حاجة الوطن العربي إلى مراكز الفكر الاستراتيجي

لم يعد خفيّاً أنَّ القادة والزعماء في الدول المتقدِّمة لا يصدرون قراراتهم تجاه الأحداث- حتّى وإن كانت صغيرة أحياناً- إلا عن دراسات وخبرات تقدّم لهم من مراكز الفكر المعروفة بـ Think Tank والتي تكاثرت في الغرب خلال العقود الأخيرة. حيث تحتضن أمريكا لوحدها أكثر من ثلث هذه المراكز في العالم تليها الصين. وهي مراكز تضطلع بالمهام الاستراتيجيَّة الكبرى على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والعلاقات الخارجيَّة. فتقدّم عصارات خبراتها لصنّاع القرار في هذه المجالات الكبرى ليتمّ اتّخاذ أفضل البدائل ورسم أنجع السياسات.

أمّا في البلاد العربيَّة، فيغيب هذا الطرح المؤسّساتي للفكر والمفكِّرين ودورهم في المجتمع لأسباب عديدة وثمّة ظاهرة ملفتة للانتباه صاحبت ظهور ثورات الربيع العربي وجذبت أنظار المتتبعين لها والمتعلّقة بردود أفعال الزعماء والساسة العرب تجاه ثورات شعوبهم. فما أن لاحت بشائر الربيع العربي حتى كشفت طلاء الحصافة المزيف. وأظهرت في اللحظات الحاسمة حقيقتهم من خلال الخطابات المسيئة والفردنة في ردود الأفعال.

والمتأمل في الظرفية التاريخيَّة الراهنة، يدرك حاجة بلادنا العربيَّة أكثر من أي وقت مضى لمثل هذه المراكز، خصوصاً في ظلّ الحكومات الجديدة التي جاءت أعقاب الربيع العربي. حيث يتحدّث الجميع لغة الإصلاح الحقيقي. وهنا تبرز الحاجة لمثل هذه المراكز التي تبقى قليلة العدد حالياً في وطننا العربي ليتم تفعيل الموجود منها وفتح أخرى جديدة تساعد على المساهمة في الخروج من منطق الارتجال والمزاجيَّة لأصحاب القرار السياسي وتؤسس لدور جديد للمفكر العربي في العلوم السياسية والاقتصادية وغيرها يستطيع من خلاله أن يساهم في النهوض بالحكامة المحلّيّة. وتعزيز قدرات المؤسّسات العموميَّة وتحديث التدبير العمومي. ما يقود في النهاية إلى إصلاحٍ حقيقي للدولة.

فالوطن العربي لا تنقصه الأفكار ولا مفكّرين من مستويات عالية، بقدر ما هو في أمسّ الحاجة لإقامة وتفعيل مراكز ومختبرات لإنتاج الفكر ضمن نسق مؤسّساتي يسمح بالإفادة منها من منطلق الفعاليَّة وضمن الرؤية الاستراتيجيَّة لكل بلد نسق نتمنّى أن تسري أوصاله في شرايين المجتمع كله فقد بينت الأحداث الأخيرة المرتبطة بالاحتجاجات على فلم مسيء لرسول الإسلام أنَّ الارتجال وردود الأفعال غير المعقلنة ليس سمة للحكام فقط عندنا.

بل صارت شبه ثقافة مشتركة وعامَّة في مجتمعنا وهو ما يشي بصعوبة الطرح الذي ندعو إليه، والذي لا نرى مندوحة عنه. فالتعبير بردود الأفعال سمة ضعف للأفراد كما للشعوب والحكومات. أمّا القوّة الحقيقيَّة فتبنى على قرارات مدروسة ووفق تخطيط ودراسة. وذات عمل مراكز الفكر بالنسبة للدول والحكومات.

جديدنا