قرن المهاجرين

قالت الأمم المتَّحدة إنَّ عدد المهاجرين واللاجئين غير الحاملين لوثائق الهويَّة، الذين حاولوا عبور البحر الأبيض المتوسِّط على أمل الوصول إلى الشواطئ الأوروبيَّة، ولقوا حتفهم، ارتفع إلى 5000 شخص، في عام 2016، وهو أعلى رقم على الإطلاق في سنة واحدة، مقارنة بـ3800 شخص ماتوا غرقاً في عام 2015. وفي تقديرات منظّمة الهجرة الدوليَّة دخل نحو 360 ألف شخص إلى أوروبا عن طريق البحر، وبالأساس إلى إيطاليا واليونان. وقالت الأمم المتَّحدة إنَّ أوروبا مطالبة بتوفير طرق قانونيَّة أمام المهاجرين حتى لا يضطروا إلى ركوب البحر والمجازفة بحياتهم.

إنَّ هذا الخبر، الذي قالت به المنظّمة الدوليَّة، وهذه الأرقام التي ظلّ يتكرَّر مثلها بمعدل صاعد، تُعَدُّ دالةً مقلقةً، خاصَّة وأنها تُشير إلى منطقة واحدة من العالم، لا تمثِّل استثناء في حركة الهجرة. إذ تقول كل حقائق الواقع، والحيثيات المبذولة أمامنا الآن، إننا مقبلون على عهد جديد يتسم باتساع دائرة اللجوء والنزوح والهجرة في كل أنحاء العالم. فاليوم هناك أكثر من مليار من المهاجرين واللاجئين والنازحين، ولا يزال العدد في ارتفاع مستمر. وقد تتضاعف الأرقام، في غضون 40 عاماً، بسبب تغيُّر المناخ، الذي يدفع إلى حالات هجرة بشريَّة غير مسبوقة في التاريخ القديم والحديث.

وقد يكون العام 2016 هو الأسوأ منذ عقود بالنسبة لعدد النازحين واللاجئين والمهاجرين وتفاقم مآسيهم. ففي هذا العام بالتحديد أضيف ملايين من اللاجئين والنازحين والمهجَّرين في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، نتيجة لأعمال العنف الجديدة في العراق وسوريا واليمن وليبيا وجنوب السودان، لينضمَّوا إلى ما يقارب من الخمسين مليون شخص اضطروا إلى النزوح واللجوء والهجرة حول العالم. فيما شهد العقد الماضي وحده أعلى معدلات للهجرات في التاريخ المسجل. فهناك الملايين من الناس يتحرَّكون؛ مقيَّدون بعدم الاستقرار البيئي، والاقتصادي، والسياسي. فيما نلاحظ أنواعاً أخرى من التغيُّرات، التي أوجدتها أنماط السياحة العالميَّة، وتنقلات العمالة غير الموثَّقة، والتي أدَّت إلى التأكيد على حقيقة أننا أصبحنا جميعاً مهاجرون، وصار المهاجر هو شخصيَّة عصرنا السياسيَّة بلا منازع.

وكانت النتيجة تصاعد الأزمة الإنسانيَّة، وارتفاع وتيرة النقاش السياسي والاجتماعي والاقتصادي بشأن كيفيَّة التصدِّي لها. ففي أوروبا، تمايزت الأصوات بين مؤيِّدٍ ومعارض لاستقبال اللاجئين كمهاجرين، كما حصل خلال تصويت المملكة المتَّحدة، في 23/6/2016، لمغادرة الاتِّحاد الأوروبي، وهي النتيجة التي جاءت إلى حٍّد كبير بسبب المخاوف المبالغ فيها حول الهجرة. وذلك بعد أن فشلت الدول الأعضاء في الاتِّحاد الأوروبي في الاتِّفاق على كيفيَّة تأمين حدودها الخارجيَّة، أو التواضع على رؤية عمَّا يجب القيام به تجاه اللاجئين الذين وصلوا بالفعل، ومن ثم غياب أي استجابة فعَّالة وموحَّدة لهذه المعضلة الإنسانيَّة.

 

شهد العقد الماضي وحده أعلى معدلات للهجرات في التاريخ المسجل. فهناك الملايين من الناس يتحرَّكون؛ مقيَّدون بعدم الاستقرار البيئي، والاقتصادي، والسياسي.

إننا أمام تحولات في ظاهرات العمران البشري، وبدلاً من النظر إلى الهجرة باعتبارها استثناء من قاعدة الثبات السياسي والمواطنة في بنية هذا العمران، يقدِّم لنا توماس نيل، أستاذ الفلسفة المشارك في جامعة دنفر الأمريكيَّة، نظريَّة سياسيَّة جديدة تشتدّ الحاجة إليها عن مماثلات ومقاربات قديمة. إذ يعيد في كتابه “شخصيَّة المهاجر”، الصادر عن مطبعة جامعة ستانفورد، في 28 سبتمبر 2015، فهم تاريخ السلطة السياسيَّة من وجهة نظر الحركة، التي تُعَرِّف شخصيَّة المهاجر في المقام الأول. وبتطبيقه لسياسة المقاربة لعدَّة شروط تاريخيَّة رئيسيَّة؛ مثل، الإقليميَّة والسياسيَّة والقانونيَّة والاقتصاديَّة، وربطها بشخصيَّات مهاجرة؛ مثل، الرُحَّلْ، والبَرَابِرَة، والمُتَشَرِّدِين، والبُرولِيتَاريا، فإنه يوفِّر أدوات جديدة لتحليل الهجرة المعاصرة.

ويركِّز هذا المقال على الأهمّيَّة المركزيَّة للمهاجر في السياسة العالميَّة المعاصرة، والنزوع الإنساني العام للحركة وكثافة الانتقال. ففي حين أن العديد من هؤلاء المهاجرين قد لا يعبرون الحدود الإقليميَّة، أو الدوليَّة، إلا أن السمة العامَّة لمعاش الناس صارت تتطلَّب انتقالاً دائباً حيث يتَّجهون إلى تغيير مساكنهم وفرص عملهم أكثر مما سبق، في حين أنهم يمارسون الانتقال اليومي لفترة أطول وأبعد إلى مكان العمل. وتؤثِّر هذه الزيادة في التنقُّل البشري، وحالات الطرد والإبعاد القسري، فينا جميعاً. وينبغي الاعتراف بأنها السمة المميّزة لعصرنا، الأمر الذي سيجعل من القرن الحادي والعشرين قرن المهاجرين.

إن هذا القرن هو بلا شك قرن المهاجرين، لأن عودة ممارسة هذه الأساليب والتقنيات التاريخيَّة الآن يجعل الأمر واضحاً جداً، ويُظْهِرُ للمرة الأولى أن المهاجر كان دائماً شخصيَّة اجتماعيَّة مُمَأسسة ومعتبرة. وبعبارة أخرى، فإن المهاجرين ليسوا شخصيات هامشيَّة، أو استثنائيَّة، مثلما يُنْظَر إليهم عادة، وإنما هم رافعة أساسيَّة استطاعت من خلالها جميع المجتمعات القديمة والحديثة أن تستديم وتوسع نموذجها الاجتماعي. وللأسف، تتطلَّب جميع المجتمعات المحليَّة والإقليميَّة والدوليَّة؛ بما في ذلك الدول، والنظم القانونيَّة، والاقتصاديات، ممارسة الطرد الاجتماعي للمهاجرين من أجل التوسُّع. الأمر الذي يعني أن الانفجار الأخير في التنقُّل يتطلَّب مِنَّا أن نُعيد النظر في التاريخ السياسي، ونقرأ تَشَكُّلاته من منظور المهاجرين.

وللتمثيل، دعونا نأخذ حالةً من التاريخ القديم: أي البَرَابِرَة، كثاني أكبر الأسماء التاريخيَّة للمهاجرين، بعد البدو الرُحَّل. ففي الغرب القديم، ما كان يُمكن للشكل الاجتماعي السائد في الدولة السياسيَّة أن يكون مُمْكِناً من دون طرد جماعي، أو حرمان سياسي، لمجموعة كبيرة من العبيد البَرَابِرَة، الذين اُخْتُطِفُوا من جبال منطقة الشرق الأوسط والبحر الأبيض المتوسط، ​​واسْتُخْدِمُوا كعمال وجنود وخدم، حتى يُمكن للطبقة الحاكمة المتزايدة أن تعيش في تَرفٍ – تُحيطُ بها أسوار المدينة. إن النظرة الرومانسيَّة الكلاسيكيَّة للعالمين اليوناني الإغريقي والروماني تُنْسِينا أنهما قد جرى بنائهما واستدامتهما بواسطة العبيد المهاجرين، وبـ”البَرَابِرَة”، وهم الذين عَرَّفَهُم أرسطو بموهبتهم الأساسيَّة في الحركة، ووصفهم بعدم القدرة الطبيعيَّة للعمل السياسي، والكلام، والتنظيم.

والمؤسف حقاً أن بعض الأساليب والتقنيات القديمة نفسها؛ ومبرراتها، مثل الطرد السياسي القديم، لا تزال سارية المفعول حتى اليوم. فالمهاجرون في الولايات المتَّحدة وأوروبا، والحالات في كليهما موثّقة وغير موثّقة، ما يزال يُعْتَمَدُ عليهم في الحفاظ على قطاعات كاملة من الحياة الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، التي من شأنها أن تنهار بدونهم. وفي الوقت ذاته، لا يزال هؤلاء المهاجرون غير مسيسين إلى حدٍّ كبير، وغالباً بسبب وضعهم غير القانوني، أو إقامتهم التي لا تتيح لهم حقوق العمل الكاملة، مقارنة مع المواطنين، الذين يستخدمونهم للحفاظ على استمراريَّة رفاهيتهم. تماماً كما كان يفعل الإغريق والرومان بقدراتهم العسكريَّة، والسياسيَّة، والثقافيَّة، الهائلة، التي مكّنتهم من التوسُّع معتمدين فقط على حالة الطرد السياسي للعمالة الوافدة الرخيصة، أو المجانيَّة. وهذا هو الحال مع الأوروبيِّين والأمريكيِّين اليوم.

وإذا كان هذا الربط يبدو غريباً، فَيُمْكِن النظر إلى الكيفيَّة التي يُوصف بها المهاجرون في وسائل الإعلام مؤخراً. فالترابط الخطابي يماثل وضوح البناء المعماري لهذه الجدران العملاقة. ففي الولايات المتحدة، يتخوف أُنَاسٌ؛ مثل، صموئيل هنتنغتون وباتريك بوكانان، من “غزو المهاجرين المكسيكيين” للحضارة الأمريكيَّة. وفي المملكة المتحدة، نشرت صحيفة “الجارديان”، في 28/10/2014، مقالاً افتتاحيّاً حول الأزمة في أوروبا، جاء في نهايته وصف اللاجئين بأنهم “المحرومون غير الهيابين”، الذين “يطرقون بوابات أوروبا” – في إشارة تاريخيَّة مباشرة للغزو الهمجي البربري لروما. وفي فرنسا، قالت المرشَّحة الرئاسيَّة مارين لوبان، في اجتماع حاشد في عام 2015، إن “هذا التدفُّق الهجري سوف يكون مثل الغزو البربري في القرن الرابع، وسوف تكون العواقب نفسها”. وحتى رئيس المجلس الأوروبي، دونالد تاسك، وصف اللاجئين مؤخّراً بنفس عبارة “المياه الخطرة”، مستعيراً العبارات العسكريَّة، التي كانت مستخدمة من قِبَل الرومان لعدم تسييس البرابرة: اللاجئون هم “المدّ الكبير”، الذي “تدفُّق إلى أوروبا ” مُحْدِثِينَ الفوضى، والتي “لا بد من مداراتها وإدارتها”. وقال تاسك “نحن أصبحنا شهوداً على ولادة شكل جديد من أشكال الضغط السياسي، … وحتى أن البعض أسماه نوع من الحرب الهجينة الجديدة، التي أصبحت فيها موجات الهجرة أداةً وسلاحاً ضدّ الجيران”.

إن ذاكرة العالم تبدو فعلاً قصيرة للغاية، كما قالت منظَّمة العفو الدوليَّة. ففي أعقاب الحرب الكونيَّة الثانيَّة، اتَّفقت معظم الدول على حماية اللاجئين من خلال “الاتِّفاقيَّة الخاصَّة باللاجئين” لسنة 1951، ومن خلال وكالات للأمم المتَّحدة المتخصِّصة، من قبيل “المفوضيَّة الساميَّة لشؤون اللاجئين”، التي تقوم بمجموعة من الأنشطة لتذكر العالم بمأساة من فرّوا من ديارهم بسبب الحروب، ومن اقتلعوا من أرضهم ومجتمعاتهم وأصبحوا عالة على المساعدات الدوليَّة خارج حدود بلادهم الطبيعيَّة. إلا أن الأسلاك الشائكة بشفراتها الحادَّة ونقص التمويل المزمن قد مزقا إلى أشلاء تلك الرؤيَّة المثاليَّة، يُضاف إليها تجاهل قادة العالم للتحذيرات، وسماحهم لأزمة إنسانيَّة عالميَّة طاغية بأن تتشكَّل.

 

إن ذاكرة العالم تبدو فعلاً قصيرة للغاية، كما قالت منظَّمة العفو الدوليَّة. ففي أعقاب الحرب الكونيَّة الثانيَّة، اتَّفقت معظم الدول على حماية اللاجئين من خلال “الاتِّفاقيَّة الخاصَّة باللاجئين” لسنة 1951، ومن خلال وكالات للأمم المتَّحدة المتخصِّصة، من قبيل “المفوضيَّة الساميَّة لشؤون اللاجئين”، التي تقوم بمجموعة من الأنشطة لتذكِّر العالم بمأساة من فرّوا من ديارهم بسبب الحروب، ومن اقتلعوا من أرضهم ومجتمعاتهم وأصبحوا عالة على المساعدات الدوليَّة خارج حدود بلادهم الطبيعيَّة.

وبالقطع، فإن هذا القرن سيكون قرن المهاجرين، ليس فقط بسبب ضخامة هذه الظاهرة، ولكن بسبب عدم التكافؤ بين المواطنين والمهاجرين، الذي وصل أخيراً نقطة الانهيار التاريخيَّة. ومن الوهلة الأولى، يبدو من الصعب جداً تصوّر آفاق أي تحسينات هيكليَّة في هذه الحالة، إلا أن البحث الجاد عن حلول جذريَّة، ومن قيادة ذات بصيرة، وبتعاون عالمي منسّق، يمكن أن يُساعد على إنهاء النزاعات والاضطهاد اللذين اضطرا الناس إلى الفرار من ديارهم في المقام الأول.

والأمر الأخير، وقبل أي حلول محدّدة يمكن النظر فيها، يجب أن تكون الخطوة الأولى نحو أي تغيير هي فتح عمليَّة صنع القرار السياسي لجميع المتضرِّرين من التغييرات المقترحة، بغض النظر عن الوضع الماثل. وفي هذه الحالة أيضاً، فإنَّ البدائل ليست هي الأخرى من دون سابقة تاريخيَّة، وتجارب الأمم الموثّقة للمعالجات تَصْلُح أن تكون مرشداً. رغم أن الطريق الوحيد للمضي قدماً في مسيرة طويلة من أجل العدالة للمهاجرين والمساواة الاجتماعيَّة للاجئين هي تحديد وضع إنساني يحفظ كرامة الجميع.

 

عمان، الأردن 3/1/2016

 

جديدنا