التربية على قيم المواطنة وحقوق الإنسان بالمدرسة المغربية؛ الدرس الفلسفي نموذجا

 

مقدمة:

يتميز مفهوم المواطنة بطابع من التعقيد والانسيابية التي تجعل مقاربته ومحاولة فهمه ليس بالأمر السهل، لما يثيره من إشكالات وما يتميز به من ترابط وتداخل مع مفاهيم عديدة تتقاطع فيها مجالات معرفية مختلفة. يصعب فيه الوقوف عند الحدود الفاصلة بين القانوني والسياسي والحقوقي والأخلاقي، الاجتماعي والثقافي والتاريخي ، والفلسفي والفكري وغير ذلك. ويرتبط المفهوم بمفاهيم كالحق والعدالة والمساواة والواجب والحرية والسعادة والاعتراف وحقوق الإنسان والسلوك المدني …إلخ.

وإن طبيعة هذا المفهوم المعقدة،جعلت منه مجالا خصبا للتناول المعرفي على الدوام، لهذا برز على ساحة النقاشات الفكرية الآن، وذلك بفعل تنامي ظاهرة العولمة والتطور التكنولوجي وما أحدثاه من انقلابات مست خريطة العالم الجيوسياسية والبشرية، في ارتباط بخطاب حقوق الإنسان.

وبناء على هذا ستعمل هذه الورقة على محاولة مقاربة مفهوم المواطنة وحقوق الإنسان، مقاربة تتوجه بالأساس إلى صبر علاقة المفهومين بالفعل التربوي والسياق المدرسي، معنى ذلك وبشكل واضح، أننا سنعمل على التفكير في الكيفية التي يتم بها بناء هذه القيم من داخل المدرسة المغربية، وتحديدا بتبيان حضور وأهمية هذه القيم في الدرس الفلسفي، وإمكانات ترسيخها لدى المتعلم (ة) وجعلها الأساس الموجه للسلوك اليومي للمواطن المغربي، وكذا العوائق التي تعترض ذلك.

ومن هذا المنطلق، فإن موضوعنا ستوجهه الإشكالية الآتية: ما المواطنة؟ وما حقوق الإنسان؟ وما دور الدرس الفلسفي في عملية التربية على قيم المواطنة وحقوق الإنسان بالمدرسة المغربية؟

وستتفرع عن هذه الإشكالية  التساؤلات التالية : ما المواطنة؟ وما حقوق الإنسان؟ وكيف تطورا تاريخيا؟ وكيف تحضر هذه القيم في الدرس الفلسفي بالمدرسة المغربية؟ وما الدور الذي يقوم به    هذا الأخير في غرس قيم المواطنة وحقوق الإنسان في نفوس المتعلمين؟ وما العوائق التي تحول دون تحولها إلى سلوك واقعي و ممارسة فعلية للأفراد داخل الفضاء المدرسي وخارجه؟

أولا : قيم المواطنة وحقوق الإنسان، المفهوم والسياق.

للاشتغال على الإشكالية المطروحة، يتعين ضبط المفاهيم أولا ووضعها في سياقيا التاريخي والفكري.

1- تحديدات مفاهيمية.

تعد مفاهيم المواطنة وحقوق الإنسان والقيم مفاهيم تتكامل فيما بينها، لكن لابد من تحديدها بدقة وتوضيح العلاقات والترابطات والتقاطعات بينها.

  • مفهوم المواطنة : تشتق كلمة ” مواطنة citizenship ” من كلمة city التي تعني المدينة، ما يجعل المواطنة تشير إلى الانتماء إلى مدينة يتقاسم الأفراد فيها العيش المشترك ويدبرون شؤونهم الخاصة والعامة. وتعرفها دائرة المعارف البريطانية بأنها ” علاقة بين فرد ودولة كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق متبادلة في تلك الدولة، والمواطنة تدل ضمنا على مرتبة من الحرية مع ما يرتبط بها من مسؤوليات”[1] وبهذا تكون المواطنة علاقة بين فرد/أفراد ونظام سياسي وقانوني وأخلاقي محدد، وعلاقة بينهم ومجال جغرافي معين أو بالعالم كمسكن بشري عموما.  ففي الأدبيات المعاصرة لم تعد ترتبط المواطنة بالموطن الذي يولد فيه الفرد، والنظام السياسي الذي يخضع له. فقد صارت المواطنة مواطنات، فالفرد مواطن في الأسرة، ومواطن في الحي والمدينة والدولة والقارة والعالم.[2]  لقد اتسع مدلولها نحو أفق عالمي وكوني في عصرنا، واقترن بمفهوم حقوق الإنسان، كمفهوم يختزن كل القيم الإنسانية الكونية.
  • مفهوم حقوق الإنسان Humain right :  الحق لغة الثابت الذي لا يسوغ إنكاره،واليقين بعد الشك، والواجب والعدل، والمال والملك، وصدق الحديث.[3] وفلسفيا أحد القيم الثلاث، الحق والخير والجمال، التي تؤلف مبحث القيم العليا (الأكسيولوجيا)، أما أخلاقيا فهو ما طابق القواعد والمبادئ الأخلاقية.[4]  كما أنه ما لا يحيد عن قاعدة أخلاقية أو قانونية، وهو حق طبيعي ووضعي. وأما حقوق الإنسان فتشير إلى كل الحقوق التي تخص الكائن الإنساني، وهي حقوق يمتلكها جميع البشر في كل زمان ومكان لا لشيء إلا لإنسانيتهم.[5] كما تدل حسب “رينيه كاسان” على فرع خاص من الفروع الاجتماعية يختص بدراسة العلاقات بين الناس استنادا إلى كرامة الإنسان، وتحديد الحقوق والرخص الضرورية لازدهار شخصية كل كائن إنساني.[6] وهي حقوق كفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي أشار في المادة الأولى منه إلى أن جميع الناس يولدون أحرارا متساوين في الكرامة والحقوق، و في المادة الثانية منه  إلى  أن من حق كل إنسان التمتع بهذه الحقوق دون أي تمييز ، كالتمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي أو أي شيء آخر، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر، دون تفرقة بين الرجال والنساء…[7] وهكذا تكون حقوق الإنسان هي تلك الحقوق التي تجعل البشر على قدر من المساواة دون تمييز بينهم مهما كان نوعه، حفاظا على الكرامة الإنسانية من  الانتهاك، ومن هذه الحقوق حق المواطنة.
  • القيم Valeur : جمع قيمة، وقيمة الشيء في اللغة قدره (…) وقيمة الشيء من الناحية الذاتية هي الصفة التي تجعل ذلك الشيء مطلوبا ومرغوبا فيه (…) وتدل من الناحية الموضوعية على ما يتميز به الشيء من صفات تجعله مستحقا للتقدير كثيرا أو قليلا.[8] والقيم كثيرة ومتعددة منها القيم السياسية : المواطنة، والديمقراطية. والقيم المنطقية : الصحيح والخطأ، والقيم الاقتصادية : السعر وفائض القيمة، والقيم الأدبية : الذوق والمتعة، والقيم الجمالية : الجميل والعظيم، والقيم الأخلاقية : الواجب والإيثار.[9] وهذه القيم هي الطريق الموصل إلى الحكمة والكمال الإنساني، ولذلك شكل التفكير فيها والتربية عليها قضايا إنسانية ملحة وضرورية.

إذن، إذا كانت المواطنة هي علاقة بين الفرد وموطنا محليا كان أو عالميا، وأيضا بينه وبين من يتقاسم معهم العيش في إطار نظام سياسي محدد، وفقا لضوابط أخلاقية وقانونية بل و ثقافية واجتماعية واقتصادية، تبين مجال الحقوق التي تكون للفرد والواجبات التي تفرض عليه. فإن هذه المواطنة لا يمكن تصورها إلا في سياق مدني قانوني وحقوقي متكامل ومترابط، يجعل هذه الحقوق تخص كل البشر كيفما كانوا وأين ما كانوا. وهذا الترابط بين قيم المواطنة وقيم حقوق الإنسان، هو ما أدى بمفهوم المواطنة إلى أخذ دلالة كونية تحيل إلى الإنسان كمواطن كوني مسكنه الأرض، دون أن يلغي ذلك المعنى المحلي لها. فالواقع المعولم فرض على الأفراد والجماعات كما على الدول أن تعيش في إطار علاقات متشابكة ومتداخلة على كافة الأصعدة، فلم يعد المرء محكوما فقط بقيم وأخلاق وقوانين وقواعد البلد الذي ولد وتنشأ فيه، وإنما صار  ملزما بأن ينفتح على قيم وقوانين ومعايير وأخلاق كل شعوب العالم. فالدول  صارت مجبرة على تكييف أنظمتها السياسية والإدارية  والقانونية مع التشريعات الدولية والانفتاح على ثقافات العالم والتعايش معها في إطار المشترك الإنساني. وقد ساعد خطاب حقوق الإنساني على نقل مفهوم المواطنة من المعنى المحلي المحدود إلى المعنى الكوني العام، فالمواطنة الكونية أصبحت مشروعا مستقبليا للبشرية.

2- السياق التاريخي.

يختلف مفهوم المواطنة في السياق التاريخي باختلاف المرجعيات الفكرية، وكذا باختلاف الأنظمة السياسية والقانونية والأخلاقية للدول والمجتمعات، وفي الأدبيات المعاصرة خاصة. والشأن ذاته بالنسبة لمفهوم حقوق الإنسان، لهذا يبدو لنا من الضروري تحديد سياق هذين المفهومين.

وإذا عدنا إلى النصوص التاريخية نجد أن التفكير الفعلي في مفهوم المواطنة بدأ مع اليونان، حوالي القرن 8 و 7 ق.م. والمواطنة  عند اليونان اختلفت بين مدينتي  “إسبارطة”  ذات الطبيعة العسكرية (الحرب)، وبين “أثينا” التي كانت تتميز بطبيعتها التجارية والاقتصادية والفكرية. فمواطنة “إسبارطة”  وإن كانت تقوم على ” مبدأ المساواة، امتلاك جزء من الأراضي المشاعة، والاعتماد على العبيد (الهلوت)، ونظام صارم للتربية والتدريب، إضافة إلى تناول الوجبات في موائد جماعية، والخدمة العسكرية، وميزة الفضيلة المدنية، والمشاركة في حكومة الدولة”[10]، كما حددتها (المواطنة) إصلاحات “ليكورغوس”. فإنها مواطنة لم تكن تقوم على نفس المساواة والحقوق بين الجميع، لأن هناك فرق في المواطنة بين العبيد الذين يتوقف دورهم على زراعة الأرض والنخبة من ذوي الكفاءات العسكرية والحربية العالية، وكان غياب الشجاعة العسكرية والحربية يجعل مواطنة الفرد لا ترق إلى مستوى مواطنة هذه النخبة. والسبب يتجلى في أن المواطنة “الإسبارطية” ترتبط بالحرب بشكل أساس، ولهذا فالجبان لا يستحق أن يكون مواطنا. على عكس المواطنة في “أثينا”، فالدستور الأثيني الذي وضعه المشرع “صولون”  كان دستورا لا يتوخى الحرب واستمرار تقاليدها وتوطيد الاستقرار، بل كان يسعى إلى ترسيخ مبادئ الديمقراطية الأثينية الثلاثة المتمثلة في : المثل الأعلى للمساواة، التمتع بالحرية، والإيمان بالمشاركة. والنظام الديمقراطية في هذه المدينة يعتبر ” الجمعية (الأغورا) محور المواطنية الديمقراطية الأثينية وصورة مصغرة عنها، فمن خلال الحضور الشخصي كان لكل مواطن الحق والفرصة –المسؤولية بالفعل- لتشكيل حياة المدينة الدولة.”[11] وقد كان الفارق يتجلى بالأساس في شكل الحكم بين المدينتين، أوليغارشي[12] يهدف إلى الحرب بإسبارطة، وديمقراطي يهدف إلى الوئام والاستقرار بالنسبة لأثينا، على الرغم من أن المواطنتين معا كانتا تتوخيان غاية واحدة هي الفضيلة المدنية.

ولم يكن تفكير أفلاطون وتلميذه أرسطو في المواطنة،  إلا استمرارا للنقاش حول طبيعة نظام الحكم في الفضاء الأثيني-الإسبارطي، فأفلاطون كان معجبا بالنظام الإسبارطي القائم على الانضباط والشجاعة، ولكنه لم يتفق مع عقيدة شن الحرب التي ينبني عليها، ما دفعه للتفكر فيما يمكنه أن يضمن الاستقرار والوئام الاجتماعي للمدينة الدولة. فجاءت “المواطنية في دولة أفلاطون مقسمة إلى ثلاث طبقات وهي الولاة الذين يحكمون، الجنود الذين يدافعون، والمنتجون”[13]، وكانت الطبقة الأخيرة هي الأكبر  وتتشكل من الحرفيين والعمال، وعلى الرغم من أنهم مواطنون، إلا أنهم من الدرجة الثانية.

وإذا كان أفلاطون قد استهجن العسكرة الإسبارطية، فإن أرسطو فعل نفس الشيء رغم اختلافهما،  فقد كان ” اهتمام أفلاطون الرئيس  منصبا على خط مسودة للدولة المثالية، وتركز اهتمام أرسطو على تحليل الدساتير الفعلية وإظهار المبادئ التي تقوم عليها،”[14] . وهذا الأمر دفع أرسطو إلى البحث عن أفضل الدساتير وأحسنها لسياسة المدينة، ثم رأى أنه دستور متعدد الأنماط ” فهو على درجة معتدلة من الأوليغارشية (حكم القلة من الأثرياء) مع القليل من الأستقراطية (الحكم من قبل النخبة) متوجا ببعض الديمقراطية (الحكم من قبل جمهور الشعب).”[15] هكذا كانت المواطنة اليونانية.

أما بخصوص المواطنة الرومانية، فقد كانت مختلفة تماما عن اليونانية، لأن المدينة الدولة متمايزة عن روما التي كانت ذات نظام إمبراطوري في البداية ثم تحولت للنظام الجمهوري فيما بعد. وهذا ما حرم المواطنون الرومان من ممارسة نوع السلطة التي عرفها الأثينيون في الساحة العامة (الأغورا) خاصة في الفترة الديمقراطية، فروما لم تكن دولة ديمقراطية، وهذا ما جعل السلطة في النظام الأول تتركز في يد الإمبراطور وفي الثاني في يد مجلس الشيوخ. وعلى الرغم من ذلك فالمواطنية الرومانية ” في جوهرها كانت تعني أن الفرد يعيش تحت توجيهات وحماية القانون الروماني، ولذلك تأثير على حياته الخاصة والعامة معا، بصرف النظر عما إذا توفر عنده اهتمام بالمشاركة السياسية أو لا.”[16] وإذا كانت هذه المواطنة تقوم على أساس قانوني، وما يترتب عن ذلك من حقوق وواجبات، فإن المحرك الرئيسي لها  كان هو مثالية الفضيلة المدنية ( virtus) الشبيهة بالفضيلة المدنية (areté )عند اليونان.

ولكن، ومن ناحية أخرى، لا يجب إغفال أن هذه الفترة عرفت تيارات فلسفية عديدة  كان لها تصورها الخاص للمواطنة، كان أهمها النزعة “الرواقية” التي أسسها “زينون”. وقد علمت ” الرواقية أن الفرد ككائن سياسي فاضل ينبغي أن يكون مخلصا وأن يشعر بولاء عميق لكل من دولته والقانون الطبيعي الكوني، إذ أنه عضو في كل من “المدينة” polis وهي الدولة الموجودة قانونيا ودستوريا و “المدينة” العالمية cosmopolis وهي فكرة مجازية للمجتمع الكوني الأخلاقي”[17] الذي يخص الإنسانية.

وفيما يخص مرحلة القرون الوسطى، فقد ارتبطت المواطنة أساسا بالولاء الديني وليس بالولاء السياسي أو الجغرافي، والسائد أن أنظمة الحكم حينئد كانت تستند إلى سلطة الفرد الواحد، والذي يستمد شرعيته من اللاهوت والكهنوت، وأما باقي الأفراد فهم مجرد رعايا، تربطهم بالدولة علاقة أساسها الطاعة والولاء لشخص الحاكم، وليست علاقة مبنية على طاعة القانون والحق والواجب.

وخلال عصر النهضة سيبرز وعي جديد حول المواطنة، خاصة في إيطاليا وبالضبط فلورنسا، التي ظهر  بها بعض المفكرين الذين حاولوا التفكير في هذا الموضوع أمثال “ليورناردو بروني” و “نيكولا مكيافيلي” ، حيث اعتبر “بروني” الذي كان متأثرا باليونان، أن الدستور الذي تعتمده حكومة الجمهورية يلزم أن يكون قائما على الحرية والمساواة الفعلية لكل المواطنين وفي كافة المجالات، فهو  حسبه دستور شعبي يحرر الأفراد من حكم الفرد الواحد وحكم القلة معا، وحرية المواطن لا يمكن أن يحدها شيء سوى القوانين، لأن العلاقة بين نظام الحكم والمواطنين قوامها سيادة  القانون. والأمر ذاته بالنسبة “لمكيافيلي” الذي حاول التفكير في حكم ملائم للدولة الأمة في إيطاليا مدفوعا بالوضع المضطرب الذي عاشته المدن الإيطالية في زمانه، فانصب تركيزه بشكل كبير على الواجبات العسكرية للمواطن لإعجابه بعسكرية إسبارطة، غير أنه سعى إلى التأكيد على الفصل بين السياسة والأخلاق، لأن غايته من المواطنة لم تكن هي الفضيلة المدنية كما هو حال المواطنة اليونانية.

وعرفت أوروبا في بداية عصر النهضة سيادة الملكيات المطلقة وكان الملك هو صاحب السيادة، أو هو الدولة كما قال لويس الرابع عشر (الدولة أنا) وكانت المواطنة هي الولاء والطاعة لشخصه، فتحددت واجبات المواطنين بحسب “بوفيندورف” في : ولاء وطاعة المواطن للحكام، وواجب المحافظة على مصالح وأمن الدولة، والعيش مع الآخرين في ود وسلام.[18] ولكن، وفي القرن 17م بدأ الوعي بالتحرر من هذه الملكيات ليصبح واقعا في القرن 18م عصر الثورات، الثورة الفرنسية والأمريكية واللتان جاءت نتاجا لأفكار “جون لوك” و “جون جاك روسو” وباقي فلاسفة الأنوار و رجال القانون، فـــ”لوك” مثلا اعتبر أن كل إنسان له الحق في أن يحافظ على حياته وحريته وممتلكاته، وأما “روسو” فقد أكد في العقد الاجتماعي أن الإنسان يولد حرا ثم يقيد بالسلاسل في كل مكان، لذا أكد على أن الإرادة العامة يجب أن تكون هي أساس السيادة، والمواطنون يلزمهم الخضوع والتمتع بالحقوق التي يتفقون عليها، فشدد ” على البعد السياسي للمساواة (…)، فقد زعم أن كل قانون يكون ملزما للمواطنين جميعا دون تمييز، حيث لا تميز  الدولة بين الأشخاص المشمولين به.”[19] مؤكدا على ضرورة التربية كوسيلة  للمواطنة القائمة على المساواة .

وفي فترة الثورة الأمريكية والدستور الذي شرع عقبها تم إقرار كافة الحقوق المدنية الشرعية كحق الحياة والسعي للسعادة وحق التصويت لكل المواطنين، وأما الثورة الفرنسية وإعلان حقوق الإنسان والمواطن، فقد اشتمل على الحرية والمساواة وحق التملك والأمن ومقاومة الظلم، والتربية المدنية والتربية على حب الوطن والإخلاص له، والمساواة أمام القانون وحرية التعبير …

وبعد ذلك، وفي أواخر القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، ارتبطت المواطنة أساسا بالنزعة القومية مع قيام الدولة الوطنية، وأصبح المواطن هو ذاك الفرد الذي ينتمي لدولة وطنية يشترك فيها مع باقي المواطنين في اللغة والثقافة والتاريخ، و إن كان الواقع الفعلي للدولة لا يزكي حقيقة الصفاء والتجانس القومي المزعوم بين المكونات الاجتماعية والثقافية داخل الدول.  وهذا الأمر، سيطرح مسألة المواطنة التعددية في النصف الثاني من القرن العشرين، والمناداة بضمان الحقوق الاجتماعية والثقافية والاقتصادية للجماعات ذات الخصوصية المحلية والمهاجرين في دول عديدة من العالم، وتنامى ذلك مع العولمة وازدياد الهجرات العالمية وما فرضته من تحولات جيو-سياسية وبشرية.

ولكن مع منعطف الحادي عشر من سبتمبر 2001، وتنامي ثورة  الاتصالات  والتواصل الرقمي، سيعود النقاش حول المواطنة الكونية، وهذا ربما ما يبرر العودة إلى الفلسفة الرواقية و”الكانطية” من لدن مجموعة من المفكرين في العصر الحالي، كما هو الشأن في عودة يورغن هابرماس لكانط مثلا.

وإذا كان هذا بالنسبة لمفهوم المواطنة، فإن مفهوم حقوق الإنسان وإن كان يجد بذوره الأولى في فلسفة الحق في العصر الحديث، وإعلان حقوق الإنسان والموطن الفرنسي غداة الثورة 1789 والأمريكي كذلك. فإن خطاب حقوق الإنسان لم يصبح عالميا بالمعنى الدقيق إلا بعيد الحرب العالمية الثانية، مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وما تلاه من عهود دولية، إذ أصبح ملزما للدول وصارت الدساتير العالمية مقيدة بضمان الحقوق التي ينص عليها، والوفاء بجعله مرجعا للتشريعات الوطنية.

ثانيا : حضور وأهمية بناء قيم المواطنة وحقوق الإنسان في الدرس الفلسفي بالمدرسة المغربية.

لتبين حضور وبناء قيم المواطنة وحقوق الإنسان في الدرس الفلسفي بالمدرسة المغربية، تجدر الإشارة هنا أن الدرس الفلسفي المقصود، هو الفلسفة كمادة مدرسية ممأسسة ومحددة بمنهاج وبرنامج مدرسي وغلاف زمني، وموجهة بالسياسة التعليمية للمغرب،لنميزه عن الدرس الفلسفي الجامعي وغيره.

  • حضور قيم المواطنة وحقوق الإنسان في منهاج الدرس الفلسفي.

بالعودة إلى التشريعات والوثائق التربوية الموجهة للفعل التربوي التعليمي بالمغرب عموما والدرس الفلسفي على وجه التحديد، نجد أن هذه الأخيرة لا تغفل الجانب المتعلق بضرورة التربية على القيم الوطنية والإنسانية. والدعوة إلى بناء متعلم واع بذاته وهويته وتاريخه الوطني ومنفتح على العالم، متعلم متحلي بالسلوك المدني وقادر على العيش مع الآخرين في إطار من السلم والتعايش والاحترام المتبادل، وهذا ما نجده في الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999) إذ في مرتكزاته الثابتة يشير إلى أن نظام التربية والتكوين للمملكة المغربية يقوم على مبادئ العقيدة الإسلامية وقيمها الرامية لتكوين المواطن المتصف بالاستقامة والصلاح، والمتسم بالاعتدال والتسامح. والالتحام بكيان البلد العريق وثوابته ومقدساته، من إيمان بالله، وحب الوطن، والتمسك بالملكية الدستورية. ويؤكد على أن المواطن يجب أن يربى على المشاركة الايجابية في الشأن العام والخاص ويعي واجباته وحقوقه، وأن يسعى لنهضة بلاده في انفتاح على الحضارة الإنسانية العصرية وما فيها من آليات وأنظمة تكرس حقوق الإنسان وتدعم كرامته.[20] كما ويدعو إلى حمل المتعلمين على ” التشبع بالقيم الدينية والخلقية والوطنية والإنسانية الأساسية ليصبحوا مواطنين معتزين بهويتهم وبتراثهم وواعين بتاريخهم ومندمجين فاعلين في مجتمعهم”[21] .

وأما الرؤية الإستراتجية (2015/2030) فإنها تؤكد في الرافعة الثامنة عشرة على ضرورة ترسيخ مجتمع المواطنة والديمقراطية والمساواة عن طريق منظومة التربية والتعليم حيث ” يتعين جعل التربية على القيم الديمقراطية والمواطنة الفاعلة وفضائل السلوك المدني، والنهوض بالمساواة ومحاربة كل أشكال التمييز، خيارا استراتيجيا لا محيد عنه.”[22] وفي سياق آخر تدعو إلى “إدماج المقاربة القيمية والحقوقية في صلب المناهج والبرامج والوسائط التعليمية، مع العمل على التجسيد الفعلي، ثقافة وسلوكا، للقيم المتقاسمة، والسلوك المدني والممارسة الديمقراطية داخل البيئة المدرسية والجامعية والتكوينية، وكذا حس الانتماء إلى الوطن في تلاحم وتنوع مقومات هويته ومكوناته.[23] بالإضافة إلى التربية على تحقيق التوازن بين التمتع بالحقوق والالتزام بالواجبات، وحوار الحضارات وقضايا البيئة الكونية.[24]

وإذا كانت الأمر هكذا فيما يخص النظام التربوي عموما، فإن الدرس الفلسفي لا يخرج عن هذا السياق، وهو مدعو إلى بناء وترسيخ هذه القيم لدى المعلمين في تكامل مع باقي المواد المدرسة. وبهذا فالتوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بسلك التعليم الثانوي التأهيلي (2007)، وضمن مبدأ تعليم الفلسفة تحيل إلى أن تعليم الفلسفة يتوخى التربية على  ” تنمية الوعي النقدي والتفكير الحر والمستقل، وعلى التحرر من مختلف أشكال الفكر السلبي ( الدغمائية، التبعية الفكرية، التلقي السلبي للمعارف والآراء والمعلومات، السلوك الآلي اللاواعي، العنف، الخوف والجبن الأخلاقي …إلخ)، كما ينمي حس المواطنة الايجابية والفاعلة، والتشبع بالقيم الإنسانية الكونية. إن تعليم الفلسفة هو تكوين وتربية مشروع مواطن كوني متحرر ومستقل ومسؤول، يرتقي بشخصيته وبتاريخه الخاص المحدودين في الزمان والمكان إلى مرتبة الكرامة الإنسانية.”[25] وهذا الأمر يبين بجلاء أن بناء المتعلم (ة) الحر والمتحرر والمسؤول هو السبيل إلى تكوين مواطن واع بذاته وفاعل ومنفتح على الإنساني الكوني، بما يستشعر لديه احترام الكرامة الإنسانية. وهنا تحضر بالذات قيم حقوق الإنسان والمواطنة، أي أن منهاج الفلسفة يهدف إلى جعل المتعلم (ة) مدركا للتكامل بين المحلي والكوني في ذاتيته.

وقد سعى منهاج  الفلسفة إلى تصريف وتنمية هذه القيم على شكل كفايات، ثقافية ومنهجية وتواصلية وإستراتيجية وتكنولوجية. وبلورتها في قدرات يتعين على المتعلم (ة) امتلاكها في إطار وضعيات تعليمية مصطنعة داخل الفصل تؤهله لممارسة فعل التفلسف، وتساعده على مواجهة وحل وضعيات ومشكلات واقعية محتملة ستواجهه في حياته. وتظهر هذه القيم أساسا في الكفايات الإستراتيجية بشكل صريح، وتتجلى  في الوعي بالذات وتقديرها التقدير الايجابي (مثلا الوعي بالهوية والحرية)، والاعتماد على النفس وتحمل المسؤولية، وكذا إقامة علاقة إيجابية مع الغير أساسها الاحترام المتبادل والانفتاح والتسامح والتضامن والحوار والحفاظ على كرامة الإنسان وصيانتها، بوصفه غاية في ذاته وليس وسيلة، والنهوض بالواجبات والمسؤوليات الناجمة عن العيش والعمل داخل الجماعة، ثم تعديل الاتجاهات والسلوكات الفردية بالشكل الذي يجعلها مواكبة للتطورات الحاصلة في مختلف الميادين والمجالات (المعرفية، الثقافية المجتمعية …)،[26]  غير أنه لا يجب أن يفهم هذا الكلام على أن هذه القيم لا تحضر في باقي الكفايات الأخرى. إذ من خلال الكفايات التواصلية كذلك يستطيع المتعلم (ة) تملك القدرة على التعبير شفهيا وكتابيا وحواريا بشكل منظم ويتقبل كلام غيره، و يعمل على تنظيم تفكيره بتحديد الأهداف والوسائل، منطلقا من آليات التفكير الفلسفي الأساسية (المفهمة والأشكلة والحجاج)  (الكفايات المنهجية)، وفي التواصل الإيجابي تبرز القيم و يتحقق ذلك عندما يستوعب المتعلم(ة) جيدا المعارف والحقائق ومنطلقاتها  (الكفايات الثقافية)، مع امتلاكه  للقدرة على  التواصل عن طريق التقنيات الجديدة لعالم اليوم الذي يعتبر رقميا بامتياز (الكفايات التكنولوجية).[27]  وكل هذه الكفايات تظل حاضرة في مختلف المستويات، في الجذع المشترك والبكالوريا بشقيها.

وفي ذات السياق، “ينبغي احترام القيم الدينية والوطنية، والتربية على قيم المواطنة وحقوق الإنسان بارتباط مع المضامين الفلسفية المقررة.”[28]  ونلمس هذا الارتباط بين القيم والمضامين بوضوح، في المجزوءات والمفاهيم والإشكالات المدرسة في المستويات الثلاثة، إذ في الجذع المشترك يتعرف المتعلم (ة) على تاريخ التفكير الفلسفي وآلياته وعلاقة الفلسفة بالدين والعلم والقيم، كما يتعرف على الطبيعة والثقافة وصلة الإنسان بالمحيط وأهمية احترامه، وإنتاج الثقافات وضرورة الحوار بينها، والإنسان في بعده الأنتروبولوجي (مجزوءتي الفلسفة والطبيعة والثقافة). أما بخصوص السنة الأولى من البكالوريا فيتعرف على ماهية الإنسان في بعديها الذاتي و العلائقي والتواصلي والإبداعي الفني، حيث يكتشف ذاته كذات واعية ولاواعية وراغبة تعيش مع الآخرين في إطار علاقات اجتماعية واقتصادية وسياسية يتبادل فيها الناس ما ينتجون من أشياء مادية ورمزية نتيجة تدخلهم في الطبيعة وتحويلها  (مجزوءتي الإنسان والفاعلية والإبداع وما يتضمناه من مفاهيم). وتتوج معرفته بهذه الأبعاد في الثانية بكالوريا، بالتعرف على الوضع البشري كوضع معقد يتقاطع في الذاتي بالموضوعي، النفسي بالاجتماعي والتاريخي، إضافة إلى تعرف قدرة الكائن الإنساني على النشاط الفكري المعرفي وتميزه بإنتاج الحقائق والإقرار بنسبيتها، ثم البعد السياسي والحقوقي والأخلاقي أيضا. وفي هذا الصدد يدرك المتعلم هويته وقيمته وحدود حريته في علاقة بغيره، كما ويدرك أهمية المعرفة وطرق بنائها ومناهجها ونسبية الحقائق التي يتم التوصل إليها في كل المجالات المعرفية. زيادة على ذلك تعرفه على شرطه السياسي وما يترتب عن ذلك من واجبات ومسؤوليات وحقوق، ثم القيم والمعايير المتحكمة في توجيه العلاقات بين الأفراد داخل المجتمع وتدبير العنف فيه والمحافظة على الرابط الاجتماعي، وكذا البعد المؤسساتي والقانوني للعلاقات داخل الدولة. مع إدراك محددات السلوك الإنساني داخليا وخارجيا ومدى قيام هذا السلوك على الاختيار الحر وعلى الإكراه في آن واحد، وأهمية السعادة كمطلب وغاية إنسانية مثلى ( مجزوءات ومفاهيم : الوضع البشري / المعرفة / السياسة / الأخلاق).

ومن خلال هذه المضامين يتشبع المتعلم(ة) بمجموعة من القيم الفكرية والمعرفية والأخلاقية والسياسية والبيئية والثقافية والإبداعية وغيرها، كقيمة التفكير والاختلاف والحوار والمشاركة والإبداع والحرية وتقدير الذات والغير، واحترام القانون واللجوء للنقاش بدل العنف ونسبية الحقائق…إلخ.

وبناء على هذا يتضح أن النصوص المؤطرة لدرس مادة الفلسفة بالتعليم الثانوي التأهيلي، تكشف عن حضور قوي لمقومات التربية على قيم المواطنة وحقوق الإنسان بشكل صريح، كما بشكل مضمر ضمن المفاهيم التي يتم تناولها في برنامج المادة. فإدراك الذات وحسن العلاقة مع الغير والمحيط، كفيل بخلق مواطن قادر على العيش بشكل حر ومستقل مع غيره في علاقة أساسها الاحترام والتعايش والسلام، وقبول الاختلاف والتعددية الثقافية وصيانة الكرامة الإنسانية، بعيدا عن كل أشكال التعصب والتحيز والتمييز و الشعور بالتفوق أو النقص. وبقدر ما تحضر هذه القيم في المضامين تحضر أيضا في المقاربات المعتمدة (المقاربة الفلسفية…) وكذا في عملية التقويم، هذا الأخير الذي يتطلب ” استحضار  القيم المرتبطة بالتفكير الفلسفي والتي تهدف أساسا إلى ترسيخ مبادئ حقوق الإنسان والتربية على السلوك المدني المتمثلة في التسامح والحوار ونبذ العنف واحترام الغير”[29].

1.2 – أهمية بناء قيم المواطنة وحقوق الإنسان في الدرس الفلسفي وعوائق تحويلها إلى سلوك واقعي.

إذا كانت الفلسفة مدرسة للفكر النقدي الحر  والديمقراطي، فإنها مساءلة اليوم عن مدى قدرتها على بناء القيم، وقيم المواطنة وحقوق الإنسان أساسا؟

ولا شك أنه بإمكان الدرس الفلسفي أن يضطلع بدور كبير في تنمية قيم المواطنة وحقوق الإنسان، والسلوك المدني الحضاري لدى المتعلمات والمتعلمين. وذلك إذا ما استطاع مدرس المادة أن يفهم مدى أهمية الفلسفة في تكوين مواطنين جيدين، وإذا ما أدرك وظيفتها المؤسساتية في هذا الصدد، وشروط تنزيل المضامين والكفايات المرجوة لجعلهم في قلب الحياة المجتمعية والواقع المعيش. ولهذا فالتربية على القيم لا تقتصر على الاكتفاء بالدعوة والحث على هذه القيم، وإنما الأجرأة الفعلية لها أثناء العلاقة البيداغوجية بين المدرس (ة) والمتعلم (ة)، وكذا الفاعلين التربويين داخل النسق المدرسي، ليتسنى نقل تلك القيم إلى الممارسة الواقعية في الفضاء العام. و لا يمكن أن يتحقق ذلك ما لم تكن الوضعيات التعليمية التعلمية  مفعمة بالحمولة القيمية في مختلف تجلياتها، فيتمكن كل المتفاعلين أثناء عملية التعلم أن يلبوا حاجات وجدانية وثقافية وسلوكية وقيمية متكاملة. وإذا كانت الآليات النشيطة في التعليم التي تقوم عليها المقاربة بالكفايات، عملا مساعدا على خلق مثل هكذا فضاء، فهذا يشكل السبيل الأمثل لممارسة التفلسف من خلال الحوار المتبادل والنقاش الفعال والمشاركة الايجابية، التي تضمن إمكانية تكوين متعلم مستقل يتقبل الاختلاف، ويملك رأيا وحكما وقرارا مدافع عنه بحجج مفترض. وفي هذا الصدد يتحول الدرس الفلسفي  إلى فضاء يشبع فضول أعضائه، ويشجعهم على ممارسة الحق في الاختلاف والاستقلالية وامتلاك الحرية، والتحرر من التمركز حول الأنا، والإقرار بنسبية المواقف والأحكام التي يصدرونها، ويربي في المتعلم(ة) حس المواطنة واحترام الإنسان وحقوقه وكرامته، ويغرس فيه قيم الاعتراف بحق الغير في المشاركة والمغايرة، بعيدا عن التزمت والإقصاء والتمييز. وبهذا تصير الفلسفة مدرسة للحرية والتحرر والممارسة الديمقراطية، والوعي بأن الذات تشارك الغير الفضاء والعالم، وباقي الكائنات في إطار التضامن والإخاء.

صحيح أن وضع درس الفلسفة المؤسساتي، يضع المدرس في موقف صعب، ويفرض عليه  استحضار ما هو بيداغوجي وديداكتيكي ومعرفي في آن واحد، وكذا تقيده بعامل الزمن وكثافة البرنامج. ولكن هذا لا يبرر الاستغناء عن الدور المهم للفلسفة في التربية على القيم، تجنبا لتحول الدرس إلى درس تقني محض أو تلقيني خالص. ولتفادي ذلك يجب أن يعتمد المدرس في تصور القبلي للدرس، على إيلاء الكفايات القيمية المكانة المستحقة.

كما على مدرس الفلسفة أن يكون معلما بالمعنى السقراطي، معلما للحكمة في بعدها النظري والعملي معا. يعلم المتعلم ليس فقط تاريخ الفلسفة ومذاهبها والمعارف الفلسفية، رغم أهمية ذلك، ولكن كيف يحول هذه الفلسفة إلى فن للعيش وممارسة  يحقق من خلالها المتعلم(ة) وجوده في العالم، وبتعبير أدق أن يستعمل المتعلم الفلسفة استعمالا عموميا. ويجعل درس الفلسفة يتمحور حول كونية العقل “وهذا هو المعنى الذي ينبغي أن يأخذه تعليم الفلسفة، (إذ) لا يمكن أن تكون مرادفة للتمركز العرقي المقنع، إنما عليها أن تظهر بوصفها إمكانية للقاء خصب بين عدة أنظمة ثقافية وتراتبيات القيم.”[30]  فالفلسفة كفضاء للفكر النقدي الحر ومن خلال قدرتها على مساعدة المتعلم (ة) على تعلم الشك المنظم والتساؤل وآليات المحاججة، كفيلة بأن تجعل هذا الأخير مسؤولا عن أفعاله واختياراته ونتائجها ومدركا غايته من الحياة. كما أنها تمثل الدرع الواقي له من الوقوع في براثين الوثوقية والفكر السلبي والتطرف والعنف والتمركز حول الذات الفردية و الجماعية. إن الفلسفة هي حارسة العقلانية، كما يقال، ضد كل السلوكات اللامدنية التي تحول دون قيام المواطنة الحقيقية، والتي  تهضم حقوق الإنسان وتهدم كرامته، وتدمر العيش المشترك والروابط الاجتماعية للجماعات داخل الدولة.

إن الحوار البناء شكل منهجا فلسفيا مهما عبر التاريخ، وآلية فعالة لترسيخ الفعل الديمقراطي في عديد المجتمعات، لم له من قدرة على تدبير العلاقات والخلافات بين الأفراد، كيفما كان نوعها، بعيدا عن العنف وكل القوى المدمرة. ولهذا فالفلسفة تعد عنصرا مهما في بناء المجتمعات الدموقراطية التي تمأسس النزاعات عوض تركها تنزلق نحو ما يهدد السلم الاجتماعي، ولذلك من اللازم “دعم الدرس الفلسفي داخل المؤسسات وترسيخه، بدلا من ترك الميدان حرا للنزعات اللاعقلانية، حيث ينتعش التحجر، واللاتسامح، وإعدام التاريخ، من هنا الحاجة إلى الفلسفة، التي وإن كانت ليست دائما قادرة على تقديم أجوبة يقينية على التساؤلات التي تطرح، فإنها مع ذلك توحي لنا بمختلف الإمكانات التي توسع من مجال تفكيرنا، وتحررنا من سلطات العادة.”[31] وتقينا كل أمراض المدينة والمدنية، وتجنبنا الغرق في النزعات المنغلقة والضيقة، التي تأتي على حساب ضياع الدولة والمؤسسات. إن الدرس الفلسفي هو القادر على بث الروح الفلسفية في سلوكنا،  وإشاعة الفكر المواطن والإنساني المنفتح.

إن الدرس الفلسفي، رغم ما له من قدرة على بناء قيم المواطنة وحقوق الإنسان في نفوس النشء، تعترضه عدة عوائق، منها المؤسساتي  التربوي والثقافي الاجتماعي والإيديولوجي والتقني وغير ذلك. أما على المستوى المؤسساتي فتبرز هذه العوائق في غياب ثقافة الديموقراطية سواء داخل الفصل أو في الفضاء المدرسي عامة، وكذا “ما يتعلق بزمن إنجاز الدروس والمقررات (تقليص حصص المادة، هاجس إتمام المقرر، المقترن بهاجس الامتحانات خاصة بالقسم النهائي)، وهو ما يشكل عائقا أمام ممارسة التفلسف، أي ممارسة التأمل النقدي الحر”[32]، بالإضافة إلى كثافة البرنامج واستنفاذه مما يستدعي التجديد،ناهيك عن غياب التكوين المستمر للمدرسين. وأما العوائق الثقافية الاجتماعية فهي داخلية وخارجية، داخليا تتجلى في ثقافة المدرسين  الذين معظمهم لازال يعتمد النموذج السلطوي والتلقيني أثناء تدريسه للمادة، شأنهم شأن باقي الأطر التربوي التي لم تقطع بعد مع التقاليد والأنماط التربوي القديمة المبنية على ثقافة الولاء والطاعة بدل ثقافة المشاركة والانجاز . وخارجيا تظهر في تسرب ثقافة الشارع للمدرسة، إذ لما عجزت المدرسة أن تخرج إلى الشارع باغتها هو في عقر دارها، ومن مظاهر ذلك انتشار ثقافة العنف والغش والتفاهة والمخدرات وأحيانا بعض أشكال العهر، وثقافة السوق وكل أنواع القبح الاجتماعي في الفضاء المدرسي. مقابل تراجع القيم الاجتماعية والإنسانية النبيلة والجميلة، وتلاشي شعور الاعتزاز بالانتماء للوطن، وهذا كله يعيق تنمية قيم المواطنة الحقة، وثقافة حقوق الإنسان والديمقراطية والسلوك المدني. وأما تقنيا فيتجلى ذلك في أن ” التصور الشائع والسائد في المجال التقني والاقتصادي يعتبر أن الإنسانيات هي دون جدوى أو أنها ترف محض، وهو تصور يدفع إلى التقليص من دروس التاريخ والأدب وإلى استبعاد الفلسفة باعتبارها ثرثرة.”[33]  وهذا ما يستدعي الدفاع عن الحق في الفلسفة بتعبير “جاك دريدا”، زيادة على تقنوية الدرس الفلسفي الناتجة عن عدم الفهم الجيد لــ “دكدكة” الفلسفة، وما نتج عنه من إفراغ له من روحه، وتحويله إلى خطوات تقنية مملة لا تلبي أي فضول أو إشباع للمتعلم(ة). إضافة إلى تحول الدرس إلى سوق للتداول الأيديولوجي في مختلف أشكاله وأنواعه، ما يحرم المتعلم(ة) ككائن حر من بناء ذاته المستقلة. فعوض أن تمكنه الفلسفة من امتلاك آليات الكشف عن التناقض في المعرفة، واكتشاف الأخطاء والأوهام وتمييزها. ينغلق حول نزعة أيديولوجية يدافع عنها دون إدراك منطلقاتها ومرجعياتها، و ما تحمله من تناقضات في ثناياها أحيانا.

خلاصة :  

اختلفت معاني ومدلولات المواطنة، كما تمايزت أنماطها بتمايز أنواع الحكم في المجتمعات أو الدول وطبيعة المشروعيات التي تستند لها كل السلطة. فالمواطنة في النظام المنارشي (حكم الفرد) ليست هي نفسها في النظام الأوليغارشي (حكم القلة) أو النظام الديموقراطي (حكم الشعب) لأن الأفراد مجرد رعايا أو عبيد في النظامين الأولين، خلافا للنظام الثالث الذي يعبر عن روح العلاقة المجسدة لدولة الحق والقانون والإرادة العامة، ويسمح للأفراد بأن يكونوا أسياد أنفسهم ولا يطيعون سوى القانون.

إن العصر الذي نحياه الآن في العالم هو عصر الانقلابات الفجائية في كل السياقات، أو عصر اللامتوقع بلغة “إدغار موران”، والقيم الاجتماعية والثقافية والدينية والإنسانية لم تنجو من رياح عاصفة التغيرات هذه. فقد أدى نظام السوق العالمي، وانتشار العقل الأداتي الحسابي الذي دمر علاقاتنا الفردية والاجتماعية والوطنية وغيرها، وعزز نزعة الفردانية المتطرفة وقيم الربح على حساب الكرامة الإنسانية والروابط الاجتماعية والإنسانية، وتلاشى معه الولاء للوطن والأرض والغير، وانتشرت التفاهة والقبح والانفعال وتوحيد نمط الحياة، وغاب الذوق والإحساس بالجمال والتعاطف الإنساني.

وفي هذا السياق، تأتي الحاجة إلى التربية على قيم المواطنة المحلية والكونية، وعلى حقوق الإنسان. وهي تربية أصبحت مطلبا عالميا ومحليا، في كون يتجه نحو التبعثر. لذلك فالمدرسة المغربية مدعوة إلى أن تكون مشتلا لغرس القيم الوطنية والإنسانية في نفوس الأطفال، حتى لا يلتهمهم وحش العولمة الضاري وقيمه المعولمة، التي حولت الناس إلى كائنات مستهلكة وقابلة للاستهلاك.

وإذا كانت الفلسفة مدرسة للحرية والفكر النقدي والعقلانية، فإن الدرس الفلسفي يضطلع بدور مهم في تنمية قيم المواطنة وحقوق الإنسان لدى المتعلمات والمتعلمين، بما يقوي لديهم الاعتزاز بالانتماء إلى الجماعة والأمة والإنسانية كذلك، ويجعلهم يتحلون بالسلوك المدني والديمقراطي الذي يحترم القانون والمؤسسات، ويرفع لديهم حس المسؤولية والانخراط في النقاش العمومي وحل المشكلات بالأساليب المشروعة والمعقولة بدلا التطرف في السلوك و التفكير. والاحتكام إلى منطق العقل والحوار والتواصل والمشاركة، وتجنب العنف وكل الأشكال التي تدمر شروط العيش المشترك والروابط الاجتماعية، و التي تحط من كرامة الإنسان. والدرس الفلسفي أيضا يستطيع أن يلعب دورا تنويريا يشيع الروح الفلسفية في الحياة العامة ويرسخ قيم التضامن والاختلاف والاحترام المتبادل والتعددية، ويحرر الأفراد من كل أشكال القصور، ومظاهر التفاهة والسذاجة والبلاهة، ويمكنهم من التطلع إلى بناء المجتمع الديمقراطي الذي يسوده القانون والحق والحرية والعدالة الاجتماعية.

[1] – دفاتر التربية والتكوين، المدرسة المغربية والتربية على القيم في مجتمع قيد التحول، المجلس الأعلى للتعليم، العدد 05 شتنبر 2011، المغرب، ص 93.

[2] – الحسن بيروك، مدرسة المستقبل، رهانات بناء متعلم مستنير، موقع التنويري، الرابطة العربية للتربويين التنويريين، المملكة الأردنية، أنظر الرابط التالي : https://altanweeri.net/?p=3959

[3] – جميل صليبا، المعجم الفلسفي، الجزء الثاني، دار الكتاب اللبناني، بيروت/ لبنان، 1982، ص471.

[4] – مجمع اللغة العربية، المعجم الفلسفي، تقديم إبراهيم مذكور، جمهورية مصر العربية، الهيأة العامة لشؤون المطابع الأميرية، 1983، ص 73/74.

[5] – تشارلز آر بيتر، فكرى حقوق الإنسان، ترجمة : شوقي جلال، عالم المعرفة، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، العدد 421 فبراير 2015، ص 59.

[6] – نقلا عن يوسف باسيل، حقوق الإنسان في فكر الحزب (دراسة مقارنة)، دار الرشيد للنشر، بغداد/ العراق، 1981، ص 12.

[7] – المادة 1و2 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، المعتمد بموجب الجمعية العامة 217 ألف (د-3) المؤرخ في 10 كانون الأول-ديسمبر 1948.

[8] – جميل صليبا، مرجع سابق، ص 212/213 (بتصرف).

[9] – دفاتر التربية والتكوين، مرجع سابق، ص 90.

[10] – ديريك هيتر، تاريخ موجز للمواطنية، ترجمة : آصف ناصر و مكرم خليل، دار الساقي، بيروت/ لبنان، بالاشتراك مع مركز البابطين للترجمة بالكويت، الطبعة الأولى، 2007، ص 21.

[11] – المرجع السابق، ص 49.

[12] – أنظر في هذا الصدد، جان جاك شوفالييه، تاريخ الفكر السياسي، ترجمة : محمد عرب صاصيلا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، ج1، ط1، بيروت/ لبنان، 1989، ص 20.

[13] – موجز تاريخ المواطنية، ص 31.

[14] – المرجع نفسه، ص 33.

[15] – المرجع نفسه، ص 39.

[16] – المرجع السابق، ص 54.

[17] – المرجع السابق، ص63.

[18] – نقلا عن موجز تاريخ المواطنة، ص 96 بتصرف.

[19] – روبرت ووكلر، روسو مقدمة قصيرة، ترجمة : أحمد محمد الروبي، ومراجعة : مصطفى محمد فؤاد، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة/ مصر، ط1، 2015، ص 79-80.

[20] – المملكة المغربية، الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999)، ص 07 بتصرف.

[21] – المرجع نفسه، ص 24.

[22] – المملكة المغربية، الرؤية الإستراتيجية (2015/2030)، ص 55.

[23] – المرجع نفسه، ص 55.

[24] – المرجع نفسه، ص 56، بتصرف.

[25] – المملكة المغربية، وزارة التربية الوطنية والتعليم العالي وتكوين الأطر والبحث العلمي، التوجيهات التربوية والبرامج الخاصة بتدريس مادة الفلسفة بالسلك الثانوي التأهيلي، مديرية المناهج ، نونبر 2007، ص4.

[26] – المرجع السابق، ص 07.

[27] – أنظر في الصدد، جدول الكفايات العامة لمادة الفلسفة، ضمن المرجع السابق، ص 16 و17 و18.

[28] – المرجع السابق، ص 11.

[29] – المملكة المغربية، الأطر المرجعية لاختبارات الامتحان الوطني الموحد لنيل شهادة البكالوريا -2014- الإطار المرجعي لاختبار مادة الفلسفة، جميع المسالك، المركز الوطني للتقويم والامتحانات والتوجيه، ص 2.

[30] – منظمة اليونسكو، الفلسفة مدرسة للحرية، تعليم الفلسفة وتعلم التفلسف: وصف الحالة الراهنة واستشراف المستقبل، قسم الأمن البشري والديمقراطية والفلسفة، تحت إشراف : مفيدة قوشة وآخرون، ترجمة : علي بنمخلوف وآخرون، منشورات اليونسكو، باريس/ فرنسا 2009، ص 109.

[31] – محمد نورالدين أفاية، في النقد الفلسفي المعاصر،مصادر الغربية وتجلياته العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت/ لبنان، ط1،2014، ص 122.

[32] – عز الدين الخطابي، رهانات تدريس الفلسفة الثانوي (التجربتان الفرنسية والمغربية نموذجا)، في تدريس الفلسفة، سلسلة ملفات بحثية، تقديم وتنسيق : الطيب بوعزة ويوسف بن عدي، مؤسسة مؤمنون بلا حدود، ديسمبر 2015 ص10.

[33] – إدغار موران، تعليم الحياة، بيان لتغيير التربية، ترجمة : الطاهر بن يحي، الملحقية الثقافية السعودية بفرنسا، منشورات ضفاف، ط1/ 2016 ص57.

جديدنا