، لن يكون ثمّة انفكاك بين الفاعل المعرفيّ وموضوع المعرفة، بل تطابق بين العارف والمعروف. حيث إنّ ذات الموضوع في هذه الحال، هو الذي يتبدَّى كعلمٍ حضوريٍّ لدى المدرِك خارج معياريّة المفاهيم ووساطتها. ذلك لأنّ المفاهيم تُقيم المسافة بين طرفي المعرفة، بينما يؤدّي التحرّر منها الى التعرُّف على ذات ماهيّة الشيء عبر شهودها في الواقع من جانب العارف.

*     *     *

هذه التأويليّة المتقدّمة حيال الظاهراتيّة لدى هوسرل، لم تجد الأفق الذي يفتح على تحقيق حُلمه الكبير في إخراج العلوم الأوروبيّة من مأزقها الأنطولوجي. وما ذاك إلّا لإصراره على جعل الفينومينولوجيا علماً قائماً بذاته ومستقلاً عن كل المسلَّمات الميتافيزيقيّة. وهذا هو الأمر الذي سيؤدّي به -وبسبب “التقويس” أو “تعليق الحكم”- إلى المكوث مجدّداً في أرض الإغريق. من بعد هوسرل، سنشهد على انعطافاتٍ غير محمودة النتائج في مساعي هايدغر وتنظيراته. فقد حَصَر الأخير فينومينولوجيا الوجود بفهم ما قد يسفر عنه العطاء المتبادل بين الكينونة والإنسان المتعرِّف “الدازاين”. أي إنّه سيُعيد نقل المعضلة إلى الإنسان كموجودٍ محوريٍّ في فهم الوجود الذي يواجهه. إلّا أنّه في دراسته الشهيرة “ما الميتافيزيقا؟”، يعود هايدغر القهقرى إلى دائرة التعطيل ليُصرِّح بأنّنا لا نستطيع أن نصل إلى معرفة نفس الأمر وواقع الأشياء، وإنّما نتعاطى مع ظهوراتها فقط”. لكن هذا الإقرار بالعجز عن معرفة الشيء في ذاته، بدا أنّه يُناقض مكوِّناً أساسيّاً في منظومته الفلسفيّة حين احتجّ على تاريخ الميتافيزيقا منذ الإغريق إلى ما بعد الحداثة على أنّه تاريخٌ مطبوعٌ على “نسيان الكينونة”. الثّابت أنّ هايدغر أخذ مسلكه الظاهراتي عن أستاذه هوسرل، ولا سيما، لناحية قوله بالوحدة بين ذات الشيء وظهوره العيني، إلّا أنّه سيخالفه الرؤية في ما بعد. كان هوسرل يقول بأصالة الماهيّة والظهور في آن، أمّا هايدغر فسينبري إلى القول بأصالة الظهور، حيث يظهر الوجود من خلال وعي الدازاين له. ولذلك، فإنّ أصالة ظهور الوجود بواسطة “الدازاين” لا تعني قرباً أو تمثّلاً لأصالة الوجود، كما نظَّرت لها الحكمة المتعالية في الفضاء الإسلامي. ذلك لأنّ رؤية هايدغر للكينونة لم تنفذ إلى الماوراء واللّامتناهي، بل طفقت حبيسة دنيا المقولات الأرسطيّة ولم تغادرها قط. لذلك يصرِّح هايدغر باستحالة قدرة الدازاين على تجاوز الكينونة لكي يتحقّق بإدراكاتٍ أعلى من فضاءاتها المتاحة. فالمعنيّ عنده هو أنّ “الدازاين” (الإنسان) حين يتواجه مع الكينونة بانفتاح ووعي، ويرمي نفسه في لجَّتها، تظهر له حقيقة الوجود بقدر وعيه واستعداده. وعليه، تُصبح الموجودات ذات معنى حين تصير تحت مرأى وعي “الدازاين” لها.

كانت تحليلات هايدغر، تستبعد الشيء في ذاته، الذي اقتطع جذرياً مما يظهر -«إذ لا وجود لشيءٍ آخر وراء ظواهر الفينومنولوجيا»-. ومن جهة أخرى، هي كذلك؛ لأنّها لا تستبعد للسبب ذاته احتجاب وتستّر ما ينبغي أن يكون ظاهرة. للوجود سرٌّ، لكنّه سرٌّ لا يوجد خلف ما يظهر، فهو ذاته ظاهرة، إنّه موجود هناك؛ ونحن لا نكشف عنه، فهو يتستّر، وهذا التستّر والاحتجاب هما في حدّ ذاتهما ظاهرة كذلك. إنّ الفينومينولوجيا، لا بالمعنى الصوري لهذا المصطلح الذي يفيد الوصف عموماً، وإنّما بمعناها الضّيق الذي يقصد الكشف عن خصائص وجود كلّ كائن، هي المدخل إلى هذه البنيات الظاهراتيّة (Phenomenales) التي يقدّمها هايدغر على أنّها «ما لا يظهر من أوّل وهلةٍ وفي غالب الأحيان، ما هو محتجب، عكس ما يظهر من أوّل وهلةٍ وفي غالب الأحيان، لكنّه في الآن نفسه شيء ينتمي أساساً إلى ما لا يظهر من أوّل وهلة وفي غالب الأحيان، بحيث إنّه يؤسّس معناه وأساسه». هذا السرّ الأنطولوجي لا علاقة له بما تعوَّدنا على تسميته بالسرّ الذي هو -حين انكشافه- متجانسٌ مع ما يحجب. فالسرّ يبقى سرّاً حتى بعد أن يكون قد اتّضح كلّ شيء، فهو من نظام آخر يسمّيه هايدغر نظاماً أنطولوجياً، والذي يتعارض مع النظام الموجودي (ontique)، بكلمة.. إنّه ظاهرة السر.

*     *     *

منشأ المعضلة في ظاهراتيات الحداثة، يعود إلى الفهم الميتافيزيقيّ لأوّل ظاهرةٍ وجوديّة. أي إلى ظاهرة نشوء الكون الذي اتّفقت الفينومينولوجيا اليونانيّة والحديثة معاً على أنّه هو الشّيء الذي يظهر من تلقاء ذاته. وبالتالي، هو نفسه الشّيء الممتنع ذاتاً عن المعرفة، والذي ينبغي تعليق الحكم عليه. النتيجة التي ترتَّبت على هذه “المسلَّمة” جاءت على خلاف ما تقتضيه البراءة العلميّة. والنتيجة، تقييد العقل وتعطيل إمكاناته إلى حدِّ إنكار العلّة المظهِّرة لهذا الشيء. وما ذاك إلّا لأنّ العقل الفينومينولوجيّ الغربيّ منذ بداياته التأسيسيّة قرَّر النّظر إلى”النومين” كعلّة تامَّة نشأت من ذاتها بذاتها ولذاتها، ولا حاجة لها إلى علَّةٍ خارجيّةٍ تدفعها إلى الظهور. وبالتالي، سيضطرُّ الناظر إليها أن يتّخذ هذه المسلَّمة دربةً له، كقاعدة ضروريّة لوصف ما هي عليه ظواهر الموجودات في الواقع.

في الميتافيزيقا الحديثة، دارت الأفهام حول النومين مدارات شتَّى من الجدل، إلّا أنّها في خواتيمها لم تفارق ما تداوله حكماء اليونان وفلاسفتهم. هو حيناً نفس الأمر المكمون في الشيء، وهو عصيٌّ على الإدراك، ولا يُعرف إلا حين يبدو لنا في الواقع العيني.. ذلك ما كان أشار إليه هايدغر لما بيَّن أنّ الحداثة أخفقت في ابتكار تعريف للكليات يوازي أو يجاوز ما وضعه الإغريق. وإنّ فلاسفة اليونان مذ حدَّدوا المعالم الأساسيّة لمبادئ فهم الوجود لم تتحقّق خطوةٌ جديدةٌ من خارج الحقل الذي ولجوه أوّل مرّة.

*     *     *

  نعود الآن إلى السؤال البَدئيّ الذي افترضناه كتصديرٍ لهذه المقالة: ما المراد من القول بأصالة النومينولوجيا وعَرَضِيَّة الفينومينولوجيا؟

ليست الدّعوة إلى إعادة تسييل العلم بالشيء في ذاته “النومين”، إلّا لإنشاء مفهومٍ يؤسِّسُ لنظريّة معرفة تنظّر إليه بوصف كونه ظهوراً واقعيّاً قابلاً للفهم. الغاية من ذلك، هي التمهيد لأفقٍ معرفيٍّ جديدٍ يستجلي المخبوء في علم الوجود، وينفتح على مسارٍ مفارق يستظهر ما يختزنه الشيء في ذاته من وعود ميتافيزيقيّة.

من أجل ذلك، ينبِّه علم النومين (النومينولوجيا) إلى وجوب تصويب خللٍ تكوينيٍّ في الاسم الأنطولوجي للميتافيزيقا. فإذا كانت كلمة الما بعد (ميتا) دالَّةً على ما هو تالٍ للطبيعة أو ما فوقها، فذلك معناه أنّ عالم ما بعد الطبيعة هو امتداد للطبيعة وموصول بها بعروةٍ وثقى. ما يعني أيضاً أنّ كلّ ما بعد الطبيعة هو واقعٌ حقيقيّ بمرتبةٍ وجوديّةٍ مفارقة، وإن تعدّدت ظهوراته كمّاً وكيفاً. مثل هذا الخلل في الاسم الأنطولوجيّ للميتافيزيقا سوف يؤدّي إلى صدعٍ في المبدأ المؤسّس للعقل، والاستفهام عن حقيقته. وهذا ما سيكشف عن أمرٍ بديهيٍّ سها عنه القول الفلسفي الإغريقي ولواحقه. فإذا كانت مهمّة الميتافيزيقا البحث في الوجود بما هو موجود، فإنّ مبتدأها ومنتهاها تمثَّل بحصر معرفتها بالموجود في ظهوره العياني وعدم الاكتراث بما هو عليه في خفائه وكمونه.

يعتني علم “النومين” بالظاهرة الوجوديّة بوصف كونها ظهوراً لأصل وجودها، ومتّصلة به اتّصال الجزئيّ بالكليّ، فإذا كانت الفينومينولوجيا تدلّ على الشيء كما يتبدّى في العلن، فإنّ هذا المتبدِّي ما كان له أن يبدو لولا اتّصاله بمصدره الأوّل. الذي هو ماهيّته وحقيقته الواقعيّة. نعني بذلك الجوهر بذاته الذي ظهر وتوسّع ليكون ظهور الموجودات امتداداً لظهوره وتوسّعاته.

لا نتريَّب القول، إنّ مسعانا إلى تأصيل المعرفة بـ “النومين”، ينبغي أن يكون محمولاً على رهانٍ معرفيٍّ يسترجع ما هو مفقود في عالم الميتافيزيقا، وفي تاريخ الفلسفة التي تحوّلت إلى فينومينولوجيا مقطّعة الأوصال. وحين يكون سمْتُ العلم بالشيء في ذاته وغايته استشكاف المنسيِّ والمغفول عنه من الوجود، فمما لا ريب فيه حالئذٍ، أنّنا تلقاء مهمّة عظمى تستلزم أوّل ما تستلزم، همّة إيجاد المنهج الموصل إليه.

ولكونه علماً ينشد التعرُّف على الموجود الأوّل وسرِّ ظهوره، والكيفيّة التي ظهرت منه الكثرة، تُعيد النومينولوجيا الاعتبار لكلام متجدّد حول فينومينولوجيا الوجود المتعيِّن على نحو يجاوز الثنائيات المؤسِّسة للمعضلة الميتافيزيقيّة في ثقافة الغرب. ولذا، فإنّ المهمّة التأسيسيّة لعلم “النومينولوجيا” هي إذاً، استكشاف حقيقة موجودٍ فُطِرَت موجوديّته على وحدة البساطة والتركيب. وبالتالي، إدراك حقيقة هذا الجوهر الوجوديّ الذي حظيت ذاته بفرادة جمع الوحدة إلى الكثرة، هو الشيء الوحيد الذي تقوم طبيعته على الثراء والفقر في آن. أي بين الاحتياج إلى موجده وبين كونه مبدأ مؤسّساً لعالم الممكنات.

*     *     *

كفَّت الميتافيزيقا التي عهدناها مع قدماء الإغريق عن أن تكون العلم بإلهيّات ما بعد الطبيعة. جرى هذا من بعد أنسها المتمادي بالمفاهيم، حتى لقد أخلدت إلى دنيا الطبيعة، ودارت مدارها، ولم تكن في مجمل أحوالها ومشاغلها سوى مكوث مديد على ضفاف الكون المرئي. لقد انسحرت الفلسفة الأولى بالبادي الأوّل حتى أشركته مُبديه وبارئه، ثم راحت تخلع عليه ما لا حصر له من ظنون الأسماء: المحرك الأوّل غير المتحرك، “النومين أو الشيء في ذاته”، “العلّة الأولى” و”المادة الأولى أو الهيولى”، وأخيرًا وليس آخراً “القديم والأزلي”.. وجرياً على هذه الحكاية ستنتهي إلى نعته بالموجود الذي أوجد ذاته بذاته من عدم، ولمّا أن وُجدَ لم يكن له من حاجة إلى تلقّي الرعاية من سواه. هو بحسب “ميتافيزيقاهم” كائن مكتفٍ بذاته، ناشطٌ من تلقاء ذاته، ومتروكٌ لأمر ذاته.

الفلسفة الحديثة –حتى وهي في ذروة دهشتها بذاتها- لم تَبرح هذه المعضلة الموروثة عن السّلَف الإغريقي. مبدأُها المنبسطُ على ثنائيّة “النومين” و”الفينومين” ظلّ ملازماً لها كما هو في نشأته الأولى. وبسبب من هذا التلازم تجدَّدت ألوان المعضلة وتكثَّرت أنواعها، واستدام الاختصام والفرقة بين جناحي الثنائيّة. ولمَّا لم يكن لهذا المبدأ أن يبلغ مقام الجمع بين الجناحين، أفضت الإثنينيّة في غُلُوِّها الإنشطاريّ إلى وثنيّةٍ صارخةٍ حلَّت ورسخت في قلب الميتافيزيقا، قديمُها ومستحدثُها. من هذا النحو، لم يُفلح النّظام الفلسفيّ الكلاسيكيّ في مجاوزة معضلته الكبرى المتمثّلة بالقطيعة الأنطولوجيّة بين الله والعالم. وهو حين تصدّى إلى مقولة الوجود بذاته، أخفق في إدراك حقيقته. ثم أعرض عنها وأخلد إلى الاستدلال المنطقيّ والتجربة الحسِّية. لهذا ظلّ الموجود الأوّل في هندسة العقل المقيَّد بالمقولات العشر لغزاً يدور مدار الظنّ، ولمَّا يبلغ اليقين. وبسببٍ من قيديَّته سَرَت ظنونُهُ إلى سائر الموجودات ليصير الشكُّ سيّدَ التفلسف منذ اليونان إلى ما بعد الحداثة. من أجل ذلك، سنرى كيف سيُخفقُ التاريخُ الغربيّ رغم احتمائه بهندسات العقل الذكي، في إحداث مسيرة حضاريّة مظفرة نحو النور والسعادة. فلقد تخلَّل ذلك التاريخ انحدار عميق إلى دوَّامة المفاهيم والاستغراق مليّاً في أعراض المرئيَّات الفانية. النتيجة أنّه كلَّما ازدادت محاولة الإنسان فهم دنياه، وعالمه الواقعي ازداد نسيانه ما هو جوهري. والنُّظَّار الذين قالوا بهذا لا يحصرون أحكامهم بتاريخ الحداثة، بل يُرجعِونها إلى مؤثِّرات الإغريق، حيث وُلِدتَ الإرهاصاتُ الأولى لتأوُّلات العقل الأدنى. وهو العقل إيَّاه الذي سترثه الفلسفات اللَّاحقة، لتصبح العقلانيّة العلميّة معها حَكَماً لا ينازِعُه منازعٌ في فهم الوجود وحقائقه المستترة. وكحصيلة لمسارات العقل الأدنى ستأخذ الثورة التقنيّة صورتها الجليِّة، لِتَفْتتِحَ أفقًا تفكيرياً سيعمّق القطيعة مع أصل التكوين وحقيقة الوجود.

*     *     *

تظهر اختبارات الفينومينولوجيا على امتداد قرنين منصرمين فقراً بيِّناً، يحول دون إنجاز منظومةٍ تتجاوز المعاثر المعرفيّة، سواءً في عالم الأفكار أو في العالم الواقعي. ذلك بأنّ الكثير من المفاهيم والعناصر المعرفيّة التي تقوم عليها الظاهراتيّة تُركت على حالها حبيسة كهوف صلدة من الغموض والإبهام؛ فقد جرى الاكتفاء بمجرّد التعاريف الكلّيّة، ولم يجرِ تقديم مسار عمليّ محدّد وواضح لكيفيّة تطبيقها في الواقع. فالتوقّف في كهف التوصيف البحت، والغفلة عن البيان والتفسير، والقيام على المفاهيم الكلّيّة والمبهمة، أدّى بالفينومينولوجيا إلى فقدان كفاءتها بوصفها منطقًا لفهم الوجود.

لقد دأبت تاريخانيّة العقل الفينومينولوجيّ على اختزال كلّ ما له دلالة فطريَّة إيمانيّة لتُحيله إلى مجرّد أثرٍ له دلالة تاريخيَّة. لم يكن عند معظم الفينومينولوجيين أساسٌ ميتافيزيقيٌّ للدين يمكن معه تفسير الظواهر باعتبارها ظاهرةً لحقيقةٍ باطنةٍ (noumenal). ولكن النّزعة الشكيَّة ما بعد الكانطيَّة في الفلسفة الأوروبيَّة طفقت ترى إلى المعرفة الباطنة بوصفها معرفة وهمانيّة، ولا إمكان للعقل البشري أن ينفتح عليها، أو أن يقبلها كمعطًى واقعيّ.

وإذ يقدِّم الظواهرتيونعن منهجهم باعتباره طريقًا لكشف المعنى الظاهر والوصول إلى الجوهر الباطن لماهيّة الظاهرة، -كما سعى إلى ذلك هوسرل وشيلر وهايدغر- فإنّهم ما لبثوا أن وقعوا في التناقض. فهم إذ يرومون “كشف المخفيّ” مما يقع خلف الظاهر، لا يكفُّون عن الدعوة إلى الإعراض عنه لإستحالة إدراكه. ثم إنّهم سينحدرون إلى خطأ آخر؛ إذ فضَّلوا وصف الطقوس والرموز والصور والأفكار باعتبارها انعكاساً لعالمٍ روحيٍّ بعينه يمتلك معناها.

مجمل القول،ثمّة جملة من الاختلالات التكوينيّة في بنية التفكير الفينومينولوجي أفضت إلى صرفها عن أن تؤدّي وظيفتها المنهجيّة في استقراء الوجود المتعيِّن، على نحو يقيمها في مقام العلم التام القوام. في رأس قائمة الاختلالات هو الانفصال عن المبدأ المؤسِّس لكلّ ظاهرة، ووقوفها على التوصيف البحت، وافتقارها إلى نظريّة كاملة وراسخة في التبرير والتسويغ، وبقاء مفاهيمها الجوهريّة والأساسيّة عامّة وغامضة.

__________

**محمود حيدر: مفكر وأستاذ في الفلسفة والإلهيات – لبنان.

وسوم:

اترك رد

جديدنا