هل العقل موضوعي أم ذاتي؟

أسطورة أن حواسنا موضوعية تقوم على الأطروحة التالية:

صحيح أن أدمغتنا قد لا تعالج جميع المعلومات المتاحة لنا وقد تتخذ حواسنا بعض الطرق المختصرة، لكنها لا تخلق أي تصورات حسية أو إدراكية من تلقاء نفسها، وأن ما نراه ونختبره من خلال حواسنا موجود مكان ما. نحن معتادون على التفكير في أن تصوراتنا تمثل صورة حقيقية ودقيقة للعالم لدرجة أنه يصبح من المرجح أن ننسب نجاح الساحر إلى قوة غامضة وخارقة للطبيعة – من قبيل السحر أو الشعوذة – بدلاً من اعتبار نهج عمل أدمغتنا مصدر الخطأ. 

والحقيقة الدامغة أن تلك الأطروحة السالفة خاطئة علمياً وتحتاج التصويب.

الاهتمام الانتقائي والعمى المتعمد

نحن في الواقع لا ندرك سوى القليل جداً من العالم المحيط بنا بشكل مباشر. وكمثال على ذلك فمقل عيوننا بدقة 1 ميجابكسل وهو ما يعني بأن أعيننا نافذة ضبابية، على العالم من حولنا، لكن تجربتنا تدرب أدمغتنا على تطوير اختصارات فعالة، وملء المعلومات المفقودة. ليست فقط حواسنا هي المقيدة بفيزياء التقاط الكثير من المعلومات المتاحة، ولكننا أيضاً مقيدون بقدرتنا على معالجتها.

على الرغم من الادعاءات بأن أدمغتنا هي أكثر الأشياء التي يعرفها الإنسان تعقيداً، إلا أننا قادرون فقط على الانتباه إلى كمية صغيرة جداً من المعلومات في أي وقت.

بدلاً من المعالجة الكاملة لجميع المعلومات الحسية المتاحة لنا، يتعين على أدمغتنا أن تحدد ما هو الأكثر أهمية. ومثلما هو الحال في غرفة الطوارئ في المشفى، تعتمد طريقة الفرز على حجم حالة الطوارئ. إذا كانت هناك أزمة، فيمكن توجيه انتباهنا إلى جزء محدد للغاية من البيئة، وسوف يجذب الاصطدام الصاخب أو الزلزال الكبير انتباهك على الفور بعيداً عن أكثر الأفلام إثارة.

نسمي هذا النوع من الانتباه عملية تصاعدية؛ أي أن شيئاً ما في العالم من حولنا يؤدي إلى استجابة كبيرة بإحدى حواسنا، وتتجاوز هذه الاستجابة جهودنا للتركيز على شيء آخر. ينصب انتباهنا بعيداً عن كل ما كنا نفعله ويتجه نحو مصدر التحفيز.

اعتماداً على ما نقوم به، يمكن أن يتشتت انتباهنا إلى حد ما بسبب محيطنا. إذا شعرنا بالملل، فقد نحول انتباهنا بسهولة أكبر إلى شيء يحتمل أن يكون أكثر إثارة للاهتمام. ومع ذلك، إذا كنا منغمسين تماماً فيما نقوم به، فقد نتجاهل أي شيء آخر ما لم يكن من سوية تحفيزية عالية.

هذا التركيز في الانتباه هو سلسلة متصلة – وليس إما/أو. ويستغرق الأمر وقتاً لتصبح مركّزاً بما يكفي لتجاهل معظم عوامل التشتيت من حولنا. هذا هو السبب في أن تعدد المهام غير فعال، أي محاولة القيام بأكثر من مهمة واحدة في نفس الوقت، مثل الخطأ القاتل المتمثل في تصفح الهاتف الجوال وقيادة السيارة بنفس الوقت.

في معظم الأوقات، نوجه انتباهنا إلى الجوانب المختلفة للبيئة التي تهمنا. هذا ما يسميه علماء وظائف الدماغ المعالجة التنازلية. لدينا قدر محدود من طاقة وقدرة الاهتمام؛ هناك أشياء كثيرة يمكننا مراقبتها في وقت واحد. وكلما زاد تركيزنا على شيء واحد، قل اهتمامنا بالأشياء الأخرى.

ولكن بينما نركز على هذا النشاط المحدد أو ذاك، فإننا نبالغ في تقدير مقدار الاهتمام الذي نوليه لما حولنا. نعتقد أننا ما زلنا نرى ونسمع «الأشياء الكبيرة»، لكننا غالباً لا نفعل ذلك. هذه المبالغة في تقدير مدى جودة نظامنا الإدراكي في تتبع ما يجري خارج نطاق تركيزنا المباشر هي التي يعتمد عليها السحرة.

يسمى فشلنا في تسجيل حدث غير متوقع عند الانخراط في مهمة ما مهما كانت بسيطة إلى حد ما بالعمى غير المقصود. نعم، نحن عميان عن الأشياء التي لا نهتم بها، حتى عندما تكون أمامنا مباشرة.

والعمى غير المقصود يفسر سبب فقدنا لمحافظنا أو مفاتيحنا على مرأى من الجميع. ويتم استغلاله أيضاً من قبل السحرة.

انضم باحثو الرؤية ستيفن ماكنيك وسوزانا مارتينيز كوندي إلى الكاتبة العلمية المخضرمة ساندرا بلاكسلي لتوضيح كيف يستفيد السحرة من عيوب الدماغ في كتابهم «حيل العقل». وأحد هذه العيوب، التي يمكن القول أنه أقواها، هو العمى غير المقصود، والذي يدعى أيضاً العمى الإدراكي غير المقصود.

الوعي الظرفي والتحيز التأكيدي

العديد من السحرة، بعد أن تعلموا مدى تزعزع نظام الانتباه لدينا، يدربون أنفسهم على التغلب على قيودهم ويصبحوا خبراء يقظين. ثم، عندما يُظهرون قوتهم الخارقة الجديدة، فإننا نعزو ذلك إلى السحر.

أحد الأمثلة هو التحسين في شيء يسمى الوعي الظرفي، والذي يتضمن تتبع ما يحدث في أي مكان في جميع الأوقات، وفهم ما تعنيه هذه الأحداث، والقدرة على التنبؤ بما سيحدث.

يمكن أن يصبح السحرة خبراء في ملاحظة الأشياء. خبراء التلاعب الذهني، الأشخاص الذين يدعون أن لديهم بعض الإدراك الحسي المفرط، عادة ما يكونون على دراية مفرطة بما يحدث. إنهم يفحصون البيئة باستمرار ويلاحظون الأشياء التافهة التي يتجاهلها معظم الناس والتي يمكن أن تمنحهم معلومات مهمة حول موضوعاتهم.

يمكن لإريك ميد، على سبيل المثال، خبير من خبراء التلاعب الذهني موصوف في كتاب «حيل العقل»، أن يثير إعجاب رفاقه في العشاء من خلال إبقاء عينيه مركزة على الضيوف على طاولته أثناء وصف الأشخاص الذين يتناولون الطعام على طاولات أخرى في الغرفة – كم عدد الموجدين في كل طاولة، وكيف يبدون، وماذا يأكلون، وما إلى ذلك. ويمكنه حتى إعطاء تفاصيل عن حياتهم.

يستطيع ميد القيام بكل هذا لأنه درب نفسه على أن يكون شديد الإدراك لما يحيط به، ويمكنه دمج هذه المهارة في أفعاله السحرية. إن القيام بهذه الملاحظات، دون الكشف الصريح عن أهداف انتباهه، يمنحه القدرة على تقديم ادعاءات دقيقة بشكل مدهش حول حياة الأشخاص الذين يحضرون عروضه، والتي غالباً ما تكون دقيقة لدرجة أنه قادر على إقناع الناس بأنه يمكنه التنبؤ بمستقبلهم أو التواصل مع أحبائهم المتوفين.

خبرة ميد في الوعي الظرفي تعمل بشكل جيد بشكل خاص في عمله لأنه يمكن أن يقرنها بميل الناس للبحث عن أدلة تؤكد معتقداتهم، بدلاً من دحضها. يسمى هذا الاتجاه بالتحيز التأكيدي، وهو أحد عناصر عوار وضعف المنطق لدى معظم بني البشر إلا الذين يدركونه ويجتهدون لمقاومته إرادياً وبالاجتهاد فكرياً من اجل عدم الوقوع في شركه.

خبراء التلاعب الذهني بارعون في استغلال تحيزنا التأكيدي. لكن معظم الناس ليسوا على درجة عالية من التدريب في ملاحظة تفاصيل محيطنا. وبالنسبة للجزء الأكبر، يعد هذا أمراً جيداً، لأنه يسمح لنا بالتركيز وتذكر الأشياء المهمة حقاً، مثل ما يتغير في محيطنا الحيوي بدل التركيز على كل التفاصيل الجامدة الثابتة فيه، خاصة وان قدرات الدماغ ونشاطه تستهلك موارد طاقية فائقة تصل إلى ربع ما يستهلكه كل البدن، وهو ما يستدعي تسخيرها لمراقبة التغيرات أكثر من الجوامد، لأن التغيرات هي التي قد تستدعي منا ارتكاساً ما لحفظ النفس أو الدفاع عنها والحفاظ على وجودها وفق منظار علم وظائف الدماغ التطوري.

معظم عمليات الإدراك لدينا موجهة نحو ملاحظة التغيير، لأنه إذا كان هناك شيء ما في البيئة لا يزال كما هو وما زلنا على قيد الحياة وبصحة جيدة، فمن المحتمل ألا يهدد الحياة. وفي الكثير من الأحيان قد يكون التغيير مخيفاً، مثلما في حالة بزوغ وحش ضار من وراء أكمة هامدة ليس بنه وبين التهامنا سوى ارتكاسنا السريع لذاك المتغير بالهرب بكل طاقتنا منه.

التعود والعمى عن التغيير

جميع حواسنا – نظامنا البصري، ونظامنا السمعي، وحاسة الشم، وحاسة اللمس، وما إلى ذلك – وحتى إدراكنا عرضة للتعود، الذي جوهره هو أننا عندما نواجه نفس الحافز أو الموقف مراراً وتكراراً، نبدأ للتوقف عن الاستجابة له، أو تجاهله تماماً.

أحد الأمثلة على التعود هو ما يحدث عندما تنتقل إلى منزل جديد. في الليلة الأولى، كل صرير صغير وصوت غريب يوقظك ويجذب انتباهك. لكن بمرور الوقت وبسرعة إلى حد ما، تتعلم النوم في لج جميع الأصوات العادية، حيث تتعود حواسك على منزلك الجديد. لكن صوتاً غريباً، مثل تشغيل أحد الجيران للراديو، حتى لو كان في نفس نطاق الدسيبل الصوتي مثل ثلاجتك، على سبيل المثال، فجأة سوف يسحبك من سباتك.

يحدث التعود مع حاسة اللمس، ولهذا السبب لا تشعر بملابسك معظم الوقت، ويحدث ذلك مع حاسة الشم لديك، ولهذا السبب لا نشم عادة روائح أجسادنا.

ويحدث هذا أيضاً مع الرؤية. يمكن القول إن أفضل مثال على التعود على الرؤية هو ظاهرة تسمى العمى عن التغيير، وهو عدم قدرتنا على ملاحظة التغيير، وحتى التغييرات الكبيرة. هذا ما يفسر لماذا يمكن أن تفلت الأفلام من العديد من الأخطاء. يمكن للديكور وأوضاع الممثلين وحتى الشعر والمكياج التغير بين اللقطات دون أن يصرخ الجمهور أو أن يتم إخراجهم من القصة.

يحدث العمى عن التغيير غالباً عندما يكون التغيير تدريجياً أو بطيئاً وخارج نطاق تركيز انتباهنا المباشر. على سبيل المثال، إذا قام ممثلان بتصوير مشهد في مقهى، فربما لن نلاحظ (ما لم نبحث عنه على وجه التحديد أو ينجذب انتباهنا إليه) بالضبط أين توجد فناجين القهوة الخاصة بهم من لقطة إلى أخرى أو مقدار السائل في كل منهما. ولكن إذا أصيب أحدهم فجأة بجرح في الوجه أو كان يرتدي نظارات، فمن المحتمل أن نسجل ذلك لأننا كنا نولي اهتماماً لتعبيرات وجههم.

ونقوم بمعالجة الوجوه بشكل عام: نولي اهتماماً للمواضع النسبية لملامح الوجه، مثل المسافة بين العينين والحجم النسبي للأنف والفم، بدلاً من التركيز على كل ملمح جزئي في الوجه على حدة.

يصبح اكتشاف التغيير أكثر صعوبة مع تقدمنا ​​في السن وقد يفسر ذلك جزءاً من انخفاض القدرة على القيادة مع تقدم العمر. قد لا يلاحظ كبار السن تغييرات في التقاطع، على سبيل المثال، بسرعة مثل البالغين الأصغر سناً، مما يؤدي إلى زيادة مخاطر وقوع الحوادث.

العمى عن التغيير هو أيضاً مشكلة بالنسبة لشهادة شهود العيان، حيث لن يلاحظ الشاهد ما إذا كان هناك تغيير في هوية الشخص المستهدف قبل الجريمة وبعدها.

الأسوأ من ذلك كله، أن معظم الناس لديهم عمى عن العمى عن التغيير؛ أي أننا لا نعرف أننا لا نعرف، وأننا غير مدركين لمدى سوء اكتشافنا للتغييرات أو التغييرات البطيئة التي تقع خارج نطاق تركيزنا.

لكن العمى عن التغيير يوضح محوراً أساسياً حول أدمغتنا، يتمثل في حقيقة أننا جيدون جداً في اكتشاف التغييرات البارزة أو المهمة. في الواقع، نحن نشرئب عقلياً في مناخ من التحفيز الملائم؛ وأننا في حال غياب أي تغييرات في بيئتنا، تتوقف أدمغتنا عن العمل بشكل صحيح. لهذا السبب يمكن أن يدفعك الحرمان الحسي إلى الجنون، مثلما في حالة التعذيب النفسي للمظلومين المسجونين في زنزانات انفرادية تمثل ليس احتجازاً للفرد وإنما حالة من التعذيب النفسي المستمر الذي لا ينقطع.

الهلوسات والأوهام

إذا حرمت نفسك من حاسة ما – على سبيل المثال، من خلال ارتداء عصابة العين – يمكنك زيادة حاسة أخرى، مثل السمع. على المدى القصير، على الرغم من الارتباك، يمكن للحرمان الحسي أن يكون مريحاً. حتى أن هناك منتجعات صحية تبيع لك مثل هذه التجارب.

ولكن عند حرمان نفسك من التحفيز لفترة طويلة فيمكن حينئذ أن تصاب بالقلق الشديد والاكتئاب والهلوسة، والتي تعني بأن دماغك سوف يخلق التحفيز لك من تلقاء نفسه. وقد استخدمت العديد من الحكومات الحرمان الحسي كأسلوب استجواب، في محاولة لتجنب خرق الخط الفاصل بين التكتيكات المقبولة للاستجواب وبين التعذيب، والمجادلة بأنه ليس تعذيباً جسدياً إيلامياً بينما قد يكون أكثر من ذلك في حقيقة الأمر.

هذه الهلوسات ليست سمعية أو بصرية فقط؛ حتى حاسة اللمس لدينا يمكن أن تخلق تحفيزاً وهمياً في غياب التجارب الحقيقية. ولعل أشهر حالات الهلوسة الحسية الوهمية هي مرضى الأطراف المبتورة. من المشاكل الشائعة لدى هؤلاء المرضى الإحساس المحبط بأن الطرف المفقود يسبب الحكة أو الألم، أو أنه لا زال موجوداً ويمكن الشعور به في ظاهرة تدى الطرف الشبح Phantom Limb.

تخبرنا الأوهام والهلوسات أن تجربتنا ووعينا للعالم خارج أدمغتنا ليست سوى تجربة يختلط فيها الذاتي بالموضوعي، وأن حواسنا ليست مستقلة عن بعضها البعض، وأنه يمكننا فقط إدراك جزء صغير من جميع المعلومات المتاحة في العالم من قبيل جزء صغير من الضوء والصوت واللمس والطرق الأخرى التي يمكن أن يؤثر بها العالم علينا.

ولكن تم تشكيل أدمغتنا من خلال التطور والاصطفاء الطبيعي عبر ملايين السنين لاستخراج التفاصيل الهامة مما يدور حولنا من تغيرات في المحيط البيئي والحيوي، وملء الباقي بما ينتجه دماغنا من عملية ملء الفراغات الإدراكية، مما يتركنا عرضة للأوهام، ولكن أيضاً يمَكننا من الازدهار في البقعة الصغيرة من الكون التي نسميها فضاءنا الوجودي.

وهذه الأوهام تتأثر بماضينا من قبيل اللغة التي نتحدث بها، في حالة الأوهام السمعية، والأشياء التي نوليها اهتماماً في حالة بيئتنا البصرية. والحقيقة أنه على العكس من الاعتقاد الشعبي السائد فإن إدراكنا للمدخلات الحسية بعيد كل البعد عن الموضوعية، وهو دائماً خليط مزدوج من الموضوعية والذاتية في آن معاً.

__________
*الدكتور مصعب قاسم عزاوي.

**تعريب فريق دار الأكاديمية للطباعة والنشر والتوزيع لملخص محاضرة قدمها الطبيب مصعب قاسم عزاوي باللغة الإنجليزية في مركز دار الأكاديمية الثقافي في لندن.

وسوم:

اترك رد

جديدنا