تاريخانيَّة الزمن المدرسي؛ مشروع تغيير يلوح في الأفق

خيَّم في ذهني لسنوات عديدة، سؤال خلته في مراحل متقدِّمة من عمري، مكروهًا  لا طائل منه، ولأنَّ كل مكروه مرغوب، ظلَّ عالقًا في ذاكرتي و كبر حجمه واتَّسعت رقته محافظًا على نفس الصياغة، لماذا أفعل ما يفعله الناس! لماذا أعيش مثلهم! لاسيما أنَّ حياتي حينها كسائر الأطفال والمراهقين كانت حياة مدرسيَّة المنهج، فجلّ وقتنا وتعلماّتنا وصداقاتنا وزمننا بني في المدرسة أو من خلالها، نتيجة ذلك قفز سؤالي إلى المدرسة في علاقتها بنظام حياتي اليوميَّة، التي كنت ولا زلت أحاول قولبتها لمناسبة الزمن المدرسي. لكن لماذا؟ لماذا لا يمكنني الحصول على فطور منزلي في الساعة العاشرة صباحًا؟ لماذا أتناول غذائي بالضرورة في أجال عينته المدرسة وحدَّدته غالبًا في الزوال؟ لماذا فرض علي بطريقة أو بأخرى أن أكون في الثامنة صباحا مهيّأة لتلقِّي معارف أو إنجاز وضعيَّات اختباريَّة لماذا لا يحقّ لي السفر لشهور إلا صيفًا مكرهة رغم حرارة الجو….؟

إنَّه نظام زمني عالمي شهير، استمدَّ شهرته من تعودنا على ممارسته ( قرابة 100 سنة) حتى صار جزءًا لا يتجَّزأ من نظام أو إيقاع حياتنا، وهو ببساطة لا ينافي الفطرة البشريَّة التي مجَّدت عبر عصور الاستيقاظ والنوم الباكرين كما أنَّه إيقاع منظَّم تسير على شاكلته الفئة المستهدفة من التعليم الإلزامي ( 4-16 سنة) في المجتمع ممَّا يسهل التحكّم في طبيعة تعليمها والمدَّة الزمنيَّة المخصَّصة له..

كادت نفسي أن ترتاض على هذه الفكرة وتسلّم بها لولا كتاب ” إيقاعات  الحياة و إيقاعات التعلُّم جوانب كرونوبيولوجيَّة وكرونونفسيَّة”.(. Rythmes de vie et rythmes scolaires : aspects chronobiologiques et chronopsychologiques)، بمساهمة من الكتاب،  Geneviéve Bréchon /René Clarisse/ Roger Fontaine/ Nadina Le Floc’h.

للكاتب فرانسوا تيستي Testu François وهو أحد أبرز العلماء المهتمّين بدراسة وتيرة التعلُّم لدى المتعلِّمين من منظور نفسي و بيولوجي وله عدَّة إصدارات في مجال علم النفس الزمني و علم الأحياء الزمني .

يعالج الكتاب ذو 177 صفحة إشكاليَّة وتيرة التعلُّم لدى المتعلِّم في علاقتها بمكان التعلِّم مجيبًا على سؤالين محورين متى يمكن أن يكون التلميذ مؤهّلات لاكتساب المعرفة وتذكّرها واستثمارها بشكل أنسب؟ وأين يتمّ ذلك؟  وظَّف عالم النفس فرانسوا الإجابة على السؤالين علم الأحياء الزمني وعلم النفس الزمني من خلال دراسة معمَّقة للمدرسة الفرنسيَّة وتلميذها لقياس طبيعة الإيقاع اليومي للحياة في فرنسا، مقارنة بإيقاع المدرسة (خاصَّة الابتدائيَّة) و كيف يؤثِّر ذلك على المتعلِّم بيولوجيا من خلال ساعات نومه واستيقاظه و كيفيَّة تفاعل جسده مع نظام زمني مكرَّر، بيولوجيًّا حيث إن جسم الإنسان يتميَّز بوتيرة حركيَّة خاصَّة في ظرف ساعات أو أسابيع أو سنوات تختلف من فردٍ لآخر. ونفسيًّا متمثّلا في الصحَّة النفسيَّة للمتعلِّم ومدى تأقلمها مع الوتيرة الزمنيَّة المبرمجة من لدن وزارة التربية الفرنسيَّة.

لكل هاته الأسباب ارتأى فرانسوا أن يجزِّئ دراسته إلى ثلاثة أجزاء، يضمّ الجزء الأول دراسة في وتيرة حياة الطفل بمتقلباتها وسماتها السلوكيَّة والنفسيَّة والبيولوجيَّة، معرّجًا على نظام النوم والاستيقاظ لدى التلميذ والفروقات الفرديَّة فيه، ثم نشاطه الفكري وعلاقاته بسيرورته النفسيَّة. أمَّا الجزء الثاني فكان دراسة ميدانيَّة تقييميَّة لإيقاع التلميذ اليومي فكريًّا ونفسيًّا وجسديًّا، و قد أبان عن فروقات فرديَّة للتلاميذ تحول دون إمكانيَّة تعويدهم على نظام زمني محدَّد طوال مدَّة تعليمهم خاصَّة مع النضج الجسدي الذي يواكبه بالضرورة نضج معرفي ونفسي فيتغير على إثره إيقاع التنظيم والتفكير واستثمار المكتسب. ويمكن اعتبار العنف المدرسي مظهرًا من مظاهر اللامنهجيَّة في تدبير إيقاع التعلُّم .

أمَّا الجزء الثالث من الكتاب عبارة عن رؤية جديدة للتوقيت المدرسي ودعوة صريحة من المؤلِّف لإعادة تربيت الوتيرة المدرسيَّة للمتعلِّم الفرنسي مع مراعاة أعمار المتعلِّمين وطاقتهم التحمليَّة .

إنَّ المعطيات الواردة في هذا الكتاب علميًّا  ثقافيًّا وإثنيًّا إن شئنا القول، لا تختلف عمَّا هو سائد في المنظومة المغربيَّة، ما يعني أن لبّ المشكل ومسقط رأسه واحد إلا أنَّ فروعه شملت جل أرجاء العالم . من أين إذا نبع هذا النظام المدرسي الذي بموجبه  ندخل المدرسة في الثامنة صباحا وننتهي منها في السادسة مساء، طوال موسم دراسي إلى أن ينتهي الموسم على الأغلب في مايو، فنستمتع بعطلة صيفيَّة تتميَّز بإقفال أغلب المدارس لأبوابها؟

يجيبنا فرانسوا تيسي إجابة تاريخيَّة بإعطاء أمثلة عن عوامل جعل بعض الأيام أو الأشهر عطلا دون غيرها، حيث إنَّ العوامل ارتبطت بأحداث تاريخيَّة كانت العطلة إحدى نتائجها وحذا الفرد حذو من سبقوه فيها، ثم جعلها إيقاعا لحياته يتوارث الأجيال، إلى اليوم . قدَّم الكاتب ثلاثة أمثلة ( عطلة الأربعاء / عطلة الصيف/ عطلة فبراير أو الشتاء) إلا أنَّ عطلة فبراير لا تهمّنا كثيرا لكونها عطلة ثلجيَّة وتساهم في نماء اقتصاد البلدان المنظّمة للألعاب الشتويَّة والسياحة في  فصل الشتاء للبلدان ذات الحرارة المنخفضة، بالتالي سنكتفي بعطلتي منتصف الأسبوع ونهاية السنة؛

عطلة  الأربعاء: المدرسة الفرنسيَّة – كالمدرسة المغربيَّة- واحدة من المدارس القليلة في العالم التي تمنح التلاميذ في المستويين الروض والابتدائي عطلة منتصف الأسبوع، وقد استمدَّت المدرسة الفرنسيَّة مشروعيَّة قرارها من إجراءات وزير التعليم الفرنسي ‘ ورئيس الحكومة لاحقا’ جول فيري، لمحاربة التديُّن المسيحي في المدارس الفرنسيَّة. لقد سارعت فرنسا جاهدة لعلمنة المجتمع بشتى مجالاته، واختلفت الطوائف العلمانيَّة بين محترمة للأديان وحُرمتها، وبين معادية لها، وفي ظلِّ الصراعات السياسيَّة والتعليميَّة كان لزامًا على الحكومة الفرنسيَّة عامَّة ووزارة التربية خاصَّة، اتِّخاذ إجراءات تغييريَّة ولطيفة في الآن نفسه، طمعًا في كسب ثقة الفرنسي المسيحي، وعليه فإن علمنة المدرسة الفرنسيَّة تقتضي إزالة التربية الدينيَّة من مواد التدريس، وبناء مدارس محايدة ليس فيها ما يدل على المسيحيَّة من صليب أوبناء كنائسي، ولتلطيف وقع هذه  القرارات على الفرنسيين أو -ثمن القرارات- على لسان فرانسوا، تقرر إدراج مادة ‘الواجبات تجاه الله’ كمادة أخلاقيَّة ودينيَّة، ثم تقرّر منح عطلة في منتصف الأسبوع، الأربعاء ‘الخميس سابقا’ بموجبها يتمكَّن التلاميذ من تلقّي دروس دينيَّة مسيحيَّة في الكنائس كنوع من تبرير للغياب.

على أساس سياسي محض يقتضي إرضاء المجتمع والتحايل عليه بغية نفث العلمانيَّة، بزغت عطلة منتصف الأسبوع وبقيت سارية إلى اليوم، بموجبها يأخذ التلميذ المغربي المسلم قسطًا من الراحة  ويحصل على بعض التمارين المنزليَّة الإضافيَّة لغد الخميس !

عطلة الصيف: لم تكن بوادر عطلة الصيف للاستجمام والسفر أو قضاء وقت ممتع في المصيف، البتة، بل كان المجتمع الأوروبي في حاجة ماسَّة لتعويض الخسائر البشريَّة واليد الفلاحيَّة إبان الحرب العالميَّة الأولى. فقد بلغت هذه الأخيرة ذروتها في فصل الصيف، ولم تجد معظم الدول في الفترة ما بين 1914-1918 أباء وأجدادا للعمل في القطاع الفلاحي باعتباره أكثر القطاعات ازدهارًا آن ذاك، عندها وقع الخيار على المتعلِّمين، وارتأوا منحهم عطلة صيفيَّة للعمل في الحقول من يوليو إلى أكتوبر دونما انقطاع عن التمدرس.

إنَّ من يجد في العطلة الصيفيَّة ملجأ للهروب من الحياة المدرسيَّة باتِّجاه اللعب واللهو والراحة النفسيَّة، فإنَّ أقرانه في النصف الأول من القرن الماضي، يمتعضون لحصولهم عليها أشدّ امتعاض.

خلاصة ما تمَّت مناقشته سلفا، أنَّ نظامنا التعليمي زمنيا،شانه شأن فرنسا ودول أخرى، تبنى نظاما تعليميا مسايرا، للحفاظ على السيرورة الاقتصاديَّة و الاجتماعيَّة والسياسيَّة للمجتمع، ما يعني أنهم بطريقة غير مباشرة قولبوا الزمن الدراسي ليتماشى مع حاجاتهم و طبيعة إيقاعهم الحياتي دون الالتفات إلى جوانب المتعلِّم العقليَّة والبيولوجيَّة والنفسيَّة، إنَّنا أمام منظومة تعليميَّة تجعل التعليم تابعًا ومسايرًا ومقلّدًا بكل ما تحمله هذه المفردات من معاني ” المغلوب” ولا تجعل من التعليم قضيَّة جوهريَّة أوليَّة وأساسيَّة، إذ رغم ضخامة الإصدارات التربويَّة التي نسمعها في كل سنة والتي تولي اهتماما بالغًا للمتعلِّم، فإنَّنا نلاحظ تكتّمًا وتستّرا على اللبنة الأساس لضمان جودة التعلّم لدى المتعلِّم، أي إيقاع يومي يناسب عمره ونضجه.

قبل كل شيء، علينا أن نعي نحن كمجتمع أن العطل المدرسيَّة خاصة الصيفيَّة، ليست عطل إراديَّة بل هي جزء من الحياة المدرسيَّة تتمّ برمجتها بشكل لا يؤثِّر على السير  المألوف للمنظومة التربويَّة، بالتالي فالمدرسة المغربيَّة لا تفرض على المتعلِّم مواقيت التمدرس فقط، بل تتعدَّاها لتفرض مواقيت الراحة !

والحال أن الأصل في العمليَّة التعليميَّة التعلُّميَّة، تقتضي سير المتعلِّم إلى المدرسة بإرادة حرَّة ورغبة شخصيَّة في التعلُّم، لا فقط القدوم لسبب تقني يختصر في ضرورة الالتحاق على الساعة المحدّدة من أجل الخروج في الساعة المحدّدة هي الأخرى. ولتحقيق هذا التغيير الراديكالي في  إيقاعات التعلُّم بالمنظومة المغربيَّة، وجب الاحتكام إلى معايير أخرى غير التاريخانيَّة و الاقتصاد و السياسة …، و هي كما ذكرها فرانسوا سلفا، الفئة العمريَّة والنضج الجسدي في مقابل النضج المعرفي والطبيعة الجغرافيَّة الملائمة، إذ تتنافى مع المعقوليَّة فكرة أنَّ متعلِّمي أعالي الجبال في الجماعات القرويَّة يحتكمون لنفس الإيقاع الحياتي مع أبناء المدينة الحضاريَّة غير  الجبليَّة.

ونحن هاهنا أمام خيارين أسهلهما صعب إمَّا الاكتفاء بالنظام التعليمي الحالي رغم سلبياته الكثيرة، أو محاولة بناء مواقيت جديدة وتبنّي نظام تعليمي يساير النظام الزمني الجديد.

إنَّ الخيار الثاني يتطلَّب تغييرا راديكاليا في المنظومة التربويَّة بالمغرب وسيؤثِّر لا محال على الحياة اليوميَّة والسياسيَّة والاقتصاديَّة والاجتماعيَّة به، إلا أنه يستحقّ على الأقل، التفكير فيه بجديَّة تامة، في سبيل جعل المتعلِّم المغربي مسؤولا على زمن راحته وتعلمه.  وما إن نفكَّر في تبنِّي استعمال زمني مؤسَّساتي يروق لكل تلميذ على حدا،حتى نجدنا أمام فوضى زمنيَّة عارمة وعشوائيَّة لا متناهية تؤثِّر لا محال على السير العادي للتعلُّمات في الفصل الدراسي خاصة والحياة المدرسيَّة عامة. بالتالي وجب تبنِّي نظام تعلّمي تعليمي يسيِّر الإيقاعات الزمنيَّة المختلفة في المدرسة الواحدة، بل في القسم الواحد.

وقد نعتبر التعلُّم الذاتي المبرمج من خلال حقائب تعليميَّة خيارًا ملائمًا كونه برنامج محكَّم التنظيم، يقترح مجموعة من الأنشطة والبدائل لتعليميَّة التي تساعد في تحقيق أهداف محدَّدة، بتعلُّمٍ ذاتي يمكِّن المتعلِّم من التفاعل مع المادَّة حسب قدرته وسرعته في اتِّباع مسار المادَّة. يحتوي هذا البرنامج على مواد تعليميَّة بمختلف عناصرها، منظَّمة ومترابطة مطبوعة أو مصوَّرة.

مثال ذلك أنَّ المتعلِّم يحصل في بداية الموسم الدراسي على كتاب برنامجه لموسم كامل ‘ ما يعادل  34 أسبوعا’ بمجموع المواد ودروسها وحصصه فيها، عندها ينظِّم المتعلِّم زمن حضوره إلى المدرسة وإيقاع تعلّمه بوضع علامة أمام كل منجز أنهاه سواء كان تمرينًا أو تقويمًا أو درسًا، فيمكن أن ينهي برنامجه في 30 أسبوعًا بفروضها وامتحاناتها ودروسها، في حين أنَّ تلميذًا آخر سينهي برنامجه في 32 أسبوع وهكذا حسب سرعة كل متعلِّم . عندها  تصبح المدرسة فضاء يساعد المتعلِّم على إتمام برنامجه بتوفير جو ملائم  للدراسة، أمَّا المدرِّس فهو بحق مرشد ومسير في العمليَّة التعلميَّة كونه يساعد المتعلِم في إتمام برامجه ويعدّ له تقويمات لقياس مدى تمكّنه من معارفه، كما يمكن الاستعانة بأنماط تعلّميَّة مناسبة، كالتعلُّم الإلكتروني أو التعاوني ‘ بين متعلّمين يحتكمون لنفس البرنامج التعليمي والمستوى الدراسي وإيقاع التعلُّم’ .

سنجدنا إذن أمام متعلِّمين يدرسون شتاء ويأخذون قسطًا من الراحة صيفا، وآخرون يفضلون الراحة شتاء خاصَّة في مناطق جغرافيَّة تتميز بتساقط ثلوج كثيفة، على أن يتمّوا برنامجهم التعليمي ربيعًا وصيفًا، وآخرون يذهبون إلى المدرسة صباحًا لأن قدراتهم العقليَّة تقل بعد زوال، بينما البعض يفضِّل أن يذهب للمدرسة مساء لأنَّه أكثر نشاطًا وقابليَّة للتعلُّم …. ستصبح المؤسَّسة المغربيَّة باختلاف مناطقها الجغرافيَّة في خدمة المتعلِّم بيداغوجيا.

إنَّ  تغيير زمن التعلُّم يساهم في إعادة بلورة أهداف المدرسة المغربيَّة وترتيب أولوياتها لا سيما ونحن اليوم نطمح لجعل المتعلِّم مشروع مواطن يثق بنفس وبقدراته، قادرًا على الإبداع وتحمّل المسؤوليَّة ولا يجد في التعلُّم وسيلة للهروب من واقعه الأسري والاجتماعي، بل غاية تحقِّق ذاته وهويّته وتنمِّي ثقافته. حتى يكون وقت المدرسة أكثر آمانًا للسلامة العقليَّة والنفسيَّة والجسديَّة للمتعلِّم.
____
*زينب بكاري.

جديدنا