أزمة الإصلاح التربوي في تونس؛ التوافق التربوي نموذجا

مقدّمة

تشهد مسارات الإصلاح التربوي في تونس وغيرها من البلدان العربية عوائق عديدة، تعود لأسباب بيروقراطية ومنهجية وقيميّة، وشكَّلت الثورة “فرصة سياسية” لتحرير منظومة التعليم من كوابحها وإطلاق إرادات الفاعلين للارتقاء بأداء المدرسة وتجويد مردوديتها، إلا أنَّ السياقات المشحونة وتضخُّم التجاذبات الايديولوجية مثَّلت حجر عثرة مضاعفة أمام انطلاق مسيرة الإصلاح التربوي، وعوض أن يلعب التعليم والتكوين إطارا جامعا وخيمة تؤلِّف بين عقول وقلوب المواطنين، كان نقيضا لذلك عامل جفوة ومصدر شروخ في الجسم التربوي. تسعى محاولتنا هذه إلى المساهمة فيجهد جماعي يهدف إلى تثمين التوافق وإبراز بعض الثغرات في تراكم التجربة التوافقية التونسية. وقد اخترنا الاشتغال على المجال التربوي واستجلاء الصعوبات الفعليّة التي واجهها التوافق التربوي وما أفرزته التحوّلات من انتظارات وهواجس ورهانات لا ينفصل فيها التربوي عن السياسي. لماذا شكَّل الإصلاح التربوي الحلقة المفقودة في التوافق التربوي؟ هل المناخ التربوي أكثر تعقيدا في تشبيك الآراء وتوحيد الرؤية والمواقف، وصياغة البرامج والخطط؟

الكلمات المفتاحية:

الإصلاح التربوي- التوافق- الحوار الوطني

  • التوافق: الآفاق النظرية والعملية

يعتبر “التوافق” مفهوما حديثا في المجال النظري، و”ذو قيمة نظرية وتطبيقية”، فهو مدار تفكير عابر للاختصاصات، كما أنه “مفهوم مركزي” يحيل إلى ماهية الإنسان ويرتبط بأشكال التبادل الاجتماعي والتداول بين الكائنات، وهو “شرط امكان الوجود البشري”[1].فالتوافق تأسَّس ضمن تصوّر معاصر وفي سياق مراحل تحديث مسارات المجتمعات البشرية بحثا عن الاستقرار والسلم ونبذا مظاهر النزاع والصراع. فالمجتمعات تشكّل عبر خبراتها السياسية وتجاربها السوسيولوجية صيغة لإدارة خلافاتها  والتقليص من التجاذبات المدمرة وإقرار التعدّدية ونبذ العنف والاعتناء بالبناء. وبما أن المفهوم شيء من الفكر أو فعل يقوم به الفكر يتكوَّن عبر الزمن والتجربة، ويعبر “برغسون” عن ذلك بأن “المفهوم أداة في يد الحياة”[2]ويستند إلى فكرة مناسبة في السياق الحالي من أن للتوافق كمفهوم دورا مزدوجا، حيث يُنقد هذا المفهوم باستمرار في المستوى النظري ويستعمل بكثافة في الواقع وهذا يستوجب الارتقاء بمفهوم التوافق من مفردات شائعة الاستعمال إلى مستوى المفهوم الاجرائي، بل إلى “مقولة تفكير” (catégories depensée) حسب عبارة “بنفينيست”[3]، وهي تفترض تعدّدية القيم ورفض التنميط والواحدية.

والتوافق ليس آلية تطبيقية ونظرية في الحقل السياسي فقط، بل يمثل نوعا من العلاقات الإنسانية تشمل أغلب المؤسَّسات والقطاعات، فكل العلاقات الاجتماعية تفترض سلطتين أو أكثر. وتبنّي السوسيولوجيا التوافق كمفهوم إجرائي ضروري في مقاربة برغماتية للحياة اليومية والعالم المعيش[4]، ويظل المجتمع المحلّ المميَّز لابتكار التوافقات المستمرَّة ضمن هذه المقاربة[5]. ويستدعي التوافق المؤسَّسات والنظريات معا، لأن التوافق مفهوم “براديغماتي” و”مثل سياسي” [6]un idéal politique) )، يتطلَّب الارتقاء بمجموعة المفاهيم العلمية والإجرائية لمفردات شائعة الاستعمال والعادية مثل الاتّفاق والتفاهم والتوافق والتفاوض وconcession والتنازلات والترتيبات والتأقلم… التي نشأت من حاجيات عملية وواقعية.

فالمجتمع الديمقراطي مجتمع حواري في عمقه، يستند إلى فكرة “الصلات الاجتماعية” (Le lien social) القائمة على قاعدة الاشتراك في المبادئ والقيم، والبحث عن أشكال التعايش وإفراغ شحنات التوتر. ففي حوار مع “بول ريكور” ينبثق التوافق حين يوجد تعدّد في منظومات التبرير في مختلف النزاعات، ويطرح فكرة أساسية تتمثَّل في أنه لا يوجد مجتمع يختزن منظومة موحَّدة في تبرير ما هو عادل وغير عادل، في الخير والشر وفي الشرعية واللاشرعية، إذ التفاوت والاختلاف كامن في المجتمع، في توزيع السلطة وغيرها من المصادر الرمزيّة. لا توجد قاعدة ثابتة لتغذية النزاعات، ولكن تبرز الصراعات داخل نظام منسجم يتعارف عليه الناس[7].ويبقى في التوافق كل طرف محافظا على أنظمة التبرير، التوافق حاجز بين الاتفاق والعنف، في ظلِّ غياب الاتِّفاق تنجز التوافقات ويحمي المجتمع من السقوط في التفتت. نحن نعيش في مجتمع مركَّب ونجد الآخر في كل مكان، وصراع الأدوار، توافق حقيقي لا يحجب الصراعات.

ويُبين “اريك وايل” أن الاختيار بين العنف واللاعنف هو اختيار بين اللامعنى والعقل، أن العنف ليس في المرئي، المادي بل يسكن في الخطاب، وأن نزعة الهيمنة المخفية في خطاب الإصلاح والمناورة، “السلم المدني”، دولة مركزية،[8] وربط الحكمة العملية بحلِّ النزاعات غير مشحونة بالعنف والنزاع بنية العمل الإنساني “المجتمع ليس الجنة”. يفترض التوافق بالفعل، في الممارسة شكلا من أشكال التبادل والتفاعل بين الشركاء تحرِّكهم فكرة الوصول إلى اتفاق، والبحث عن الملاءمة بين مبادئ أو اهتمامات متناقضة. ويفضي ذلك أو يفترض من كل الشركاء إرادة للتفاهم والتعاون، وجهدا للتأقلم والتراجع والتنازل المتبادل، بمعنى إرادة التوافق وحذف ولو مؤقتا الخلافات أو الفروقات.

يعد التوافق مفهوما مشتركا كنمط لحل النزاعات وكشكل من أشكال التنظيم الاجتماعي يرتبط بالواقعية والعملية والنسبية والتأقلم ويتناقض مع الراديكالية والمثالية والمطلق والحاسم. ويثير التوافق توترا بين النص الظاهر، المخفي وبين المثالي والواقعي، وبين الكوني والخصوصي، وبين المطلق والنسبي وبين الحديث والتقليدي[9]، توافق حقوقي، توافق الامر الواقع، حل النزاعات ومسكنات الحوار الوطني، توافق يحيل إلى مسار تعديلات، توافق فكري وتاريخي وتسويات مؤسّسية. وتجنُّب التطرُّف، والعقل الخالص، ويقترب من العقل العملي، ويتيح مسالك تفكير متجدِّدة في إدارة المدينة، في خلاصة مقاله يبرز محمد ناشئ أنه “بوضع قواعد فلسفية اجتماعية وسياسية متأقلمة مع عالم متعدِّد حيث تتواجد القيم المتنازعة، وإحداث سبل الحوار والتعاون، يسمح بالتطلع إلى فلسفة اجتماعية وسياسية، تعيد التفكير في عمق التعاقد السياسي والتعاقد الاجتماعي الذي قاد المجتمع[10].

فالتوافق مفهوما وثقافة أفق في التفكير وفي الممارسات الاجتماعية وفي أنماط السلوك السياسي يشمل الدولة والمجتمع بقطاعاته المختلفة ومواطنيه من أجل حل الصراعات بالتسويات ورفض حالات الاحتقان والعنف. وهو ما يمرُّ بالضرورة عبر قنوات التعديل الاجتماعي والسياسي وهو ما تؤكّده الدراسات السوسيولوجية والانثروبولوجية، إذ كشفت أنَّ التوافق يقوم على تفضيل مواقف دون أخرى أو خيارات دون غيرها بناء على نقاشات معمَّقة وحوارات مطوَّلة بين المعنيين أنفسهم في حقل معين.

ويثبت ذلك أمارتيا سان في دراسة له حول الجذور غير الغربية للديمقراطية والقائمة على البعد التداولي، ووجود صيغ خام من المداولات الجماعية في مجال السياسة وهي مساحات نقاش مفتوحة لجميع أفراد القبيلة أو تحديد لهيئة القبيلة (La palabre)، وهو ما عثر عليه أيضا الانثربولوجيون لدى مجتمعات قبلية عديدة  مثل (النافاهو) (Les Navahos) ومجتمعات البوبكان (Popkin) في آسيا وصولا إلى المجتمعات الحديثة، تبرز أنَّ التوافق مسار يرسمه المجتمع من خلال الاستفادة من موروثه وتقاليده وقدراته، ويصوغ أسلوبه في إدارة الاختلاف وتأسيسه على قيم الاحترام والاعتراف المتبادل.

  • الحوار الوطني: توافق سياسي أم توافق وطني

شكَّلالحوار الوطني الخيار الوحيد للبلاد من أجل تجاوز أزمتها، والخروج من المأزق السياسي والاقتصادي والأمني الذي باتت تتخبَّط فيه منذ إعلان نتائج انتخابات أكتوبر 2011. حيث كادت التجاذبات السياسية والايديولوجية أن تعصف نهائيا بمسار التحول الهادئ، وتدخل التونسيين في مرحلة حرب الكل ضدّ الكل بعبارات توماس هوبز صاحب كتاب “الليفياتون”. ولعل متانة البناء المدني والمؤسّساتي النسبي للمجتمع[11] من خلال المنظّمات التي لعبت دور الوسيط لإقناع الأطراف المتنافسة – المتصارعة بضرورة “الابتعاد عن الخطاب المتشنِّج” كما عبَّر عن ذلك الأمين العام السابق حسين العباسي للاتحاد العام التونسي للشغل وتغيير لهجة التخاطب ونبرة المجادلة وكيل الاتهامات عند استعراض نقاط الخلاف والوصول إلى التفاهم على قواعد العملية الديمقراطية والقبول بشروطها.  وعملت الجهات الراعية للحوار على إقناع مختلف الأطراف السياسية المتنافسة بالشروع العملي في تنفيذ بنود خارطة طريق الحوار الوطني، و”تغليب المصلحة العليا للوطن باعتماد منهج التمشّي التوافقي للسير نحو انتخابات نزيهة وشفَّافة تضمن التنافس السياسي السلمي والمتكافئ ويمارس فيها الشعب سيادته في اختيار ممثليه وحكامه، وقطع الطريق أمام كل المنزلقات التي قــد تؤدِّي إلى المجهول”[12].

ويتطلَّب ذلك في هذه الحالة القيام بتنازلات ولو مؤلمة، لا تقاس مخاطرها بانزلاق المسار الانتقالي في متاهة قد تعصف بكل الآمال التي فتحت منذ جانفي/يناير 2011. إنَّ نجاح الفرقاء السياسيين في الوصول إلى حلول توافقية من شأنها أن تبعد المواطن عن التحارب والعنف وحالة التشاؤم التي هيمنت على قطاعات واسعة من الرأي العام والنخب. اتَّفقت القوى السياسية، المشاركة في الحوار الوطني بتونس، على تشكيل ثلاث لجان لبحث سبل تطبيق خريطة الطريق المدرجة ضمن مبادرة الحوار الوطني. وهو ما تمَّ فعلا فتقدَّمت عملية صياغة الدستور وأنشئت الهيئة المشرفة على تنظيم الانتخابات واستبدلت حكومة السيد على العريض بفريق حكومي من “التكنوكراط”، وبرزت ملامح عامَّة من الانفراج السياسي. وهنا تبدو ما يمكن اعتباره “خصوصية”النموذج التونسي في التوافق السياسي الذي جنَّب البلاد صراعات مجتمعية دامية، كادت أن تعصف بالثورة كمنجز وطني وتاريخي، وأخرجتها من مأزقها، بطرق سلمية ضمن شرعية توافقية عبر بناء خطوات وتفاهمات وتسويات بين الأحزاب السياسية، يمكن توصيفه “بالتوافق السياسي/الحزبي” الذي أفرز النقاط والاتفاقات والوفاقات التالية[13].

يمكن أن نعد أن مخرجات “الحوار الوطني” محاولة في إعادة تأسيس العقد الاجتماعي، ومسار اختبار الاستعدادات الحقيقيّة لمقولة التوافق النبيلة وتطبيقها على أرض الواقع السياسي، ومكَّنت ولو نسبيا “بتبيئة” مفهوم “التوافق” في مناخ المنافسة، في الوسط السياسي التونسي، والارتقاء به كآلية مؤسَّساتية. رغم الاستتباعات الإيجابية والنتائج المباشرة التي حقَّقها، والرمزية التي أحاطت بالحوار الوطني، وتثمين دوره، فذلك لا يمنعنا من ممارسة نوع من النقد والنقد الذاتي والتفكير بصوت مرتفع و”مختلف”. فلئن تمَّ إنجاح الانتقال الديمقراطي في خطواته الأولى، فقد كشف بوضوح أن المجتمع التونسي لا يزال في مرحلة ما بعد الاستبداد وقبل الديمقراطية، فقد تجلَّى خلال الحراك الثوري نوعا من “التوافق الثوري”[14] بشكل غريزي وعفوي مناهض للدكتاتورية، لينتقل إلى توافق حول آلية ديمقراطية وهي “التوافق الانتخابي” عبر الصناديق، وهي آلية ديمقراطية فنية عمَّقت الخلافات وهمَّشت التوافق، وبينت قصوره وتبرز مجدّدا الشرخ الايديولوجي والهوة السياسية الفاصلة بين القوى السياسية.

وأثبت ذلك أنَّهيكلة المشهد السياسي – في مرحلة الانتقال الديمقراطي- بين حكومة ومعارضة غير مناسب في المراحل التأسيسية، بما أنه أفرز استقطابا ايديولوجيا وسياسيا حادّا، بصراعاته، ومعاركه، مثَّلت مؤشّرات اختناق الفضاء العمومي. كانت اللحظة الجديدة تستوجب شراكة لا تطمس التعدّدية وحقّا لاختلاف، وتضامنا لا يخفي التباينات، والسعي إلى إنشاء “توافق وطني” على خصائص مشروع مجتمعي يعبِّئ الطاقات ويحدِّد البوصلة التاريخية والوطنية. هل أفضى الحوار الوطني فعلا إلى تعاقد جديد أم مجرَّد توافق مرحلي وظرفي بين كيانات سياسية؟ هل بلور التوافق السياسي أسسا صلبة لقواعد توافقية تبنى على التفاوض والتفاهم والتنازلات المتبادلة؟ هل حقَّق الحوار الوطني توافقا حقيقيا أم مغشوشا؟

  • الإصلاحات التربوية و”هيمنة عقل الدولة”

إذا تمكَّن الحقل السياسي من ترميم خلافاته وتأطير صراعاته ضمن أطر محصَّنة ومسارات حالت دون الانزلاق نحو النزاعات وحقَّقت الحدّ الأدنى من التوافق السياسي الضروري، فإنَّ الحقل التربوي ومنظومة التعليم ما تزال تثير إشكالات وخلافات. لهذا سنسعى في هذه الورقة إلى اختبار مفهوم التوافق في الفضاء التربوي. فإذا كان “التوافق” ضروريا ومكوّنا من مكونات دينامية المجتمع، فلماذا ظل المجال التربوي الحلقة المفقودة – الضعيفة في التوافق الوطني-السياسي؟ التراضي الثقافي حسب “هابرماس”، ونقل التوافق من المشهد السياسي إلى المشهد التربوي دون استنساخ لنفس الآليات، مع استثناء الحيثيات وعقلية الإقصاء، وتجاوز “مجتمع الإصلاح المغلق” و”متخيّل الإصلاح” الشعبي والمهتمّين بالشأن التربوي أو الفاعلين في التربية، وتجاوز ” أسطورة الخبير” لأنها فارغة ودليل أفرَغَها من حيويتها، أنّ المواطن هو الخبير والمحدّد، وتجنّب التوافق العابر والتوافق التضحية، واعتماد أبجديات التوافق، والحدّ الادنى المشترك. كما أن الحقيقة لا تؤسِّس التوافق بل تعطّله وتقيّده، وتكشف حوار الصمّ وحجاب الأيديولوجية، (اللغة العربية، مسألة الهوية….).

الحقيقة أنَّ قطاعات عديدة تحتاج إلى “التوافق” وتعطَّلت مفاعيل إصلاحها، الحلم تقلص والآمال اختزلت، ولكن يبقى مقاومة الفساد مطمحا وطنيا.

يعتبر إصلاح التعليم من أبرز القضايا التي تناولتها الحركة الإصلاحية، ثمَّ الحركة الوطنية ورأت فيها أحد مكونات المشروع التحريري، وتجسيما للذات الوطنية[15]، وتفاعلت مع حاجيات البلاد وتشكَّلت تصورات التعليم وتطويره بمفهوم التحديث الاجتماعي والثقافي والسياسي، وامتزج بفكرة الوطنية. وتعدّ المنظومة التربوية في تونس نتاج تراكم تاريخي لإصلاحات عديدة ومتوالية منذ 1840 حيث تأسَّست المدرسة الحربية بباردو والمدرسة الصادقية سنة 1875، وإنشاء النواة الأولى للتعليم العصري بالتوازي مع استمرار التعليم الزيتوني وتنامي دعوات الإصلاح داخله. وفي المرحلة الكولونيالية تأسَّست مدارس عديدة تطبق برامج المدرسة الصادقية والمدارس العربية الفرنسية والمدارس القرآنية.

حيث أولت دولة الاستقلال اهتماما كبيرا لإصلاح التعليم، منذ 4 نوفمبر 1958، وتمحور أساسا حول توحيد أنظمة التعليم وتونسته، وسعى البرنامج لملاءمة التكوين مع حاجيات البلاد إلى الإطارات المختصَّة لإدارة شؤون البلاد، وقدَّمت الدولة الجديدة ما بعد الاستقلال رؤية تنسجم مع المشروع التنموي وجعل التعليم متلائما مع حاجيات البلاد وبالوظائف التي تحتاجها الإدارة وبناء الدولة الفتية (تكوين الإطارات). وتحقَّقت نتائج إيجابية في نشر التعليم وتراجعت نسبة الأمية، ولعب التعليم دور المصعد الاجتماعي، وتمحور حول توحيد التعليم وتعميمه وتونسته وملاءمة التعليم مع الحاجات الوطنية. وابتداء من إصلاح 1958 توحّد التعليم وفق تقسيمه إلى ابتدائي وثانوي وعال، ووقع التخلِّي عن المدارس الدينية والمدارس الفرنسية[16] وخضعت كل المؤسَّسات التعليمية إلى سلطة الدولة (الفصل 5).

وتلتها العديد من الإصلاحات في نهاية الستينات مع تعديلات موضعية وجزئية مع كل من أحمد بن صالح ومحمد مزالي (التكوين المهني- مسألة تعريب الفلسفة- والتاريخ والجغرافيا تدريجيا). وإصلاح 1991 حمل الإصلاح كل المستويات البرامجية والمنهجية والحوامل البيداغوجية، ولكن أيضا تغيير منظومة القيم المرجعية، الذي اقترن بإصلاحات محمد الشرفي، وإصلاحات 2002 إعلان مشروع “مدرسة الغدّ” وضبطت خطَّة تنفيذية تؤسِّس لمنظومة جديدة في التربية والتعليم قادها منصر الرويسي. هذه الإصلاحات على أهميتها، والنتائج التي حقّقتها. ولو تتبَّعنا الخطاب السياسي الكامن والحاف بالإصلاحات يتبين لنا أنها مرتبطة بنظرة للدولة المركزية في درجة أولى وبالنظام السياسي وبالحزب الحاكم في درجة ثانية، ولذا لم تحظَ بالحماس والانخراط العام، ومنها نشير إلى عوائق الإصلاحات:

  • إصلاحات
  • النظام الحاكم والحزب الواحد والدولة المركزية.
  • إصلاحات دون استشارة حقيقية للأحزاب والمواطنين والفاعلين التربويين.
  • غياب الرؤية والنظرة النسقية والاستراتيجية.
  • توظيف الإصلاحات بشكل خفي في الصراعات مع خصم سياسي.

توجد ثغرات كبيرة في صلب المنظومة التربوية حسب العديد من الدراسات الوطنية والأجنبية وأن المدرسة تحتاج إلى التطوير والإصلاح. ذلكأن الوضعية التعليمية ارتبطت بنوعية الخيارات السياسية والاقتصادية، التي طبقتها الحكومات المتتالية منذ أكثر من ثلاثة عقود، فالتعليم جزء من البنية المجتمعية يؤثِّر في الواقع ويتأثَّر به، والسياسات التعليمية مثَّلت انعكاسا لسياسة الدولة في مختلف المجالات والقطاعات، وفد استهدفت السياسات التعليمية في بلادنا منذ الاستقلال، تعزيز السلطة السياسية عن طريق سلطة المعرفة، ما تسبَّب في إهمال النظام التربوي وبروز العديد من الإعاقات البنيوية. ورغم تعدُّد الإصلاحات التي مسَّت المنظومة بمختلف مراحلها، فإنها لم تحدث الأثر المطلوب ولا النتائج المرجوَّة ولا الجدوى المنتظرة، بل ساهمت في تشويه بعض المكاسب الأساسية مثل مجانيَّة التعليم وإجباريته، وأفرغت محتواه من كل حيوية والتصقت بالتوظيف السياسي وبتبدّل الوزراء والأشخاص، واختزلت في تشكيل اللجان والورشات وتحيين النصوص القانونية والمرجعيات والغايات الكبرى دون أن نلحظ أثر ذلك في الواقع، بل هناك فجوة كبيرة بين نبل النصوص والواقع التربوي.

ولعل تتالي الإخفاقات والتردُّد وانتشار الاختلالات في كل المستويات والميادين يفسّر بغياب رؤية مجتمعية واستراتيجية وطنية تنأى بالمجال التربوي عن كل توظيف سياسي أو ايديولوجي، وظلَّت المنظومة التعليمية والتربوية تشكو باستمرار من علل مزمنة، مثل ضعف مستوى التحصيل المعرفي وتفشى ظاهرة الفشل المدرسي، وتزايد التفاوت الجهوي بين المؤسَّسات التربوية في مستوى الاشتغال والنتائج. وفشل المنظومة التربوية في التنشئة الاجتماعية للشباب وتربيتهم على القيم المدنية والسلوك الحضاري وعجزها عن معالجة المعضلات البنيوية كانفصال التكوين عن حاجيات الواقع الاقتصادي والاجتماعي. فالإصلاحات لم تكن محلّ “توافق مجتمعي” بل ينظر إلى المجتمع كمجال تطبيق وتنفيذ السياسات التربويّة بعيدا عن تشريكه في الخيارات التعليمية والأولويات التربوية أو حتى فكرة تجذير ثقافة التوافق، تتمُّ الإصلاحات من الأعلى، وأنَّ الدولة “الأبوية” و”الراعية” تعلم جيدا ما يحتاجه المجتمع وأفراده.

4-سؤال الثورة وسؤال الإصلاح: دوامة التجاذبات

انخرط الحراك التغييري في أولويات المشاغل السياسية، وتطبيق المسارات الانتخابية والمتطلّبات الفنية للانتقال الديمقراطي، التي اختزلت في مؤسَّسات وتطبيقات لديمقراطية شكليَّة وهيمنة المواقف التقليدية والفاعلين الكلاسيكيين عن المشهد السياسي عموما، والميدان التربوي خصوصا، وتراجع الزخم الثوري وتعطَّلت الإصلاحات بما فيها استحقاقات الإصلاح التربوي ، ذلك أن المسار التونسي لم يمسّ بعمق آليات تدوير النخب، فقد منح الأولوية إلى المسار الانتقالي على حساب المسار الثوري، وبالنتيجة لم تتغيَّر النخب الحاكمة إلا في المنحى الشكلي، دون تشريك للنخب الشبابية والجهوية التي قادت التحرّكات الثورية[17].

وبالرغم من الضاغطات السياسية، فقد طرحت مجالات الإصلاح التربوي منذ الأسابيع الأولى، وإن تكثَّفت الجهود حول بناء المؤسَّسات واستكمال صياغة النظام السياسي بالآليات الديمقراطية، فإن التربية من بين الملفَّات الحارقة التي طرحت، وحُمِّلت المنظومة التربوية كل هموم البطالة، والتردُّد بين النقد وبين تثمين صانعي الثورة دون محتوى ومن فاعليها عبر وسائل الاتِّصال الحديثة أو من خلال الضغط الميداني في الشوارع. ارتفعت ما بعد الثورة بعض الأصوات من عالم التربية تطالب فيه باستحقاقات التربية من الثورة وامتدَّ الحسُّ الثوري إلى الحقل التربوي، انطلقت بتطبيق شعار الشارع في المدرسة بعزل وطرد عدد من المسؤولين المركزيين والجهويين والمحلّيين، وتمَّت “تصفية حسابات” نقابية وإدارية وسياسية وحزبية، وانطلقت حملة “هوجاء” لتنظيف الإدارة من “الأزلام”.

وكتبت في السياق ذاته في الصحافة بعض المقالات من بينها “الإصلاح الهيكلي للمنظومة التربوية مهمَّة وطنية كبرى لا تتحمَّل التأجيل”[18] تناولت ملف قطاع التربية والتعليم الذي اعتبرته من ضمن أخطر الملفَّات التي لا تتحمَّل الانتظار لانعكاساته على بقيَّة قطاعات المجتمع ولدوره الاستراتيجي في نحت ملامح الوطن والمواطن. وأشار إلى هول الأضرار الحاصلة داخل هذا القطاع وتداعياتها الخطيرة على مختلف الأصعدة – اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وأخلاقيا[19]، ووصف تصورات وممارسات أعمال وزارة التربية ما قبل الثورة ” باللخبطة والارتباك والنزعة الشعبوية”[20] ممَّا عطَّل وأربك عملية الإصلاح الجذري، بل وأفسد كل رغبة في الإصلاح. وما يشدّ الانتباه في واقع المنظومة التربوية التناقض الصارخ بين النص والممارسة، يكفي أن نلقي نظرة على “القانون التوجيهي للتربية والتعليم المدرسي” الصادر في جويلية 2002 ” إصلاح التعليم” (وبصفة خاصَّة فصوله التسعة الأولى في بابه الأوَّل “في رسالة التربية ووظائف المدرسة”) حتى ندرك “درجة الدهاء القائم على التضليل والتزييف والتوظيف التربوي في معركة سياسية”[21] (سلاح)، واصفا المنظومة التربوية بعبارات إنشائية “درجة العفن والرداءة للتّركة الثقيلة التي ورثناها عن النظام السابق”[22]. وحدَّد مجموعة من المطالب ذات الأولوية مثل تفكيك منظومة الفساد[23]في مختلف الميادين والتأسيس لمنظومة تربوية بديلة ترتقي باستحقاقات الثورة.

أمَّا المقال الثاني[24] فقد أبرز فيه صاحبه بأن أبواب الإصلاح فتحت أمام التونسيين في كل المجالات على مصرعيها” مؤكِّدا أنَّ ” المجال الذي بقي صوت الدعوة إلى إصلاحه خافتا نوعا ما، هو المجال التربوي”[25]، واقترح على سبيل “المعالجة المنهجية الأولية” خطّة عمل. تتكوَّن من سبعة مرتكزات تخصّ ضرورة الإصلاح التربوي وفلسفته ومرجعياته ومنهجية الإصلاح التربوي ومراحله ومجالاته ومرحلة التنفيذ وخطوات التطبيق وآليات الإصلاح التربوي وشروط إنجاز ذلك.

وانتظمت عديد التظاهرات والفاعليات العلمية والفكرية، كانت باكورة الأنشطة الندوة التي نظّمتها جمعية تطوير التربية المدرسية والمندوبية الجهوية للتربية بقابس تحت عنوان ” أي نظام تربوي لتونس ما بعد الثورة؟” يوم السبت 24ديسمبر 2011، وعقدت ندوة ثانية تحت شعار الاستحقاق التربوي للثورة بمدينة العلوم بتونس تناولت أهمّية الشروع في الإصلاح التربوي لتدعيم روافد قوى التغيير وبيَّن المحاضرون أن كل تأخير في تنفيذ ذلك سيؤدي إلى تفاقم الوضع المتردّي على أداء المدرسة وانعكاس ذلك على المجتمع. وسرعان ما نظَّمت وزارة التربية بالشراكة مع هياكلها وبعض مؤسَّسات المجتمع المدني ندوة وطنية حول منهجية الإصلاح التربوي[26] أشرف عليها رئيس الحكومة السيد حمادي الجبالي، وتضمَّنت ديباجة البيان الختامي لهذه الندوة إقرارا بتفاعل الدولة مع مطالب الإصلاح التعليمي، “تفاعلا مع ثورة الكرامة واستجابة إلى تطلعات الشعب التونسي المشروعة في الرقي والتقدُّم ووعيا بضرورة الانخراط الفاعل في عملية بناء الجمهورية وإسهاما في تحقيق أهداف الثورة “، كما احتوى البيان مجموعة من التوصيات العملية تهمُّ المسارات المؤسَّسية والبرامجية (15 توصية متنوعة) إلى وزير التربية للشروع في تطبيقها.

وتوالت الندوات والفاعليات وتكوّنت مئات الجمعيات التربوية، إلا أنها لم تحدِثْ الأثر والنجاعة المطلوبة في الإصلاح والتغيير، وبقدر ما كان الحوار الوطني في الحقل السياسي مكشوفا بشكل بارز للجميع، بتعثّراته وحساباته، فقد ظلَّ الحقل التربوي يتعثَّر وتلعب به وفيه الحسابات والرهانات كثيرا من أجل تطويعه وتوظيفه وتوجيهه. وسنشتغل من خلال ملامسة مقتضبة لأبرز ما ضمَّ “مسلسل” الإصلاح التربوي من مفارقات وعراقيل كامنة أفضت إلى غياب التوافق وغلبة النزعة الإقصائية المنافية لكل توجّه إصلاحي حقيقي في التعليم وفي غيره.

  • الحلقة المفقودة وغياب التوافق التربوي

تقدّم الإصلاحات التربوية المتتالية بعد الثورة أرضية خصبة لتحليل مفهوم التوافق واختباره، فقد استجاب منذ الأسابيع الأولى للثورة وزير التربية الطيب البكوش إلى “هدير الإصلاحات” التي فرضت عليه من خلال تحرّك الشعبي من الفاعلين التربويين والمدنيين والسياسيين إلى تغيير مديري المؤسسات التربوية، اتَّخذ الوزير قرارا في ذلك في حركة شاملة ودون قراءة عواقب هذا الإجراء، وتكشف أداؤه المضطرب في حوار تلفزي “مشهور”[27]حمل فيه أزمة المدرسة التونسية إلى المدرِّسين دون غيرهم، وسعى إلى تعميق الخلافات بين المربِّين والتلاميذ، جعل التوتر يتصاعد في أوساط المربّين ويزداد الوضع تأزّما بلا تغييرات بنيوية لا في الأشخاص ولا في التوجّهات. تتمثَّل أهم بادرة إصلاحية في عهدة عبد اللطيف عبيد في تنظيم وزارة التربية لندوة وطنية – ذكرناها آنفا- حول منهجية إصلاح المنظومة التربوية[28]. وورد في الوثيقة العلمية تأكيد أهمية الفعل الإصلاحي في سياقات انتقالية “شهد المجتمع التونسي ثورة عظيمة جعلت من قيم الحرية والعدالة والكرامة مطلبا شعبيا ما فتئ يتجذَّر ويتأصَّل خاصَّة لدى الشباب الذي كان دوره طلائعيا في هذا الحدث التاريخي”[29]، وعرضت تشخيصا أوّليا للأوضاع التربوية مبينة “كشف سياق الثورة حجم التباعد بين مخرجات المنظومة التربوية وطموحات شعب يعلِّقُ آمالا كبيرة على مدرسة وطنية عمومية تكون أداة للانتقال الديمقراطي، وفضاء يتملَّك فيه الشباب المعارف والمهارات والقيم، ويتدرَّب على المواطنة ضمن أفق اجتماعي أرحب يؤمن تنمية شاملة عادلة”، وحدَّدت الهدف الرئيسي من الندوة ” برسم خارطة طريق تبلور خطوات واثقة في اتِّجاه تحقيق إصلاح عميق ينسجم مع غيره من الإصلاحات التي تقدِّم عليها بلادنا في مختلف القطاعات ويتناغم مع أهداف ثورتنا المجيدة”.

اعتبرت هذه الندوة المميَّزة منطلقا لحوار وطني شامل تشترك “فيه مختلف الأطراف المعنية بالشأن التربوي”، بمعنى أنَّ فكرة التوافق والشراكة حاضرة وتنبذ كل نزوع نحو سلوكات الإقصاء ومشتقاته، ورد في الوثيقة التأطيرية للندوة ” وبهذا الحوار تأمل وزارة التربية إرساء تقاليد المشاركة الفعلية في بناء منظومة تربوية جديدة بعيدا عن الحسابات الضيِّقة والمصالح الفئوية العارضة ضمن وفاق يستوعب التنوُّع والاختلاف”. كانت مبادرة في الاتِّجاه المقبول ولكن لأنَّها من مخرجات حكومة “الترويكا” تمَّ العمل على إفشالها، وأنَّ كل المبادرات بقيت بلا عنوان ودون إسناد واسع سياسي ومدني، أفضى برنامج الندوة إلى تقرير عام، وملامح أولية لخارطة طريق على درب إصلاح منظومتنا التربوية، دون أن يكون لها صدى ولا أثر. وانشغلت وزارة التربية بملفَّات “رفع المظالم” في فترة سالم الأبيض، ولم تفرز مخرجات إصلاحية ما عدا بعض الإجراءات الغامضة في مقاومة الفساد لم تحظَ بالمتابعة اللازمة. أما فتحي جراي فقد عمل في مناخ متوتِّر مع النقابات ومع ذلك سعى إلى استئناف عملية الإصلاح التربوي وفق استحقاقات الثورة وضمن حركية أكبر وأوسع[30]. ثم تولَّى الإشراف على وزارة التربية ناجي جلول ليجعل ملف الإصلاح التربوي أحد أدوات نشاطاته التي اختلط فيها التربوي بالحزبي وامتزج فيها الدعائي بالإعلامي. أرسى الإصلاح التربوي في مضيقٍ مغلق لغياب التوافق الحقيقي والشراكة الفعلية بين الفاعلين في الميادين التربوية والمجاورة، سنشير بكثافة دون تفصيل كبير إلى الخصائص المعيقة للتوافق في المجال التربوي:

 

4-1-1-انعدام ثقافة الاستمرارية والتراكم الإصلاحي

نظرا لعدم توفّر رؤية في الإصلاح الشامل في شتَّى المجالات، انعكس أثره على التربية، حيث يعتبر الإصلاح من مشمولات وزارة التربية والوزير تحديدا، في حين أنَّ الإصلاح التربوي عملية استراتيجية تكلِّف بها لجنة وطنية مستقلَّة ومحايدة، ليست الوزارة إلا طرفا فيها وليست المحدّدة، لذا فإن كل وزير ينطلق من “ورقة بيضاء” وحتى الخطوات المقطوعة والإصلاحات المنجزة يتمّ تجاهلها علنا والاستفادة منها سرا، ويمكن أن تحذف وتترك جانبا، ونقدِّم مثالات عن ذلك ففي  سنة  2013 أنجزت استشارة وطنية تحت مسمَّى “التقرير الوطني نتائج الاستشارة لمدرسي التعليم الابتدائي”[31] بطلب من وزير التربية وبناء على توصيات الندوة التي عقدتها وزارة التربية[32] بهدف وضع منهجية إصلاح للمنظومة التربوية التونسية من أجل تجاوز النقائص والتناقضات التي اتَّسمت بها.

قررت وزارة التربية بدء الاستشارات بتنظيمها أولا على مستوى مدرِّسي التعليم الابتدائي. تُعتبر هذه الاستشارة مهمّة نظرا لحجم المشاركين فيها على المستويين الكمّي والنوعي. أعدَّت الوزارة خطّة[33] لتنفيذ ذلك، وهدفت الاستشارة إلى الكشف عن اتِّجاهات مدرّسي التعليم الابتدائي إزاء المنظومة التربوية التونسيّة، ورصد مقترحاتهم لإصلاحها. واستُخدمت للغرض، تقنية المقابلة المجموعية (أو المقابلة البؤرية) (Focus group) غير الموجّهة لفسح المجال للمدرّسين للتعبير عن آرائهم وعن اتّجاهاتهم ومقترحاتهم بكلّ حرّية وتلقائية؛ دونما تحديد مسبق للموضوعات والاتّجاهات؛ مع المحافظة لا محالة على الإطار العام للمقابلة. وتمحورت بطاقة المقابلة حول ثلاثة محاور أساسية هي: التعليم بتونس (للتعبير عن المنظومة التربوية)، والتعليم الابتدائي، والمدرسة الابتدائية، وشاركت في الاستشارة[34]أغلب المدارس الابتدائية في التراب الوطني.

يقدِّم الجدول التالي بعض البيانات الخاصَّة بالاستشارة:

بيانات رقميَّة حول استشارة مدرّسي التعليم الابتدائي

نسبة المشاركة المئوية للمدرّسين المشاركين في الاستشارة عدد المدرّسين المشاركين في الاستشارة العدد الإجمالي للمدرّسين بالمرحلة الابتدائية النسبة المئوية للمدارس الابتدائية المشاركة عدد المدارس الابتدائيةالمشاركة في الاستشارة عدد المدارس الابتدائية التابعة لوزارة التربية:

العام الراسي 2011- 2012

80,89 47060 58178 88,66 4049 4567

جرت المقابلات في قاعة من قاعات المدرسة برئاسة أحد المدرسين، وبدون حضور مدير المدرسة ومتفقّد الدائرة. وعيّنوا منهم مقرّرا يسجّل آراء زملائه الإيجابية والسلبية، ومقترحاتهم لإصلاح بعض مكوّنات المنظومة التربوية الخاصَّة بمحور التعليم بتونس أو بمحور التعليم الابتدائي أو كذلك بالمدرسة الابتدائية. يحرِّر المقرِّر تقريرا يُرفع إلى المندوبية الجهوية حيث تتولَّى مجموعة جهوية تفريغ تقارير المدارس، وكتابة تقرير جهوي، يُرفع بعد ذلك إلى لجنة فنية مركزية تمَّ تعيينها من قبل السيد وزير التربية لتحليل التقارير الجهوية، وكتابة تقرير وطني. تركّزت اهتمامات المدرِّسين في هذا المحور على عدد كبير من المسائل والموضوعات ذات الصلة يُمكن إيجازها في ستّة موضوعات رئيسية، وهي: الخيارات السياسية المعتمدة من قبل المنظومة التربوية، الخيارات التعليمية، الخيارات الهيكلية والاستراتيجية، التخطيط، والإنفاق والتوجيه والتقييم، ومردودية المنظومة التربوية.

وتضمَّنت الاستشارة ملخّصا للنتائج الخاصَّة بمحور التعليم الابتدائي، حيث تعرَّض المدرِّسون إلى العديد من المسائل تمحورت حول الموضوعات الرئيسية التالية: الأهداف والمناهج (البرامج الدراسية)، المواد التعليمية، الكتب المدرسية والمُعينات البيداغوجية، المقاربات البيداغوجية والطرائق التربوية، نظام التقييم والارتقاء، الانتداب والتكوين، الكفاءة المهنية للمدرِّس، المكانة الاجتماعية والوضع المادّي للمدرّس، تقييم عمل المدرِّس، المرافقة والتأطير البيداغوجي، العلاقة بين المدرِّس والإطار البيداغوجي.كما اشتمل على ملخَّص للنتائج الخاصَّة بمحور المدرسة الابتدائية، حيث تمحورت تدخّلات المدرّسين حول موضوعات: الفضاء المادّي، التسيير الإداري بالمدرسة، الأوضاع الخاصَّة بالمدرسة، الزمن المدرسي وتنشيط الحياة المدرسية، هياكل الحوار والتشاور، الخدمات المسداة، نظام التأديب، علاقة المدرسة بمحيطها، العلاقة التربوية داخل المدرسة، حصص التدارك والدعم. يلخِّص الجدول الموالي البيانات الكمية الخاصَّة بالاستشارة الوطنية:

بيانات كميَّة خاصَّة بتقرير استشارة مدرسي التعليم الابتدائي

عدد صفحات التقرير نسبة المشاركة المئوية عدد المدرّسين المشاركين في الاستشارة عدد المدرّسين بالمرحلة الابتدائية بالجهة %للمدارس المشاركة عدد المدارس الابتدائية المشاركة في الاستشارة عدد المدارس الابتدائية بالجهة
606 80,89 47060 58178 88,66 4049 4567

 

هذا الجهد الاستشاري تمَّ التغافل عنه وإزاحته جانبا، ولم تتمّ الاستفادة منه في الخطوات الإصلاحية الموالية التي تمَّ الشروع فيها بحسٍّ متوتِّر تغيب فيه ثقافة الاستمرارية وينعدم داخله الحرص على التراكم الإصلاحي، سيكون مآله التلاشي، فكل جهد وكل خيار إصلاحي ينبغي أن يتأسَّس على الإصلاحات السابقة أي كانت محدوديتها وأي كان أصحابها.

  • البعد الشخصي في الإصلاح

ارتبطت الإصلاحات التربوية التونسية باسم الوزراء الذين أشرفوا على تجسيمها، فنجد “إصلاحات المسعدي” و”إصلاحات مزالي” و” إصلاحات الشرفي”، ويبدو أنَّ إصلاح 2002 فقط لم ينسب إلى وزير بعينه. ونظرا أن الفترة الزمنية ما بعد 2011 لم تشهد إصلاحات متكاملة ومتواصلة، وإنما محاولات انطلاق ودفع لمسار الإصلاح، تحت زخم الحسّ الثوري والدفاع عن استحقاقات الثورة، ويبرز المثال واضحا مع فتحي جراي وزير التربية في حكومة “التكنوقراط” الذي سعى إلى إطلاق مشروع الإصلاح في حكومة لها مهام ظرفية ومحددة، فهناك طموح ورغبة كبيرة في تسريع النسق، معتبرا أن “الإصلاح الذي نروم القيام به لا يضاهيه سوى إصلاح 1959 في مجال التربية”( جلسة 5ديسمبر2014)، حيث تمَّت الدعوة إلى اجتماع تمهيدي في إطار الإعداد للحوار المجتمعي حول الشأن التربوي[35] بالمرصد الوطني للشباب وبدعوة من “منتدى العلوم الاجتماعية التطبيقية” وبإمضاء من رئيسه عبد الوهاب حفيظ، وفسَّر الوزير هذا الخيار بأنه ينبغي الشروع في إطلاق الإصلاح التربوي وأن يترك مساحة من الحيادية للوزارة حتى لا تكون هي المشرفة على عملية الإصلاح التربوي، واستدعيت إلى الاجتماع عديد الوجوه الجامعية والتربوية والمدنية والاتّحاد العام التونسي للشغل ممثّلا في نور الدين الشمنقي ولسعد اليعقوبي، اللذين حضرا ثم انسحبا دون مبرِّرات مقنعة. وفي مطوية[36]من أجل الإنصاف والجودة، تم توزيعها حددت ماهية الحوار المجتمعي حول التربية الذي تحتضنه وزارة التربية بشراكة مع طرفين منتدى العلوم الاجتماعية التطبيقية ومكتب اليونيسف ، يسعى الحوار المجتمعي إلى “ضمان اوسع مشاركة مجتمعية “، وضبطت هياكل الحوار المجتمعي إلى خمسة هياكل، اللجنة الفنية الموسعة(انتاج ورقات عمل في إطار مسار الحوار المجتمعي ودراسة كل مخرجات الحوار والمصادقة النهائية على محتوياتها)، لجنة التقييم والمتابعة الفنية المضيقة، اللجنة العلمية، لجنة التنظيم المادي واللوجستي ، خلية الإعلام والاتصال. وضبطت مراحل الحوار المجتمعي حول التربية، بشكل دقيق ضمن رزنامة مضبوطة.

إلا أنَّ هذه البادرة على أهمّيتها حوصرت وطمست مع تصاعد الإضرابات وعمل النقابة على عرقلتها بدعوى إقصاء الاتّحاد وعدم تشريكه. في المقابل استمرَّت الاستعدادات بتنظيم دورات تدريبية لإعداد تمشّيات إصلاح منظومة التعليم بالشراكة مع مكتب اليونيسيف بتونس تهمّ سبل التخطيط لعملية إصلاح المنظومة التربوية، وتأمين حلقات تكوينية عديدة أشرف على بعض حصصها الخبير الدولي “بيار رونار” [37] للرفع من قدرات المشاركين في رسم خارطة طريق حول كيفية الانطلاق في الإصلاح التربوي، قصد التحضير الجيِّد لأرضية الانطلاق في إصلاح شامل للمنظومة التربوية.

ورغم الاعتراضات والانتقادات تمسَّك فتحي جراي بإطلاق الحوار المجتمعي بتاريخ 29 جانفي 2015 تحت شعار ” وتستمرّ المسيرة من أجل إصلاح المنظومة التربوية”، ووصفه بأنه” حوار وطني ومستقلّ وشفاف”، وبرزت في تلك الفترة مقاربتان متباينتان، مقاربة أولى ترى أنَّ مسيرة الإصلاح لا ينبغي أن تتعطَّل أكثر وأنها غير مرتبطة بالحكومات المتتالية، ومقاربة ثانية رأت في مبادرة الوزير الإصلاحية نوعا من “السباق مع الزمن” وأنه يطغى عليها الطابع الشخصي، وهو موقف عبَّر عنه الاتحاد بمقاطعته مشروع الحوار المجتمعي، معلنا رفضه “الطريقة الارتجالية” وأن “الإصلاح لا يتمّ في غضون ساعات، وأنَّ وزير التربية له بعض الساعات ليغادر الوزارة ويريد  إطلاق الحوار المجتمعي حول التربية” وترك بصمة له” و” أن ما قام به هروب إلى الأمام وخطأ فادح باعتباره خارجا عن السياق التاريخي”[1].

بعد أقل من ثلاثة أشهر، تمَّ مجدّدا الإعلان عن حوار وطني حول التربية[38] في فترة ناجي جلول، بعنوان “الحوار الوطني حول إصلاح المنظومة التربوية” تحت شعار “لنبدأ” وتكوّنت لجنة مشتركة بين الاتّحاد العام التونسي للشغل ووزارة التربية بالشراكة مع المعهد العربي لحقوق الإنسان، انطلق الحوار في غياب رئيس الحكومة وبحضور رمزي مكثَّف لأعضاء الاتِّحاد. يبدو أنَّ قطار الإصلاحات تمَّ التشويش عليه، لأنه لم تكن هناك إرادة حقيقية في إصلاح المنظومة التربوية على أسس توافقية وتشاركية، بل هيمنت عليها النزعة الشخصية، والتصاق الإصلاح “بشخص الوزير” من جهة، ومن جهة أخرى لم يتمّ التحرُّر من الإرث السابق وعدم الوعي بمتطلّبات الثورة واستحقاقاتها، وعدم استيعاب لتفاصيل ورهانات الحوار الوطني لاستلهام الدروس منه. بقي الإصلاح التربوي يراوح من وزير إلى آخر، وحضور منطق “الافتكاك” والبصمة الفردية في الإصلاحات الجزئية.

4-1-3- الشراكة المنبوذة: الخطاب الناعم والفعل الخشن

يعتقدُ أغلب الفاعلين في التيارات السياسية والمدنية، أنَّ المدرسة تؤدّي دورا في صياغة القيم وفي توجيه الناشئة وتساهم في تنشئتهم الاجتماعية، وأنها تلعب دورا ايديولوجيا في تأطير الأجيال، وأفرغت المدرسة من وظائفها المعرفية والتعليمية والتربوية والعلمية، لتحتلّ محلا مركزيا في التجاذبات العنيفة و”الهادئة” بين الفرقاء السياسيين. هناك سعي مكشوف إلى استثمار الإصلاحات التربوية والخاصَّة بمكوّنات منظومة التعليم وتوظيفها لأهداف خارج متطلّباته الحقيقية، فهي تراهن على قيمة الإصلاح ومهمّته في خدمة الأجندات ولهذا تعطَّلت قاطرة الإصلاح التربوي.

عل عكس ما هو مضمر تلتقي كافة الأطراف في الإعلان عن ” إرساء تقاليد المشاركة الفعلية في بناء منظومة تربوية جديدة بعيدا عن الحسابات الضيِّقة والمصالح الفئوية العارضة، ضمن وفاق يستوعب التنوّع والاختلاف” [39]. في خضم الحركية الإصلاحية للتعليم وللمدرسة نلاحظ العودة مجددا إلى “عقل الدولة” وأنَّ وزارة التربية هي المفوَّضة للإشراف ولإنجاز الإصلاح التربوي، فالدولة عبر الوزارة تتمسَّك بإدارتها لدفَّة الإصلاح أو حتى تعطيله وتحييد من تراه غير مناسب، فهي التي ترعى وهي التي تبرمج. ولذا تميَّزت كل الأنشطة الإصلاحية بالتفتُّت والتشظي مع ضبابية المداخل وغياب الرؤية الإصلاحية، تعمَّقت مع تصاعد نسق الإضرابات وتنامي المطلبية الشديدة وتضخُّم الصراعات السياسية والحزبية والايديولوجية في المشهد التربوي. تبدو المفارقة فاقعة بين إعلان النوايا الحسنة والتمسُّك بمتطلّبات الثورة والدفاع عن المدرسة التونسية وبين الضاغطات السياسية والممارسات الفعلية على أرض الواقع.

يبرز ذلك في تحليل مضمون مطوية وزارة التربية التي وزّعت على أوسع نطاق، “يعدّ إصلاح المنظومة التربوية شأنا وطنيا استراتيجيا لا يحقُّ لأي طرف أن ينفرد به ويستوجب حوارا وطنيا حقيقيا تحتضنه وزارة التربية بشراكة المنظّمات الوطنية ومختلف مكوّنات المجتمع المدني “. وعيّنت الهدف من الحوار الوطني حول إصلاح المنظومة التربوية ” بتحصين المدرسة التونسية من الإجراءات الفوقية والمتسرِّعة والشعبوية وضمان لانخراط الجميع من أجل مدرسة الجميع”، وتلخِّص المطوية “الرسمية” منهجية الوزارة في إدارة الإصلاح بأنها “المقاربة التشاركية نهج الإصلاح التربوي”.

وتقرُّ (الوثيقة المنهجية)[40] للإصلاح التربوي أنَّ المنظومة التربوية تشهد قصورا حادا في أدائها وتعثّرات على أصعدة متعدِّدة منها، ارتباك المناخ التربوي نظرا لتصاعد وتيرة التوترات بين الأطراف الفاعلة والمتداخلة في المنظومة التربوية وضعف ثقافة الحوار، وغياب رؤى استراتيجية واضحة تتعلَّق بمختلف مكوّنات العملية التعليمية، وانعدام مرجعية وطنية للتقييم تستند إلى معايير ومؤشِّرات علمية، وتعثر إرساء اللامركزية في تسيير الشأن التربوي وحدود نجاعة نظام قيادة التعليم المدرسي على المستويين الجهوي والمحلي، وكذلك ارتباك على مستوى إدارة الشأن التربوي وطنيا وجهويا ومحليا، والافتقار إلى معايير جودة وأدلَّة مرجعية لإنجاز مختلف الملفّات وضعف ثقافة التدقيق في مختلف المؤسّسات. ونظرا للأزمة البنيوية التي تشقُّ المنظومة التعليمية في مستوياتها المتنوّعة وفي كافة مجالاتها، يبدو الموقف المكتوب في الوثيقة واضحا في بلورة التوجّهات الاستراتيجية ونظرة استشرافية” تتَّسم بالشمولية وفق مقاربة منظومية تصاعدية شعارها التشاركية والتفاعلية الإيجابية بين مختلف الفاعلين في الحقل التربوي وتتَّجه بالمجتمع التونسي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية”[41] .

وتتكرَّر هذه القناعة في التوافق والعمل المشترك بين جميع الأطراف في وثائق عديدة وكأنَّ الهدف منها تبرير ما هو غير سائد واقعيا، فالتوافق ينشد التجسيد الفعلي لا الحضور الورقي. فقد ضمَّت “الوثيقة المنهجية لإصلاح المنظومة التربوية”[42] أنَّالحوار الوطني يعد لإصلاح المنظومة التربوية باعتباره استراتيجية تضمن مشاركة حقيقية ناجعة تجعل جميع الأطراف شركاء فعليين في نحت كيان الأجيال القادمة”(النقطة 4)،وأنَّ الإصلاح يبحث التشخيص العلمي لأعضاله بعيدا عن “الحسابات السياسية هو الكفيل وحده بتعرف الطريق إلى المعالجة الحقيقية”(النقطة 6)، وأن تعزيز مكاسب المدرسة التونسية وتأهيل أداء مهامها المعرفية والتربوية على الوجه الأكمل لا يمكن أن ينفرد به طرف دون غيره”(نقطة 13). وفي البعد الإجرائي وصيغ تأطير هذا التمشّي الإصلاحي أحدثت لجنة وطنية مشتركة لقيادة إصلاح المنظومة التربوية تتكوَّن من خبراء من مختلف الوزارات ذات العلاقة ومن ممثّلين عن المجتمع المدني يتقدّمهم الاتّحاد العام التونسي للشغل والمعهد العربي لحقوق الإنسان وشخصيات ذات خبرة في مجالات متنوّعة. وتتمثَّل مهمّتها في الإعداد للإصلاح وتسيير مراحله وتيسير إنجازها وتوفير المجال للأطراف المعنية لتقديم تصوراتها ومشاريعها ومقترحاتهم حتى تتمكَّن من جمعها وإفراغها وتحليلها والتأليف بينها لتكون مادَّة المنتدى الوطني لإصلاح المنظومة التربوية.

وتناولت “الوثيقة التأطيرية” المذكورة تحدّيات ورهانات، بأن لجنة ادارة الحوار الوطني حول إصلاح المنظومات التربوية، “ايمانا منها بان التربية شان وطني مشترك، تحرص على الإنصات إلى آراء أكبر طيف ممكن من التونسيين والتونسيات، من أهل المهنة المباشرين ومن تلاميذ وأولياء ومجتمع مدني لتستفيد من تقييمهم لواقع المدرسة ومن تصوراتهم للحلول المستقبلية الممكنة للتعليم في بلادنا والتفاعل معها”[43]. وقسمت الحوار إلى مجموعة من المحاور والورشات، تشمل: تكافؤ الفرص(ورشة1). تطوير المكتسبات(الورشة2). البيئة التربوية والحياة المدرسية (الورشة 3). الحوكمة، القيادة والتسيير(الورشة4). وضبطت مخطّطا تنظيميا لمسار الحوار الجهوي حول إصلاح المنظومة التربوية[44].

من الواضح أنه ما من طرف في تونس اليوم قادر على تحديد طبيعة مشروع إصلاح التعليم ولا أين وصلت العملية برمّتها حتى أن الاتِّحاد العام التونسي للشغل وهو شريك مميَّز في الإصلاح التربوي عبر عن قلقه من أن يولد هذا المشروع ميّتا ما لم تشارك فيه كل الأطراف المعنية[45]، وطالبت عديد الأحزاب السياسية بضرورة إسناد مهمَّة إصلاح التعليم في تونس إلى المجلس الأعلى للتربية[46]. ورغم المواقف النقدية للنهج الانفرادي للفعل الإصلاحي، وصف وزير التربية ناجي جلول محاور برنامج الإصلاح التربوي التي شرعت فيه الوزارة[47]، بالصعبة “وتتطلَّب توافقا كبيرا وعدم تسييس الإصلاح التربوي”، وأكَّد أنَّ الإصلاح التربوي “لا يمكنه أن ينجح بمجهودات وزارة التربية فقط، بل هو مسؤولية وطنية”. وأنَّ “الحوار “لم يستثنِ أي طرف من الأطراف المعنية” “لأن التربية شأن عام”، ولاحظ خلال الندوة الوطنية [48]لدراسة مخرجات الحوار الوطني حول إصلاح المنظومة التربوية التي نظَّمتها الوزارة، “أنَّ الحوار استغرق 8 أشهر، معتمدة على “النهج التشاركي” مع كل من الاتحاد العام التونسي للشغل وشبكة “عهد” للثقافة المدنية، وأصبحت للوزارة “رؤية حول انتظارات المجتمع التونسي من أولياء وتلاميذ ومجتمع مدني من هذا الإصلاح”[49]، مشدِّدا على “ضرورة النأي بمنظومة التعليم عن كل التجاذبات سياسية كانت أو اجتماعية”[50].

وهي تصورات راقية من الناحية الشكلية والتقنية، إلا أنَّها تفتقد إلى مصداقية حقيقية في منحى الشراكات، جعل الحديث عنها مجرَّد شعار فارغ ودون أثر في الواقع، ويناقض الواقع الميداني ما ورد في (النقطة 14) من الوثيقة المذكورة “بفضل مشاركة الجميع وانخراطهم في هذا المجهود، بعيدا عن التجاذبات الضيقة وبروح إيثار وطني عالية تبنى مدرسة تدوم بعدنا التنموي أمام الصعاب، ومرنة غير مكبّلة للمبادرات ولا دافعة التجديدات”.

4-1-4-التوافق التربوي المثقوب والشراكة المغيبة

يواجه الإصلاح التعليمي مشاكل جوهرية وقضايا أساسية ينظر إليها من مناظير متباينة أو على الأقل مختلفة في سلَّم الأولويات، فقد اعتبرت جهات سياسية ومدنية أنَّ التمشِّي الإصلاح في فترة ناجي جلول غيب مسألة الهوية، ” نعتقد أنه لا إصلاح حقيقي دون معالجتها جذريا ولا حلّ فعلي دون تناولها مباشرة بكل مسؤولية وبكل وطنية وبكل شجاعة فهي تلك المتّصلة بموضوع الهوية واللغة الوطنية”[51]. يدلُّ أن أسس الإصلاح ومقوّماته القيمية غير متّفق حولها ولم تكن موضوع توافق بين مختلف الفاعلين، وهو أمر طبيعي، فالإصلاح يجب أن يحدَّد أسس المشروع التربوي المجتمعي بالإجابة عن سؤال من هو تلميذ المدرسة التونسية؟ وما هي مقوّمات الإنسان الجديد الذي نريد من حيث القيم والمواقف والسلوكات؟ وبالتالي ماهي غايات النظام التربوي ومقاصده وأهدافه وأية مكانة للغة الوطنية الأم؟ أي إصلاح تربوي نريد؟ وهل هو إصلاح في الصميم أم مجرَّد ترقيع وترميم؟ وهي أسئلة لا زالت تثير اشكالات بنيوية بين المتدخّلين في الشأن التربوي، وتبحث عن إجابات مجتمعية ومعرفية وقيمية.

بل الأغرب من ذلك أنه بالرغم من أنَّ الاتِّحاد العامّ التونسي للشغل عنصر رئيسي في لجنة قيادة الإصلاح التربوي فقد أصدر بيانا عبَّر فيه عن موقفه من الوثيقة المنهجية المذكورة أهمّ ما تضمّنه أنَّ الإصلاح المقبل، عليه أن يأخذ بعين الاعتبار ما تحقَّق مثل انتشار المدارس العمومية في جميع الأماكن حتى النائية منها، ولكن ذلك لا يمكن أن يحجب عنّا العديد من العوارض الناتجة عن تعاقب الإصلاحات الثلاثة مثل تكوين مواطن الواجبات فقط وتكوين مستهلكين وسلعنة التعليم وتكريس الفردانية ومنح شهادات تكرّس الشكوك في القيمة المدرسيّة للأفراد ومجتمع اللامساواة إلى جانب ضعف مستوى النتائج والتحصيل، وارتفاع نسب الانقطاع والمرْكزة المفرطة للهيكلة الإدارية للوزارات المعنية وغياب التسيير الديمقراطي وتهرئة البنية الأساسية للمؤسّسات التربوية وإشكاليات التكوين وعدم تطابق الزمن المدرسي مع النسق الاجتماعي ونسق الحياة اليومي”.

وأصدرت شبكة “عهد” للثقافة المدنية[52] وهي أيضا من مكوّنات القيادة الثلاثية للإصلاح التربوي وثيقة بعنوان “عهد التربية ومدرسة المواطنة”، بينت فيه أن المدرسة التونسية هي الآن في حاجة إلى إصلاح هيكلي يبنى وفق تَمْشٍّ ديمقراطي تشاركي لا يقوم على إصلاحات فوقية بل على حوار وطني يسهم فيه أهل المهنة والاختصاص ومؤسّسات الدولة والمجتمعات المدني والسياسي،  وتنقذه انطلاقا من الفصل 39 من الدستور  وضرورة الالتزام بالمبادئ المستخلصة من الإرث التربوي المدني التونسي ومن نظام القيم التربوية المتَّفق عليها كونيا، وأبرزها: المبادئ (8 مبادئ)، أمَّا مداخل الصلاح ومجالاته فتمَّ تحديدها (15نقطة ) وتناولت النقطة الرابعة “دعم اللغة العربية في التعليم بتحديثها وتطويعها للمعارف الحديثة وتمكين الناشئة من إتقان لغات أجنبية وتدريبهم على الترجمة”. هذه الأطراف مشاركة في مجمل خطوات الإصلاح التربوي وإرساء آليات تنفيذه، ومع ذلك فكل مؤسَّسة لها أولوياتها وخياراتها التي ترغب في إدراجها في الإصلاح التربوي أو مناهجه أو مبادئه وقيمه.

ونورد بعض الملاحظات النقدية لتمشِّي الحوار الوطني الخاصّ بالإصلاح التعليمي، حيث اقتصر الحوار مع التلاميذ (قرابة المليونين) على فترة وجيزة ما بين 17-23 ماي 2015، لا يمكنها أن تكون استشارة حقيقية ورصدا لحاجياتهم ومطالبهم وتصوّراتهم،  كما أكَّدت أنَّ الوزارة ستعمل على “تشريك أكبر عدد ممكن من المستفيدين والعاملين في القطاع، إضافة إلى الجامعين والخبراء وممثّلي المجتمع المدني، ولتفعيل مشاركة جميع المهتمّين بالشأن التربوي خاصّة في الجهات” اكتفت بإنشاء  موقع على الإنترنت – صفحة “واب” لم تحظَ بالتفاعل المنتظر ويصعب النفاذ إليه وخصّصته لمشاركة من يرغب في المساهمة في الحوار الوطني حول إصلاح المنظومة التربوية.لم يكن خيار التشريك فعليا بل اكتفى بالأرقام الضخمة والسرعة في إنجاز الاستشارة وكأنَّها فرض كفاية لا فرض عين. انطلاقا من الوثيقة التأطيرية لمسار حوار إطار الإشراف البيداغوجي والتي تشمل أعلى رتبة تربوية وتخصّ المتفقّدين العامّين والمستشارين العامّين في الإعلام والتوجيه، خصّص يوم واحد للاستشارة خلال الأسبوع الأخير من شهر ماي 2015، تحت إشراف المندوب الجهوي (وثيقة داخلية)، وتمثَّلت محاور الاهتمام كما وردت في الوثيقة كما يلي، أولا السياسة التربوية والمبادئ العامَّة للإصلاح (ورشة1) – المناهج والبرامج (الورشة 2) – الهيكلة والتسيير والحياة المدرسية (الورشة 3) – التقييم (الورشة 4).

الحوار الوطني حول إصلاح المنظومة التربوية[53] لم يحظَ بالإجماع الوطني المأمول”[54] وتزامن مع موجة من الاحتجاجات والإضرابات لرجال التعليم الابتدائي والثانوي، في هذا المناخ المتوتِّر لم يكن باستطاعة التونسيين متابعة هذا الحوار الوطني ولا إبداء رأيهم فيه. حيث احتجَّت شرائح واسعة من مكوّنات المجتمع المدني على إقصائها من هذا الحوار رغم أنها معنية بمشروع إصلاح التعليم بل كان أغلبها قد وقّع على اتفاقيات شراكة مع وزارة التربية. في المقابل اعترض عديد المختصّين على مدّة الشهرين أو الثلاثة التي حدّدتها الأطراف الراعية للحوار لإتمام المشروع برمّته واعتبرت أن هذه المدّة غير كافية لرصد هنّات ومشاكل قطاع يتخبَّط في أزمة جوهرية منذ أكثر من ثلاثة عقود. وسارعت عديد منظّمات وجمعيات المجتمع المدني إلى تنظيم الورشات والمنتديات واللقاءات حول الإصلاح التربوي لتنتهي بتأسيس المنتدى المدني لإصلاح المنظومة التربوية الذي يضمُّ حوالي 250 جمعية ومنظّمة كردّة فعل على ما اعتبر إقصاء لها من الحوار الرسمي.

وبرزت في المشهد الوطني شبكة تحت مسمَّى “الائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية”[55] والتي تشكَّلت من 250 جمعية حسب تصريح مؤسّسيها، تسعى إلى تحقيق مجموعة من الأهداف[56]. تصدرت نقد المسار الإصلاحي لوزارة التربية التي أفقدته طابعه المجتمعي والوطني والتاريخي، وانحدر في السجالات، مبيّنا أن الإصلاح التربوي يستند إلى فلسفة كاملة تقوم على سؤال محوري أي إنسان نريد أن نكون ولأي غاية؟ وأن تترجم هذا الطرح إلى سياسات ومناهج عمل تفضي إلى إجراءات، فضلا أنه لم ينظر في المسألة القانونية ولم تتمّ مراجعة الإطار القانوني 2002 الذي مازال ساري المفعول. وساهم الائتلاف المدني في تشخيص الأعضال أو السلبيات التي تمسّ المنظومة التربوية[57].اعتنى “الائتلاف المدني” بتركيز لجنة علمية تضمُّ خبراء ومختصّين في التربية وهندسة النظم التربوية لوضع خطَّة عملية للتحرّك الميداني والإعلامي من أجل تحقيق الأهداف التي رسمها. وعلى المستوى الاستراتيجي تمسَّك الائتلاف بجعل الإصلاح التربوي وتقييم المنظومة التربوية بصفة دورية وتطويرها المستمرّ تحت إشراف هيكل وطني مستقلّ يمثِّل كل أصناف الفاعلين التربويين على نحو ديمقراطي تشاركي حقيقي، وهو المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي.الذي دعي بكل حرص إلى وضع أسَّسه لبعثه في أقرب الآجال، معتبرة أنَّ هذا أمر يحظى بإجماع المجموعة الوطنية، إلا أنّه تمَّ تجاهله من قبل وزارة التربية الحالية. وطالب بتصحيح المسار عبر توجيه نداء إلى رئاسة الحكومة ومجلس نواب الشعب (خاصَّة لجنة التربية) ووزارة التربية نفسها لتدارك الخطأ الفادح الذي ارتكبته الوزارة بفرض وصاية مكوَّن من مكوّنات المجتمع المدني ولون من ألوانه على كامل هذا المجتمع الذي يساوي أضعاف هذا المكون، كما وجَّه رسائل إلى كافَّة الفاعلين التربويين من مدرِّسين ومساعدين بيداغوجيين ومتفقّدين وقيمين وإداريين وجامعيين وإلى المنظّمات الوطنية وكل الأحزاب الوطنية للانضمام إلى مبادرته ودعم مطلبه.

كما أصدر “الائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية”، بيانا[58] ورد فيه” في ظلِّ التمشِّي الذي اعتمدته وزارة التربية في الإشراف على “الحوار الوطني لإصلاح المنظومة التربوية بإقصاء أغلب الطيف المدني والثقافي والتربوي والخبرات التربوية المهتمَّة بمصير المدرسة التونسية، لصالح تبجيل شركاء آخرين من دون مبرِّر مقنع”. يعزِّز القناعة – حسب الائتلاف المدني- بوجود اختيارات مسبقة للإصلاح التربوي تكرّس سياسات تربوية مسقطة من الداخل والخارج سبق تجريبها وتأكَّد فشلها، ممَّا يجعل من هذا الحوار في وضعه الحالي “مجرَّد تَمْش “سياسوي” لإضفاء الشرعية المجتمعية والشعبية على تلك الاختيارات الممجوجة”. ويرى في قراءته للوثيقة المنهجية لوزارة التربية أنها تتحدَّث عن الإنسان التونسي ذي الهوية متعدِّدة الأبعاد، معتبرة أنَّ هذا “مخالف لفصول الدستور 1 و2 و 39 ومخالف للتوطئة التي هي جزء من الدستور “، فالدستور من وجهة نظرهم ينطلق من “الهوية العربية الإسلامية أوّلا كأساس للإنسان التونسي دون إغفال المكونات الأخرى”، وأنه تمَّ تعويم المسألة بشكل “يخلّ بالنص الدستوري”.  وتناولت عديد التدخّلات والمحاضرات بأنَّ ما قدمه الثلاثي الراعي للإصلاح التربوي مقاربات ايديولوجية يسارية لمفهوم المواطنة باعتبارها ” معاداة التديّن ومحاربة الدين (محاضرة ندوة عمان)”[59] بينما “غاب مفهوم المواطنة التي تعني الحق في حياة كريمة في وطن يتساوى أبناؤه في الحقوق والواجبات …”. ويعود بالتصريح أنَّ ذلك سببه ” إسناد الإصلاح التربوي إلى الطرف اليساري الاستئصالي في الجمعيات والمنظّمة النقابية وبغطاء خارجي”. ويرى بعبارات لا لبس فيها بأنَّ “مدرسة مواطنة لا يشارك في تصورها وتخطيطها المواطنون، مدرسة المواطنة تقوم بإقصاء المجتمع المدني من الحوار الوطني لإصلاح المنظومة التربوية”[60].

وتشكَّت قوَّة تربوية ومدنية أخرى تحت مسمَّى “التحالف المدني من أجل التعليم”، أصدرت بيانا للصحافة والرأي العام[61]،  ورد في الديباجة “تفاعلا مع الاستشارة الوطنية الدائرة حاليا حول إصلاح التعليم التي تشرف عليها وزارة التربية ” أعلن عدد من ناشطي المجتمع المدني عن تحرّك يحمل اسم “التحالف المدني من أجل التعليم”، و”يملك هذا التحالف رؤية مشتركة تقوم على جملة من المبادئ تؤكِّد على التمشّي السيادي والواقعي والتشاركية والشفافية في عملية الإصلاح القريبة والبعيدة الأمد”. وثمن إطلاق الاستشارة الوطنية  حول إصلاح المنظومة التعليمية، إلا أنّه عبَّر عن عدم موافقتهعلى التمشّي الذي اعتمدته سلطة الإشراف في المسار التشاوري، إذ أنه يتَّسم بتسرُّع غريب يسعى لاختزال الاستشارة في شهرين مع أن كل الخبراء متّفقون على كونها تتطلَّب سنتين على أقل تقدير. كما وصف “التحالف المدني” هذا المسار بالارتجال المريب، الذي يؤكِّده توقيت فرض الاستشارة المتزامن مع الامتحانات وبداية العطلة الصيفية وحلول شهر رمضان وباقتصاصهم لجزء كبير من مكونات المجتمع المدني والخبرات التونسية في الداخل والخارج ممّا يثير لدى المتابعين للشأن التربوي مخاوف من أن تكون هذه الاستشارة تغطية لبرنامج جاهز أو مفروض من أطراف خارجية مقابل مساعدات مشروطة.

في مقابل المواقف النقدية وقبل أن تتمّ المسارات الأولى للحوار الوطني حول التربية، انخرط الوزير في سلسلة من الإعلانات ومجموعة من القرارات والإصلاحات أعلنها في إذاعة خاصَّة، منها  مراجعة الزمن المدرسي والعمل بالحصَّة الصباحية الواحدة، واستهدفت تغيير نظام ومجريات تنظيم الامتحانات الثلاثية، وإعادة النظر في نظام العطل والدروس الخصوصية، ممَّا شوَّش على مسار الإصلاح، دفع شركاء الوزير في عمليات الإصلاح إلى نقده ووصف الإجراءات التي أعلنها تشبه “بالقفز في المجهول”[62] ، والتشكيك في جدوى الحوار الوطني و”إخلالا بالالتزامات الأخلاقية للوزير، وهي مجرد “فتق ورتق” ومجرد حلول جزئية، و”خطأ فادح بتسرعه الإعلان عن حزمة إجراءات دون اعتبار لشركائه في الحوار المجتمعي”[63].  وعبَّر عن نفس الموقف أحمد الملولي كاتب عام نقابة متفقّدي الثانوي واصفا القرارات “بالتسرُّع في الإعلان عن إجراءات لم تتشكَّل بعد في صيغة مخرجات أو تصوّرات صادرة عن الحوار المجتمعي”، واعتبر مواقف وزير التربية وتصرّفاته “مصدرا لدعم حملات التشكيك في شفافية الحوار المجتمعي بتنزيل خيارات مسقطة خارجة عن سياق الاستشارة الوطنية”، ووصفَ أحد النقابيين ذلك بأنَّه نوع من “التوظيف السياسي” الذي أضفاه الوزير على المشروع الإصلاحي للتربية بتقديمه في البلاتوهات التلفزية على أنه مشروع نداء تونس. وهذه الإصلاحات مطلوبة ولكنها تحتاج إلى “تصوّر متكامل ورؤية عميقة واليات عمل بديلة قادرة على ترجمة الخيارات إلى ممارسات وتطبيقات مقبولة وفعلية، فمراجعة الزمن المدرسي يدلُّ على عشوائية توقيت الإجراء”[64] .

وساهمت “شبكة التربية والتكوين والبحث العلمي”(Refors) في نقد المسار الإصلاحي وهي شبكة جمعيات تربوية، عبَّرت عن استيائها من إخلاف وزير التربية لوعده حول تأسيس هيأة وطنيّة للإصلاح التربوي وساندت انسحاب ممثّلي الائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية من الندوة الوطنية التي أعدّتها الوزارة أيّام 16-17-18 نوفمبر احتجاجا منهما على الطريقة غير العلمية التي انتهجتها الوزارة في الإصلاح”[65] ، وقدَّمت جملة من المطالب [66].

حسب الجمعيات المعارضة فإنَّ وزارة التربية وشركاءها يريدون الالتفاف والهروب بمشروع الإصلاح التربوي لتحقيق أهداف إيديولوجية جرّبت في إصلاح 1991 وأنتجت دمارا قيميّا ومعرفيا في المجتمع التونسي. وعبَّرت “الشبكة” عن استيائها ممَّا قد ينجرّ عن “التفرُّد بالإصلاح التربوي” من “تداعيات خطيرة على المجتمع”، وتدعو أعضاءها وفروعها الجهوية إلى “الاستعداد التامّ والتأهُّب الأقصى للردّ على هذا التمشّي بكلِّ الأشكال النضاليّة الممكنة”[67]. مع هذا الخطاب النقدي المتشنِّج، سعت إلى عرض مجموعة مؤاخذاتها حول كتاب “مخرجات الحوار الوطني لإصلاح المنظومة” وقدَّمت الوثيقة مجموعة ملاحظات نقدية، نجملها فيما يلي:

-غياب الانسجام بين مختلف البدائل المقترحة في الاثني عشر عنصرا (مثال بين المقاربة التربوية التي جاءت عامَّة وفضفاضة بدعوى المرونة، من جهة، والتقييم من جهة أخرى).

– نقص الحرفية والخبرة التخصّصية في تناول عديد المسائل الواردة في مخرجات الحوار الوطني، مثل مسألة الحوكمة الرشيدة التي تمَّ التعامل معها بطريقة غير منهجية أي غير معتمدة لمعايير الحوكمة بشكل منظَّم، مثل الشفافية والمساءلة والمشاركة والتوافق والاستقلالية في اتِّخاذ القرار والفعالية والفاعلية وحكم القانون وسيادته والمساواة والشمول.

-تجاهل صياغة ميثاق وطني للتربية والتكوين الذي هو إحدى ضمانات انخراط كامل المجموعة الوطنية في هذا الإصلاح وإنجاحه، فضلا عن تأمينه لقدرٍ عالٍ من التشاركية من قبل مختلف الفعاليات التربوية والمدنية والحزبية، وهو من ضمانات متانة أسس هذا الإصلاح.

– في الإحداث المؤسّسي تمَّ إسقاط مطلب إحداث كلية تربية وتمَّت العودة إلى صيغ تكوين قديمة وهذا أمر غير معمول به في الإصلاحات التربوية الجادَّة والعميقة.

– بخصوص اللغة العربية لم يتمّ تبني خيار التعريب واكتفي بمطلب التعزيز وهو مطلب غامض ولا يرتقي إلى درجة دستورية هذه المسألة.

– في مستوى المقاربات التربوية تمَّ استعمال جمل إنشائية لا تعني شيئا من منظور علوم التربية والعلوم العرفانية، أي كلام عامّ غير دقيق من نوع “اعتماد مبدأ التنوّع في المقاربات التعليميّة اجتنابا للتّنميط، ضمن هندسة تعليميّة رشيدة تحتضنها مقاربة تكاملية مرنة وفاعلة ووجيهة.”

كما نشر “الائتلاف المدني لإصلاح المنظومة التربوية” “الكتاب الأبيض”[68] في جويلية2015، وهو أداة تحمل في طياتها منهجية لمباشرة الإصلاح المنظومة التربوية التونسية” ضد الخبروية والتجربة الميدانية”، وتضمن حزمة من الاجراءات لإعادة بناء المنظومة التربوية” ومساهمة في بلورة “رؤية للإصلاح وتمشّ يخدمان أهداف الثورة في مجال التربية والتعليم، ويستجيبان لدستور البلاد الجديد ولطموحات الشعب التونسي وانتظاراته”[69]، وهو “مساهمة فعلية وحقيقية في المشروع الإصلاحي، ليتفاعل مع المشاريع الوطنية الوطنية المقدمة” [70]، وقد عمل على الاستئناس بالإصلاحات في الدول المتقدمة واستخلص منها ” رؤية بديلة تتسم بتجذرها في هويتها العربية الاسلامية مع انفتاحها على القيم الكونية” [71]. دون أن ننسى أن الكتاب “ردّ” على “ما شاب الانطلاق الرسمي لعملية الإصلاح، من إخلالات عديدة وثغرات طالت الشكل والمضمون”[72]، مشيرا إلى “هنات” اتسمت بها الورقات الثلاث المعتمدة في الحوار الوطني، فضلا عن الإخلالات في الاستراتيجية الميدانية. وشكل الائتلاف خطّة عمل أو “تكتيك” كما ورد في الوثيقة الداخلية “قبول الاتحاد ورفض المعهد العربي لحقوق الإنسان والعمل على استبعاده “لانعدام الصفة” [73] مع “اعتماد اليد الممدودة للوزارة”.

  • دينامية التوافق حول الإصلاح التربوي: الرهانات الثقافية والتربوية

إنَّ المقاربات النقدية لمشروع الإصلاح، والروح التي واكبتها من خلافات ونزاعات ذات شحنة سياسية أكثر منها ذات جوانب تربوية أو بيداغوجية، وهو ما جعل الإصلاح لا يحقِّق أهدافه، لأنها أهداف مشوَّشة وتفتقر إلى الرؤية والرسالة والاستراتيجية وتختزن “مناورات” ولا تبحث عن مصلحة التربية وفائدة المدرسة، وإنما الحسابات الضيِّقة، التي ستستمر، ما لم يتحرَّر الإصلاح من بوتقة السياسي وينحو نحو التوافق الفعلي.

فاللجنة العليا للإصلاح التربوي تتطلب التنوّع السياسي والمدني والمجتمعي والجهوي، وأن يؤسِّس لثقافة التنوُّع والاختلاف، وأن يتمّ التعاطي مع كل “الكتب البيضاء” والمخرجات والنصوص والأدبيات الإصلاحية دون إقصاء. وأن يبنى التوافق التربوي على التوافق المشروع والرؤى وكذلك حول الإجراءات العاجلة والإجراءات الاستراتيجية، وتجاوز التوافق الشكلي إلى توافق صلب يشمل الخيارات الكبرى والإجراءات التنفيذية، وأن يكون الحوار الوطني التربوي لحظة الانطلاق مع إيجاد صيغ المواكبة والمراقبة والإيقاع والتحفيز، ووضع الجميع اليد في العجين، والابتعاد عن مسرحة الإصلاحات والشخصنة.

يعدالإصلاح التربوي استحقاق ديمقراطي وتشاركي-ورغمالإخفاقات التي تحاصر الإصلاحات في المضمون وفي التمشّي وفي آليات إدارة الحوار الوطني، ونظرا لتمسّك التونسيين بقيم المعرفة وإجلال المدرسة واحترام التعليم وتعلّقهم بالتربية وإيمانهم العميق بأدوارها ومهامّها الأساسية في التعليم والتربيةـ فإنَّ أزمة إصلاح التعليم عليها أن تحسم فيخلط السياسي والتربوي، والنظر إلى الإصلاح بنظرة جديدة وتحديثية للمبادئ والمعايير والمداخل، وأن تساهم المدرسة في اقتلاع الاستبداد والفساد من داخل الجسم الاجتماعي وأن تساهم في بناء مجتمع متوازن والتربية على الديمقراطية. وهو ما يحيلنا إلى فكرة “التراضي الثقافي والتربوي” لهابرماس، فالتربية بإصلاحاتها وتوجهاتها لا يمكن أن تدرك خارج فكرة الفضاء العمومي كمدخل مفهومي لفكرة الديمقراطية، وأن تتوفَّر الشروط المجتمعية التي تتيح حوارا عقلانيا نقديا حول إشكالات الشأن العام(التربية نموذجا)، وأن ينجز ذلك وفق الاستعمال العمومي للعقل وأنه ملك للجميع، ويحتلّ المجال العمومي موقعا مركزيا في الفكر السياسي المعاصر باعتباره مجالا للمناقشة وإطارا لمختلف القدرات الفكرية على البرهنة والإقناع والحل الرمزي للصراعات الداخلية والخارجية، وليس بأي حال من الأحوال مجال للعنف والهيمنة ونفي الآخر وعدم الاعتراف به.

فالثقافة السياسية التوافقية لا تنشأ في الفراغ القيمي، بل تنشأ وينمو معها الرأي العام في مجتمعات تنشد العقلنة ويتطوّر في فضاءات اجتماعية تغلّب الاستدلال والبرهنة على الظنون والأفكار المسبقة. هذا طموح قديم كما هو معلوم بدأ مع عصر الأنوار عندما عزم فلاسفته أن يجعلوا كلّ إنسان قادرا على اتّخاذ العقل دليلا ومرشدا وعلى الاستناد إلى قوّة البرهان بدل الاطمئنان إلى السائد. ولقد حاول يورغن هابرماس منذ 1962 أن يعرض آليات السيطرة والاستحواذ على “الفضاء العمومي”[74]،إذ كان يتابع التطوّرات المتلاحقة في المجتمعات الأوروبية، وبيَّن أنَّ طموحات عصر الأنوار ارتطمت بعائق جديد لم يتوقّعه فلاسفة ذاك العصر، كانوا يرون أنَّ العدوّ في المؤسَّسات التقليدية التي تحافظ على وجودها بالسيطرة على العقول وخنق الرأي الحرّ، بينما أصبح العدوّ مؤسَّسات حديثة تعمل على توسيع وجودها ونشر سيطرتها بواسطة ما أسماه “المأسسة الحديثة للفضاء العامّ” والسيطرة على المجتمع المدني بالوسائل التي كان يفترض أن تكون أدوات تحريره، ويترتَّب على ذلك تفتيت اهتمامات الفرد ومعارفه وسيطرة الإشهار والدعاية (البروباغندا) على حساب التوعية والإعلام والتعليم.

استنسخت تونس نموذج “الديمقراطية التمثيلية” التي عممتها الإيديولوجية البرجوازية (الليبرالية)، والتي تقوم على مبدأ الانتخاب والتمثيل النيابي الهرمي الخاضع للدستور. إلا أنَّ هذا النموذج التمثيلي يتَّسم بنوع من المحدودية، ممَّا ساهم في ظهور العديد من النقاشات حول “الديمقراطية البديلة”، لعلَّ أهمَّها “الديمقراطية التشاركية” التي قدّمتها تجارب دول أمريكا اللاتينية. إذا كانت هبَّات التغيير التي حملها ربيع الشعوب نابعة من التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فإنَّ سؤال الديمقراطية سيظلّ عصب هذا الربيع بدون شك، وما يستدعيه من فهم العلاقة القائمة بين الفضاء العمومي والتربية والديمقراطية، ودور التفاعل الثلاثي في سيرورة التغيير الجارية وفي تعزيز ديمقراطية بديلة. إنَّ أفق مشروع هابرماس هو الوصول إلى سبر كنه التوسّع الاجتماعي للعقلانية في العصر الحديث، وتأسيس فضاء الديموقراطية على أسس عقلانية. ونفهم منه أنَّ إرادة تثبيت الديموقراطية في بلد مثل تونس لا يمتلك تقليدا ديمقراطيا حقيقيا، أن تبذل جهود الإصلاح التربوي مثالا في وضع الديموقراطية في مربّع تصوّر عقلاني للحداثة، وهي إرادة إعادة بناء الأخلاق والقيم مجدّدا، وتأسيس الإطار الديموقراطي على معايير متجدِّدة. لهذا فمثلما توقَّف عن ذلك هابرماسفكل تأسيس للديموقراطية لا معنى له خارج التوافق، ولا معنى للديمقراطية بمعزل عن مبدأ الحوار، وأنَّ التشكيل العقلاني للرأي وللإرادة يتمُّ بواسطة نظام من القوانين يضمن لكل واحد مساهمة متعادلة في سيرورة تأسيس القانون، إنَّ الإصلاح في معناه الجوهري يؤلِّف بين الحوار والأخلاق والشكل الحقوقي.

فالثقافة التوافقية تتغذى من السياسي ومن القيمي والتواصلي، فالفعل التواصلي يلزم القبول بإنسانية الآخر (بألف ولام التعريف) بوصفها كذلك، عندئذ فإن بعض أشكال الحظوة وعلاقات الهيمنة يمكن حذفها، يرى هابرماس أن كل نزاع يرجع دائما إلى خلاف لحظي، وأن كل عداء “أ” ضد “ب” قادر على إيجاد حل بفضل الحوار المتحرِّر من كل إكراهات، وأنه بالإمكان دائما إعادة بناء المواقف المتعارضة بشكل أولي، داخل موقف ثالث يأخذ بالاعتبار الموقفين الأولين ويتجاوزهما[75]. يوجد هنا افتراض يمضي أبعد بكثير من التصوّر الليبرالي المحض للديموقراطية. داخل هذا التصور لا يمكن النظر إلى أي انسداد مستمر، وأي تمظهر للعنف سوى بوصفها أشكال إخفاق انتقالية، إلى حدّ ما، لحل متفاوض حوله أو متّفق عليه. ولعل ثقافة الإقصاء التي تنتشر في مجال الإصلاح التربوي وانسداد حالة التوافق نتاج خلافات وصراعات لم تعالج قيميا أو مؤسساتيا، وأن كل القيم والمعايير مفتوحة أمام المناقشة. إنَّ إرادة إقامة مبدأ وحدة داخل مجتمع منقسم عن طريق الحوار المتحرِّر من الإكراه، يمثِّل إعادة بناء الفضاء العمومي السياسي والتربوي والثقافي شرطا لقيام تجربة ديمقراطية قابلة للحياة، لا تقتصر على عناصر الماهية والهوية كأساس الاندماج الجمعي، وانما الدوافع المشتركة والتفاعل الديناميكي والحوار والتفاهم التي تجمع الشعوب في مجتمعات ديمقراطية جديدة تقوم على مبادئ دستورية ومدنية.

وأنَّ الإصلاح العميق لا ينشأ من إطاحة رأس الاستبداد، ولكن كلحظة وعي المجتمع لذاته وبمصالحه العميقة وبتظافر قواه، وانعكاس لتطورات المجتمع المبنية على الحقائق المحلية، وعلى رؤية اجتماعية وسياسية حقيقية، بالاعتماد على توليفة فريدة بين إرادة التحرُّر ورصيد الهوية والمواطنة؛ حيث يظلّ التحدّي قائما لتجاوز التوترات المعقَّدة الأخرى التي تعرفها المجتمعات العربية ولم تكن تونس إلا مثال تجريبيين المحافظة والتنوير. إنَّ تحليل مجريات “تعطُّل” إصلاح التعليم، يعني أنَّ الإصلاح ضرورة تربوية واجتماعية من أجل تدعيم بناء الإنسان/ المتعلِّم المؤمن بقيم الثورة واستحقاقاتها في الحرّية والكرامة والعدالة، وأنَّ المنظومة محايدة إلا أنَّها تعزّز عبر برامجها تكريس هذه القيم وتنشئة الشباب عليها حتى يكون سدّا ومواطنا فاعلا، فالمدرسة مازالت رغم الإكراهات والعلى القيم صعوبات مؤسَّسة أساسية في التنشئة الاجتماعية وفي التربية.

 

بيبليوغرافيا

  • الحداد، طاهر، التعليم الإسلامي وحركة الإصلاح في جامع الزيتونة،
  • جريدة النهضة، الصادرة يوم 11 جويلية 1924.
  • جريدة الصواب، العدد 579، الصادر يوم 26 أفريل 1929.
  • Benveniste, Emile. Problèmes de linguistique générale, Paris, Gallimard, coll. «  bibliothèque des sciences humaines »,1966.
  • Bergson, Henri. Les deux sources de la morale et de la religion, Paris, Edition Broché, PUF, 10éditions, 2008.
  • Boltanski, Luc et Thévenot, Laurent. De la justification .Les économies de la grandeur, Paris, Gallimard, 1991
  • Nachi, Mohamed. Introduction à la sociologie pragmatique, Paris, Editions Armand Colin, 2006.
  • Nachi.Mohamed. Introduction: Dimensions du compromis. Arguments pour la constitution d’une théorie du compromis », Social science information/Information sur les sciences sociales, Paris, 43(2), PP131-143.
  • Nachi, Mohamed et M, De Nanteuil (dir). Eloge du compromis. Pour une nouvelle pratique démocratique, Louvain-La- Neuve, Académie a Bruylant, 2006.
  • Nachi, Mohamed, « Concept commun et concept analogique de compromis : « un air de famille », Sociologies, Théories et recherches,
  • URL :https://journals.openedition.org/sociologies/3097
  • Ricœur, Paul. Soi -même comme un autre, Editions  du Seuil, 1990.
  • Ricœur, Paul, pour une éthique du compromis. Interview de Paul Ricœur (propos recueillis par Jean –Marie Muller et François Vaillant, publiés par la Revue Alternatives non violentes, N°80, octobre 1991.

 

 

 

 

[1]Nachi, Mohamed, « Concept commun et concept analogique de compromis : « un air  de famille »,Sociologies, Théories et recherches,URL : https://journals.openedition.org/sociologies/3097

[2]Bergson, Henri. Les deux sources de la morale et de la religion, Paris, Edition Broché, PUF, 10 éditions, 2008.

[3]Benveniste, Emile. Problèmes de linguistique générale, Paris, Gallimard, coll. «  bibliothèque des sciences humaines »,1966.

[4]-Nachi,Mohamed. Introduction à la sociologie pragmatique, Paris, Editions Armand Colin, 2006.

[5]-Boltanski ,Luc et Thévenot, Laurent. De la justification .Les économies de la grandeur, Paris, Gallimard, 1991.

[6]-Nachi.Mohamed. Introduction: Dimensions du compromis. Arguments pour la constitution d’une théorie du compromis », Social science information/Information sur les sciences sociales, Paris, 43(2), PP131-143.

[7]-Ricœur, Paul, pour une éthique du compromis. Interview de Paul Ricœur (propos recueillis par Jean –Marie Muller et François Vaillant, publiés par la Revue Alternatives non violentes, N°80, octobre 1991.

[8]– Ricœur, Paul. Soi -même comme un autre,  Editions  du Seuil, 1990.

[9] – Nachi, Mohamed et M, De Nanteuil (dir). Eloge du compromis. Pour une nouvelle pratique démocratique, Louvain-La- Neuve, Académie a Bruylant, 2006.

[10]-Ibid.

[11]-الاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والهيئة الوطنية للمحامين والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان.

[12]-خارطة الطريق بتاريخ 17 سبتمبر 2013.

[13]– تتضمن خارطة الطريق:

استكمال أعمال المجلس الوطني التأسيسي:

– إنهاء اختيار أعضاء الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وتركيزها ..
– إنهاء إعداد وإصدار القانون الانتخابي.
– تحديد المواعيد الانتخابية في أجل اسبوعين من إنهاء تركيز هيئة الانتخابات.
– المصادقة على الدستور في أجل أقصاه أربعة أسابيع بالاستعانة بلجنة خبراء تتولى دعم وتسريع أعمال إنهائه في الأجل المشار إليه.

– تكليف وتشكيل الحكومة الجديدة:

– بالتوازي مع عودة المجلس الوطني التأسيسي لأشغاله تنطلق المشاورات لاختيار شخصية وطنية مستقلة.
– تتولى الشخصية المكلفة إجراء مشاوراتها لتشكيل الحكومة وإنهائها في أجل أقصاه اسبوعين.
– تقدم الحكومة الحالية استقالتها وجوبا في أجل أقصاه ثلاثة أسابيع من تاريخ الجلسة الأولى للحوار الوطني.

– يتولى المجلس الوطني التأسيسي المصادقة على تكليف الحكومة الجديدة.

تلتزم الأطراف السياسية بمواصلة الحوار الوطني برعاية المنظمات الأربع كإطار للتفاوض لحل بقية المسائل الخلافية التي تعيق إتمام المرحلة الانتقالية بنجاح وإسناد الحكومة في مهامها.

[14]– فتح الحراك الثوري أبوابا عديدة وأفرز شبكة من قيم جديدة، توارى بعضها وكمن البعض وتجذر البعض الآخر. وحققت مجموعة من المكاسب مثل القضاء على الاستبداد وارتفاع نسبي عن الخلافات الإيديولوجية ونقاش متوتر حول قضايا الهوية.  وتدعمت المصالحة بلقاءات عديدة أبرزها في مقر ساحة باستور “هيئة حماية الثورة” التي جمعت العديد من الحساسيات السياسية والفكرية وتواصلت مع “الهيئة العليا للإصلاح السياسي وتحقيق أهداف الثورة والانتقال الديمقراطي”.

 

[15]– الحداد، طاهر، التعليم الاسلامي وحركة الاصلاح في جامع الزيتونة،جريدة النهضة، الصادرة يوم 11 جويلية 1924.جريدة الصواب، العدد 579، الصادر يوم 26 أفريل 1929.

[16]– قانون رقم 118 لسنة 1958.

[17]– السعيداني، منير، “تدوير النخب في سياق متغير”، مداخلة قدمت في ندوة “الانتخابات والانتقال الديمقراطي: مقاربات مقارنة” التي نظّمها المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بتونس بتاريخ 5-6-7 مارس 2015.

[18]– معطر، عبد اللطيف، الاصلاح الهيكلي للمنظومة التربوية مهمة وطنية كبرى لا تتحمل التأجيل، في جريدة الصباح بتاريخ 15 نوفمبر 2011.

[19]– المرجع نفسه

[20]– المرجع نفسه.

[21]– المرجع نفسه.

[22]– المرجع نفسه.

[23]-من المعضلات التي تم تشخيصها التّضخم الكمي والتّفقير النوعي لمخرجات المدرسة نتاج سياسة تعليمية تقوم على تزيين الواجهة. فمن ناحية نجد ارتفاعا كبيرا في نسبة التلاميذ المرتقين في نهاية كل سنة دراسية وفي نسبة حاملي الشهاداتالعلمية ومن ناحية أخرى تدني المستوى العلمي واللغوي لدى التلميذ التونسي عموما وحتى لدى خريجي الجامعة.  كما تفاقمت ظاهرة التعليم الموازي في شكل دروس خصوصية مما يزيد في تكاليف الدراسة ويضرب حق مجانية التعليم وهي ظاهرة تؤشّر إلى تحوّل المنظومة التربوية إلى منظومة تجارية. وكذلك توجيه محتوى برامج المواد القيمية والاجتماعية بشكل يخدم الخيارات السياسية والثقافية للنظام، مع تراجع قيمة الجودة في إطار التسيير الإداري، بتغليب مبدأ الولاءات قبل الكفاءات عند تعيين المديرين في كل مستويات الاشراف الإداري المحلي والجهوي والوطني.

[24]– الجليدي، مصدق، من أجل إطلاق المبادرة الوطنية للإصلاح التربوي الجديد، بصحيفة الصباح، بتاريخ 19 مارس 2011.

[25]– المرجع نفسه.

[26] بتاريخ 29-31 مارس 2012.

[27]– بتاريخ 03 فيفري2011.

[28] بتاريخ من 29-31 مارس 2012.

[29]– الوثيقة المنهجية لندوة “منهجية اصلاح المنظومة التربوية” بتاريخ 29-31 مارس 2012.

[31]-أشرف عليها الخبير الدولي محمد بن فاطمة ومجموعة من الخبراء ومحمد عادل لحمر(جامعي متقاعد) و عبد الجواد العيدودي (متفقّد عام للتربية: متقاعد) ورضا ساسي (متفقّد عام للتربية) والحبيب الخنيسي (متفقّد أوّل للتربية: متقاعد) في 15 جانفي 2013.

[32]أيام 29 و30 و31 مارس 2012

[33]المنشور عدد 71-1-2012 المؤرّخ في 12 جوان 2012

[34]يوم 18 جوان 2012

[35]بتاريخ 5 سبتمبر 2014.

[36]مطوية أصدرتها وزارة التربية.

[37]بتاريخ 24-27 جوان 2014.

[38]بتاريخ 23 أفريل 2015.

[39]– مطوية أصدرتها وزارة التربية.

[40]– الوثيقة المنهجية لإصلاح المنظومة التربوية، أفريل 2015، ص.12

[41]– المرجع نفسه، ص13.

[42]– جاء في الوثيقة المنهجية لإصلاح المنظومة التربوية الصادرة عن وزارة التربية بمناسبة إطلاق الحوار حول الإصلاح التربوي الحالي ان المشروع يهدف الى:

ـ اعتماد بيداغوجيات التحكم والنجاح على غرار بيداغوجيات الكفايات والمشروع والتفريق والعمل التشاركي وعمل المجموعات
ـ اعتماد نظريات التعلم المناسبة مثل العرفانية والبنائية والبنائية الاجتماعية.
ـ إرساء نظام التقييم التكويني.
ـ مراجعة التوجيه المدرسي والشعب.
ـ مراجعة توقيت المواد والزمن المدرسي.
ـ تطوير منظومة التكوين المستمر.
ـ مراجعة البرامج التعليمية والمناهج التربوية والكتب المدرسية.
ـ تطوير الحياة المدرسية وتعزيز التربية على المواطنة والمدنية وحقوق الإنسان في الوسط المدرسي.
ـ العناية بالبنى التحتية للمدارس وتوفير التجهيزات البيداغوجية اللازمة.
ـ توسيع استعمال التكنولوجيات الحديثة للتواصل والمعلومات.
ـ التفاعل الإيجابي مع المحيط.
ـ إدخال مواصفات الاحتراف على المنظومة التربوية وإرساء منظومة الجودة.

[43]– الوثيقة المنهجية لإصلاح المنظومة التربوية، أفريل 2015، ص1.

[44]– يشمل تقارير القسم والمدرسة والدائرة.

[45]– جاء في كلمة الامين العام للاتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي: “إنّ هذا الإصلاح سيبقى منقوصا إذا وقع الاقتصار في مشروع الحكومة على مقاربة وزارة التربية إذ لا بدّ أن يجسّم الترابط الوثيق بين مختلف مكوّنات المنظومة التربوية من مرحلة ما قبل الدراسة إلى التخرّج والتشغيل. وعليه يتحتّم خلال الحوار القاعدي والوطني مشاركة كلّ الوزارات المعنية بصفة مباشرة أوغير مباشرة كالتعليم العالي والبحث العلمي والتكوين المهني والتشغيل والمالية والصحة والفلاحة والمرأة والشباب والطفولة والثقافة والبلديات والسياحة وغيرها…”.

[46]– مثال على ذلك بيان حزب (التيار الديمقراطي) المتضمن«في اعتقادنا أن الهيكل الذي كان من المفروض أن يشرف على مشروع الإصلاح هو المجلس الأعلى للتربية وهو الذي يفترض أن يكون الضمانة المؤسسية الفاعلة والناجعة علميا وموضوعيا لتوفير شروط نجاح الإصلاح التربوي المرتقب. ذلك أن هذا المجلس، وحسب النصوص القانونية المنظّمة لمهامه، هو المخوّل له تحديد التوجهات السياسة الوطنية في ميدان التربية وكذلك حول الطرق الكفيلة بإنجازها، وضبط مقومات التنسيق بين الخطط الوطنية المتعلقة بتكوين مختلف أصناف الإطارات، والنظر في الطرق الكفيلة بتحقيق تطور التربية والتعليم وفقا لمتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للبلاد وبضمان التفتح المستمر لمؤسسات التعليم على محيطها، بهدف اقرار الإجراءات الإصلاحية المزمع إقرارها في جميع مستويات التربية والتعليم وكذلك الإجراءات المرافقة اللازمة لإنجازها”.

[47]-على هامش إشرافه على يوم دراسي حول «مقاومة الفشل المدرسي والانقطاع المبكر عن الدراسة»

[48]– تشكلت 12 ورشة لحوصلة ماورد في مخرجات الحوار الوطني والاستئناس بها.

[49]– تصريح ناجي جلول، صحيفة الصباح، بتاريخ 16 نوفمبر 2016

[50]– المرجع نفسه

[51] بلقاسم حسن، “الاصلاح التربوي المنتظر في تونس: اصلاح في الصميم أم مجرد ترميم؟” موقع مركز الدراسات الاستراتيجية والديبلوماسية، بتاريخ 30 ماي 2015.

[52]– تضمّ الشبكة الأوروبية -المتوسطية لحقوق الانسان، الرابطة التونسية لحقوق الانسان والاتحاد العام التونسي للشغل، جمعية القضاة والعفو الدولية فرع تونس.

[53] بتاريخ 23 أفريل 2015.

[54]– الحبيب، الميساوي،” مشروع إصلاح التعليم في تونس: في انتظار الكتاب الأبيض المنشود…جلول يشتغل بالموجود”، جريدة الصباح الأسبوعي، 9 جانفي 2016.

[55]تم تأسيس الائتلاف يوم 17 ماي2015، وتحدّدت أهدافه في” إعادة إطلاق مسار الحوار الوطني حول إصلاح المنظومة التربوية على أسس سليمة دستوريا وعلميا ومجتمعيا من اجل إسهام حقيقي وفعال في إعادة بناء سليم للنظام التربوي التونسي الذي هو خطّ دفاع استراتيجي عن استقلال البلاد ونموها وتحقيق تطلعات أبنائها في التكوين العلمي والروحي والقيمي”.

[56]-من أجل إسهام حقيقي وفعال في إعادة بناء سليم للنظام التربوي التونسيدستوريا وعلميا ومجتمعيا.

– خط دفاع استراتيجي عن استقلال البلاد ونموهاوتحقيقتطلعاتأبنائها في التكوين العلمي والروحي والقيمي.

– ضرورة التزام وزارة التربية مبدأ الحياد الإداري والانفتاح على مختلف شركائها من المنظمات والجمعيات المدنية بصفة عامّة والمختصّة منها في الشأن التربوي بصفة خاصَّة.

– ضرورة الاستعانة بالخبراء الوطنيين المتمرّسين في وضع الأسس العلمية لتنظيم استشارة وطنية ديمقراطية تشاركية على قاعدة الوفاء لمبادئ الدستور التونسي واستحقاقات الثورة والانتقال الديمقراطي.

[57]-من بين العناصر التشخيصية:

–  توتر المناخ التربوي والعلاقات التربوية مثل تفشي ظواهر العنف، تراجع مكانة المربين، وتسطيح الدور القيمي للمدرسة، وأن تعمل على بناء الإنسان.

– مخبر تجارب مستوردة في البيداغوجيا وخنق المبادرات المدرسين.

– تذبذب منظومة التقييم (مناظرة الرابعة ابتدائي، مناظرة ختم التعليم الأساسي).

– عدم ملاءمة ملامح الخريج مع متطلبات سوق الشغل، وفشل المنظومة الاقتصادية وغياب منوال تنموي وطني.

[58] بيان بتاريخ 28 ماي .2015

[59]– في إشارة لمداخلة أحمد الملولي ونجيب عبد المولى في عمان خلال ورشة عمل نظمها “مركز القدس للدراسات الاستراتيجية” .

[60]– بوسروال،اسماعيل،”الإصلاح التربوي 2016 وخداع العناوين: مدرسة المواطنة مثالا”، موقع الزراع.

[61]بتاريخ 28ماي2015.

[62]– تصريح المستوريالقمودي كاتب عام نقابة التعليم الابتدائي الصباح، الأربعاء 20 ماي 2015.

[63]– المرجع نفسه.

[64]– المرجع نفسه.

[65]– بيان ” شبكة التربية والتكوين والبحث العلمي” بتاريخ 9 نوفمبر 2015.

[66]– تتمحور حول:

– أن يكون الإصلاح بعيدا عن المصالح الحزبية والإيديولوجية ويكون نابعا من قوى المجتمع المدني.

  • الإسراع بتأسيس هيأة وطنيّة للإصلاح التربوي تشارك فيها الأحزاب الممثلة في مجلس نواب الشعب والجمعيات التي لها ورقات مرجعيّة في الإصلاح التربوي.
  • أن يكون من مهام الهيأة الوطنيّة للإصلاح التربوي التوافق حول مدخل الإصلاح التربوي وتركيبة المجلس الأعلى للتربية الذي سينجز الميثاق الوطني للتربية والتكوين.

[67]– المرجع نفسه.

[68]– تضمَّن الفصل الرابع فلسفة النظام التربوي المنشود، وركز بصفة خاصَّة على التوجه الحداثي الاصيل الذي يجد جذوره في عدّة مرجعيات، من أبرزها الدستور التونسي، وقيم الثورة، والارث الاصلاحي التربوي، ورصيد التجارب التربوية الناجحة والمتميزة عالميا.  وتمَّ التأكيد على الفصل 1 من الدستور الخاص بالسيادة الوطنية والنظام الجمهوري وعلى اللغة الرسمية للدولة التي هي العربية وعلى دينها الرسمي وهو الاسلام، وتناول الفصل 39، الذي يؤكد على التزام الدولة “بتأصيل الناشئة في هويتها العربية الاسلامية وانتمائها الوطني، وعلى ترسيخ اللغة العربية ودعمها وتعميم استخدامها، وعلى الانفتاح على اللغات الأجنبية والحضارات الانسانية”.  أما القيم التي توقف عندها الكتاب، تحتوي قيم الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والديمقراطية التشاركية، وما سمي “بالقيم الأصيلة” مثل توقير العلماء والرحمة بالمتعلمين وقيمو العلم وتثمينه. واهتم بعرض مدخلين للإصلاح التربوي، وهما، مدخل الحوكمة والمدخل الاستراتيجي، يهتم مدخل الحوكمة بقاعدة التنظيم الهيكلي والاداري، ويعتني المدخل الاستراتيجي بمعايير الجودة. وتناول الفصل السادس المكونات الأساسية للمنظومة التربوية التي ينبغي أن يشملها الاصلاح، وتتعلق بمحاور المنظومة التربوية في كليتها والتعليم الأساسي والتعليم الثانوي والمؤسسة المدرسية والإدارة المدرسية والحوكمة. مع اضافة الإحداثات التالية الخاصة بأحداث مجلس أعلى للتربية يكون مستقلا عن وزارة التربية ومعهد وطني لتقييم المنظومة التربوية والتكوين، وأحداث كلية للتربية، مع ضرورة صياغة ميثاق وطني للتربية. وبني الملخص التنفيذي وفق مقاربة “هندسة الاصلاح للمنظومات التربوية”.

[69]– الكتابالأبيض ص، 9.

[70]– المرجع نفسه، ص 9.

[71]– المرجع نفسه ، ص9.

[72]– المرجع نفسه، ص9.

[73]– البيان الثاني بتاريخ 24 ماي 2015.

[74]Habermas, Jürgen. L’espace public. Archéologie de la publicité comme dimension constitutive de la société bourgeoise, Paris, Payot, 1988.

[75]Habermas, Jürgen. Théorie de l’agir communicationnel, Paris, Fayard, 1987.

جديدنا